|
أحوال الناس عند الزحاف ...
ألم تر أنه لمن الموافقات
العجيبة ، والمغازي المهيبة ،أن تتبدى أحوال المرجفين ، وتتكشف للناظرين ، في غزوة
مثل غزوة الأحزاب ! التي تنادى فيها أعداء الملة والدين ، فتحزّبوا وتكتبوا
وتجيّشوا لاستئصال شأفة الإسلام والمسلمين ، إذ تأججت في قلوبهم الأحقاد الدفينة ،
فيمّموا وجوههم شطر المدينة ، يبغون بالقتل محمدا وصحبه، ويرومون بالمساءة دينه..ذلك أنه عندما يُتحزب ضد أمة الإسلام ، ويحاصرها عدوها بإحكام ، تتكشف معادن
النفوس ، فمنهم من يلبس للحرب اللبوس، ليقحم بجسده وخيله المنايا وعليها يدوس ،
وآخرون من دونهم يتسربلون سرابيل الخذلان ، ويتقمصون أقمصة النكوص ، يغشاهم الهلع ،
ويخيم عليهم الفزع، لينقلبوا أعينا خئونة خلال الصفوف المؤمنة تجوس .. فيتضح وقتئذ
ويفتضح أمر من اتخذ الديانة كلمات طائرة ، وأماني مرفرفة ، من شعائر مجردة وطقوس ،
فتراه يتحاشى النزال ومنه يتوارى وعن أعين الناس يلوص ، وإذا ما سئل الفتنة لن
يتوانى عن اتيانها وفي بحرها اللجي يغوص …
في ضوء ذلك كشفت سورة الأحزاب
أن الناس عند الزحاف على ثلاثة أصناف :
إما أهل أصالة وإنصاف
( ولما رأى المؤمنين الأحزاب
قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليما )
[ سورة الأحزاب آية 22 ]
أوعمالة وإرجاف
(وإذ قالت طائفةٌ منهم ياأهل يثرب لا
مقام لكم فارجعوا ) [ سورة الأحزاب آية 13] .
أو عزلة وانكفاف
(وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون
في الأعراب يسئلون عن أنبائكم ) [ سورة
الأحزاب آية 20].
وكلا سنتلوا عليكم منه ذكرا ،
ونقص من خبره عظات وعبرا …
.. أما أولئك الذين يخرون صرعى
في معترك المواجهات يوم الزحف والتلاق ، فهم أشرف الخلق على الإطلاق ، ولا أدل على
ذلك من أنهم اصطفوا لمجاورة الملك الخلاق ، لتسرج أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في
الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة في عرش الرحمن ، لتجري عليهم الحياة
والأرزاق ، فهم
(أحياء عند ربهم يرزقون)
[ سورة آل عمران 169 ] .
فقد خرجوا جهادا في سبيل الله
وابتغاء مرضاته ، لم ترهبهم غطرسة العدو عند ملاقاته ، ففي صدورهم إيمان بالله
ورسوله، ويقين بما وعدهم ربهم في محكم آياته ، وإنهم وإن أجلب عليهم عدوهم بخيله
ورجله وآلة البطش والحرب، ونشر الدمار والخراب في كل درب ، معتقدا أن سفك دم
المسلم قربان يتقرب به إلى الرب ، كل ذلك لم يكن ليفت في عضدهم ، حتى وإن وقفت كل
قوى الشر ضدهم ، فهم يواجهون مكر عدوهم المستطير ، يبغون بذا التحرر والتحرير ،
فإذا ما تكالبت عليهم الأمم ، كانوا في ثباتهم كالطود الأشم ، وما جاوز حالهم ما
وصفهم به ربهم الأعز الأكرم (
ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما
زادهم إلا إيماناً وتسليما ) [ سورة الأحزاب
آية 22 ].
فهم أهل أصالة وإنصاف ، أنصفوا
دينهم وأمتهم ومقدساتهم من أنفسهم، أولئكم سلام عليهم في العالمين .
بيد أنه في خضم كل صراع ، يطلع
علينا فئام من الناس ، تتباين مواقفهم عمن سبقهم ، من أهل الجهاد والحماس ، فليس
لهم في ساحات الوغى بلاء ولا مراس ، إنما يجنحون لتحقيق مآرب سرعان ما تتكشف لكل ذي
لب بلا التباس ، فلهم في الجهاد وأهله وأنصاره أغراض وأعراض ، لا تنم إلا عن نفوس
عششت في قلوب أصحابها الفتن والأمراض ، حسبك أنه إذا ما داهم الأمة خطر ، جدوا في
إشاعة أجواء الخور ، واستشرفت أنفسهم للمخادعة والغرر ، يبغون بذا الفتنة والضرر
.فهم أهل عمالة وإرجاف .
وحالهم هذا مفهوم ، ومن قديم
الزمان معلوم ، وقد شخصت غزوة
الأحزاب نموذجا يحكي حال هؤلاء الذين فقدوا الرشد والصواب ، فمما جاء بحقهم في آي
الكتاب ، قول رب الأرباب
(وإذ قالت طائفةٌ منهم ياأهل يثرب لا
مقام لكم فارجعوا ) [ سورة الأحزاب آية 13 ].
ففي قولهم
(يا أهل يثرب)
انسلاخ من الأصالة ، ومغازلة لأهل الزيغ والضلالة، ودليل كونهم أهل خيانة وعمالة ،
وأنهم إذا ما حزبهم أمر استحالوا
حثالة، ذلك أن المصطفى صلى الله عليه وسلم نهى عن تسمية المدينة بيثرب ، مبينا
بلسان عربي مبين ، أن هذا من صنيع المنافقين ، فقال : ( يقولون يثرب وهي المدينة )
[ متفق عليه ].
ذلك أن مسمى يثرب من الثرب وهو
الإفساد ، أو من التثريب وهو : التعيير والاستقصاء في اللوم والتوبيخ، ومنه قول
يوسف عليه السلام لاخوته
(لا تثريب عليكم اليوم)
[ سورة يوسف الآية 92 ].
وهذا المعنى لا يليق بدار
هجرته ، وموطن نصرته ، ومغرز رايته ، ومنبت دعوته صلى الله عليه وسلم ، والمؤمن
الصادق إنما يتشبث بمبادئه ، ويستمسك بثوابته ، ويستعصم بأصالته ، إذا ما حفته
المكاره ، ونزلت بساحته القوارع ، في حين يحيد عنها في مثل هذه الظروف كل منافق
مخادع ، أو مستسلم موادع ، كأولئك المنافقين الذين كان الأولى بهم أن يتنادوا
للجهاد ، ويتواثبوا على الاستشهاد ، ذودا عن العباد والبلاد، فيوصي بعضهم بعضا أن
(تعالوا قاتلوا في سبيل الله
أو ادفعوا) لكنهم تقاعسوا ، فإذا بهم يصدعون
بقولهم
(لا مقام لكم فارجعوا)
واعجباه ! فمن أي مراتع الجبن رتعوا ؟ ومن أي مراضع الهون رضعوا ؟
وفي أي واد سحيق انزلقوا ووقعوا ؟
ولا جرم أن الأمة على مر
عصورها – لا سيما في واقعنا المعاصر – تبتلى بأمثال هؤلاء المرجفين الذين يجدّون في
توظيف ما يطرأ من شتات في الصف ، وهيمنة لعوامل الضعف ، لدى أمة المصحف والسيف ،
لتمرير حلول ، وتهيئة القبول ببنود ، تستساغ بزعمهم نظرا لطبيعة الظرف الموجود ، في
حين أغمضت أبصارهم ، أو عميت بصائرهم ، عن البشائر المنعقدة بنواصي شعلة الجهاد
المتقدة ، فأولئك هم المرجفون فآحذرهم ! ولا تأبه لدعواهم بل ذرهم ، فمواقفهم ساعة
الزحاف أفتك في جسد الأمة من السم الزعاف .
وفي خضم الزحاف يطلع علينا صنف
آخر من أهل الإرجاف ، يزينون لحلول يلبسونها لبوس النصر والظفر ، ويحيطونها بهالة
من الفخر ، على أنها مكاسب أنجزت ، وحقوقا انتزعت ، فلا تذهب النفوس بعدها حسرات
على شعلة الجهاد إن هي أخمدت، إذ يخيلون للعوام أن نفرة الجهاد قد حققت الهدف
المنشود ، وأحرزت الغرض المقصود ، معوّلين على ما قطع لهم من وعود ، ومواثيق أشهد
عليها وعهود ، يرومون مخادعة أهل الجهاد ، وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ، لأن
أهل الجهاد حفتهم عناية رب العباد ، كما نوه القران بذا وأفاد
(والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)
[ سورة العنكبوت الآية 69] قال سفيان
بن عيينة : (إذا رأيت الناس قد اختلفوا، فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور فإن الله
تعالى يقول :
(لنهدينهم سبلنا)
[ القرطبي 13/378].
فحذار حذار! من دعاوى هذا
الصنف الذي يؤسس بنيانه على شفا جرف هار ، لا يلبث أن ينهار..
ومنهم صنف أقحم نفسه في شر
مستطير ، وواقعهم يفجر في النفس الأسى الكبير ، إذ تجدهم بدل أن يكرسوا وقتهم ،
ويستفرغوا جهدهم لتفعيل الصمود ، وتعزيز سبل المقاومة ، ويوصّدوا في وجه عدوهم
أبواب التفاوض والمساومة ، جنحوا إلى تبادل العتاب والملاومة ، مع مؤسسات وهيئات
دولية ، يطرقون أبوابها بصفة يومية، لاستصدار قرار واستخلاص تقرير ، يدين العدو
ويظهر أنه المعتدي الشرير ، وكأن العدو يقيم لتلك القرارات أو المؤسسات وزنا – إلا
ما أشرب من هواه – وكأن إدانتها له تقوم مساره وممشاه ، وكأن هذا التقرير سوف يسمن
أهل فلسطين ويغنيهم من جوع ، ويضمد جرحهم النازف ويكفكف لثكلاهم الدموع ، ويبعث
الأمل لدى البراعم الشموع، ويطفئ لهيب القلب الموجوع ، جراء فراق أهل له وأحبة
عاشوا بين ظهرانيهم في أحضان التلال والربوع ، غيبهم تحت الثرى اعتداء غاشم مصروع
.. وكان الأجدى بهم بدل أن يشكوا الظلم للظلام ، أن ترتفع أكفهم لذي العز الذي لا
يضام ، ويستفيقوا من أحلام اليقظة والمنام ، ليدركوا أن من يستجيرون به سوف يمر على
مآسيهم مرور اللئام ..
وأما أهل الانكفاف فقوم نأوا
بأنفسهم عن الأحداث ، فلم يولوا قضايا أمتهم أي اكتراث ، حتى وإن تحزبت الأمم على
أمتهم وأطبقوا عليها الالتفاف ، أو مورس عليها التعذيب والبطش والتنكيل والإبادة
والاجتثاث ، أو صلى العدو بحرابه أمتهم صليّا ، سيتخذون ذلك كله وراءهم ظهريّا ،
ويعيشون عن الأحداث في عزلة نفسيّة وحسيّة ، ولن تجد من أقلامهم أو جهدهم أو
أموالهم ما اتخذ لنصرة القضية سخريّا ، فلم يواسوا بما أوتوا من أقعدته الأحداث
جثيّا، ولم ينفعوا بها من المجاهدين إنسيّا ، لذا جازاهم القرآن بأن جعلهم نسيا
منسيّا ، فأخمد ذكرهم ،وحط شأنهم ولم يعبأ بمصيرهم، إلحاقا بهم بأشياعهم وأضرابهم
ممن جاء في سورة الأحزاب التنديد بهم
(وإن
يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسئلون عن أنبائكم )[ الآية 20 ]
أو في سورة الأعراف من إغفال لمصيرهم
(وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوماً
الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا معذرةً إلى ربكم ولعلهم يتقون ، فلما
نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما
كانوا يفسقون )
[ الآيتان 164، 165] فبينت الآيات مصير الناهين عن انتهاك الحرمات ،
ومآل من اجترح السيآت ، في حين أهل الانكفاف كان أن لفّتهم أزمنة النسيان
،وتجاوزتهم عناية الرحمن ،ولا يخفى ما في ذلك من امتهان لهم وخذلان .
|