الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

 

الكُرَّار هم أصحاب القرار

 

 

بموازين القسط والعدل قامت السموات والأرض ، فما يحيد عنها بعد ذلك إلا كل فتان ذي ضلالة أو خوان ذي غرض ، أو امرؤ ذو هوى استحكم في قلبه مرض ، فليس يعبأ بعد ذلك إن هو تاجر بالذمة والضمير لقاء أرب رخيص وعَرض…

  من هنا فهؤلاء الذين صنعوا من دمائهم قناديل لأمتهم تنور لها المسالك ، وتهديها سبلها إذا ما اكتنفتها الظلمات الحوالك ، وتربأ بها أن تنزلق في مساخط توردها موارد المهالك، هؤلاء ينبغي أن تقتفى آثارهم، وتتبع خطواتهم ، ويسمع صدى لصيحاتهم …

   أليس من سل سيفه يروم السمو ، لا يبغي الفساد في الأرض ولا العلو ، إنما هدفوا نحورهم للعدو ، نصرة لمبادئ امتثلوها ، وحقوق مسلوبة هموا أن ينتزعوها ، وأرض مغصوبة عزموا على أن يحرروها ، ومقدسات مدنسة تقاسموا أن يطهروها ، من رجس أشرار ، وبراثن فجار ، سطوا عليها على حين غفلة من أهلها  فاغتصبوها ودنسوها … أليسوا حقيقين بأن يكونوا أهل حل وعقد؟ ، وجديرين بأن يكونوا أهل تقييم ونقد ؟ لا سيما إذا ما حمي الوطيس وجد الجد ، بالتالي فكل ما من شأنه أن يقدم بين أيديهم ، أو من دائرة صنع القرار يستثنيهم فهو رد .

    فأيما جماعة مجاهدة هذا ديدنها ، وهذه مقاصدها ، وتلكم وجهتها ، كافأها العزيز الغفار بأن أسند إليها القرار ، بعد أن حباها بملكات ، وحفها بنفحات ، وخصها بفتوحات ، تمكنها من حل المعضلات ، والخروج بمواقف نيرات ، في خضم الفتن والأزمات ، حيث قال جل شأنه (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبلنا وٍإن الله لمع المحسنين)[ سورة العنكبوت69 ] قال ابن زيد – رحمه الله تعالى -: (قوله
(جاهدوا فينا): أي قاتلوا فينا ) [ تفسير الطبري 21/15 ].

لذا قال سفيان بن عيينة – رحمه الله تعالى - : ( إذا رأيت الناس قد اختلفوا فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور ، فان الله تعالى يقول (لنهدينهم سُبلنا)  [ تفسير القرطبي 13/242 ] .

   فالمجاهدون وأهل الثغور هم المهديون ، فإذا ما اختلفت الآراء وافترقت السبل، فالهداية في ترسم خطاهم ، واقتفاء آثارهم ، والنزول عند رأيهم ، ذلك أن لأهل الجهاد من الهداية والكشف ما ليس لأهل المجاهدة ،ممن هم في جهاد الهوى والشيطان ، لأنه لا يوفق في جهاد العدو الظاهر إلا من هو لعدوه الباطن قاهر ، من هنا يكون المولى عز وجل ( قد علق الهداية بالجهاد ، فأكمل الناس هداية أعظمهم جهادا ، ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ما عطل منه ) [ ابن القيم – الفوائد 59 ] .

  وقد فطن السلف الصالح – رضوان الله عليهم – لهذه الأمور ، فها هم جهابذة علمائهم يحيليون على أهل الثغور ، ما أشكل عليهم من مسائل ونزل بساحتهم
من معضلات الأمور ،  وحسبك في هذا قول ابن المبارك والأوزاعي – رحمهما الله تعالى - : ( إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما عليه أهل الثغر – يعني أهل الجهاد – فان الله تعالى يقول
(والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبلنا) [ ابن القيم – مدارج
السالكين 1/510 ] .

قال السعدي – رحمه الله تعالى - : ( هذا كله يدل على أن أولى الناس بموافقة الصواب أهل الجهاد ) [ تفسير السعدي 636].

   فإذا كان ذلك كذلك توجب المسير إليهم ، للوقوف على وجهات نظرهم ، لنتلقفها منهم ، فيكون عليها التجمع والتلاق ، إذا ما عجّت الساحة بالجدل والشقاق، وخيمت على الأمة بوادر انشقاق .. أما أصحاب  الهوى وأهل الأهواء فلا انجراف وراء آرائهم ولا انسياق ، إذ لا يعقل أن يستمع الى الفُرّار ، في حين يصيب الآذان وقر إذا ما تكلم الكُرّار !  إن من يصوغون بدمائهم القرار ، وهم مرابطون على خطوط النار ، يحرسون شرف الدار ، ينشدون بذا مرضاة الواحد القهار ، لهم آمن على مصالح الأمة ، وأقدر على محو الثلمة ، وأصدق في كشف الغمة ، ممن يهرولون لاصطناع كيانات هزيلة ، في ظلال قوى دخيلة ، يأتمرون بأمرها وينتهون بنهيها ، كيانات لا تسمن ولا تغني من جوع ، ولا ترفع عن الأمة شيئا من الذلة والخنوع ، هذا إن لم تجر عليها الوهن والخضوع ، ويتجرأ – في ظلالها – ضعاف النفوس ممن لا يتوانون أن يكون لهم في الخيانة ضلوع …

   وبعد : فإذا كانت المواقف البهية ثمرة ناجمة عن دماء زكية يجود بها بررة ، فأي عدالة تسوغ أن يهيمن على القرار ملاحدة كفرة ، أو أن يتكلم في شأن العامة رويبضات فجرة ، في حين يجرد منه مَنْ مهروا دماءهم لعز أمتهم ، وباعوا لله أنفسهم، لتحرير أولى قبلتهم ومسرى نبيهم – صلى الله عليه وسلم -؟!فان لم يكن بذل النفس مخولا لتبوئ مقعد اتخاذ القرار والإدلاء بالرأي ،وحجة دامغة تلجم من يريد أن يستأثر به من أهل الزيغ والغي والبغي .. فبأي حديث بعده يؤمنون ؟ وبأي حجة بعدها يحاجّون ؟!