الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

 

صناعة الرجال


 

بات مما لا يختلف فيه اثنان ولا تتباين حوله  وجهتان ، أن أطفال فلسطين صنعوا صناعة الرجال ، ولبسوا لبوس الأبطال ،فغدو معقدا للأمال ، وفي الأنفة والعزة مضرب أمثال ، وحققوا أمنية من قال ( يا له من دين لو أن له رجال ).

كيف لا وقد أصبح  أطفال فلسطين كالطير الأبابيل ، ترمي بحجارتها كل معتد دخيل ، لا تقيل عن درب الجهاد والاستشهاد ولا تستقيل …

حتى اذا ما تساءل أحد يبغي التبصر والفهم ، كيف تأتت الرجولة لهؤلاء حتى آستثنيوا من حالة النوم ، التي طالما غط فيها جموع من القوم ؟ وكيف بهم وقد أداروا ظهورهم لأهل الشجب والاستنكار واللوم ، وخرجوا على أجواء التفاوض والسوم ، حتى رسخوا في النفوس يوما بعد يوم ، حتمية الحل الحهادي ، وضرورة وحدة الصف والأيادي ، لتحرير الأرض ودحر الأعادي ؟

عندها أجيب قائلا : كتاب الله تعالى قد رسم الطريق ، وجاءت سنة المصطفىr بالنموذج والتطبيق ، وفي منهجية الدعاة الى الله في فلسطين كان الدليل والتصديق ، فلا ألفين أحدا بعد ذلك يتشدق فيقول : إن المنهج الذي درج عليه هؤلاء إنما ينحصر صلاحه في الجيل القديم والرعيل العتيق .

من هنا – وعلى طريق صناعة الرجال – دعونا نمعن في كتاب الله النظر ، لنستقي منه الدرر ، عسانا نخطو على الأثر ، في معترك صراعنا مع أبالسة البشر ..

ابتدأ طريق صناعة الرجولة في القرآن الكريم من قوله تعالى (لمسجدٌ أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه ، فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين )[ سورة التوبة 108 ]، فهؤلاء الذين انتشلوا أنفسهم من وهدة الغواية ، وربأوا بها أن تنخرط في سلك الضلالة ، وزجوا بها في المساجد ، فكان منهم الراكع والساجد ، والقوام العابد ، والصوام والمجاهد ، هؤلاء نعتهم القرآن بأنهم رجال ، ووجه رجولتهم يكمن في تمكنهم من مجاهد شهواتهم وكبح جماحها وتوجيه إرادتهم واستجماع عزيمتهم نحو صلاح أنفسهم ورشادها ..

وهكذا سمة كل من أراد لنفسه أن تتطهر من أردانها ، لتسمو بقيمها ، وتعلو بأخلاقها ، ففيه تسري روح الرجولة وعزيمتها ، لا كمن أتبع نفسه هواها ، وأوهن إرادته فغشاها من الخور ما غشاها ، ولم يزك بالخير نفسه ، إنما بالشر دساها .

حتى إذا تطهرت النفس مما شابها من دنس ورجس ، ظلت المساجد مشعل نور منها الطهارة والعفة والقيم والفضيلة تغترف وتقتبس ، ويبقى المتردد عليها الساعي إليها يصون إيمانه من النقص ، ورجولته من البخس ، لذا جاء قوله تعالى في شأن المساجد (نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم) [ سورة التوبة 35] فمن تشوف لهذا النور ، وتشوق للهداية إليه ، ورام الوصول إليه ، أوضحت له تتمة الآية السبيل (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيه اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال ، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار ) [ سورة النور 36 ،37 ]، فالمساجد هي نور الله في أرضه ، نعرض فيها أنفسنا على الله تعالى خمس مرات في اليوم والليلة ، فتظل عارية من الرذيلة ، مكتسية بحلى الفضيلة ، مستقرة على الحق ، لها في دين الله تعالى قدم صدق وفضل سبق .

فهؤلاء الذين يطوفون ما يطوفون ، ثم إلى المساجد يأوون ، وبذكر الله وتسبيحه فيها ينشغلون ، لا يعيق هرولتهم إليها تجارة ولا بيع ، ولا مكسب يجنونه ولا ريع ، هم رجال بحق وصدق ، وقد أكد هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم في السبعة الذين يظلهم بظله يوم لا ظل إلا ظله ( ورجل قلبه معلق في المساجد لا يخرج منه حتى يعود إليه )  [ متفق عليه ] فانظر كيف أثبت الرجولة لمن كان هذا ديدنه ، وتلك عادته ..

حتى إذا صلح المرء في نفسه وضع رجله على طريق آخر للرجولة ، يرمي إلى إصلاح من حوله ، ألاوهوطريق الدعاة إلى الله عز وجل ، فذا معلم من معالم الرجولة بينه قوله تعالى (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يقوم اتبعوا المرسلين )
[ سورة يس 20]، ورجولة هذا الصنف ظاهرة في أنهم حملوا دعوة الله عز وجل وصدعوا بها بلا تردد ولا وجل ، حتى وإن وافتهم في خضم ذلك المنية والأجل ، كرجل سورة يس الذي كانت خاتمته انتقال إلى جوار رب العالمين .

فإن لم يكن انخراطه بينا في سلك الدعاة إلى الله فهو لهم مناصح ، وعنهم يذود وينافح ، وفي سبيل ذب أهل السوء عنهم تراه يكافح ، كمؤمن آل فرعون حيث قال الباري في شأنه (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا يقول ربي الله) [ سورة غافر 28 ]، فاستحق وسام الرجولة إذ خلد القرآن وقفته ، إبان مدافعته عن موسى عليه السلام ، أمام من يصب على العباد نقمته ، ويبسط عليهم قوته ، ويخوفهم سطوته .

بيد أنه ثم صنف آخر من أصناف الرجال ، تعد رجولته تتويجا لهذه الصبغة التربوية، وحصيلة خيرة لهذه المراحل الأبية، التي ابتدأت من المسجد ثم نزلت في الميدان تدعو إلى الله على بصيرة ، وبآياته وكلم رسوله صلى الله عليه وسلم تبشر وتنذر وتعد وتوعد ، وللدعاة إلى الله عزوجل تناصح وعن أعراضهم تذب وتدافع أمام كل مفسد، وتلجم بحجتها كل فتان مغرض ، أو أفاك ملحد ، أو مروج للتطبيع والتهود ، حتى إذا نادى المنادي يا خيل الله اركبي كانت مع هذه الصيحة الجهادية على موعد ، فلم تبرح ساحات الوغى وميادين الفداء حتى تقتل أو تستشهد .. فمن لم يقض منهم نحبه ، ما فتئ يواصل دربه ، وإلى غطرسة عدوه لا يأبه ، فهو يبغي بجهاده الله ربه ، لم يبدل تبديلا، ولم يرض بغير الجهاد والاستشهاد بديلا ، فذلكم تبوأوا القمة السامقة في الرجولة ، وما زلنا نردد وصفهم في الكتاب بكرة وأصيلا (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا)[ سورة الأحزاب 23 ] .