الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

 

تبصرة الأنام بمقام أمة الإسلام


 

لا يخفى على ذوي  اللب والأفهام،  أين ينبغي أن يكون موقع أمة الإسلام ، ومقامها بين الأنام ، تلكم الأمة التي شرفنا بالانتساب إليها حين اجتبانا الله تعالى  لحمل رسالتها ابتداء من بين سائر الأمم ،فأنزلنا  منزلا وبوأنا مقاما  أفصح عنه قول ربنا الأعز الأكرم (كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) [ آل عمران110] .

  فقد قلد جل شأنه أمة محمد r وسام شرف عندما بين أنها خير أمة أخرجت للناس ، ومن تمام نعمته عليها أن جعل باب الخيرية مفتوحا يلجه كل من استفتح بمفتاحه، مؤديا شروط ولوجه التي بينها المولى في كتابه (تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله).

فالحكام ورعاياهم إن استقام إيمانهم بالله مولاهم ، وعلى طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سارت خطاهم ، غدو امتدادا لذلك الجيل ، وورثة ذاك الرعيل من أصحاب محمد r الذين رفع المولى في العالمين ذكرهم ،  وخلد في الضمائر ذكراهم.

 ومن تأمل قوله تعالى (أخرجت)أيقن أن مخرجها هو الله تعالى،  وقد حذف لفظ الجلالة للعلم به ؛ إذ ما من أحد يماري أن إرادة الله وحدها هي التي جعلت من  عبّاد الحجر زعماء للبشر،  ومن عبيد الصنم رواد للأمم ،  ومن القبائل المتخاصمة المتناحرة أمة واحدة متماسكة ذات حضارة سادت العالم حتى غدت في سمائه قمرا منيرا، ورفرفت راياتها بعد ذلك في ربوعه  قرونا كثيرة ، فأنيط بها  مسئوليات عظيمة، واضطلعت بأمانات جسيمة ، ومهام قويمة ،كان جماعها في  قوله تعالى  (أخرجت للناس).

فأمة الإسلام لم تخرج لتعكف على ذاتها ،  وتنطوي على نفسها، وتعيش لأنانيتها،  إنما هي ُخرجت للناس)  لتقودهم وتسوسهم وتهديهم لما فيه رشدهم وصلاح أمر دينهم ودنياهم، وإذا كان ذلك كذلك فينبغي أن تتبوأ هذه الأمة مقعد القيادة للبشرية،  فتمسك بزمام الريادة وتكون لها السيادة ( وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمة الإسلامية لتعرف حقيقتها وقيمتها ، وتعرف أنها أخرجت لتكون في الطليعة ، ولتكون لها القيادة بما أنها هي خير أمة ، والله يريد أن تكون القيادة للخير لا للشر في هذه الأرض ، ومن ثم لا ينبغي أن تتلقى من غيرها من أمم الجاهلية ،  إنما ينبغي دائما أن تعطي هذه الأمم ما لديها ، وأن يكون لديها دائما ما تعطيه من الاعتقاد الصحيح والتصور الصحيح والنظام الصحيح والخلق الصحيح والمعرفة الصحيحة والعلم الصحيح ) [ الظلال 1/130 ] تعطيهم ذلك بلسان حالها ومقالها على السواء .

فهذه المنزلة التي أنزلها الله إياها قد أحدثت لها في العالمين ذكرا (وإنه لذكرى لك ولقومك) [ الزخرف 44]، ولهذا الذكر تبعات (وسوف تُسألون)  ستسأل الأمة التي أخرجت للناس عما قدمته لهم من رشد في سياساتها، وعدالة في أنظمتها، ونزاهة في قضائها،وصفاء في ولائها ، وصدق في قيلها ، ومصداقية في  شعاراتها ، ورصانة في  قيمها، وتجرد في عواطفها ، وسداد مواقفها إن في حالة سلمها أو حربها  ، وجدية دفاعها عن حياضها ومقدساتها وحقنها لدماء أبناء ملتها ، وحسن صنيعها فيما ملكته أيديها من ثروات وخيرات ، وما استخلفت عليه من رعايا، واستؤمنت عليه من قضايا.. وغيره مما يعكس أصالة شرعتها ونصوع مبادئها وأحقيتها بأن تسود وتقود ، ليرى العالم ذلك منها رأي العين ، ويلتفت إلى ما أورد هذه الأمة موارد الأمان والأمن،  فتكون لهم آية وعنوان هداية ،ولكيلا تكون في الوقت نفسه فتنة للناس ومحط غواية، إن هي حادت عن منهاج ربها ، وغفلت عن قيادتها وريادتها ، وعطلت تبليغ رسالتها، فحرمت بذا جموع البشرية مما حوته هذه الرسالة من خير ،وانعقد في نواصيها من بر، وقد وعظنا كتاب الله تعالى أن نكون فتنة للغير بتميع قيمنا وتأرجح مشاعرنا واضطراب أمورنا ، وفساد أحوالنا، فيظهر بذا عدونا علينا وتكون الغلبة له فيظن حينها أنه على حق وأننا على باطل ، فيزداد فتنة على فتنة ، وفي هذا جاء قوله تعالى
(ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا) [ الممتحنة 4 ] .

ولتعلم أمة القيادة أنها ستقدم بين يدي الله تعالى على البشرية شهادة ؛ هل قبلت البشرية منها ما جاءت به من هدى؟ أم أنها نكبت عنه وأبت إلا أن تنزلق في مهاوي الضلالات والردى ؟ هذا ما قرره المولى جل شأنه في كتابه (هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس) [ الحج 78 ]، وأكده المصطفى r بقوله لجموع أمته : ( أنتم شهداء الله في الأرض،أنتم شهداء الله ، في الأرض أنتم شهداء الله في الأرض ) [ متفق عليه ] .

وإذا كانت أمة القيادة أمة ذات شهادة ، فإن الشهادة تقتضي العدالة لئلا تكون شهادة زور على البشرية ، وقد شهد الباري جل شأنه لجموع من أمة محمد r بالعدالة لما تصدروا لحمل الأمانة والنهوض بمسئوليتها الضخمة فقال(وكذالك جعلناكم أمةً وسطا)  [ البقرة  143 ]  أي  )ثقات عدولا أخيارا ) [ فتح القدير للشوكاني 1/15] مبينا العلة (لتكونوا شهداء على الناس ) فأمة الإسلام هي ( الأمة الوسط التي تشهد على الناس جميعا ، فتقيم بينهم العدل والقسط ، وتضع لهم الموازين والقيم ، وتبدي فيهم رأيها فيكون هو الرأي المعتمد ، وتزن قيمهم وتصوراتهم وتقاليدهم وشعاراتهم ، فتفصل في أمرها وتقول : هذا حق منها وهذا باطل ، لا التي تتلقى من الناس تصوراتها وقيمها وموازينها وهي شهيدة على الناس ، وفي مقام الحكم العدل بينهم ) [ الظلال 1/130] .

  وعدالة أمة الإسلام ماضية ما أحيا فيها حكامها وولاة أمورها علوم شرعتها التي هي أمارة عدالتها ،ومنبع تزكيتها ،  ومكمن نهضتها، ومبعث عزتها ، وطريق صون وحدتها وجمع كلمتها ، ومجلبة رفعتها وسؤددها  ، وضامن لديمومة مجدها ، وفي هذا يقول المصطفى r: ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه مغالاة الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين) [ مشكاة المصابيح 1/82 ] فما دام فئام من الناس يحملون  هذا العلم الشرعي، ليشيعوه  في الورى على بصيرة ووعي ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، وما دام ولاة الأمور يسوسون رعاياهم به دونما شطط ولا بغي، محدثين بذا للمؤمنين مدّكراً ، وللباغين مزدجراً، فسيطيب لهم الحال والمستقر، وسيظل يقتفى لهم في العالمين أثر ، في حين من  ناوأهم واجترأ عليهم وهم على حالهم هذه ، ففلوله حتما ستندحر ، وكيانه يقينا – بعون الله تعالى – سيندثر .. تلكم بشائر في كتاب ربنا ونذر .