|
بيعة
المجاهدين في فلسطين

أما وقد علم آنفا أن المعركة
إنما تدور رحاها بين جنود مؤمنة الله اصطفاها، وبعنايته قد رعاها، وبصفقة تجارية
خصها وحباها ، وبين جموع محتشدة الكفر آواها ، ومردة الإنس والجن تحمل لواها .. بات
لزاما علينا أن نقف على حيثيات هذه الصفقة وشرائطها ، وحال من ارتضاها ، ومآل من
أمضاها إلى منتهاها ، عندها سنجد كتاب الله تعالى قد سطرها لنا تسطيرا وحبرها
تحبيرا فقال عز من قائل :
(إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم
وأموالهم بأن لهم الجنة ) [ سورة التوبة 111
]،فالمشتري هو الله تعالى وقد أشرف على هذه الصفقة بنفسه ، لم يكلها لأحد من خلقه
وكفى بذلك فخرا مبينا ، وقوله
(من المؤمنين) دل على
حصرها فيهم وقصرها عليهم وحرمان من سواهم ، والمشترَى هو النفس والمال ،
والثمن:الجنة وأعظم بها من سلعة غالية ( ألا إن سلعة الله غالية
ألا إن سلعة الله الجنة ) [ السلسلة الصحيحة للألباني 2335 ]، لذا قال قتادة رضي
الله عنه ( ثامنهم فأغلى ثمنهم إذ جعل ثمنهم الجنة ) [ تفسير ابن كثير 4/218 ]،
وهذا من فضله وكرمه وإحسانه فانه قبل العوض عما يملكه بما تفضل به على عباده وفي
ذلك قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: ( اشترى أنفسا خلقها وأموالا رزقها ) [
الرازي 8/204 ] وقال : ( اسمعوا والله بيعة رابحة وكفة راجحة ) [ الرازي 8/204 ]،
ويلحظ هنا أن الحق تبارك وتعالى قد قدّم النفس على المال على خلاف ماجرت عليه آيات
الجهاد من تقديم المال على النفس كما في قوله تعالى :
(تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم
وأنفسكم )﴿[ سورة الصف11]، وقوله :
(إنفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم
وأنفسكم في سبيل
الله)[
سورة التوبة 41 ] ، وقوله :
(الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله
بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة)
[سورة التوبة 20 ] ، ففي كل قدم المال على النفس ذلك أن المال شقيق الروح فإذا هان
المال هانت الروح إلا في هذا المقام مقام عقد صفقة وإبرام بيعة مع الله تعالى قدم
النفس على المال ؛ لأن الأنفس هي المشتراة في الحقيقة ، وهي مورد العقد وهي
السلعة التي استامها ربها وطلب شراءها لنفسه في حين المال تبع لها فإذا ملكها
مشتريها ملك مالها ومتعلقاتها ، كما وأنه في هذا المقام ليست الأموال ولا الأولاد
هي التي تقربنا إلى الله زلفى (وما
أموالكم ولا
أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحاً)[سورة
سبأ 37] ، إنما طهارة النفس ورفعتها وما قام بها من إيمان هو الذي يؤهلها لأن تكون
محطا لاجتباء الله تعالى لاسيما وأن القتل في سبيل الله – الذي هو مضمون الصفقة –
إنما هو اصطفاء منه سبحانه (ويتخذ منكم شهداء)[
سورة آل عمران 140] ، وزكاة النفس سبيل لذلك ( قد أفلح من زكاها ) [ سورة الشمس9] ،
أما قوله : (بأن لهم الجنة)
فيفيد أنه بيع سلم مؤجل في الذمة ولن يخفر الله تعالى من ذمته من شيء حتى إذا ما
تساءل المرء عن طريق إمضاء الصفقة وإنجاز البيعة بينت له تتمة الآيات السبيل
(يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويقُتلون) فتفجير الصراع
مع أعداء الله تعالى وإعلان النفير هو بداية المسير على طريق إنجاز البيعة وإمضاءها
، أما قوله تعالى :
(فيَقتلون ويقُتلون) فقد
قرأ حمزة والكسائي بتقديم المفعول على الفاعل وهو كونهم مقتولين على كونهم قاتلين ،
وقرأ الباقون بتقديم الفاعل على المفعول ؛ فعلى قراءة تقديم الفاعل على المفعول
(فيَقتلون ويقُتلون)
يكون المعنى : أن هؤلاء المجاهدين الذين شروا أنفسهم
ابتغاء مرضاة الله يُعملون أسنتهم في نحور العدى ، ولا يبرحون ساحات الفدى حتى
يخروا في أرض المعركة شهداء بررة، فهم يقتلون الكفار ولا يرجعون عنهم حتى يصيروا
مقتولين ، وعلى قراءة تقديم المفعول ( فيُقتَلون ويَقتُلون ) يكون المعنى: إنهم وإن
استشهد فريق منهم في غضون صولة،فإن ذلك لا يثني الباقين عن مواصلة الجولة حتى
يأخذوا بالثأر، فكما أن فريقا منهم يُقتلون فالباقون يسيرون على الأثر، دونما
تذمر ولا ضجر، ولا تسخط وتبرم على ما أتى به القدر، إنما يتابعون الكر والفر
اقتصاصا ممن أخرجهم من صياصيهم للفساد والاعتداء الأشر والبطر .
فإذا ما انجلى غبار المعركة عن
شهداء بدمائهم مضرجين، فقد ربح البيع وحصل التقابض هناك في عليين ، بجوار رب
العالمين، ففي هذا يقول المصطفى : (واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ) [
متفق عليه] .
ثم استطردت آيات الكتاب في
توكيد هذه الصفقة بين المؤمنين المجاهدين وبين رب العالمين فقالت ( وعدا عليه حقا
في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم
به وذلك هو الفوز العظيم ) ، ففي الآية عشر توكيدات على إمضاء البيعة وإنجازها ،
مفصحة أنه ما أن تنساب من الدماء الطاهرة دفقة ، حتى تنجز البيعة فيرتفع أصحابها
إلى جنات الفردوس حيث حسن
الصحبة والرفقة
(ومن يطع الله والرسول فأولئك مع
الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا )[
سورة النساء 69 ] ، وتفصيل هذه التوكيدات على النحو التالي ( أنظر تفسير الرازي
8/207 ) :
التوكيد الأول في قوله تعالى :
(إن الله اشترى)
فالمشتري هو الله تعالى المقدس عن الكذب والخيانة وذلك من أدل الدلائل على تأكيد
هذا العهد ، الثاني : أنه عبر عن إيصال هذا الثواب بالبيع والشراء وذلك حق مؤكد ،
وثالثها : قوله
(وعداً)
والله لا يخلف وعده ، ورابعها : قوله
(عليهِ)وهي تفيد الوجوب، وخامسها : قوله
(حقاً)
وهو التأكيد للتحقيق ، وسادسها : قوله (في التوارة
والإنجيل والقرآن) وذلك يجري مجرى إشهاد جميع الكتب
الإلهية وجميع الأنبياء والرسل على هذه المبايعة ، وسابعها قوله :
(ومن أوفى بعهده من الله )
وذلك غاية في التوكيد ، وثامنها : قوله
(فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به)وهو
مبالغة للتأكيد لأن البشارة تكون لأمر تلوح بوادر وقوعه ، وتاسعها : قوله
(وذلك هو الفوز العظيم)والفوز
لابد أن يرى أمره ويظهر أثره ، وعاشرها : قوله
(العظيم)
والشيء العظيم لا يواريه تعاقب الليل والنهار ، إنما سيبدو جليا شاخصا للأبصار .
فثبت اشتمال هذه الآية على الوجوه العشرة للتأكيد والتقرير والتحقيق ، فما على أهل
فلسطين بعد ذلك إلا مواصلة الطريق .
أما من طال به الأمد من
المجاهدين ، فلم يظفر بالشهادة في الميادين ، فلتقر عينه وليهدأ روعه ، فصفقته
ماضية ما امتثل شرطين نوه بهما كتاب الله تعالى بقوله
(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا
الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً)[
سورة الأحزاب 23 ] فالشرط الأول
(ومنهم من ينتظر) ولا يخفى
ما في الانتظار من الرباط على صدق النية وحسن الطوية ، والشرط الثاني قوله
(وما بدلوا تبديلاً)
انه الثبات على المبادئ والمضي قدما في طريق الأحرار، دونما مساومة مع
الأشرار ،أو انحراف عن المسار ، أو تبديل للخيار... عندها سيحظى بمضمون صفقته ولازم
بيعته وقد بشر بذا النبي بقوله : ( من سأل الله الشهادة بصدق
بلغه الله منازل الشهداء وان مات على فراشه ) [ أخرجه مسلم] .
|