الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

 

صفة الصفوة من المجاهدين


 

إن من أسبغ الله تعالى عليهم نعمته، فعقد معهم صفقته، وأمضى فيهم بيعته، لهم منارات هدى، يحتذى بهم  ويقتدى ،وما من مؤمن حريص إلا ويبذل النفيس والرخيص للحاق بهم عبر انخراطه بركب صفقتهم، فالانخراط فيها أمارة ولاية، ومؤشر هداية؛ ذلك أن الجهاد باب يفتحه الله تعالى لخاصة أوليائه ، كما أن الشهادة اجتباء منه لخاصة أصفيائه ، (ويتخذ منكم شهداء) [سورة  آل عمران140] ، ولما كانت البيعة مع الله تعالى ذات قدر ومكانة لا تطاولها الرقاب ، فكان من تمام منته على عباده أن هيأ لهم الأسباب ؛ أسباب تأهيلهم لئن يكونوا أهلا لاجتبائه واصطفائه، ليلحقوا بركب من سبق ، فيكون لهم مع الله تعالى بيعة حق تجعل لهم في دين الله قدم صدق ، وفي الأجيال المتعاقبة لسان صدق وشهادة حق ، يشرف فيها مقامهم ، وتعلو رتبهم ويطيب ذكرهم ، ذلك أنه ( يشرف البذل بشرف المبذول ، وأشرف ما بذله الإنسان نفسه وماله ، ولما كانت الأنفس والأموال مبذولة في الجهاد ، جعل الله من بذل نفسه في أعلى رتب الطائعين ،وأشرفها لشرف ما بذله ، مع محو الكفر ومحق أهله وإعزاز دينه وصون دماء المسلمين ) [ أحكام الجهاد وفضائله لابن عبد السلام 54 ] .

من هنا فما أن فصل الباري جل شأنه مآل من اشترى منهم النفس والمال ، حتى شرع في تفصيل ما كانوا عليه من حال ، ليرد موردهم ، ويلبس لبوسهم من أراد تتبع أثرهم ، وترسم خطاهم ؛ فجاء قول الحق تبارك وتعالى (التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروفِ والناهون عن المنكر والحفظون لحدود الله وبشر المؤمنين)[سورة التوبة112 ]، فهذه الصفات  جاءت خبرا لمبتدأ محذوف تقديره (هم ) إذ هي جواب لما ينقدح في الأذهان من سؤال عن حال هؤلاء لدى الكبير المتعال ، حتى عقد معهم البيعة وأحسن لهم عقبى المآل،فإذا بهذه الصفات :

(التائبون ) قال الحسن- رحمه الله تعالى - : ( تابوا عن الشرك وبرءوا من النفاق ) [ الطبري 11/36 ] .

(العابدون ) قال قتادة : ( قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم )
[ الطبري 11/36 ] .

(الحامدون ) قال الحسن : ( حمدوا الله تعالى في أحايينهم ، في السراء والضراء ) [ الطبري 11/37 ] .

(السائحون)  قال ابن عباس- رضي الله عنهما- : ( السائحون :
الصائمون ) مستدلا بحديث عائشة – رضي الله عنها - : ( سياحة هذه الأمة الصيام ) [ الطبري 11/38 ]، وقال عطاء : ( السائحون : المجاهدون) [ القرطبي 8/171 ] لقوله
r :
( إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله ) [ سنن أبي داود ] . وقيل : ( هم الجائلون بأفكارهم في توحيد ربهم وملكوته ) [ القرطبي 8/171 ]، وقال ابن عاشور   –رحمه الله تعالى - :
( السائحون مشتق من السياحة وهي السير في الأرض ، والمراد به سير خاص محمود شرعا ... وحمله هنا على السفر للجهاد أنسب بالمقام وأشمل للمؤمنين المأمورين بالجهاد بخلاف الهجرة والحج ) [ التحرير والتنوير 11/41 ] .

(الراكعون الساجدون) أي :( المكثرون من الصلاة المشتملة على الركوع والسجود ) [ تفسير السعدي 353 ] .

(الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر) أي : ( الآمرون بكل ما أمر الله به عباده ورسولهُ ، والناهون عن كل ما نهى الله عنه عباده ورسولهُ ) [ الطبري 11/39 ] .

(والحفظون لحدود الله) قال ابن عباس : ( القائمون على طاعة الله تعالى ، وهو شرط اشترطه الله على أهل الجهاد ، إذا وفوا الله بشرطه وفى لهم شرطهم )
[ الطبري 11/40 ] .

(وبشر المؤمنين)أي ( بشر المصدقين بما وعدهم الله إذا هم وفوا الله بعهده أنه موف لهم بما وعدهم من إدخالهم الجنة ) [ الطبري11/40 ]، قال ابن كثير :
( فليستبشر من قام بمقتضى هذا العقد ووفى بهذا العهد بالفوز العظيم والنعيم المقيم )
[ ابن كثير 4/218 ] .

فمن كانت حالهم أنهم يرجعون إلى الله تعالى تائبين متبرئين مما اقترفوه من ذنب ، متنصلين من كل زنة مردية وعيب ، عابدين لله تعالى بالليل والنهار سرا وعلانية عبادة يطهرون بها الجوارح ويهذبون القلب ، حامدين مولاهم في السراء والضراء عند الفرج وفي خضم الكرب ، صائمين لله تعالى جائلين بفكرهم في ملكه وملكوته سائرين في كتائب حق مظفرة تنشر الخير والبر وتلتمس القربات في كل درب ،راكعين ساجدين دائمين على صلواتهم محافظين عليها معظمين فيها الرب ، آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر صيانة للشرعة أن تنتهك حرماتها وتغتصب ، حافظين لحدود الله تعالى قائمين على أمره مجافين كل ريب ..فمن كانت هذه حالهم فقد اغترف من معين بشارته تعالى (وبشر المؤمنين) التي توحي إلى تهيؤ نفوسهم وتأهلها لعقد البيعة وإبرام الصفقة معه سبحانه ...

فذلكم مشروع تربوي ،  لكل من أراد أن يسلك بنفسه السلوك السوي ، ليصنع من ذاته الشخص المجاهد القوي ، ومن رام الوقوف على فاعلية هذا المشروع وأثاره الطيبة تأتى له ذلك من خلال تفكره وتدبره لأول صفة فيه ( التائبون ) وآخر صفة فيه (والحفظون لحدود الله) فالتائب هو من يخرق ويرتق ؛ يخرق بالذنب ويرتق بالتوبة ، في حين الحافظ لحدود الله تعالى يتورع عن التورط والتلبس بشيء يناهضها ، وهكذا انتقل بهم البرنامج التربوي الرباني من أناس يقعون في الزلة ويتوبون منها إلى أقوام يحترسون من الوقوع فيها ابتداء  ، فهم يجاهدون أنفسهم ويكبحون جماحها ...

وتجدر الإشارة أن هذه الصفات قد سطرت في كتاب الله تعالى بصيغة اسم الفاعل الدال على أصالتها في نفوسهم وديمومتهم عليها ، فهي سجايا ملازمة لهم مغروسة في نفوسهم راسخة فيها . وليست بالمناقب الطارئة عليهم التي يسهل انسلاخهم منها أو انفكاكهم عنها .. ومن ترسخت فيه هذه المناقب والخصال غدا بإذن الله تعالى مرشحا لئن يكون من الزمرة التي أظهر الباري جل شأنه استغناءه بها عن الذين في قلوبهم مرض والمنافقين أو المتخاذلين عن نصرة إخوانهم المستضعفين، حيث قال سبحانه (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذله على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ) [ سورة المائدة 54]  فهذا الدين لا يعدم أتباعا بررة مخلصين .. وشاهدنا المعاصر أهل فلسطين ، ومن آزرهم من عموم المسلمين .