|
صناعة الرجال
بات مما لا يختلف فيه اثنان
ولا تتباين حوله وجهتان ، أن أطفال فلسطين صنعوا صناعة الرجال ، ولبسوا لبوس
الأبطال ،فغدو معقدا للأمال ، وفي الأنفة والعزة مضرب أمثال ، وحققوا أمنية من قال
( يا له من دين لو أن له رجال ).
كيف لا وقد أصبح أطفال فلسطين
كالطير الأبابيل ، ترمي بحجارتها كل معتد دخيل ، لا تقيل عن درب الجهاد والاستشهاد
ولا تستقيل …
حتى اذا ما تساءل أحد يبغي
التبصر والفهم ، كيف تأتت الرجولة لهؤلاء حتى آستثنيوا من حالة النوم ، التي طالما
غط فيها جموع من القوم ؟ وكيف بهم وقد أداروا ظهورهم لأهل الشجب والاستنكار واللوم
، وخرجوا على أجواء التفاوض والسوم ، حتى رسخوا في النفوس يوما بعد يوم ، حتمية
الحل الحهادي ، وضرورة وحدة الصف والأيادي ، لتحرير الأرض ودحر الأعادي ؟
عندها أجيب قائلا : كتاب الله
تعالى قد رسم الطريق ، وجاءت سنة المصطفىr بالنموذج
والتطبيق ، وفي منهجية الدعاة الى الله في فلسطين كان الدليل والتصديق ، فلا ألفين
أحدا بعد ذلك يتشدق فيقول : إن المنهج الذي درج عليه هؤلاء إنما ينحصر صلاحه في
الجيل القديم والرعيل العتيق .
من هنا – وعلى طريق صناعة
الرجال – دعونا نمعن في كتاب الله النظر ، لنستقي منه الدرر ، عسانا نخطو على الأثر
، في معترك صراعنا مع أبالسة البشر ..
ابتدأ طريق صناعة الرجولة في
القرآن الكريم من قوله تعالى
(لمسجدٌ أسس على التقوى من أول يوم أحق
أن تقوم فيه ، فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين )[
سورة التوبة 108 ]، فهؤلاء الذين انتشلوا أنفسهم من وهدة الغواية ، وربأوا بها أن
تنخرط في سلك الضلالة ، وزجوا بها في المساجد ، فكان منهم الراكع والساجد ، والقوام
العابد ، والصوام والمجاهد ، هؤلاء نعتهم القرآن بأنهم رجال ، ووجه رجولتهم يكمن في
تمكنهم من مجاهد شهواتهم وكبح جماحها وتوجيه إرادتهم واستجماع عزيمتهم نحو صلاح
أنفسهم ورشادها ..
وهكذا سمة كل من أراد لنفسه أن
تتطهر من أردانها ، لتسمو بقيمها ، وتعلو بأخلاقها ، ففيه تسري روح الرجولة
وعزيمتها ، لا كمن أتبع نفسه هواها ، وأوهن إرادته فغشاها من الخور ما غشاها ، ولم
يزك بالخير نفسه ، إنما بالشر دساها .
حتى إذا تطهرت النفس مما شابها
من دنس ورجس ، ظلت المساجد مشعل نور منها الطهارة والعفة والقيم والفضيلة تغترف
وتقتبس ، ويبقى المتردد عليها الساعي إليها يصون إيمانه من النقص ، ورجولته من
البخس ، لذا جاء قوله تعالى في شأن المساجد
(نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء
ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم)
[ سورة التوبة 35] فمن تشوف لهذا النور ، وتشوق للهداية إليه ، ورام الوصول إليه ،
أوضحت له تتمة الآية السبيل
(في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيه
اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال ، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله
وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار )
[ سورة النور 36 ،37 ]، فالمساجد هي نور الله في أرضه ، نعرض فيها أنفسنا على الله
تعالى خمس مرات في اليوم والليلة ، فتظل عارية من الرذيلة ، مكتسية بحلى الفضيلة ،
مستقرة على الحق ، لها في دين الله تعالى قدم صدق وفضل سبق .
فهؤلاء الذين يطوفون ما يطوفون
، ثم إلى المساجد يأوون ، وبذكر الله وتسبيحه فيها ينشغلون ، لا يعيق هرولتهم إليها
تجارة ولا بيع ، ولا مكسب يجنونه ولا ريع ، هم رجال بحق وصدق ، وقد أكد هذا المعنى
قوله صلى الله عليه وسلم في السبعة الذين يظلهم بظله يوم لا ظل إلا ظله ( ورجل قلبه
معلق في المساجد لا يخرج منه حتى يعود إليه ) [ متفق عليه ] فانظر كيف أثبت
الرجولة لمن كان هذا ديدنه ، وتلك عادته ..
حتى إذا صلح المرء في نفسه وضع
رجله على طريق آخر للرجولة ، يرمي إلى إصلاح من حوله ، ألاوهوطريق الدعاة إلى الله
عز وجل ، فذا معلم من معالم الرجولة بينه قوله تعالى
(وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال
يقوم اتبعوا المرسلين )
[ سورة يس 20]، ورجولة هذا الصنف ظاهرة في أنهم حملوا دعوة الله عز وجل وصدعوا بها
بلا تردد ولا وجل ، حتى وإن وافتهم في خضم ذلك المنية والأجل ، كرجل سورة يس الذي
كانت خاتمته انتقال إلى جوار رب العالمين .
فإن لم يكن انخراطه بينا في
سلك الدعاة إلى الله فهو لهم مناصح ، وعنهم يذود وينافح ، وفي سبيل ذب أهل السوء
عنهم تراه يكافح ، كمؤمن آل فرعون حيث قال الباري في شأنه
(وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم
إيمانه أتقتلون رجلا يقول ربي الله) [ سورة
غافر 28 ]، فاستحق وسام الرجولة إذ خلد القرآن وقفته ، إبان مدافعته عن موسى عليه
السلام ، أمام من يصب على العباد نقمته ، ويبسط عليهم قوته ، ويخوفهم سطوته .
بيد أنه ثم صنف آخر من أصناف
الرجال ، تعد رجولته تتويجا لهذه الصبغة التربوية، وحصيلة خيرة لهذه المراحل الأبية، التي ابتدأت من المسجد ثم نزلت في الميدان تدعو إلى الله على بصيرة ، وبآياته
وكلم رسوله صلى الله عليه وسلم تبشر وتنذر وتعد وتوعد ، وللدعاة إلى الله عزوجل
تناصح وعن أعراضهم تذب وتدافع أمام كل مفسد، وتلجم بحجتها كل فتان مغرض ، أو أفاك
ملحد ، أو مروج للتطبيع والتهود ، حتى إذا نادى المنادي يا خيل الله اركبي كانت مع
هذه الصيحة الجهادية على موعد ، فلم تبرح ساحات الوغى وميادين الفداء حتى تقتل أو
تستشهد .. فمن لم يقض منهم نحبه ، ما فتئ يواصل دربه ، وإلى غطرسة عدوه لا يأبه ،
فهو يبغي بجهاده الله ربه ، لم يبدل تبديلا، ولم يرض بغير الجهاد والاستشهاد بديلا
، فذلكم تبوأوا القمة السامقة في الرجولة ، وما زلنا نردد وصفهم في الكتاب بكرة
وأصيلا (من المؤمنين رجال
صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا)[
سورة الأحزاب 23 ] .
|