|
مجاهدون راشدون
ما كشفته الشرعة الحنيفة من
حقائق وأتت به من نصائح وتوجيهات ، غدا لدى كثير من الناس – بعد طول كبوة وعمق
غفوة – من الأمور المسلمات ،في حين هو لدى المجاهدين الأفذاذ في طليعة ما ترسخ
لديهم من قناعات ، ورسا في أذهانهم من بدهيات، واستقر في قلوبهم من يقينيات .
من ذلك ما كشفته الشرعة من
حالة غدت سنة من سنن الدعوات ، مفادها : أنه لن تخمد نيران العداوات ، في نفوس أهل
النحل الزائفات والملل المحرفات ، تجاه أهل التوحيد أتباع خاتم النبوات .
فهذا أمر مفهوم ومن قديم
الزمان معلوم ، وقد أنبأ به بلسان مسدد ورقة بن نوفل بن أسد ، عندما قال لنبينا
محمد صلى الله عليه وسلم:
( إذ يخرجك قومك ) فقال
صلى الله عليه وسلم: أو مخرجي هم ؟ قال : ( نعم ، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به
إلا عودي) [ متفق عليه].
فهي حجة دامغة تلجم كل من همّه
أن يعكر لهذا الدين الصفاء ، ويميع لدى المسلمين عقيدة الولاء والبراء ، عبر تشدقه
بإلغاء حالة الصراع والعداء ؛ يخيل إليه أنه بوسع البشرية جمعاء - على اختلاف
مشاربها ، وتباين مواردها ، وتناقض مقاصدها – أن تلتقي على حالة من الوئام والصفاء
، متجاوزا بذا الحقيقة التي سطرها المولى في كتابه
(ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى
تتبع ملتهم ) [ سورة البقرة120] وما كشفه عز
وجل في محكم آياته
(ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن
دينكم ) [ سورة البقرة217] أو تقطع فريق
منهم في معاداة أوليائه
(ولتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا
اليهود والذين أشركوا) [ سورة المائدة51 ]،
وما يخالج صدور العدو من قبيح أمنياته
(ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون
سوآءً)[ سورة النساء 89 ] ، في ضوء ذلك
فما ظن من يريد أن يلغي حالة الصراع بين المسلمين المستضعفين في فلسطين وبين يهود
المغتصبين ؟! سواء ألبس دعواه لبوس الدين ، أم سربلها بخلاف ذلك مما تزينه الشياطين
! في حين تجد المصطفى صلى الله عليه وسلم
وبلسان عربي مبين يرسم طريق النجاة لعباد الله المؤمنين ، إن في حياتهم الدنيا أو
يوم يقوم الناس لرب العالمين، فتراه يجيب من سأله عن الفرقة الناجية بقوله: (ما أنا
عليه اليوم وأصحابي ) [ الإمام أحمد/المسند 2 /332 ]. فلم يدرج المصطفى
صلى الله عليه وسلم
الفرقة الناجية تحت مسمى معين تحتكر فيه ، إنما أحال السائل إلى المنهج الذي يتوجب
الاستمساك به والانخراط فيه، ليعصم صاحبه من الضلالة والتيه..
فما كان عليه النبي
صلى الله عليه وسلم
وأصحابه في شتى أحوالهم وحركاتهم وسكناتهم يعد سبيلا للإنقاذ لمن لجأ إليه ولاذ
،ومما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام ، جملة من
التشريعات والأحكام، تنور طريقنا في خضم معركتنا مع شر الأنام ،ونحاج بها من زج
نفسه في دائرة الأوهام والأحلام ، ولكل مقام يواجه أهل فلسطين في غضون زحفهم
ونفيرهم فلنبينا صلى الله عليه وسلم عنده وقفة وله فيه مقال :
ففي مقام استنصاح المشركين قال
عليه الصلاة والسلام (لا تستضيئوا بنار المشركين) [ أحمد، المسند3/99 ] أي ( لا
تشاوروهم في شيء من أموركم ) [ أحكام القران لابن عربي 1/ 296 ]، فقد ( شبه
الاسترشاد بالرأي بالاستضواء بالنار إذ كان فعله كفعلها في تبيين المبهم وتنوير
المظلم ) [ النهاية في غريب الحديث لابن الأثير3/105 ] .
وفي مقام التواطؤ معهم قال
صلى الله عليه وسلم:
( من جاء مع المشرك وسكن معه فانه مثله ) [سنن أبي داود والترمذي ] . قوله: ( من
جاء مع المشرك ) أي( أتى معه مناصرا وظهيرا له) [ عون المعبود للمباركفوري 7/478 ].
سواء أكانت المناصرة أمنية أم مادية، أم إعلامية بترويج تطلعاته وتزيين هفواته
وتبرير سقطاته وتسويق مخططاته.
وفي مقام استعمال المشركين قال
صلى الله عليه وسلم : ( إن قوما كانوا أهل ضعف ومسكنة قاتلهم أهل تجبر
وعداء ، فأظهر الله أهل الضعف عليهم ،فعمدوا إلى عدوهم فاستعملوهم وسلطوهم ،فأسخطوا
الله عليهم إلى يوم يلقونه ) [ الإمام أحمد ، المسند5/407 ].
فإذا كانت هذه حال من يستعملهم
فكيف تكون حال من استحال أداة طيعة في أيديهم؟ .
وفي مقام ترسيخ الولاية بين
أهل الإيمان والبراءة من أتباع الشيطان والطغيان
قال صلى الله عليه وسلم: ( أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعاداة
في الله ) [ الطبراني في المعجم الكبير2/480 وصححه الحاكم ] .
وفي مقام نصرة المؤمنين وعدم
خذلانهم وإسلامهم للمتربصين والباغين قال صلى الله عليه
وسلم:
( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ) [ متفق عليه ]. وقوله
صلى الله عليه وسلم
: ( وما من امرئ مسلم ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته
إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته ) [ أخرجه أبو داود في سننه ].
وفي مقام حصر المحبة في صفوف
المؤمنين واحتجابها عن أعداء الملة والدين قال صلى الله
عليه وسلم : ( من
أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان ) [ أخرجه أبو داود في
سننه ]، ومن الثلاثة التي أقسم عليها النبي صلى الله
عليه وسلم (ولا يحب
رجل قوما إلا كان معهم أو منهم) [ أخرجه الحاكم في مستدركه ].
وفي مقام مكاشفة الظالمين
للانتصاف للمظلومين ؛ ككف أيديهم عن ملاحقة الأحرار ومطاردة الأخيار، ومحاصرة
المجاهدين قال صلى الله عليه وسلم: ( إذا رأيت أمتي تهاب فلا تقول للظالم
يا ظالم فقد تودع منهم ) [ الإمام أحمد ، المسند 2/190 ].
وفي مقام تحصين الجبهة
الداخلية واستدرار تكاتفها وتساندها وتكافلها ورص صفوفها في وجه عدوها قال
صلى الله عليه وسلم:
( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو
تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) [ متفق عليه ].
وفي مقام تعميق الوشائج مع
المجاهدين والقيام على حوائج أهليهم وذراريهم ماداموا غائبين قال
صلى الله عليه وسلم
: ( من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا ) [ متفق
عليه ].
فهذه جملة من الثوابت والمبادئ
كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فان نحن تشبثنا بها وعضضنا
عليها بالنواجذ ، ستظل تهدي خطانا في خضم صراعنا للتي هي أقوم ، وتدفع بنا في
مواقفنا للتي هي أحكم ، وفي آخرتنا تسوقنا بإذن الله مولانا للتي هي أسلم وأنعم .
في حين إن بدلنا وغيرنا
وتثاقلنا أن نخرج على الناس بمثل ما خرج به عليهم نبينا محمد
صلى الله عليه وسلم
وأصحابه رضوان الله عليهم ،بذريعة عدم استفزازهم وإثارة حفيظتهم
واضرام نار عداوتهم ، فيا حسرة على العباد !سيكون موقف عدوهم منهم أطغى وأظلم
،وستمضي بهم السبل في دنياهم للتي هي أسأم ، ويوم يقوم الأشهاد تسلمهم للتي هي أنكى
وأشأم .
إذا تقرر ذلك فأي المبادئ أحق
أن تتبع ، وبها يصدع ، وعليها يلتقى ويجتمع ؟ تلكم المبادئ التي أعلنها المصطفى
الأمين صلى الله عليه وسلم أم ( لائحة إعلان مبادئ ) تملى علينا بكرة
وأصيلا وفي كل حين، تريدنا أن نؤمِّن ونصافي فضلا عن أن نسالم ، من طوقت أعناقهم
لأهالي فلسطين بمظالم ، من تدنيس مقدسات وتغيير معالم ، وسفك دماء وانتهاك محارم،
ومن صفحات سجلاتهم بحق البشرية جمعاء تعج بالمآثم !
كيف وسيد المجاهدين
صلى الله عليه وسلم
قد أعمل في فريق منهم السيف ، وآخرين على شاكلتهم من أرباب ديانتهم أخضعهم لأحكام
لا شطط فيها ولا حيف، أفترانا بعد ذلك نوادعهم ، وننزلهم في أرضنا منزلة الضيف ،
ونحسن لهم القرى ، وهم ما أن يلتقطوا أنفاسهم حتى يستجمعوا لنا القوى ، ليحكموا
على فريق منا بالتشريد والنوى، ويسومون آخرين سوء العذاب ، وكلا يجرعونه كؤوس
الحسرة والأسى…
فهل من إيمان مثل إيمان محمد
صلى الله عليه وسلم وصحبه ، ليهتدي كل منا فيستقيم في دربه ، ويبقى سائرا
في مرضاة ربه ، مرابطا في معسكر التوحيد وحزبه ، مؤتمنا على قضايا أمته ودماء شعبه
(فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به
فقد اهتدوا)[ سورة البقرة 137]، اهتدوا
في كل ميدان، ومنه ميدان مقارعة الطغيان،
(وإن تولوا)
عن مثل ما كان عليه نبينا محمد
صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام المجاهدون (فأنما هم في شقاق)
سيشيع بينهم التنازع والشقاق ، ويحل بساحتهم الانقسام والانشقاق ، لتغشاهم بدا
مذلة، وترتسم عليهم ذلة ، تلازمهم في الحياة الدنيا إلى يوم التلاق …
|