الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

 

صفقة المجاهدين في فلسطين


 

الصراع بين الحق والباطل قديم قدم هذا الدين ، فمن لدن آدم عليه السلام مرورا بنبي الله نوح عليه السلام ، وامتدادا إلى نبينا محمد r وصولا إلى واقعنا المعاصر ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها والصراع محتدم بين أهل التوحيد وأنصار الشرك العنيد .

ومن نظر إلى هذا الصراع بعين البصر والبصيرة على السواء استشف أن المعركة في حقيقتها بين أهل الشرك والكفر والإلحاد وبين الله رب العباد ؛ تأمل في ذلك قول الحق تبارك وتعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء)  [ سورة الممتحنة 1]، فقدم عداوتهم لله على عداوتهم للمؤمنين لأن عداوتهم لله أصل وعداوتهم للمؤمنين تبع ؛ فقد أُقحم المؤمنون في دائرة العداء هذه بسبب إيمانهم بالله تعالى ، وحسبك جملة من الآيات القرآنية تؤكد هذه الحقيقة ، فقد قال جل شأنه في شأن أصحاب الأخدود (قتل أصحاب الأخدود ،النار ذات الوقود ، إذ هم عليها قعود  ، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود ، وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد) [ سورة البروج4-8 ] وها هو فرعون يتوعد موسى بقوله (قال لإن اتخذت الهً غيري لأجعلنك من المسجونين) [ سورة الشعراء29 ] وقوم شعيب يقولون له (لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا )  [ سورة الأعراف 88 ] وقوم لوط يلوحون لنبيهم (لأن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين)(لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين)  [ سورة الشعراء 167 ] وقوم نوح يهددون (لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين ) [ سورة الشعراء 116] ، وصناديد قريش تخرج محمدا r وصحبه للعلة ذاتها (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير ، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله )[ سورة الحج  39 ] فكلمة ربنا الله بدل أن تكون موجبا للإكرام،  أضحت عند الكفرة اللئام موجبا للنفي والتشريد والتنكيل والإبعاد على مر الليالي والأيام. وعموما فمقايضة وقف أعمال البطش والتنكيل والإبعاد بعودة الموحدين إلى ملة الكفر مسلك سلكه كل الطغاة (وقال الذين كفروا لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا)[ سورةإبراهيم13]، وهكذا تنوعت أساليب البطش والتنكيل من نقمة وسجن ورجم ونفي وإبعاد والسبب واحد (أن يقولوا ربنا الله ) الأمر الذي يعطي دلالة واضحة على عقدية المعركة وأن العداوة بينهم وبين الله تعالى ابتداءً ، وإلا فلو شاركهم المؤمنون كفرهم بالله لانقطع دابر العداوة (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) [ سورة البقرة 217 ] . فإذا كان ذلك كذلك وأن العداوة بينهم وبين الله تعالى ابتداء وإنما زُج بالمؤمنين في أتون هذه المعركة بسبب إيمانهم بالله ، واتباعهم شرعه وهداه ،فهذا يقدح في الذهن سؤالا مفاده : أن الله تعالى لا يعجزه شيء في السماء ولا في الأرض فلماذا لا يبادر بالانتصار لنفسه من القوم الكافرين فيعجل باستئصال شأفتهم وكسر شوكتهم ؟ ليطلع علينا الجواب من قوله تعالى (ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض)[ سورة محمد 4 ] فمن اللطائف القرآنية أن هذا الجواب جاء في سورة  محمد التي اشتهرت بسورة القتال  ليفيد : أن رحمة الله تعالى بعباده المؤمنين ، وإكرامه لهم على مر السنين ، أنه لم يعجل باستئصال شأفة القوم الكافرين ، وذلك (ليبلوا بعضكم ببعض) أي ليفتح لعباده المؤمنين سوقا تجاريا يتاجرون فيه مع الله عز وجل عبر مجالدتهم لعدوه وعدوهم ، ومقارعتهم إياهم في ميادين الفدى وساحات الوغى ، لتسمو بذا عند الله تعالى مقاماتهم وتعلو درجاتهم ...  والا فالمولى جل شأنه ليس بمعزل عن الصراع ، بل هو بالقوم المعتدين  بصير ، وعما قريب ليوردنهم سوء المنقلب والمصير ، قال تعالى (وجعلنا بعضكم لبعض أتصبرون وكان ربك بصيراً) [ سورة الفرقان 20 ] فبعد أن بين أن هذا الابتلاء من باب تمحيص صبر المؤمنين عقّب بقوله (وكان ربك بصيراً)إيحاء بأنه يرقب الصراع ويضرب على عباده المؤمنين المجاهدين في خضمه عنايته وكلاءته وحمايته ، ولما كان جل شأنه بالصراع بصيراً فان له فيه تدبير تجري به المقادير ، وتأمل في هذا قوله جل شأنـه (ويمكرون ويمكر الله واللهُ خيرُ الماكرين )[ سورة الأنفال30 ]، وقوله (وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم) [ سورة إبراهيم 46]،  وقوله (ومكروا مكراً ومكرنا مكراً وهم لا يشعرون)[ سورة النمل50 ] وقـوله : (إنهم يكيدون كيدا ،  وأكيد كيداً) [ سورة الطارق 16، 15] .

 

 فهي التجارة إذاً يتاجر فيها المسلمون مع الله تعالى ، وقد بين الكبير المتعال حقيقة هذه التجارة وما تتطلبه من رأس مال فقال :(يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم ) [  سورة الصف10 ] ابتدأ الحديث عن التجارة بتوجيه الخطاب إلى المؤمنين ، فهم المرشحون لهذه التجارة دون غيرهم ذلك أن ميزة هذه التجارة أنها تنجي الأمة من عذاب أليم ، فهل يتحفظ على هذه التجارة من كان عنده مسكة من عقل في وقت مس الأمة فيه العذاب الأليم ، في حين يتخاذل عنها غير المؤمنين ، أو من خلت قلوبهم من اليقين... ورأس مال هذه التجـارة إيمـان بـالله ورسـوله (تؤمنون بالله ورسوله) [ سورة الصف11] ، أما كنهها (وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ) [ سورة الصف11] ، وطالما لفت النبي صلى الله عليه وسلم النظر إلى هذه التجارة ورأس مالها المطلوب فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ قال :( إيمان بالله وجهاد في سبيله ) [متفق عليه ] وقال عليه الصلاة والسلام : ( عليكم بالجهاد في سبيل الله فإنه باب من أبواب الجنة يذهب الله به الهم والغم ) [ مجمع الزوائد 5/497 ] إشارة إلى تخليصه للأمة من كل عذاب أليم يمسها.

 

فإذا ما انخرط المؤمنون في سلك الجندية بجيش رب البرية فليهنأوا إذاً ولتشرئب أعناقهم لمعركةٍ الله بصير بها ، وهو بمعيته وتسديده يديرها (إذ يوحي ربك للملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا)[ سورة الأنفال12 ] ، وما دور المسلمين فيها إلا أنهم يغدون ستارا لقدرة الله عز وجل توقع في الأعداء وتنال منهم دونما ملل أو كلل ، ولا وهن أو وجل، وقد أكد المولى لهم ذلك بقوله : (وما رميت إذ رميت ولكن الله رما)
[ سورة الأنفال 17]، فلئن كان رمي المجاهدين رمي إيجاد للفعل فرمي المولى عز وجل رمي تسديد في نحور العدو ، وقال تعالى
(قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ) [ سورة التوبة 14]، فالذي يذيقهم العذاب هو رب الأرباب ، يجريه على أيدي المؤمنين المجاهدين تكرمة لهم بتعاطيهم الأسباب ، ألا فاعتبروا يا أولي الألباب ... فإذا كان ذلك كذلك فاعلم أن  أعظم عقوبة عاقب بها الشارع الحكيم الذين في قلوبهم مرض والمرجفين :حرمانهم من الانخراط في صفوف المجاهدين كأولئك الذين حرمهم الله بسبب تخاذلهم وتثاقلهم وإرجافهم إن رجعك الله الى طائفة منهم فاستئذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين) [ سورة التوبة 83 ]، فلم يوح عز وجل لنبيه بأن يجعلهم في مقدمة الجيش وطليعة المعركة ليكونوا وقودا لمعركة التوحيــد فذا شرف رفيع لم ولن يبلغوه ، إنما كان جزاؤهم 

 

 

(فاقعدوا مع الخالفين) وأثبتت زلتهم في الكتاب المبين، ليفتضح أمرهم الى يوم الدين

وفي ذلك عبرة للمعتبرين، وفي هذا الصدد هنيئا لأهل فلسطين إذ اجتباهم رب العالمين ،وخصهم بإبرام صفقة معه  لمقارعة يهود الأذلين ، ذَوداً عن مقدسات الإسلام وحمى المسلمين .