|
رجومـًا للشياطين

أما وقد علم أن المعركة إنما
تدور رحاها بين جنود مؤمنة الله اصطفاها، وبصفقة من لدنه حباها، وبين فلول كافرة
وجموع محتشدة الشر آواها ، ومردة الإنس والجن تحمل لواها ، فثم حقيقة ينبغي أن نلم
بخيوطها من مبتداها إلى منتهاها، مفادها : ثم عداوتان تتقطعان في مخاصمتهما لأهل
الإيمان ، ولا أدل على ذلك أن هاتين العداوتين ممتدتان إلى آخر الزمان ؛
أولاها : عداوة إبليس من الجن
وثانيها : عداوة يهود من الإنس
أما امتداد عداوة إبليس فقد
كشفها المولى في كتابه
(قال أنظرني الى يومِ يبعثون ، قال
إنك من المنظرين)
[ سورة الأعراف 14، 15 ] كما بين المصطفى صلى الله عليه وسلم امتداد عداوة يهود
بقوله ( لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود ) [ رواه مسلم ]، ولا أدل على
امتداد عداوتهما من قوله صلى الله عليه وسلم : ( الجهاد ماض منذ بعثني الله تعالى
إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال) [ مسند الإمام أحمد ]، ومعلوم أن الدجال الذي سيخرج
آخر الزمان ويقاتله المسلمون سيتحالف معه يهود ؛ وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه
وسلم : ( يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفا )
[ رواه مسلم ]، وبذا تتوكد امتداد عداوة يهود ضد المسلمين إلى آخر الزمان .
في ضوء ذلك ما كان من عدو الله
إبليس إلا أن كشف النقاب عن مشروعه الذي سيقدمه للبشرية
(قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين)
[ سورة ص82 ]،
(قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك
المستقيم ، ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن شمائلهم ولا تجدُ أكثرهم
شاكرين) [ سورة الأعراف 16 ]، وكذا يهود كشف
الباري عز وجل مخططاتهم ومشاريعهم التي سيمـارسونها علـى البشرية إلى آخر
الزمان فقال : (كلما اوقدوا
نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا)
[ سورة المائدة 64 ] .
ولا عجب من تشابه مشاريعهما
القائمة على إفساد البشرية، فقد تشابهت من قبل مقاماتهما ؛ فهذا إبليس قد بين رب
العزة مقامه بقوله
(وأذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم
فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم
لكم عدو بئس للظالمين بدلا) [ سورة الكهف50
]، وبذا يكون إبليس هو زعيم شياطين الجن؛ إذ الشياطين ذريته و سلالته .
أما يهود فثم آية في كتاب الله
تعالى قد أزاحت الستار وأماطت اللثام عن مقامهم؛ إنها قوله تعالى – حكاية عن حال
المنافقين - :
(وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا أمنا
وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون) [
سورة البقرة14 ]، قال حبر الأمة وترجمان القران عبـد الله بن عبـاس – رضي الله
عنهما – في تفسير قوله تعالى
(وإذا خلوا الى شياطينهم )
أي:( من يهود الذين يأمرونهم بالتكذيب وخلاف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم )
[ تفسير ابن كثير1/183 ]، وبذا يكون يهود هم زعماء شياطين الإنس كما أن إبليس زعيم
شياطين الجن .
ولا غرابة في ذلك ؛ فبين إبليس
زعيم شياطين الجن ويهود زعماء شياطين الإنس تشابه في الصفات وتماثل في النفسيات
وضحته آيات الكتاب البينات ؛
فمن صفات إبليس الحسد
(قال أرءيتك هذا الذي كرمت عليَ لئن
أخرتنِ إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا)[
سورة الإسراء 62 ].
وكذا يهود دب فيهم داء الحسد
(أم يحسدون الناس على ما أتاهم
الله من فضله)
قال مجاهد : ( هم اليهود ) [ تفسير الطبري 5/138 ]، وقال قتادة : (حسدوا هذا الحي
من العرب على ما آتاهم الله من فضله؛ بعث الله منهم نبيا فحسدوهم على
ذلك ) [ تفسير الطبري 5/139 ] .
ومن صفات إبليس الكبر
(وإذ قلنا للملائكتةِ اسجدوا لآدم
فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين)
[سورة البقرة34 ]، وقوله تعالى
(قال يا أبليس ما منعك أن تسجد لما
خلقتُ بيدي أستكبرت أم كنت من العالين) [
سور ص 75 ] .
وكذا يهود استشرى فيهم داء
الكبر (أفكلما جائكم رسول بما
لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون)[
سورة البقرة 87 ] .
ومن صفات إبليس نقض الأيمان
والعهود والمواثيق
(يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطن إلا
غرورا) [ سورة النساء 120]،
(وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ،
فدلاهما بغرور) [ سورة الأعراف21، 22 ] .
وتلك خصلة مركوزة في طباع يهود
(أوكلما عاهدوا عهداً نبذه
فريقاً منهم) [ سورة البقرة 100 ]،
(الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في
كل مرةٍ وهم لا يتقون ) [ سورة الأنفال56 ] .
ومن صفات إبليس العنصرية ، بدت
من قوله لرب العزة مبررا استنكافه عن السجود لآدم– عليه السلام- (قال
أنا خير منه خلقتني من نارٍ وخلقته من طين)
[ سورة الأعراف 12 ]، فكان إبليس أول من دعا إلى العنصرية- القائمة على تفاضل اللون
والجنس- وتحاكم إليها،وكان يهود أول من تابعه في ذلك وروج لها وتحاكم إليها ؛ لما
خرجوا على العالم بأسره بمقولة شعب الله المختار وأن الأمميين – غير اليهود – ما هم
إلا كلاب وخنازير خلقوا لخدمة يهود ولكن حتى لا يتقزز يهود وتشمئز نفوسهم وتنقبض
صدورهم وهؤلاء يقومون على خدمتهم جعلوا كلابا وخنازير في جثمان انس، ولما تشابهت
بين إبليس ويهود الصفات والنفسية فكان أن لفتهم السنن الإلهية ونزلت بساحتهم
النواميس الربانية، إذ يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم منوها بسنة إلهية( من تواضع
لله رفعه) [أخرجه مسلم] ، فبمفهوم المخالفة أن من تكبر على الله أو على خلق الله
فسوف يضعه الله ، بالتالي حق على إبليس أن يوضع- أي يصبح وضيعا مهينا – وحق على
يهود أن يوضعوا لتكبرهم وبغيهم... فكان أن تشابه مآلهما وتماثل مصيرهما ، وجوزوا
بنقيض مقصودهما ؛ فهذا إبليس قد طرد من رحمة الله تعالى
(قال فاخرج منها فانك رجيم)
[ سورة الحجر34 ]، وكذا يهود باءوا بغضب من الله وطرد من رحمته
(وباءوا بغضبٍ من الله )[
سورة البقرة61 ] .
وكتب الله تعالى اللعنة على
إبليس (وإن عليك اللعنة إلى
يوم الدين ) [ سورة الحجر 35 ]، وكذا يهود
(لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على
لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون)
[ سورة المائدة 78 ] .
وضربت على إبليس الذلة والصغار
(فاخرج إنك من الصاغرين)
[ سورة الأعراف13 ]، وكذا يهود
(وضربت عليهم الذلة والمسكنة)
[ سورة البقرة 61 ] .
كما ردهم العزيز الجبار إلى
مصير واحد شاخص للأبصار، يلاحقهم ما تعاقب الليل والنهار، انه الرجم الذي يمطرون به
على حد سواء، إن في فلسطين حيث ترجم شياطين الإنس على أيدي صبية صغار ،أو في بطحاء
منى حيث ترجم شياطين الجن على أيدي حجاج بيت الله الأبرار، فضلا عما يلاحقهم من رجم
دائم للردع ، إذا ما حاولوا استراق السمع
(ولقد زينا السماءَ الدنيا بمصابيح وجلعلناها رجوماً
للشياطين ) [ سورة لملك 5 ] .
وهكذا لما تشابه يهود مع إبليس
في امتداد عداوتها للمؤمنين ، وفي تشابه مخططاتهما، وتماثل مشاريعهما ، وتساوي
مقاماتهما ، وتناغم نفسيتهما ، ووحدة مآلهما ومصيرهما.. فكان أن تشابهت وصية الله
تعالى فيهما ؛ إذ كانت وصية الله تعالى للمؤمنين بحق إبليس
(أن الشيطنَ لكم عدوٌ فاتخذوه عدوا)
[ سورة فاطر6 ]، وكانت وصيته لهم بشأن يهود
(لتجدن أشد الناس عداوة للذين أمنوا اليهود )
[ سورة المائدة 82 ] .
وترتب على ذلك النهي والتقريع
عن موالاة إبليس وجنده
(أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم
لكم عدو بئس للظالمين بدلاً) [ سورة الكهف 50
] .
والنهي الأكيد والوعيد الشديد
على موالاة يهود (يا أيها
الذين أمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم
فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) [
سورة المائدة 51 ] .
وإذا كان ذلك كذلك فان أي دعوة
لمصافاة يهود ومسالمتهم وموادعتهم إنما هي دعوة لمصافحة الشياطين ، وانخراط في سلك
ترويج مخططات القوم الظالمين ، وتحالف مع أبالسة ملاعين، وموالاة لأعداء الملة
والدين ...
|