الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

 

خيار المجاهدين

 

بينما البشرية في بحر من الشقوة لجيّ تتلاطمها الأمواج، مشتتة جموعها تتشد النجاة والخلاص في كل السبل والفجاج، فليس أمامها سوى خيار خلاص واحد في خضم هذا الليل الدّاج … تماماً كخيار سفينة أهل التوحيد، التي كانت الملاذ الآمن الوحيد، عندما حقّت كلمة العذاب على المشركين الصناديد.. تلكم السفينة التي ابتدئت صناعتها زمن نوح –عليه السلام- حينما طرأ الشرك على العبيد، وطغى على أنصار التوحيد، فباتت سفينة نوح هي خيار النجاة المطروح، كذا قضى ربنا الفعّال لما يريد (فأوحينا اليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا) [سورة المؤمنون27]وكان خياراً غريباً على من سلبوا عمق الفكرة وبعد النظر، لدرجة أنه أثار هزأهم وسخريتهم من نبي هو بين أهل زمانه خير البشر(ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه) [سورة هود 38]فلسان حالهم يقول: يا نوح إن السفينة لا تجري على اليبس.. لكن ذلك لم يكن ليفتّ في عضده؛ لأن خياره هذا الذي انحاز إليه كان بعناية من الله تعالى ووحي من عنده، فبما أنّ خيار النجاة الذي تشبث به نوح ينبثق من وحي الله، وتكلؤه عناية الله، فعليه أن لا يعبأ و لا يلقي بالاً لكيد وسخرية وهزء من عاداه، ممن بدا لهم لقصر نظرهم، وفرط جهلهم، وانتكاس فطرهم، أن خيار نوح –عليه السلام- لايتمشى مع تحديات الواقع، وعليه: فلن يرفع عن نوح ومن آزره شيئاً من الاضطهاد الواقع..

وشرع نوح –عليه السلام- يدعو الناس للانحياز للخيار الرباني الذي آمن به وانخرط في سلكه فرفع شعار (يابنيَ اركب معنا ولا تكن مع الكافرين ) [سورة هود 42]وظلّ هذا الشعار يُصدع به بين أظهر المسلمين وأعقابهم على مر السنين، في كل مرة ينحازون فيها لخيار رب العالمين ، بغية الانفكاك من الظلم والانعتاق من قبضة الظالمين.. لكن من أخذته العزة بالإثم ، ولم يميز بين الغُنْم والغُرْم ، ما كان حجته إلا أن قال (قال سآوي الى جبل يعصمني من الماء) [سورة هود43] كفرانا بخيار نوح –عليه السلام- بعدما عميت بصائرهم لما اجترحوه من آثام، وتجريداً للأحداث عما يقف وراءها من قوة عزيز مقتدر لا يضام.. ونسي القوم أو تناسوا أن الله عز وجل هو الذي يقلب الدهر ، ويصرّف الزمان، ويدبر العقبى والمآل، وأنه سبحانه ما بين غمضة عين وانتباهتها يغير من حال إلى حال..

فما لبثت أن دارت عجلة الزمان، فعمّ الأرض طوفان (وفجرنا الأرض عيونا)[سورة القمر12] ليرى الجميع رأي العين أن خيار نوح عليه السلام- هو خيار النجاة الوحيد الأكيد، وما ذاك إلا لأنه خيار جرت به المقادير (فالتقى الماء على أمر قد قُدر ) [سورة القمر12].

وأهل فلسطين تراهم اليوم وقد انحازوا إلى خيار رباني أذن به رب العباد، ألا وهو خيار الجهاد والاستشهاد (إنفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ) [سورة التوبة41]، (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان والذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك نصيرا) [سورة النساء75]، أقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ) [سورة البقرة191]، في حين شرع المرجفون يشككون بهذا الخيار ويمكرون ضدّه وضدّ أنصاره إن في ليل أو نهار، بذريعتهم المزعومة وحجتهم الموهومة أن لا مكان لخيار مثل هذا في ظل واقع مشحون بالتحالفات الدولية، والقوى الإقليمية، والتصنيفات الإرهابية ،غير موقنين انه خيار جرت به المقادير، فقد قال البشيـر النذير ( الجهاد ماض منذ بعثني الله تعالى إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل)[خرجه أبو داود في سننه والهيثمي في المجمع ] ،وقال عليه الصلاة والسلام(لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون)[أخرجه الشيخان].

ومن هنا ! فإن عجلة الزمان ستدور، ليغدو واضحا للعيان أن هذا الخيار به سيسطع النور ، ويزاح عن الأمة الديجور.. فكما أن خيار السفينة كان حكم الله تعالى في زمن نوح عليه السلام – لتغيير الواقع، فإن خيار الجهاد والاستشهاد هو حكم الله تعالى لأهل فلسطين بخاصة ولجموع المسلمين بعامة ، حكم ماله من دافع… وكما أن خيار السفينة كان محروساً من المولى تبارك وتعالى – (تجري بأعيننا جزاءً لمن كان كفورا) [سورة القمر14] فكذا خيار الجهاد والاستشهاد الذي هو حكم الله تعالى سيظل ومن آوى إليه محل العناية والكلاءة من الله عز وجل(واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا )[سورة الطور48 ]  ولا يخفى ما في الصبر من معنى الثبات على هذا الخيار، إلى أن تحين كلمة الواحد القهار ، التي فصّلها قوله تعالى (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ، إنهم لهم المنصورون ، وأن جندنا لهم الغالبون) [سورةالصافات171-173] مؤذنة بنصر مؤزر للمؤمنين، وبمنقلب شؤم للمغتصبين، ومن شايعهم وناصرهم ووالاهم من الظالمين..

وبعد: فكل من حاد عن هذا الخيار وناوأه محارباً بذا النواميس والأقدار، فعاقبته حتماً إلى بوار، وكيانه يقينا إلى انهيار، كقوم نوح لما حادوا عما رسمه الله لهم من خيار، فكان أن لاحقهم الطوفان، ولفتهم أزمنة النسيان، فألبسوا لبوس الخيبة والخذلان، وباءوا بالفشل والخسران…ولم يحظوا بوقفة ندبة ورثاء، من ذي العزة والكبرياء، فلم يَعْدُ الخطاب الإعلامي الرباني في التعقيب على عاقبتهم كلمات معدودات، (وقيل بعداً للقوم الظالمين) [سورة هود44] ذلك أنها هانت على ربها لما حادت عن الخيار الذي ارتضاه لها، فلم يستحقوا من المولى وقفة يطول وقتها.. وتأمل كلمة (وقيل) فلم يقل سبحانه (قلنا)بضمير العظمة الموحي أن الله تعالى هو المعقب على ما ألـمَّ بالقوم من عاقبة شؤم، إنما هو لفظ (وقيل) المشعر أن التعقيب قد يكون جرى على السنة ملائكة مقربين، أو ثلة من عباد الله المؤمنين، أو في غضون حديث يتفكه به لدى الأولين والآخرين، إذا ما جنحوا للحديث عن مصارع القوم الغابرين..

فالله الله يا أهل فلسطين.. الزموا خيار ربكم – خياراً فيه الثبات و الرباط – واستمسكوا به رغم الجروح ، فهو مكمن هداية، وتشبثوا به كما تشبث به من قبل نبي الله نوح، فصار للناس آية، (فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين) [سورة العنكبوت15] وهكذا سيظل الخيار الرباني أنموذجا يحتذى، وموقفا يتأسى به ويقتدى.. على امتداد الزمان وطول المدى.. ومن حاد عنه غشيته الشقوة وطواه الردى..