|
صبر
المجاهدين
لئن كانت شرعتنا الحنيفة أوصت
عموم المؤمنين ، بامتثال قيمة الصبر ، والتحلي به فيما حزبهم من أمور ؛ كالصبر على
المأمور والمحذور والمقدور ، فإنها اختصت جحافل المجاهدين بأحوال من الصبر المستبين
، فكان أن أوصتهم بالصبر : قبل نشوب المعركة واحتدام الصراع ، وبالصبر في خضم
النزال والقراع، وبالصبر عقب جولة جهادية صار غبارها الى انقشاع .
فهذه أحوال ومقامات من الصبر
ينعقد بنواصيها حكم بالغة نيرة ، وثمرات
طيبة خيرة .
أما الصبر قبل نشوب المعركة
فأثبته قوله تعالى لسيد المجاهدين صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين ، بنص قرآني
مبين . (فاصبر كما
صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم). [
سورة الأحقاف آية35 ]
فالوصية بالصبر في هذه الآية
الكريمة حملت للمجاهدين بين طيّاتها لمسة تربوية بارعة ، مؤداها أنها تضبط مشاعرهم
، وتهذب عواطفهم ، وتمحص مواقفهم ، وتصفي نواياهم وطواياهم وسرائرهم ؛ فصولاتهم
وجولاتهم الجهادية لاتتأتى من باب ردود الأفعال ، إنما من جهة إرضاء الكبير المتعال
، فهي ليست رهينة حظوظ النفس ، إنما من الظلام تقتص ، تلقنهم ومن شايعهم ومشى
ممشاهم أعظم درس ، فدماؤها وأرواحها في سبيل الله ترخص ، إعلاء لراية التوحيد ،
وتخضيدا لشوكة الشرك العنيد .
واذكر للدعاة في فلسطين حقبة
زمنية ، انحازوا فيها إلى تربية النشئ على التوحيد وصبغتهم بصبغة الكتاب والسنة ،
فكان أن تطاولت عليهم الألسنة ، فانبرى فريق يزاود عليهم ، وراح يتمطى أن شهر في
وجه يهود الأسنة ، مروجين أن الدعاة بصنيعهم هذا إنما تثاقلوا عن دروب الجهاد
والاستشهاد ، ونأوا بأنفسهم عن نصرة العباد ، وتخاذلوا عن تحرير البلاد …!!
فما لبثت هذه الأصوات أن خمدت
، حينما أتى على الناس زمان تناحر فيه حملة السلاح ، وأثخنوا فيما بينهم الجراح ،
فتبين حينها أن العقيدة هي التي توحد السواعد وليست البندقية ، وثبت أنه ليست
القضية الهرولة إلى حمل البندقية ، إنما هي النفوس الأبية التقية ، التي ينبغي
صناعتها وإشباعها بالمبادئ النقية ، وإفعامها بالقيم القوية ، لتغدو لدماء شهدائها
وفية ، ويظل شعارها المنية لا الدنية ، فمهما ادلهمت
الخطوب ، ونزلت في ساحتها الكروب ، فنجم مبادئها وقيمها وثوابتها لن يسير إلى أفول
وغروب .. وهذا ما كان للجيل المجاهد في فلسطين .
وأما الصبر في خضم المعركة
فبيـنه قوله تعالى
(يا أيها
الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون)
[ سورة آل عمران آية 200
]
وقوله
(ياأيها
الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ، وأطيعوا الله
ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ) [ سورة الأنفال الآيتان45، 46 ] .
فما حملته هذه الآيات الكريمة
بين ثناياها من دعوة المجاهدين إلى التجلد وتجشم المشاق ، واستعذاب المنايا في سبيل
الملك الخلاق ، وطلبها من مظانها بلا وجل ولا إشفاق ، من شأنه أن يفرج كربتهم ،
وينهي -باذن الله –غربتهم ، في حين يخضد لأهل الزيغ والفساد شوكتهم ، وقد قدمت غزوة
حنين للبشرية في هذا الصدد أسمى عظة ، صاغتها ثلة مجاهدة بصبر لحظة.
من هنا : فعلى المجاهدين في
فلسطين في أتون معركتهم المقدسة التي يذودون فيها عن حياض الأمة ومقدساتها وحرماتها
.. عليهم ألا يقيلوا ولا يستقيلوا عن درب قدموا فيه من الدماء والأشلاء ما يعد
ضريبة لا يستخف بها ولا يستهان على طريق نيل الحرية وتحقيق الاستقلال .
وعليهم أن يتفطنوا دوما أن
كوكبة الشهداء الذين قضوا نحبهم وجادوا من قبل ومن بعد بأرواحهم إنما شيدوا منار
هدى يهتدي به الحيارى ، فلا يليق بالجموع التي أتت بعدهم إلا أن تحذو حذوهم ،
وتواصل زحفهم ، دونما أن تحيد أو تتمارى .. نعوذ بالله من الحور بعد الكور .
وأشد أحوال الصبر ومقاماته لدى
المجاهدين : الصبر عقب المعركة ؛ إثر انقشاع جولة ، والفراغ من صولة، كشف ذلك قوله
تعالى : (ولنبلونكم حتى نعلم
المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم )[
سورة محمد آية 31 ]، فأخر الصبر عن الجهاد لأن المقصود بالمجاهدين هنا : المقيمون
عليه ، وبالصابرين : الثابتون عليه – على الجهاد - ، ولأوائه دونما انخزال أو
انخذال .
ذلك أن غبار المعركة سوف ينجلي
عن دماء تنزف ، وأشلاء تتناثر ، وأرواح تزهق ، من فلذات الأكباد ، وقادة الجهاد ،
وصناع الاستشهاد ، فضلا عما تخلفه وراءها من نساء ثكالى ، وأطفال يتامى ، وأبنية
تتهاوى ، ومقدرات وثروات وخيرات ومزروعات ترى العدو بإتلافها يتغاوى ..!!
فهذا كله يتطلب من المجاهدين
ومن آزرهم ، ومن أهل فلسطين ومن ساندهم ، استنفار جهود كثيفة ، واستفراغ طاقات
حثيثة ، بغية تضميد الجرح ، وبلسمة القرح، لكيلا يتوانى أحد عن الزحف نحو التحرير ،
وانتزاع حق الحرية وتقرير المصير .
ومتطلبات هذه المرحلة تنوء
بالعصبة أولي القوة ، إلا من رحم ربك ، فبث فيه العزيمة والهمة .
لذا تجد القرآن الكريم قد أعلى
من شأن رواد هذه المرحلة ، وأولاهم عناية
فائقة ، وتوجيهات سامقة ، ففي مثل هذه المرحلة وما شاكلها نزل قوله تعالى
" من المؤمنينَ رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه
فمنهم من قضى نحبه
ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا
[ سورة الأحزاب آية 23 ] .
ذلك أن التبديل والتغيير إنما
يزينة المرجفون شياطين الإنس والجن أجمعون حينما يثخن الجسد بالجراح ، وتتناثر
الأشلاء في الساح ، وتسيل بالدم البطاح .. عندها تتكثف جهودهم المذمومة ، وتنشط
مساعيهم المحمومة ، وتتعالى صيحاتهم المسمومة ، لغزو النفوس بسوء الظنون ،
واحرّقلباه !! فلهم في ذلك دروب وفنون .
|