الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

 

 

أحوال الناس عند الزحاف ...

 

 

ألم تر أنه لمن الموافقات العجيبة ، والمغازي المهيبة ،أن تتبدى أحوال المرجفين ، وتتكشف للناظرين ، في غزوة مثل غزوة الأحزاب  ! التي تنادى فيها أعداء الملة والدين ، فتحزّبوا وتكتبوا وتجيّشوا لاستئصال شأفة الإسلام والمسلمين ، إذ تأججت في قلوبهم الأحقاد الدفينة ، فيمّموا وجوههم شطر المدينة ، يبغون بالقتل محمدا وصحبه، ويرومون بالمساءة دينه..ذلك أنه عندما يُتحزب ضد أمة الإسلام ، ويحاصرها عدوها بإحكام ، تتكشف معادن النفوس ، فمنهم من يلبس للحرب اللبوس، ليقحم بجسده وخيله المنايا وعليها يدوس ، وآخرون من دونهم يتسربلون سرابيل الخذلان ، ويتقمصون أقمصة النكوص ، يغشاهم الهلع ، ويخيم عليهم الفزع، لينقلبوا أعينا خئونة خلال الصفوف المؤمنة تجوس .. فيتضح وقتئذ ويفتضح أمر من اتخذ الديانة كلمات طائرة ، وأماني مرفرفة ، من شعائر مجردة وطقوس ، فتراه يتحاشى النزال ومنه يتوارى وعن أعين الناس يلوص ، وإذا ما سئل الفتنة لن يتوانى عن اتيانها وفي بحرها اللجي يغوص …

في ضوء ذلك كشفت سورة الأحزاب أن الناس عند الزحاف على ثلاثة أصناف :

إما أهل  أصالة وإنصاف ( ولما رأى المؤمنين الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليما ) [ سورة الأحزاب آية 22 ]

أوعمالة وإرجاف (وإذ قالت طائفةٌ منهم ياأهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ) [ سورة الأحزاب آية 13] .

أو عزلة وانكفاف (وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسئلون عن أنبائكم ) [ سورة الأحزاب آية 20].

وكلا سنتلوا عليكم منه ذكرا ، ونقص من خبره عظات وعبرا …

.. أما أولئك الذين يخرون صرعى في معترك المواجهات يوم الزحف والتلاق ، فهم أشرف الخلق على الإطلاق ، ولا أدل على ذلك من أنهم اصطفوا لمجاورة الملك الخلاق ، لتسرج أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة في عرش الرحمن ، لتجري عليهم الحياة والأرزاق ، فهم  (أحياء عند ربهم يرزقون) [ سورة آل عمران 169 ] .

فقد خرجوا جهادا في سبيل الله وابتغاء مرضاته ، لم ترهبهم غطرسة العدو عند ملاقاته ، ففي صدورهم إيمان بالله ورسوله، ويقين بما وعدهم ربهم في محكم آياته ، وإنهم وإن أجلب عليهم عدوهم بخيله ورجله وآلة البطش والحرب، ونشر الدمار والخراب في كل درب ، معتقدا أن سفك دم المسلم قربان يتقرب به إلى الرب ، كل ذلك لم يكن ليفت في عضدهم ، حتى وإن وقفت كل قوى الشر ضدهم ، فهم يواجهون مكر عدوهم المستطير ، يبغون بذا التحرر والتحرير ، فإذا ما تكالبت عليهم الأمم ، كانوا في ثباتهم كالطود الأشم ، وما جاوز  حالهم ما وصفهم به ربهم الأعز الأكرم  ( ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليما ) [ سورة الأحزاب آية 22 ].

فهم أهل أصالة وإنصاف ، أنصفوا دينهم وأمتهم ومقدساتهم من أنفسهم، أولئكم سلام عليهم في العالمين .

بيد أنه في خضم كل صراع ، يطلع علينا فئام من الناس ، تتباين مواقفهم عمن سبقهم ، من أهل الجهاد والحماس ، فليس لهم في ساحات الوغى بلاء ولا مراس ، إنما يجنحون لتحقيق مآرب سرعان ما تتكشف لكل ذي لب بلا التباس ، فلهم في الجهاد وأهله وأنصاره أغراض وأعراض ، لا تنم إلا عن نفوس عششت في قلوب أصحابها الفتن والأمراض ، حسبك أنه إذا ما داهم الأمة خطر ، جدوا في إشاعة أجواء الخور ، واستشرفت أنفسهم للمخادعة والغرر ، يبغون بذا الفتنة والضرر .فهم أهل عمالة وإرجاف .

 وحالهم هذا مفهوم ، ومن قديم الزمان معلوم ، وقد شخصت غزوة
الأحزاب نموذجا يحكي حال هؤلاء الذين فقدوا الرشد والصواب ، فمما جاء بحقهم في آي الكتاب ، قول رب الأرباب
(وإذ قالت طائفةٌ منهم ياأهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ) [ سورة الأحزاب آية 13 ].

ففي قولهم (يا أهل يثرب)  انسلاخ من الأصالة ، ومغازلة لأهل الزيغ والضلالة، ودليل  كونهم أهل خيانة وعمالة ، وأنهم إذا ما حزبهم أمر استحالوا
حثالة، ذلك أن المصطفى صلى الله عليه وسلم نهى عن تسمية المدينة بيثرب ، مبينا بلسان عربي مبين ، أن هذا من صنيع المنافقين ، فقال : ( يقولون يثرب وهي المدينة ) [ متفق عليه ].

ذلك أن مسمى يثرب من الثرب وهو الإفساد ، أو من التثريب وهو : التعيير والاستقصاء في اللوم والتوبيخ، ومنه قول يوسف عليه السلام لاخوته (لا تثريب عليكم اليوم) [ سورة يوسف الآية 92 ].

وهذا المعنى لا يليق بدار هجرته ، وموطن نصرته ، ومغرز رايته ، ومنبت دعوته صلى الله عليه وسلم ، والمؤمن الصادق إنما يتشبث بمبادئه ، ويستمسك بثوابته ، ويستعصم بأصالته ، إذا ما حفته المكاره ، ونزلت بساحته القوارع ، في حين يحيد عنها في مثل هذه الظروف كل منافق مخادع ، أو مستسلم موادع ، كأولئك المنافقين الذين كان الأولى بهم أن يتنادوا للجهاد ، ويتواثبوا على الاستشهاد ، ذودا عن العباد والبلاد، فيوصي بعضهم بعضا أن (تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا) لكنهم تقاعسوا ، فإذا بهم يصدعون بقولهم (لا مقام لكم فارجعوا)  واعجباه ! فمن أي مراتع الجبن رتعوا ؟ ومن أي مراضع الهون رضعوا ؟ وفي أي واد سحيق انزلقوا ووقعوا ؟

ولا جرم أن الأمة على مر عصورها – لا سيما في واقعنا المعاصر – تبتلى بأمثال هؤلاء المرجفين الذين يجدّون في توظيف ما يطرأ من شتات في الصف ، وهيمنة لعوامل الضعف ، لدى أمة المصحف والسيف ، لتمرير حلول ، وتهيئة القبول ببنود ، تستساغ بزعمهم نظرا لطبيعة الظرف الموجود ، في حين أغمضت أبصارهم ، أو عميت بصائرهم ، عن البشائر المنعقدة بنواصي شعلة الجهاد المتقدة ، فأولئك هم المرجفون فآحذرهم ! ولا تأبه لدعواهم بل ذرهم ، فمواقفهم ساعة الزحاف أفتك في جسد الأمة من السم الزعاف .

وفي خضم الزحاف يطلع علينا صنف آخر من أهل الإرجاف ، يزينون لحلول يلبسونها لبوس النصر والظفر ، ويحيطونها بهالة من الفخر ، على أنها مكاسب أنجزت ، وحقوقا انتزعت ، فلا تذهب النفوس بعدها حسرات على شعلة الجهاد إن هي أخمدت، إذ يخيلون للعوام أن نفرة الجهاد قد حققت الهدف المنشود ، وأحرزت الغرض المقصود ، معوّلين على  ما قطع لهم من وعود ، ومواثيق أشهد عليها  وعهود ، يرومون مخادعة أهل الجهاد ، وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ، لأن أهل الجهاد حفتهم عناية رب العباد ، كما نوه القران بذا وأفاد (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) [ سورة العنكبوت الآية 69]  قال سفيان بن عيينة : (إذا رأيت الناس قد اختلفوا، فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور فإن الله تعالى يقول : (لنهدينهم سبلنا)  [ القرطبي 13/378].

فحذار حذار! من دعاوى هذا الصنف الذي يؤسس بنيانه على شفا جرف هار ، لا يلبث أن ينهار..

  ومنهم صنف أقحم نفسه في شر مستطير ، وواقعهم يفجر في النفس الأسى الكبير ، إذ تجدهم بدل أن يكرسوا وقتهم ، ويستفرغوا جهدهم لتفعيل الصمود ، وتعزيز سبل المقاومة ، ويوصّدوا في وجه عدوهم أبواب التفاوض والمساومة ، جنحوا إلى تبادل العتاب والملاومة ، مع مؤسسات وهيئات دولية ، يطرقون أبوابها بصفة يومية، لاستصدار قرار واستخلاص تقرير ، يدين العدو ويظهر أنه المعتدي الشرير ، وكأن العدو يقيم لتلك القرارات أو المؤسسات وزنا – إلا ما أشرب من هواه – وكأن إدانتها له تقوم مساره وممشاه ، وكأن هذا التقرير سوف يسمن أهل فلسطين ويغنيهم من جوع ، ويضمد جرحهم النازف ويكفكف لثكلاهم الدموع ، ويبعث الأمل لدى البراعم الشموع، ويطفئ لهيب القلب الموجوع ، جراء فراق أهل له وأحبة عاشوا بين ظهرانيهم في أحضان التلال والربوع ، غيبهم تحت الثرى اعتداء غاشم مصروع .. وكان الأجدى بهم بدل أن يشكوا الظلم للظلام ، أن ترتفع أكفهم لذي العز الذي لا يضام ، ويستفيقوا من أحلام اليقظة والمنام ، ليدركوا أن من يستجيرون به سوف يمر على مآسيهم مرور اللئام ..

وأما أهل الانكفاف فقوم نأوا بأنفسهم عن الأحداث ، فلم يولوا قضايا أمتهم أي اكتراث ، حتى وإن تحزبت الأمم على أمتهم وأطبقوا عليها الالتفاف ، أو مورس عليها التعذيب والبطش والتنكيل  والإبادة والاجتثاث ، أو صلى العدو بحرابه أمتهم صليّا ، سيتخذون ذلك كله وراءهم ظهريّا ، ويعيشون عن الأحداث في عزلة نفسيّة وحسيّة ، ولن تجد من أقلامهم أو جهدهم أو أموالهم ما اتخذ لنصرة القضية سخريّا ، فلم يواسوا بما أوتوا من  أقعدته الأحداث جثيّا، ولم ينفعوا بها من المجاهدين إنسيّا ، لذا جازاهم القرآن بأن جعلهم نسيا منسيّا ، فأخمد ذكرهم ،وحط شأنهم ولم يعبأ بمصيرهم، إلحاقا بهم بأشياعهم وأضرابهم ممن جاء في سورة الأحزاب التنديد بهم (وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسئلون عن أنبائكم )[ الآية 20 ] أو في سورة الأعراف من إغفال لمصيرهم (وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا معذرةً إلى ربكم ولعلهم يتقون ، فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون ) [ الآيتان 164، 165] فبينت الآيات مصير الناهين عن انتهاك الحرمات ، ومآل من اجترح  السيآت ، في حين أهل الانكفاف كان أن لفّتهم أزمنة النسيان ،وتجاوزتهم عناية الرحمن ،ولا يخفى ما في ذلك من امتهان لهم وخذلان .