الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

 

 

  الفصل الأول

 

 القسام يعود من جديد 

 

  حاولت أوساط سياسية وعسكرية إسرائيلية الإيحاء بأن الانتفاضة خبت ، بحيث تبجحت قيادة أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي وتفاخر (البريغادير جنرال) موشيه يعلون (قائد القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية) أن عدد أفراد الجيش العالمين في الضفة الغربية وقطاع غزة قد تراجع إلى النصف عشية العام العبري الجديد ، علماً أن خفض ميزانية وزارة الدفاع الإسرائيلية وحرص جيش العدو على عدم الاحتكاك مع المواطنين بتجنب نشر قواته داخل المدن والقرى والتركيز على النقاط والدوريات العسكرية والاعتماد بصورة متزايدة على وحدات المستعربين (فرق الموت) كان وراء الخفض المشار إليه ، بدليل أن المصادر ذاتها تؤكد حقيقة تصاعد العمليات العسكرية داخل المناطق المحتلة بالاستخدام الجريء والدقيق للسلاح الناري . (2)[مجلة فلسطين الثورة ، العدد 908 ، 14/10/1992 ، ص11. ]

 

  لم يكن مصادفة أن تعزو المصادر العسكرية الإسرائيلية معظم العمليات إلى حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ، فقد قامت كتائب الشهيد عز الدين القسام بتصعيد حدة المواجهات بشكل لافت للنظر وركزت عملياتها ضد دوريات جيش الاحتلال والمراكز العسكرية التي أقامتها في مدن الضفة والقطاع . وعلى الرغم من أن قرار تصعيد المواجهات مع اليهود وعملائهم الذي اتخذته حماس منذ بداية كانون الأول من هذا العام لم يكن الأول من نوعه ، فقد حفلت السنوات الخمس الماضية من عمر الانتفاضة بالكثير من فترات التصعيد والمواجهات الدموية التي دعت إليها حماس ، إلا أن التصعيد الجديد في العمليات العسكرية الجريئة من قبل أسود القسام أثبت عدداً من الحقائق التي لا يمكن القفز عليها أو تجاهلها وهي :

 

أولاً : إن هذه العمليات جاءت ملازمة لجهاد شعبنا ، مرافقة لانتفاضته المباركة ، مما أكسب جماهيرنا صموداً على مواجهة المؤامرات الاستسلامية التي تحاك في أروقة ودهاليز مفاوضات الحكم الذاتي في واشنطن .

 

 ثانياً : التجاوب الواسع والالتزام الدقيق بتوجيهات السواعد الرامية التابعة لحركة حماس للمواطنين بحيث أصبح قطاع غزة والجزء الجنوبي من الضفة الغربية يقعان (تقريباً) تحت نفوذ وسيطرة حماس (وهذه المناطق تشكل أكثر من 50% من عدد سكان الأراضي المحتلة) بالاضافة إلى نفوذ أقل نسبياً ولكنه متنام فيما تبَّقى من الضفة الغربية .

 

 ثالثاً : شمولية العمليات العسكرية لجميع أنحاء الوطن المحتل وامتدادها إلى المناطق المغلقة العسكرية منها والمدنية ، فمن الشجاعية في قطاع غزة إلى الخليل في الضفة الغربية واختطاف الرقيب أول نسيم طوليدانو في مدينة اللد بفلسطين المحتلة منذ عام 1948 .

 رابعاً : الزيادة في عدد العمليات العسكرية خلال حرب الأيام السبعة ليس من ناحية الكم فقط ، بل من حيث النوع ،وازدياد عدد الخسائر البشرية في صفوف العدو بالمقارنة مع فعاليات الانتفاضة خلال الشهر والسنوات السابقة .

 

 خامساً : عدم قدرة القوات الصهيونية من جيش وحرس حدود وشرطة على مواجهة هذه العمليات ، على الرغم من كل الإجراءات التي اتخذت والتقارير التي رفعت من قبل أجهزة المخابرات العامة (الموساد) والاستخبارات العسكرية (آمان) والأمن الداخلي (الشين بيت) .

 سادساً : شكلت العمليات النوعية ومهاجمة الدوريات العسكرية السمة الرئيسية للحرب التي شنتها كتائب الشهيد عز الدين القسام خلال شهر كانون الأول من هذا العام 1992 .  

 

 أولاً : عملية الشجاعية 

 

  في الوقت الذي يتم فيه ترتيب أوراق بيع فلسطين وبيت المقدس ، وفي محاولة من السلطات العسكرية الصهيونية لضرب حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الأراضي المحتلة التي لها الأثر الكبير في استمرار الانتفاضة من خلال قياداتها وأفرادها ، قامت القوات الإسرائيلية بحملة اعتقالات شاملة طالت أكثر من مئتين من نشطاء الحركة الإسلامية من شيوخ وأئمة مساجد وغيرهم ممن تعتقد سلطات الاحتلال بأنهم يشكلون الصف الثاني في قيادة الحركة والعمود الفقري في حملة حماس الواسعة لدعوة الناس إلى الجهاد ، وحثهم وتجميعهم لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي . خاب ظن العدو ، إذ لم تمنع الاعتقالات كتائب الشهيد عز الدين القسام من الاحتفال بدخول الانتفاضة المباركة عامها السادس وتقديم الهدية المعتبرة لجماهير شعبنا المجاهدة بهذه المناسبة العزيزة . فقد تحركت إحدى المجموعات العملاقة في كتائب القسام فجر يوم الاثنين 13 من جمادى الثانية 1413هـ الموافق 7 من كانون الأول (ديسمبر) 1992م وقامت بملاحقة إحدى سيارات الدورية العسكرية الإسرائيلية التي كانت تسير مطمئنة على الطريق العام (الشجاعية - بيت لاهيا) . ولدى اقتراب سيارة البيجو (404) - التي كان أسود حماس يستقلونها - من الدورية التي كانت على بعد 800م من حاجز نحال عوز الذي يربط قطاع غزة مع الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1948 ، أمطر اثنان من المجاهدين سيارة الجيب الاسرائيلية بوابل من نيران أسلحتهما الرشاشة مما ادى إلى مقتل ركابها الثلاثة . وتمكن الأبطال المغاوير من الانسحاب بسلام وهم يهتفون "الله أكبر ، الله أكبر .. عاس القسام" وعادت سيارة البيجو الشهيرة بما تحمله من سواعد مباركة إلى قاعدتها بسلام ، على الرغم من حملات التمشيط والتفتيش والطوق الأمني الذي أقامته التعزيزات الضخمة التي دفعتها سلطات العدو بشكل مكثف في محاولة يائسة للنيل من كتائب الإسلام الجبارة التي نفذت العملية الجريئة.

 

حماس تتبنى العملية :

 

  أصدرت كتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس بياناً تبنت فيه العملية (نص البيان في ملحق الوثائق) معاهدة جماهير شعبنا الفلسطيني المجاهد بأن "شلال الدم لن يتوقف ، ومسيرة الجهاد لن تلتفت للوراء ، وعملياتنا ستتواصل حتى النصر او الشهادة" . وأكدت كتائب القسام بأن هذه العملية "لم ولن تكون الأخيرة ، فهي البداية لعمل جهادي متواصل ، لن يتوقف حتى ندحر العدو عن أرضنا ، ويسعد بالخلاص والحرية شعبنا" . وفي البيان العسكري الذي حمل رقم (54) في سلسلة البيانات العسكرية لكتائب الشهيد عز الدين القسام ، عاهدت حماس شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية والإسلامية على "المضي قدماً في درب الجهاد والشهادة ، وسنثبت للعالم إن شاء الله برصاصنا ودمائنا بأن نهج القسام هو السبيل الوحيد لنيل حقوقنا واسترداد مقدساتنا داعين الوفد المفاوض إلى الانسحاب من مهزلة المفاوضات في واشنطن" .

  وأفاد شهود عيان من مكان العملية لمراسلي وكالات الأنباء في قطاع غزة بأن مناشير ألقيت من سيارة البيجو التي كان يستقلها المجاهدون تعلن مسؤولية كتائب القسام عن العملية . (3)[الدستور الأردنية ، العدد 9087 ، 8/12/1992 ، ص22 .] وأكدت مصادر فلسطينية في مدينة غزة بأن كتائب عز الدين القسام أعلنت بمكبرات الصوت في أحياء من مدينتي غزة ورفح مسؤوليتها عن العملية البطولية . (4)[الحياة اللندنية ، العدد 10895 ، 8/12/1992 ، ص4 .] كما كتبت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية يوم 8/12/1992م وتحت عنوان "مسؤولية خلية إجرامية" بأن كتائب عز الدين القسام والتي تعتبر من "اجرأ الخلايا الموجودة في المناطق حيث تمتاز بالحكمة والجراءة القتالية ويمتازون بالذكاء والمهارة العسكرية"، اعلنت مسؤوليتها عن الهجوم الذي استهدف الدورية الاسرائيلية خلال مسيرة جبارة سارت في شوارع غزة الرئيسية بعد ساعات قلائل من وقوع العملية .

 

  أما التلفزيون الإسرائيلي ، فقد نقل عن مراسله من مكان العملية ما نصه "هذا واعلنت مجموعة عز الدين القسام التابعة لحركة حماس مسؤوليتها عن تنفيذ العملية التخريبة من خلال شعارات رددت خلال مسيرة نظمها نشيطو حماس صباح اليوم في شارع عمر المختار في مدينة غزة" . (5)[نشرة أخبار الساعة السابعة والنصف مساء في التلفزيون الإسرائيلي يوم 7/12/1992م .

 

رواية شهود العيان :

 

  الطريق العام بين الشجاعية وبيت لاهيا ، غالبا ما يكون عادة مزدحماً بالعمال الفلسطينيين المتجهين للعمل داخل فلسطين المحتلة منذ عام 1948 في ساعات الفجر الأولى ، ولذلك أوقف جنود الاحتلال سيارات العمال وقاموا بعمليات تفتيش من منزل إلى منزل بحثاً عن شهود عيان لأخذ أقوالهم عما شاهدوه من وقائع وأحداث تتعلق بالعملية الفدائية . (6)[القدس العربي ، العدد1، 8/12/1992 ، ص1 .

 

  يقول شهود العيان ومعظمهم من عمال القطاع : إنه في الساعة الخامسة والربع تقريباً من صباح يوم الاثنين تعقبت سيارة مدنية من نوع بيجو (404) تحمل لوحة تسجيل عربية دورية عسكرية اسرائيلية على طريق الشجاعية - بيت لاهيا ، وعندما كانت الدورية العسكرية تقترب من مفترق فرعي يدخل إلى حي الشجاعية تجاوزتها السيارة التي كان فيها عدد من الشبان لم يعرف عددهم بسبب الظلام . وبدأ ركاب السيارة العربية باطلاق النار باتجاه الدورية من الخلف ومن الجانب مما أدى إلى مقتل ركابها الثلاثة على الفور نظراً لكثافة النيران وقوتها وأفاد الشهود انهم رأوا جنود الجيب غارقين في دمائهم التي كانت تسيل من اسفل سيارة الجيب العسكرية ، والتي ظلت سائرة دون قيادة حتى اصطدمت بسيارة كانت متوقفة في الشارع فيما انطلقت السيارة العربية باتجاه حاجز "إيرز" وركابها يهتفون "الله أكبر .. الله .. عاش القسام" في اشارة إلى كتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) . (7)[الدستور الأردنية ، العدد 9087 ، 8/12/1992 ، ص22 .

 

رواية العدو الصهيوني :

 

  أرجأت الرقابة العسكرية الإسرائيلية نشر نبأ العملية لعدة ساعات إلى حين إخطار عائلات الجنود القتلى . وقال المتحدث باسم جيش الإحتلال الإسرائيلي (موشيه فوجيل) لوكالة "فرانس برس" إن "هذا الهجوم يعد الأدمى الذي يستهدف منذ بدء الانتفاضة جنوداً يعملون في الأراضي المحتلة" . (8)[نفس المصدر السابق] وجاء في سياق البيان العسكري الذي تلاه فوجيل : أن النيران أطلقت على سيارة دورية جيب تقل جنود احتياط من القوات الإسرائيلية في منطقة بيت لاهيا حوالي الساعة 5.30 هذا الصباح ، وأوضح المتحدث العسكري بأن الجنود كانوا يسيرون ببطء على طريق رئيسي يبعد حوالي 800 متر من حاجز على الطريق أقامه الجيش في نحال عوز عندما هاجمهم العرب . وبعد أن أطلقت النيران على السيارة الجيب اصطدمت بحاجز يسد مدخل احد الأحياء السكنية ، ولم يصل جنود آخرون إلا بعد 15 دقيقة . (9)[القدس العربي ، العدد 112 ، 8/12/1992 ،ص1 .

 

  وعلى صعيد القتلى ، ذكر مصدر عسكري إسرائيلي أن الرجال الثلاثة تم تجنيدهم قبل أسبوع لتأدية الخدمة العسكرية السنوية الاحتياطية . وأوردت صحيفة هآرتس الإسرائيلية في عددها الصادر يوم 8/12/1992م أسماء القتلى على النحو التالي : حزاى عميت (24سنة) وهو ضابط برتبة ملازم اول ويسكن كيبوتس ويفيغيم ، وشلومو سباري (28 سنة) وهو ضابط صف برتبة رقيب يقيم في عيون قارة "ريشون ليتسيون" ، اما الثالث فهو الرقيب يهودا زمير (23 سنة) من سكان قطرة "رحويوت" شمال الفالوجة .

 

  أما مراسل التلفزيون الإسرائيلي ، فقد أفاد في نشرة أخبار الساعة السابعة والنصف من مساء يوم 7/12/1992 بأن سيارة عسكرية كان يستقلها ضابط وجنديان ينتمون إلى كتيبة مدرعة في قوات الاحتياط كانت تقوم بنشاط اعتيادي تعرضت إلى نيران بأسلحة خفيفة حوالي الساعة الخامسة من صباح السيوم من خلية من داخل سيارة محلية لاحقت سيارة الجيب ، وأسفر الحادث عن مقتل الجنود الثلاثة الذين لم يتمكنوا من الرد على مصدر النار وتمكنت سيارة (المخربين) من الفرار من مكان الحادث . ويضيف المراسل : أنه استناداً إلى مصادر أمنية إسرائيلية فإن خلية عز الدين القسام في القطاع تضم ثمانية من المطلوبين المسلحين ويترأس هذه المجموعة سالم معروف من سكان مخيم خان يونس ، حيث قام أفراد هذه الخلية بقتل ثلاثة من سكان القطاع في الشهر الماضي بحجة التعاون مع السلطات الإسرائيلية . ونسبت صحيفة هآرتس إلى ضابط إسرائيلي رفيع المستوى يعمل في قطاع غزة قوله بعد ساعات من العملية : "لا يوجد الكثير مما يمكن قوله حول هذه العملية ، فهي عملية خطيرة وجريئة وقد وقعت حوادث مماثلة لها في الماضي ، وستقع حوادث مماثلة لها أيضاً في المستقبل ، لقد ذبح المسلحون الجنود ببساطة . ولم يكن هناك لدى الجنود الثلاثة أية فرصة للنجاة ، بل إنهم لم يستطيعوا حتى الرد على النيران ، لقد قتلوا فوراً" . ويضيف هذا الضابط بأن الجنود الثلاثة خرجوا في دورية عادية حوالي الخامسة صباحاً على الطريق المار خارج غزة ، وبالقرب من المسجد الإيطالي في حي الشجاعية اندفعت باتجاههم سيارة من طراز بيجو (404) تضم شخصين أو ثلاثة مسلحين ببنادق كلاشينكوف وجاليل . وعلى ما يبدو أن المسلحين كانوا قد نصبوا كميناً لسيارة الجيب وكانوا بنتظارها ، وعندما أصبحت على بعد ثلاثة أمتار تقريباً فتح المسلحون النار باتجاه الجنود من الخلف ، ثم لحقوا بالجيب وساروا بمحاذاتها وهم يطلقون النار على الجنود . وتفيد الفحوص الأولية ، ان اثنين وعشرين عياراً نارياً أصابت الجنود الثلاثة بينما وجد على سيارة الجيب (14) عياراً نارياً ، وقد واصلت سيارة الجيب السير وحدها حتى اصطمت بسيارة عربية وتوقفت في حين فر المسلحون . (10)[هآرتس الإسرائيلية ، 8/12/1992 ، ص1 .

 

عزل قطاع غزة عن العالم :

 

  دفعت قيادة جيش العدو بتعزيزات عسكرية ترافقها طواقم طبية إلى مكان العملية ، بعد ان أغلقت السلطات العسكرية المنطقة وقامت بحملات تمشيط وتفتيش مكثفة ، وخاصة للسياراة المتجهة إلى جنوب القطاع (خان يونس ورفح) . فقد اقيمت الحواجز العسكرية ونقاط التفتيش عند مفترقات مختلف الطرق الرئيسية وجرت عمليات التفتيش بشكل دقيق وعلى نطاق واسع شاركت فيها الطائرات المروحية بحثاً عن مجاهدي حماس الذين نفذوا العملية . وهرع رئيس ا{كان الاسرائيلية يهوداً براك برفقة قائد المنطقة الجنوبية اميتان فلنائي إلى موقع الهجوم في الساعة الحادية عشرة والنصف صباحاً ، وأشرفا على عمليات التحقيق والتمشيط . (11)[الرأي الأردنية ، العدد 8156 ، 8/12/1992 ، ص21 .] وفي نفس الوقت ، قالت الإذاعة الإسرائيلية : إن حظر التجول فرض على مدينة خان يونس وأحيائها ومخيمها بالإضافة إلى أحياء سبورة وتل السلطان في مدينة رفح ومخيمات جباليا والنصيرات والبريج والشاطئ وحي الشيخ وبيت لاهيا في مدينة غزة فيما تقوم القوات الصهيونية بعمليات تفتيش لمنازل بحثاً عن أسود القسام الذين خططوا لعمليتهم بشكل جيد وخرجوا على التقاليد المعروفة (!!) على حد تعبير مصادر عسكرية إسرائيلية . (12)[الحياة اللندنية ، العدد 10898 ، 11/12/1992 ، ص5 .]

  وقدر رئيس الأركان الإسرائيلي أن العملية ترتبط بالذكرى الخامسة للانتفاضة وأن جنود الجيش الذين قتلوا تصرفوا حسب القواعد ، ولكنهم لم يتمكنوا من الرد بالنار على المسلحين نظراً لكون "هذه عملية في غاية الخطورة تدل على جرأة كبيرة من المسلحين ، وهذه نتيجة ناجحة من جانبهم وقاسية جداً من جانبنا" . واعتبر (براك) الذي كان يتحدث في منطقة العملية أن "العملية تدل على أن الحديث يدور حول حالة حرب بمعان كثيرة ، بيد أن الجيش لا يمكن أن يتصرف في هذا الوضع مثلما يتصرف في الحرب بسبب معطيات الواقع" . ولكنه طمأن الجمهور الإسرائيلي قائلاً : "إننا سنتخذ جهوداً مكثفة وغير عادية لوضع اليد على منفذي العملية ، وإن كنا الآن لا نعرف بعد من هم" (13)[الفجر المقدسية ، العدد 8117، 8/12/1992 ، ص1 .

 

  أمّا اميتان فلنائي ، فقد توعد باتخاذ إجراءات العقاب الجماعي تجاه المواطنين الفلسطينيين في قطاع غزة وقال : "إن مثل هذه العمليات لن تؤدي إلى تحسين ظروف السكان المعيشية ، وهي تجعلنا نعيد النظر في الإجراءات التي نتخذها للتخفيف عن السكان" ، وذلك في إشارة إلى قرار الإدارة المدنية الأخير السماح لمن هم بين (18-20) عاماً بالعمل في الكيان الصهيوني . (14)[الرأي الأردنية ، العدد 8156 ، 8/12/1992 ، ص21 .

 

  وفي سياق العقوبات الجماعية التي تلجأ اليها سلطات الاحتلال عادة لاثارة سكان القطاع ضد الخلايا الفدائية المسلحة فيه عقب فشل هذه السلطات في تعقب المجاهدين ، أعلن يهودا براك أنه "سيتم إغلاق قطاع غزة مدة غير محددة ، وسيفرض طوق أمني على القطاع بحيث يمنع الدخول إليه أو الخروج منه حتى إشعار آخر وذلك من اجل البحث عن منفذي العملية العسكرية" . (15)[نفس المصدر السابق .] وقد نفذت القوات الإسرائيلية قرار فرض الطوق الأمني على القطاع المجاهد ابتداء من الساعة السابعة من مساء يوم الاثنين 7/12/1992 وحتى إشعار آخر ، كما جاء في قرار القيادة العسكرية الإسرائيلية . (16)[نشرة أخبار الساعة السابعة والنصف مساء في التلفزيون الإسرائيلي يوم 7/12/1992م .

 

كما قررت السلطات العسكرية إغلاق قطاع غزة إغلاقاً كاملاً اعتباراً من فجر يوم الثلاثاء 8/12/1992 ، وهذا يعني منع حوالي مليون مواطن فلسطيني من الخروج من القطاع باعتبار المنطقة "منطقة عسكرية مغلقة" مما حرم حوالي مئة ألف عامل من الذهاب إلى أماكن عملهم سواء داخل القطاع نفسه أو في فلسطين المحتلة عام 1948 . وحرم مئات المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة من مراجعة المستشفيات بالضفة الغربية بما فيها القدس وداخل الكيان الصهيوني مما هدد حياة هؤلاء المرضى بالخطر والموت . وشمل القرار أيضاً منع الشاحنات التي تحمل مواد غذائية من الدخول أو الخروج، وبذلك تعطل تصدير الخضروات والمنتوجات إلى الضفة الغربية والموانئ البحرية والجوية . (17)[القدس العربي ، العدد 1114 ، 10/12/1992 ، ص5 .] وبرر وزير الخارجية الإسرائيلية ، شمعون بيريز والذي يتولى منصب رئيس الوزراء ووزير الدفاع في غياب رابين إغلاق قطاع غزة بقوله "إغلاق القطاع يهدف إلى منع هرب أشخاص مشتبه بهم ، والهدف الأساسي بالطبع هو الإمساك بمن قتلوا جنودنا" . (18)[الدستور الأردنية ، العدد 9088 ، 9/12/1992 ، ص 23 .

 

  ولم تكتف السلطات المجرمة بهذه الإجراءات ، بل استمرت في إخضاع ما يزيد عن ستمئة وخمسين ألف مواطن فلسطيني لحظر التجول الذي فرض عقب العملية مباشرة على مدينتي رفح وخان يونس ومخيماتهما وقراهما (ربع مليون نسمة) بالإضافة إلى مخيمات النصيرات والبريج والشاطئ وجباليا وقرية بيت حانوت وبيت لاهيا وحي الشيخ رضوان في مدينة غزة (400 ألف نسمة) . ومنع جنود الاحتلال موظفي الوكالة والحكومة من التحرك والانتظام بالعمل ، وألغيت تصاريح حظر التجول ولم يسمح إلا لقلة من الممرضين والأطباء وعمال النظافة بهذه التصاريح مما أعاق الخدمات وتأدية العمل بالعيادات والمستشفيات . كما أصيبت أعمال وكالة الغوث والصليب الأحمر بالشلل بعد أن حددت سلطات العدو الحركة للموظفين الاجانب ، هذا عدا عن حرمان أكثر من ربع مليون طالب وطالبة من الدراسة بإغلاق المدارس التي يقدر عددها بما يزيد عن (285) مدرسة لمختلف المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية اضفة إلى الجامعة الإسلامية ومعهد الأزهر . (19)[نفس المصدر] ومنع الجيش الإسرائيلي كذلك ، صيادي السمك الفلسطينيين من الخروج إلى البحر وذلك للحيلولة دون استغلال منفذي العملية للمنافذ البحرية والهرب من القطاع كما تدعي مصادر العدو العسكرية . (20)[القدس العربي ، العدد 1115 ، 11/12/1992 ، ص5 .

 

نجاح القسام وفشل إسرائيل :

 

  واصلت السلطات الصهيونية إجراءاتها التعسفية والهمجية في إغلاق قطاع غزة وفرض منع التجول على غالبية المدن والقرى والمخيمات فيه ، واستمرت عمليات الاعتقال التي طالت العشرات من أنصار حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ومؤيديها . (21)[الحياة اللندنية ، العدد 10898 ، 11/12/1992 ، ص5 . ] ولكن هذه الإجراءات لم تنل من كتائب عز الدين القسام التي نجح مجاهدوها في الإفلات عن حملات التفتيش والمطاردة وعمليات الدهم لمئات المنازل في قطاع غزة من قبل قوى الجيش والأمن الإسرائيلية .

 

  وعلى الرغم من تواصل إغلاق القطاع إلى ما بعد عمليتي الخليل واللد البطوليتين وما رافقتهما من إجراءات تعسفية ، إلا أن تعهد براك واعتقاد فلنائي بأن قوات الأمن الاسرائيلية ستلقي القبض على أسود كتائب القسام الذين نفذوا عملية الشجاعية ذهبت ادراج الرياح . وخاب ظن وزير الخارجية الإسرائيلي (شمعون بيريز) بأن "قوات الامن ستعمل لإلقاء القبض على الجناة والحفاظ على الهدوء في القطاع" على حد قوله تعقيباً على الهجوم الذي استهدف سيارة الجيب الاسرائيلية على طريق الشجاعية - بيت لاهيا . (22)[نفس المصدر رقم 5 .

 

ثانياً : عملية الحاووز 

 

  بدت الضفة الغربية وقطاع غزة وكأنهما تعيشان أجواء حرب حقيقية عقب العملية التي نفذتها كتائب الشهيد عز الدين القسام على الطريق العام (الشجاعية - بين لاهيا) والمعركة التي خاضها الشهيد عصام عبد العزيز براهمة من حركة الجهاد الإسلامي في قرية عنزة يوم الجمعة الموافق 11/12/1992م . فقد عززت الشرطة الإسرائيلية وجودها في مختلف أنحاء فلسطين المحتلة ، ووضع الجيش وحرس الحدود الحواجز على الطرق وفي مشارف مدينة القدس لاجراء التدقيق والتفتيش بهويات المواطنين العرب عند دخولهم فلسطين المحتلة منذ عام 1948 . وتوقع رئيس الأركان الإسرائيلي يهودا براك حدوث المزيد من العمليات وخاصة من قبل من اسماهم "المتطرفين" الذين يعادون مسيرة السلام ويحاولون جهدهم أن يفرضوا إرادتهم بالقوة وهذا ما لا يمكن أن تسمح به (اسرائيل) على حد تعبيره .(23)[الرأي الأردنية ، العدد 8156 ، 8/12/1992 ، ص21 .] وفي تعليق نقلته الصحف الإسرائيلية على لسان (الجنرال) براك عقب عملية الشجاعية ، أكد رئيس الأركان على توقعه السابق وقال : "بتقديري أننا سنشهد طول فترة المسيرة السياسية محاولات المتطرفين القيام بالعمليات المضادة . وينبغي لنا أن نتذكر أن لنا نجاحات غير قليلة في القبض على المطلوبين وقتل المطلوبين ومنع وإحباط العمليات المسلحة ، ولكن لا يجوز لنا أن نوهم أنفسنا ، ففي هذا الصراع قد يكون لنا إصابات أخرى" (24)[الفجر المقدسية، العدد 8117 ، 8/12/1992 .

 

  لم تترك كتائب الشهيد عز الدين القسام رئيس الأركان الإسرائيلي ينتظر طويلاً ، فقد تحركت سرية شهداء الأقصى التابعة للكتائب المغوارة مساء يوم السبت 17 من جمادى الثانية 1413هـ الموافق 12 من كانون الأول (ديسمبر) 1992م، وقامت بملاحقة سيارة جيب عسكرية في شوارع مدينة خليل الرحمن في عملية بدت وكأنها صورة طبق الأصل عن عملية الشجاعية ، فقد اطلق المجاهدون نيران الأسلحة الآلية من سيارة تحمل لوحة تسجيل عربية باتجاه سيارة الجيب الإسرائيلية بينما كانت تمر بمنطقة الحاووز مما أدى إلى انقلابها وإصابة ركابها الثلاثة بإصابات قاتلة ، في حين عادت سرية شهداء الأقصى إلى قواعدها بسلام .

 

حماس تتبنى العملية :

 

  أعلنت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) مسؤوليتها عن الهجوم ، وقال أحد أعضاء الحركة في مكالمة هاتفية لإحدى وكالات الأنباء العالمية أن العملية تأتي بمناسبة الذكرى السنوية السادسة لتأسيس الحركة في 14 من كانون الأول (ديسمبر). (25)[الدستور الأردنية ، العدد 9093 ، 14/12/1992 ، ص25 .] وكانت كتائب عز الدين القسام قد أصدرت بياناً عسكرياً حمل رقم (55) ، عاهدت فيه شهداء فلسطين بأن كتائب القسام ستبقى ماضية على درب الجهاد والشهادة حتى تحرير كامل التراب الإسلامي الفلسطيني من دنس اليهود . وقال البيان أن عملية الحاووز في مدينة الخليل ، تؤكد معارضة حماس لمفاوضات السلام ، وجاءت رداً على الهجمات الغادرة لأفراد الوحدات الإرهابية الخاصة ضد مجاهدينا وشعبنا ، "ووفاءً لروح الشهيد عصام براهمة من اخواننا في حركة الجهاد الإسلامي والذي خضب تراب فلسطين بدمه الطهور بعد معركة بطولية مشرفة في قرية عنزة المجاهدة" .

 

  كما نقلت وكالة "رويتر" من قطاع غزة أن ثلاثة رجال ملثمين ساروا إلى وسط مخيم خان يونس بعد ظهر يوم الأحد 13/12/1992 وأطلقوا النار في الهواء وأعلنوا انهم نفذوا لتوهم كميناً أسفر عن وقوع قتلى إسرائيليين ، وقال هؤلاء المجاهدون : أنهم انتزعوا أسلحة الجنود القتلى قبل أن يعودوا عبر (اسرائيل) إلى قطاع غزة ، وعندها أخذت الجموع من حولهم تهلل وتردد الأناشيد . (26)[العرب العالمية ، العدد 3963 ، 15/12/1992 ، ص2 .

 

اعتراف العدو الصهيوني :

 

  منعت الرقابة العسكرية الإسرائيلية نشر أنباء العملية لأكثر من (12) ساعة إلى حين إخطار عائلات الجنود الذين تعرضوا للكمين . وقال مصدر عسكري في جيش الاحتلال : إن النار اطلقت تحت جنح الظلام من سيارة عربية مسرعة باتجاه الدورية الإسرائيلية التي كانت تسير في منطقة الحاووز بمدينة الخليل ، وأن سائق سيارة الدورية فقد السيطرة على السيارة فانحرفت عن الطريق وسقطت في واد . وتبين - والرواية ما تزال للمصدر الإسرائيلي - أن الرقيب أول يوفال توتانجي (24 عاماً) وهو من سكان إيلات قد قتل في حين أصيب ضابط الدورية بجراح خطيرة للغاية وكانت اصابة الجندي الثالث متوسطة . (27)[القدس العربي ، العدد 1117 ، 14/12/1992 ، ص5 .

 

  وإذا كان العدو قد دأب على التقليل من الخسائر البشرية التي يمنى بها جيشه من جراء عمليات المجاهدين وعزو الإصابات القاتلة إلى حوادث الطرق وأثناء التدريب ، إلا أن جيش الاحتلال لجأ هذه المرة إلى الإعلان عن وفاة الجندي الثالث الذي كان قد أعلن عن إصابته بجراح متوسطة في ساعة متأخرة من مساء يوم السبت نتيجة "حادث عمليات" بجنوب لبنان . وبالرجوع إلى البلاغات العسكرية سواء العائدة للجيش الإسرائيلي نفسه أو تلك التي تصدرها ميليشيا جيش لبنان الجنوبي المتعاون معه نجد أنها لم تشر إلى أي اشتباك أو هجوم تعرضت له القوات الإسرائيلية طوال يوم السبت 12/12/1992 ، وحتى البيانات الصادرة عن الأحزاب والجماعات اللبنانية التي تقوم عادة بعمليات ضد الجيش الإسرائيلي لم تذكر أن اشتباكاً حصل في ذلك اليوم . وهذا يعني أن العريف حاييم بارناتان البالغ من العمر (19) عاما ومن سكان القدس قد قتل في عملية الحاووز في مدينة خليل الرحمن . (28)[نفس المصدر السابق .

 

الإجراءات القمعية الإسرائيلية :

 

  بدا الجيش الإسرائيلي عاجزاً عن فعل أي شيء سوى فرض طوق أمني وحظر التجول على مدينة الخليل بأكملها بحثاً عن الخلية التي نفذت العملية ، حيث شرعت القوات الصهيونية في عمليات تمشيط واسعة النطاق فيما أقيمت الحواجز العسكرية ومنع سكان المدينة من الخروج . (29)[نفس المصدر السابق] وأقامت السلطات العسكرية نقطتي مراقبة عسكرية في منطقة باب الزاوية ، الأولى على سطح عمارة المدينة المنورة والثانية على سطح عمارة مكتبة البلدية وذلك بهدف مراقبة تحركات المواطنين . (30)[صوت الشعب ، العدد 3507 ، 21/1/1993 ، ص13 .] وكعادته زار رئيس الأركان الإسرائيلي مكان العملية ، وأكد مجدداً انه سيلقي القبض على الفاعلين ، إلا أنه تدارك الوضع موضحاً أنه سيلقي القبض عليهم طال الزمان أو قصر . (31)[مجلة فلسطين المسلمة ، العدد الأول ، السنة 11 ، كانون الثاني (يناير) 1993 ، ص10 .

 

وإزاء الفشل الذي منيت به سلطات الإحتلال وعلى الرغم من كل الإجراءات التي اتخذتها ، سواء للحد من هجمات كتائب القسام ، أو لإلقاء القبض على منفذي عمليتي الشجاعية والحاووز في الخليل ، قررت قيادة العدو في أعقاب التحقيق الذي أجرته عقب عملية الحاووز عدم السماح للسيارات الفلسطينية بتجاوز السيارات العسكرية الإسرائيلية إبان الليل على طرق الضفة الغربية وقطاع غزة . وذكرت صحيفة يديعوت احرونوت التي أوردت هذا النبأ أن الجيش منع كذلك السيارات العسكرية من التجول في شوارع معينة في الضفة والقطاع خلال ساعات الليل بشكل منفرد . (32)[النهار المقدسية ، العدد 2081 ، 15/12/1992 .

 

  وقد أدى هذا القرار إلى حدوث العديد من حوادث إطلاق النار على المواطنين الفلسطينيين بحجة تجاوز سياراتهم للدوريات العسكرية ، إذ نسبت صحيفة حداشوت الإسرائيلية إلى عماد عباسي (33 عاماً) من سكان طولكرم قوله : إنه تجاوز سيارة عسكرية إسرائيلية كانت تسير ببطء شديد على مداخل قرية عنبتا ، وبعد أن تجاوزها بحوالي خمسين متراً أطلق جنود الدورية النار عليه وأصابوه في ظهره بجراح متوسطة ، بينما لم تصب زوجته وابنتاه اللواتي كن بصحبته في السيارة بأذى . (33)[الرأي الأردنية ، العدد 8192 ، 13/1/1993 ، ص20 .

 

  ثالثاً : عملية الوفاء للشيخ أحمد ياسين 

 

  حين بدأت السلطات العسكرية الإسرائيلية محاكمة الشيخ المجاهد أحمد ياسين الذي اقتيد إلى قاعةالمحكمة على كرسي متحرك يضم جسده المشلول من أصابع القدم حتى العنق ، لم تصدق وسائل الإعلام العالمية يومها أن هناك حكومة أو قاضياً يمكن أن يسجن هذا الجسد المشلول ذا الإرادة الفولاذية ، ولكن الحكم الذي أصدره قضاة اليهود بحق شيخ الانتفاضة لم يكن غريباً ولا مستعجباً ، فقد اعتاد المسلمون على حقد اليهود وكراهيتهم منذ السنوات الأولى لبعثة الرسول الكريم ^ إلى أن ابتليت ارض فلسطين المباركة بحفدة القردة والخنازير أولئك .

 

  لقد استطاع الشيخ بثقته ويقينه في الله سبحانه وتعالى أن يحول محاكمته إلى محاكمة للاحتلال ، وخرج عليهم شامخاً عملاقاً لا يخيفه حكم ولا يرهبه عسكر وسلاح ، وحول سجنه إلى مدرسة يتخرج فيها الدعاة والمجاهدون على الرغم من حالته الصحية التي أخذت في التدهور بشكل خطير .

 

  فقد أكد محاميه الأستاذ عبد الملك الدهامشة أنه بحاجة إلى عملية جراحية في عينه اليسرى ، في حين أنه لا يرى أبداً في عينه الأخرى . وأضاف "إنه لا يسمع عمليا ، ويعاني باستمرار من اضطرابات تنفسية خطيرة ، ويهتم به المجاهدان المحتجزان اللذان يقاسمانه الزنزانة كما لو أنه طفل في الشهر الأول من عمره . فهو عاجز عن الحركة ، سواء أكان في كرسيه النقال أم عندما يوضع على الأرض ولكنه لا يزال في مقدرته التكلم ، وهو في وعيه الكامل . وفي الواقع ليس هناك سوى دماغه الذي يعمل بانتظام (34)[الحياة اللندنية ، العدد 10900 ، 13/12/1992 ، ص3 .] . وإزاء هذا الوضع الصحي الصعب الذي يعيشه شيخ الانتفاضة ، ورفض السلطات العسكرية الصهيونية النداءات الدولية المختلفة لتوفير العناية الصحية الملائمة له ونقله إلى سجن في قطاع غزة حيث المعتقلون اكثر عدداً وبإمكانهم أن يتناوبوا يومياً على الاهتمام به ، كان لا بد لكتائب الشهيد عز الدين القسام من التدخل لإنقاذ حياة شيخ الانتفاضة ، ولم يكن أمام المجاهدين سوى طريق واحد، وهو أسر أحد  ضباط أو جنود العدو واحتجازه في مكان آمن ، والمطالبة بإطلاق سراح الشيخ ، ولم تكن هذه العملية بالشيء السهل ، فالاحتفاظ بأسير حي في المناطق الخاضعة لسيطرة العدو ينطوي على مخاطر كبيرة . كما أن العملية تحتاج لرجال اتصال ومساعدين ، ولا بد من التجول وتغيير المكان ، وإطعام الأسير ، وحراسته ، وهذا يحتاج إلى تخطيط محكم وجرأة في التنفيذ .

 

احتجاز نيسيم طوليدانو :

 

  تميزت العمليات التي نفذت من قبل كتائب الشهيد عز الدين القسام بدقة التخطيط ، وجرأة المجاهدين الذين تولوا عمليات التنفيذ ، وذلك باعتراف العدو نفسه . فقد كتب المعلق العسكري لصحيفة هآرتس (رئيف شيف) : "يلاحظ منذ حوالي الشهر تغير في أساليب عمل خلايا حماس ، إذ أصبحت توجه مجهوداتها ضد قوات الأمن وضد الذين يرتدون الملابس العسكرية ولا يتورعون عن خوض صدامات مباشرة مع الدوريات المسلحة للجيش ...... ومن الواضع أنه تسبق هذه العمليات نشاطات استخبارية وتخطيط وجمع معلومات" (35)[القدس المقدسية ، العدد 8367 ، 15/12/1992 ، 92 .

 

  وبعد العمليات الجهادية الموجعة التي نفذتها كتائب الشهيد عز الدين القسام في كل من غزة والخليل وتصعيد الكتائب حربها وجهادها الدامي ضد جنود العدو وآلته العسكرية ، جاء يوم الوفاء لمؤسس حماس وزعيمها الشيخ المجاهد أحمد ياسين عندما قامت المجموعة (53) من الوحدة الخاصة (مصعب) في كتائب عز الدين القسام ، وبعد عمليات رصد واستطلاع بأسر الرقيب أول نيسيم حبيب طوليدانو (29 عاماً - أصله من يهود المغرب) في الساعة الرابعة والنصف من فجر يوم الأحد 18 من جمادى الثانية 1413هـ الموافق 13/12/1992 ، بينما كان يغادر منزله في مدينة اللد متوجهاً إلى مقر سريته في حرس الحدود في رام الله . وبعد أن تم تجريده من سلاحه ، قامت المجموعة بنقل الأسير إلى مكان في انتظار تلبية مطالب حماس التي قام اثنان من المجاهدين الملثمين بتسليمها إلى إحدى موظفات الصليب الأحمر الدولي في مدينة رام الله في حوالي الساعة الحادية عشرة قبل الظهر (36)[الشرق الأوسط ، العدد 5130 ، 14/12/1992 ، ص1 و ص4  .

 

  كانت مطالب المجاهدين التي أرفق بها صورة للهوية العسكرية العائدة للرقيب أول طوليدانو (يحمل بطاقة رقم 068343946) واضحة وبسيطة بالمقارنة مع عمليات حجز الرهائن التي نفذتها المنظمات الفلسطينية في السابق ففي مقابل إطلاق سراح الأسير الإسرائيلي ، يقوم العدو الصهيوني بإطلاق سراح الشيخ احمد ياسين في مدة أقصاها الساعة التاسعة من مساء ذلك اليوم (أي بعد حوالي عشر ساعات) وتكون هذه العملية ضمن الشروط التالية : (37)[الحياة اللندنية ، العدد 1901 ، 14/12/1992 ، ص1 .

 

التزام أجهزة الاحتلال الإسرائيلية بالمهلة المحددة وإلا فسيتم قتل الأسير فور انتهائها :

 

 إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين أمام مندوب الصليب الأحمر الدولي وبحضور سفراء كل من مصر وفرنسا ، والسويد ، وتركيا . وتعهد سلطات العدو أمامهم على ألا تعود لاعتقال الشيخ بعد إطلاق سراحه .

 يبث التلفاز الإسرائيلي إجراء إطلاق سراح الشيخ والتعهدات أمام السفراء .

 تتعهد كتائب عز الدين القسام بإطلاق سراح الأسير الإسرائيلي عقب إطلاق سراح الشيخ مباشرة وبالطريقة التي تراها الكتائب مناسبة .

 تحذر الكتائب سلطات العدو من محاولة المساس بالشيخ لأن ذلك سيكلفها غالياً .  

 

مناورات لكسب الوقت :

 

  لم تكن عملية حجز الرهائن والمطالبة بالإفراج عن الأسرى من السجون الإسرائيلية جديدة في تاريخ العمل العسكري الفلسطيني ، فقد سبق أن نفذت مثل هذه العمليات في فترة معينة ، إلا أن الجديد بالفعل هو تنفيذ مثل هذه العمليات من قبل مجموعات من داخل الأرض المحتلة ، وهذا لم يكن في السابق .

 

  وبالنسبة للكيان الصهيوني فقد كان يلجأ عند حدوث عمليات حجز الرهائن إلى استخدام ما يسمى بنظرية دايان التي جرى اعتمادها بعد نجاح الجيش الإسرائيلي في السيطرة على الطائرة المخطوفة في مطار اللد عام 1972 . وتقوم هذه النظرية على افتعال فتح حوار مع الفدائيين ، وبلبلتهم ، وشن حرب نفسية عليهم ، سعياً لكسب الوقت قبل القيام بالهجوم على مكان احتجاز الرهائن وتحريرهم من قتل الفدائيين (38)[الكفاح المسلح عام 1974 ، (بيروت : منظمة التحرير الفلسطينية - الإعلام الموحد ، 1974) ، ص35 .] . وهذا ما سعى إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي (إسحاق رابين) في تعامله مع مجاهدي كتائب عز الدين القسام الذين أسروا الرقيب أول نيسيم طوليدانو ، ويبدو أنه غاب عن رابين ومستشاريه حقيقة عدم معرفة الجيش والمخابرات الإسرائيلية بكافة تشعباتها بالمكان الذي احتجز به طوليدانو . فجهل الكيان الصهيوني بالمكان الذي أخفى فيه المجاهدون الرهينة جعل حماس ومطالبها المتواضعة تتبوأ مكاناً أقوى من المنظمات ومجموعاتها الاستشهادية التي قامت بحجز رهائن في السابق .

 

  أطلع رابين أعضاء حكومته خلال الاجتماع الأسبوعي على عملية أسر الرقيب أول طوليدانوا من قبل حركة حماس ، وبدأ رابين مرواغته عندما أعلن للتلفزيون الإسرائيلي أن إسرائيل مستعدة في هذه المرحلة "مقابل إشارة تثبت أن طوليدانو على قيد الحياة أن تتحادث مع محتجزيه" وأضاف "أن نتحادث وليس أكثر من ذلك" وهو شرط مستحيل في ظل الانتشار العسكري الكثيف والطوق الأمني المفروض على المناطق المحتلة . ورفض رابين خلال المقابلة الكشف فيما إذا كان سيوافق على إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين إذا وافق مجاهدو الكتائب على إطلاق سراح ضابط صف حرس الحدود (39)[القدس المقدسية ، العدد 8367 ، 15/12/1992 .] . ونقلت الإذاعة الإسرائيلية عن وزير الشرطة (موشيه شاحل) أنه يرفض "التفاوض مع الخاطفين طالما لم يقدم هؤلاء أي دليل على أن الجندي المخطوف ما زال على قيد الحياة" (40)[مجلة الحرية ، العدد 1557 ، 20/12/1992 ، ص19 .

 

  وبدلاً من سماع لغة العقل والحكمة بالإفراج الفوري عن الشيخ أحمد ياسين لضمان سلامة الأسير الإسرائيلي ، ودون التعليق على تهديد حماس ، اكتفى ناطق باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي بالقول إن إسرائيل "تنظر بمنتهى الخطر إلى حادث خطف الرقيب أول نيسيم طوليدانو وتطلب الإفراج عنه فوراً وتحمل خاطفيه المسؤولية عن حياته وتحذر من المس بها" . وأضاف "إنه أمر مفروغ منه أننا لن نقوم بأي خطوة أو محاولة للاتصال قبل أن نقتنع ونحصل على دليل أكيد أن الرقيب ما زال على قيد الحياة ومعافى . ولا يعني ذلك أننا سنبدأ مفاوضات مع خاطفيه حالما نحصل على الدليل" (41)[الحياة اللندنية ، العدد 10902 ، 15/12/1992 ، ص1 .

 

  أما على صعيد الواقع العملي ، فقد دعا مفتش عام الشرطة (الجنرال) يعقوب تيرنز إلى عقد جلسة خاصة لكبار ضباط الشرطة وعين (الميجر جنرال) آساف حيفتس رئيساً للطاقم الذي يقوم بالتحقيق وتنسيق أعمال التمشيط بحثاً عن المجاهدين . وشاركت قوات إسرائيلية كبيرة من الجيش والشرطة وحرس الحدود ، تسندها الطائرات المروحية بالبحث عن السيارة التي استخدمها المجاهدون في خطف طوليدانو من مدينة اللد ، حيث قامت عشرات الطائرات المروحية بالبحث من الجو وإرشاد الجنود للتحركات على الأرض مستخدمة أجهزة إشعاعية حرارية للكشف عن أماكن حفرت حديثاً في الأرض ، إذ شوهد الجنود يحفرون في بعض المناطق توقعاً منهم أن طوليدانو قد قتل ودفن فيها أو أنه في مخبأ تحت الأرض . (42)[المسلمون السعودية ، العدد 412 ، 25/12/1992 ، 42 .

 

  ونصبت القوات الإسرائيلة حواجز عسكرية عديدة في مختلف أنحاء الضفة الغربية وقطاع غزة ، وتركزت هذه الحواجز على الطرق الرئيسية الموصلة إلى القطاع وعند مدخل مدينة رام الله حيث قام الجنود بعمليات تفتيش دقيقة للسيارات العربية والأشخاص الداخلين إلى هذه المناطق والخارجين منها . كما اقتحمت قوات الاحتلال عدة مساجد في قطاع غزة كانت تتوقع أن يكون المجاهدون قد أخفوا الأسير فيها وشملت المداهمة مساجد العباسي والسوسي والسلام والشيخ زكريا وأبو خضرا . (43)[الرأي الأردنية العدد 8162 ، 14/12/1992 ، ص24 .

 

ولم يسلم المسجد العمري الكبير في مدينة غزة من عبث اليهود ، فقد تعرض لعملية تفتيش واسعة النطاق من قبل القوات الصهيونية التي اقتحمته في نطاق بحثها عن طوليدانو (44)[الدستور الأردنية ، العدد 9095 ، 16/12/1992 ، ص20 .

  وشهدت الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 أجواء حرب حقيقية ، فقد أغلقت القوات الإسرائيلية هذه المناطق إلى أجل غير مسمى . ومنعت السلطات العسكرية سفر المواطنين الفلسطينيين إلى المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1948 وأغلقت جسري دامية واللنبي في وجه المغادرين منهم إلى الأردن (45)[النهار المقدسية ، العدد 2082 ، 16/12/1993 ، ص1 .]. وسارت عربات تابعة للجيش وبها مكبرات صوت في شوارع قطاع غزة تأمر السكان بعدم مغادرة منازلهم ، في حين ظل حظر التجول مفروضاً على مدينة خليل الرحمن بعد أن فرض عقب الكمين الذي نفذه مجاهدو كتائب عز الدين القسام ضد إحدى دوريات العدو يوم السبت 12/12/1992 . كما أوقف الجنود الإسرائيليون عند حواجز الطرق السيارات وأعادوا الفلسطينيين الذين حاولوا دخول فلسطين المحتلة عام 1948 ، وتلقى مواطنو الضفة والقطاع داخل المناطق المحتلة عام 1948 أوامر بالخروج منها والعودة فوراً إلى أماكن سكناهم (46)[القدس العربي ، العدد 1118 ، 15/12/1992 ، ص1 و ص5 .

 

  وفي تصعيد واضح للموقف ، ألغت سلطات الاحتلال إجازات جميع أفراد الشرطة وحرس الحدود ووضعت قوات الجيش وحرس الحدود والشرطة في حالة استنفار شامل ، وشنت هذه القوات حملة اعتقالات هستيرية طالت (1300) فلسطيني يشتبه بتأييدهم لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) بعد عمليات مداهمة للمنازل في قطاع غزة ومدن جنين والخليل وطولكرم ونابلس تم خلالها تفتيش هذه المنازل والعبث بمحتوياتها وتوجيه الإهانات لقاطنيها وصلت إلى حد التعرض لهم بالضرب (47)[الشرق الأوسط ، العدد 5132 ، 16/12/1992 ، ص3 .] . كما داهمت الشرطة الإسرائيلية عدداً من المنازل في بلدتي الطيرة والطيبة في منطقة المثلث المحتلة منذ عام 1948 بدعوى التفتيش عن العمال الفلسطينيين من الضفة الغربية والقطاع . (48)[مجلة الحرية ، العدد 1558 ، 27/12/1992 ، ص15 .] وبات واضحاً أن الحكومة الإسرائيلية - بإجراءاتها القمعية الشاملة التي اتخذتها ضد الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع ومسلسل الأعمال الإرهابية الجماعية ضد الاتجاه الإسلامي والمتعاطفين معه - لا تريد أن تنفذ مطالب المجاهدين وتنقذ أسيرها المحتجز لدى كتائب عز الدين القسام ، خاصة بعد أن حاولت إقناع المجاهدين بتمديد المهلة عبر تقديم الشيخ أحمد ياسين على شاشات التلفزيون الإسرائيلي قبل ساعة من إنتهاء المهلة التي حددها بيان الكتائب على أمل أن تتمكن قوات الجيش - مستعينة بالمعلومات التي جمعتها أجهزة الاستخبارات - من تحديد المكان الذي يحتجز فيه طوليدانو . وبدا الشيخ الذي تحدث من سجنه في شمال تل أبيب هزيلاً وظهر التعب واضحاً عليه وتحدث بصوت خافت من على كرسيه المتنقل . ولاحظ المراقبون أن القرار ببث مقابلة مع الزعيم الروحي لحركة حماس اتخذ في وقت متأخر وبثت في المرة الأولى من خارج استوديوهات التلفزيون الإسرائيلي وبصوت رديء وذلك من اجل عدم إضاعة الوقت والوصول إلى الخاطفين في محاولة للتأثير على قرارهم لا سيما أنهم طالبوا في بيانهم أن يبث التلفزيون الإسرائيلي إجراءات إطلاق سراح الشيخ المجاهد . (49)[الحياة اللندنية ، العدد 10902، 15/12/1992 ، ص5 .

 

رابين يتحمل مسؤولية مقتل طوليدانو :

 

  كانت المهلة التي أعطاها مجاهدو كتائب عز الدين القسام كافية لتنفيذ شرطهم الوحيد ، وهو إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين . فلماذا لم ينفذ رابين هذا الشرط إذا كان بالفعل يريد المحافظة على حياة جندي محترف طالما زرع الرعب والرصاص في صدور وقلوب أطفال الشعب الفلسطيني ؟ ولكنه أراد التلاعب بالوقت والمماطلة واعتماد الخديعة إلى أن يتمكن من تحديد مكان الأسير ، وعندها يلجأ إلى تنفيذ عملية تلفزيونية تظهر أن أجهزة الأمن الإسرائيلية تتمتع بقدرات خارقة وبطولات أسطورية . ولذلك كرر الراديو والتلفزيون الإسرائيليان إذاعة المقابلة التي أجريت مع الشيخ أحمد ياسين مستغلاً دعوة الشيخ الإبقاء على حياة الأسير حتى تستجاب مطالبهم (انظر نص المقابلة في ملحق الوثائق) ، في حين أصر رابين ووزير شرطته موشيه شاحل بأنهم يريدون إثباتاً بأن الرقيب أول طوليدانو ما زال على قيد الحياة . (50)[نفس المصدر السابق .] وفي نفس الوقت أشار المراسل العسكري للإذاعة الإسرائيلية وفي معرض نقله لنبأ الاجتماع الذي عقده رابين مع بعض وزرائه في مبنى وزارة الدفاع عند منتصف الليل لمعالجة قضية طوليدانو إلى أنه "وكما في الماضي فإن إسرائيل لن ترضخ لضغوط الخاطفين كي لا تتكرر مثل هذه العمليات" . (51)[السفير اللبنانية ، العدد 6361 ، 15/12/1992 ، ص1 .] وكان رابين قد التقى أيضاً زعيم تكتل الليكود المعارض إسحق شامير الذي أعلن تأييده "لكل ما 

تقوم به الحكومة لإنهاء هذه القضية" . (52)[الحياة اللندنية ، العدد 10902 ، 15/12/1992 ، ص5 .

 

  وإذا كانت أجهزة الدعاية والإعلام المرتبطة بأجهزة المخابرات الإسرائيلية وعملائها قد طبلت ونفخت في أبواقها المهزومة عن إرهاب حركة حماس عقب تنفيذ كتائب عز الدين القسام لتهديدهم وتصفية الرقيب أول نيسيم طوليدانو في أعقاب انتهاء المهلة المحددة للإفراج عن الشيخ أحمد ياسين ، فإن إسحاق رابين وحكومته يتحملون المسؤولية كاملة ، فقد كان البيان الذي قدمته الحركة وتضمن مطالبها المشروعة واضحاً وكذلك تصريحات الناطق الرسمي لحماس (المهندس إبراهيم غوشة) وتأكيدات ممثلي الحركة مصطفى القانوع ومحمد نزال بأن الأسير سيواجه "خطراً شديداً" إذا لم تسرع السلطات الإسرائيلية إلى الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين ، ومما جاء في تصريحات ممثل الحركة في لبنان لوكالة الأنباء التلفزيونية فيزنيوز :"كان ينبغي على اليهود أن يسارعوا ويفرجوا عن الشيخ أحمد ياسين حسب المهلة ويقبلوا هذه المقايضة التي تخدمهم إنسانياً وألا يماطلوا . . . . أما وأنهم يطلبون الآن الدليل على أنه - أي الأسير - حي فهذه مماطلة وتسويف ليقوموا بعملية قد تصل بهم إلى القبض على الخاطفين أو قتلهم . الخطر سيكون شديداً على هذا الضابط إذا هم لم يسارعوا فعلاً إلى الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين" . (53)[نفس المصدر السابق .

 

  وكان الدكتور عبد العزيز الرنتيسي وهو من مؤسسي حماس قد حذر رابين من المماطلة والتسويف قائلاً : "الحقيقة أن العملية تدل على تخطيط محكم وجيد وتحظى بتأييد واسع في أوساط الشعب الفلسطيني وأرى أن على رابين أن يحافظ على حياة الجندي ويطلق سراح الشيخ ياسين فوراً" . واقترح الدكتور الرنتيسي في اتصال تليفوني له بوكالة رويتر أن تقوم إسرائيل بتسليم الشيخ إلى الصليب الأحمر في مقابل الإفراج عن الجندي ، في حين حث الدكتور محمود الزهار ، رابين على إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين لأسباب إنسانية ومراعاة لحالته الصحية مما يتيح الأمر أمام حماس لإطلاق سراح الأسير الإسرائيلي وبذلك يتم تفادي إراقة الدماء . ودعا الدكتور الزهار الكيان الصهيوني إلى حل وسط يحفظ ماء وجهها ويمنع المزيد من التدهور ، مقترحاً في مقابلة مع الإذاعة الإسرائيلية تشكيل لجنة طبية محايدة تضم ثلاثة أطباء من اللجنة الدولية للصليب الأحمر عل سبيل المثال لمعانية الحالة الصحية للشيخ وتقديم تقرير طبي في أسرع وقت ، بحيث تتمكن الحكومة الإسرائيلية من الإفراج عن الشيخ إذا قررت أغلبية اللجنة الإفراج عنه لأسباب إنسانية ، وعندها يعود الجندي إلى عائلته . (54)[السفير اللبنانية ، العدد 6361 ، 15/12/1992 ، ص11 .] وأضاف الدكتور الزهار : "أنا على يقين أنها - أي اللجنة - تستخلص بعد فحصه إلى أنه يجب إطلاقه ، فأنا أعرفه جيداً وأعرف وضعه الصحي" (55)[الحياة اللندنية ، العدد 10902 ، 15/12/1992 ص4 .

 

  أمام هذه الوقائع ، لم يكن أمام حماس لمواجهة سياسة المماطلة الإسرائيلية إلا خياران لا ثالث لهما :

 

   الأول : أن تقوم بعملية تصفية جسدية للرقيب أول طوليدانو حتى تلقن حكومة العدو درساً في كيفية التعامل مع مطالب المقاومة الإسلامية فتأخذها بجدية وتستجيب لها ، وهذا ما فعلته حماس . 

 

 والخيار الثاني الذي كان أمام كتائب عز الدين القسام : هو إطلاق سراح الأسير بلا شروط وبدون مفاوضات ، لأن إطالة أمد المفاوضات كان مجرد تكتيك إسرائيلي يهدف إلى معرفة مواقع الأسير والمجاهدين للانقضاض عليهم وإحباط حالة الانتعاش التي مست نفسية الفلسطيني عقب نجاح عمليتي غزة والخليل وعند نجاح عملية أسر طوليدانو من مدينة اللد

  وقد اعترف وزير الإسكان في الحكومة الإسرائيلية "بنيامين بن اليعارز" خلال المقابلة التي أجراها نعمى ليفنسكي من صحيفة يديعوت احرونوت معه بان حكومته لم تفكر أبداً في إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين ، حيث سجل الصحافي ليفنسكي على لسانه العبارات التالية : "ليس فقط أنه لم يكن هناك حاجة لإطلاق سراح الشيخ ياسين ، بل ولم نفكر بذلك ، إن أي حل يمكن أن يكون أسهل من هذا الحل ، لأنه سيؤدي إلى عمليات اختطاف يومية ويؤدي إلى تحطيم استراتيجية الحكومة . إن وجود هذا الشخص في المناطق (الضفة الغربية وقطاع غزة) يؤدي بحد ذاته إلى إلحاق أضرار بأمن الدولة . إن سجنه أفضل من إطلاق سراحه ، وبالمناسبة ستجرى له عملية جراحية" . (56)[القدس المقدسية ، العدد 8369 ، 19/12/1992 ، ص8 .]

 

انتهاء المهلة والعثور على جثة طوليدانو :

 

  في وقت ما بين الساعة الحادية عشرة من مساء يوم الأحد وقبل طلوع شمس يوم الاثنين اتخذت كتائب عز الدين القسام قراراً بإعدام الضابط الصهيوني بعد أن أدركت توجه الحكومة الإسرائيلية منذ بداية حملة الاعتقالات واسعة النطاق ومراوغة رابين ورفضه تطبيق شروطهم . وقد ألقيت جثته قرب مستوطنة معاليه أدوميم الواقعة على الطريق بين مدينة القدس وأريحا حيث عثرت إحدى البدويات أثناء رعيها للجمل الذي تملكه عائلتها ، على جثة الرقيب أول نيسيم طوليدانو ملقاة في واد ينحدر على نحو 300 متر عن المستوطنة في الساعة الثامنة والنصف من صباح يوم الاثنين . وروى ناصر محمد أبو داهوق للإذاعة الإسرائيليةأنه توجه إلى مختار القبيلة بعد أن أبلغته زوجته بوجود الجثة ، حيث اصطحبه إلى مركز شرطة معاليه أدوميم ومن ثم إلى مركز الإدارة المدنية الإسرائيلية في بلدة أبو ديس المجاورة . (57)[العرب العالمية، العدد 3963 ، 15/12/1992 ، ص1 .

 

  وأعلنت الإذاعة الإسرائيلية أن نتائج التشريح الذي قام به معهد أبو كبير للطب الشرعي قرب تل أبيب ، أظهر أن الوفاة حصلت بعد انقضاء المدة التي جدَّدتها حماس للحكومة الإسرائيلية حيث قتل الرقيب أول طوليدانو بخمس طعنات سكين في العنق وطعنة في الصدر ما بين الحادية عشرة من ليلة الأحد والثالثة من فجر يوم الأثنين . (58)[الشرق الأوسط ، العدد 5133 ، 17/12/1992 ، ص4 .

 

بيان حماس يوضح عدم جدية الحكومة الإسرائيلية :

 

  بثت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بياناً يوم 15/12/1992 قالت فيه : "إنه ثبت للجميع أن سلطات الاحتلال الصهيوني لم تكن جادة ولا معنية بالحفاظ على سلامة أسيرها الضابط طوليدانو ، فقد رفضت الاستجابة لمطلب الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين ، وراحت تشترط الشروط المختلفة في محاولة منها لكسب المزيد من الوقت لصالح عمليات التفتيش الشامل التي نفذتها قوات الجيش والشرطة وحرس الحدود .

  إننا وبناء على ذلك نحمل حكومة العدو كامل المسؤولية عن إعدام الضابط طوليدانو . لقد كنا نأمل بنهاية سلمية لهذه العملية تحقق إنهاء معاناة شيخ الانتفاضة المقعد ، وإطلاق سراح الضابط دون أن يمسه أذى ، لكن تعنت رئيس وزراء العدو إسحاق رابين ورفضه الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين كان السبب وراء إعدام الضابط .

 

  إن مقاومة الاحتلال واستهداف جنوده وآلته العسكرية سياسة ثابتة لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) وإن حملات الاعتقال العشوائية لن تزيدنا وشعبنا إلا إصراراً على مواصلة نهج الجهاد حتى نيل كافة حقوقنا المشروعة" . (59)[الرأي الأردنية ،  العدد 8164 ، 16/12/1992 ، ص21 .

 

رابين يعلن الحرب الشاملة على حماس :

 

  استعدت الحكومة الإسرائيلية لبرنامج للتنكيل في الأراضي المحتلة عام 1967 وخاصة تجاه أتباع حركة حماس ومناصريها ، فقد واصلت سلطات الاحتلال الإسرائيلي إجراءاتها التعسفية بحق مليوني فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة ، وصعدت قوات العدو عمليات الاعتقال الجماعية التي بدأتها عقب تلقيها بيان كتائب القسام وشملت أكثر من (1900) شخصية بارزة على صلة بحركة حماس . وأوضح الراديو الإسرائيلي أن القوات الإسرائيلية اعتقلت هؤلاء الأشخاص من منازلهم مستعينة بقوائم أعدت مسبقاً ، فيما فرضت السلطات العسكرية نظام منع التجول على مدينة دير البلح ومخيمها وعلى مدن رفح وخان يونس وأحياء من مدينة غزة ومخيماتها بالإضافة إلى الطوق الأمني المفروض على القطاع لليوم الثامن على التوالي .

 

  ولم يعد في مقدور المواطنين تحت وطأة إغلاق الضفة والقطاع مغادرة منازلهم ، وأضحوا وكأنهم في سجن جماعي ، حتى إن أعداداً كبيرة من اليهود شهدوا للإذاعة الإسرائيلية بأنهم لم يشهدوا مثل هذه الأوضاع منذ الستينات (60)[الدستور الأردنية ، العدد 9095 ، 16/12/1992 ، ص24 .] . ولم تكن حملات الاعتقال والتنكيل التي شنتها القوات الإسرائيلية سوى البدايات في سلسلة من الإجراءات التعسفية وعدت الحكومة الإسرائيلية مواطنيها بتنفيذها ضد الفلسطينيين في الضفة والقطاع عقب نجاح المجاهدين بأسر الرقيب أول نيسيم طوليدانو . وما إن عثرت قوات العدو على جثة الضابط صف حرس الحدود ، حتى عقد رئيس الوزراء (إسحاق رابين) اجتماعاً في مكتبه لكبار ضباط الجيش وألقى خطاباً في بداية جلسة الكنيست علن فيه الحرب الشاملة ضد حركة المقاومة الإسلامية (حماس) واصفاً مجاهديها بالحيوانات المتوحشة لقتلهم الضابط الإسرائيلي ، فقد نعى رابين للكنيست "قتل السارجنت ميجر نيسيم طوليدانو من شرطة الحدود بأيدي أحط الرجال . الحيوانات المتوحشة في حركة حماس" . (61)[القدس العربي ، العدد 1119 ، 16/12/1992 ، ص5 .] ولم يتوان عن إطلاق التهديد والوعيد بأن حكومته "سوف تستمر في ضرب حماس ومن يدعمها بلا رحمة" ، وأضاف "ليس أمامنا سوى طريق واحد هو متفرع إلى اتجاهين الأول هو البحث عن السلام والثاني هو الحرب الشاملة على الإرهاب . . . سوف ندفع الثمن اللازم لكننا ننتصر في النهاية . ليس أمام الإرهاب أية فرصة للانتصار لا الحجارة ولا الزجاجات الحارقة ولا السكاكين ولا جرائم القتل ولا حماس ولا فتح ولا أحمد ياسين ولا ياسر عرفات قادرون على طردنا من هنا" . (62)[النهار المقدسية ، العدد 2083 ، 17/12/1992 ، ص1 .

 

  أقام إسحاق رابين الدنيا متجاهلاً مسؤولية حكومته المباشرة عن مقتل ضابط الصف الإسرائيلي فجمع وزارته المصغرة في جلسة حرب سرية عقدها يوم الأربعاء 16/12/1992 لمناقشة قائمة طويلة جداً من الإجراءات القاسية والفورية ضد حماس على حد تعبير وزير الإسكان (بنيامين بن اليعازر) الذي شارك في هذه الجلسة . وقد أحيطت مداولات هذه الجلسة بالتكتم ومن دون أن تحدد الحكومة ماهية الإجراءات القاسية التي اتخذتها بحق الحركة الإسلامية . ولكن إذاعة الجيش الإسرائيلي نقلت عن مصدر عسكري رفيع المستوى في جيش العدو أن "حماس أصبحت العدو الأول والصانع الرئيسي للإرهاب ، وسيشمل القمع كل البنية السياسية والعسكرية للمنظمة وقد يذهب إلى حد الإبعاد والاعتقال الإداري الكثيف" وتعهد رابين في وقت لاحق أمام مؤتمر للمتعهدين في مدينة القدس "بشن حرب بلا رحمة على حماس" ، وأعلن أن العالم يجب ألا يتفاجأ إذا اتخذت إسرائيل تدابير قاسية جداً للدفاع عن أمتها وتأمين استمرار عملية السلام في الشرق الأوسط . (63)[الشرق الأوسط ، العدد 5133 ، 17/12/1992 ، ص1 .

 

  أما وزير الإسكان بنيامين بن اليعازر ، فقد صرح للإذاعة الإسرائيلية عقب جلسة مجلس الوزراء قائلاً : "لقد كشفت حركة حماس بعملها هذا عن وجهها الحقيقي . إنهم عبارة عن قتلة من أسوأ الأنواع . أرادوا أن يخدعونا بالإعلان عن رغبتهم بالتفاوض معنا بينما كانوا قد أعدموا الرهينة" . وتوعد بن اليعازر حماس ، وقال : "لا بد من شن حرب لا هوادة فيها ضد حماس والمضي في الوقت نفسه والتصميم نفسه في عملية السلام" . (64)[القدس العربي ، العدد 1119 ، 16/12/1992 ، ص5 .

 

الإبعاد الجماعي لنشاط حماس :

 

  شكلت سلسلة العمليات الفدائية التي توجت بعملية اختطاف ضابط صف حرس الحدود إحراجاً سياسياً للحكومة الائتلافية التي يقودها إسحق رابين الذي يتولى إلى جانب مسؤولياته كرئيس للوزراء منصب وزير الدفاع والمسؤول الأول عن الأمن اليهودي . ورغم تلقائية الموقف اليميني المتحفز للهجوم على الحكومة عند أول مناسبة إلا أن فشل رابين وأجهزته الأمنية في حفظ الأمن اليهودي جعل رابين هدفاً سهل المنال لسهام المعارضة التي حملته المسؤولية المباشرة عن تدهور الأوضاع الأمنية . وبانتقال الزلزال إلى داخل الحكومة الائتلافية ، بدأ رئيس الوزراء الإسرائيلي يفقد هيبته كبطل قاد الجيش والدولة العبرية نحو انتصارات عديدة ، فهو لم يعد قادراً على الإمساك بزمام الأمور وكبح جماح "أعداء السلام وإسرائيل" ، فيما باتت المعارضة ، وعلى رأسها حزب الليكود ، تملك الكثير لتتحدث عنه وتستحوذ على الرأي العام الإسرائيلي . عندئذ بدأ القلق والارتباك يسيطران على رابين ، فحاول في البداية تهيئة الرأي العام العالمي لحملة قمع واسعة النطاق في الأراضي المحتلة عام 1967 زاعماً أن فشل حكومته والجيش الصهيوني من ورائها في تعقب مجاهدي كتائب القسام الذين نفذوا عملية أسر طوليدانو ومن قبلها عمليتي الشجاعية والحاووز ، يستلزم منه اتخاذ إجراءات خاصة بسبب زيادة تأثير ونفوذ الجماعات المتطرفة مثل حماس والجهاد الإسلامي ، وفي الوقت الذي تأهبت فيه عائلة الرقيب أول نيسيم طوليدانو وأصدقائه لدفنه ، قال بنيامين بن اليعازر لراديو الجيش الإسرائيلي من موقع التشييع : "إن مجلس الوزراء ناقش قائمة طويلة جداً من الإجراءات وعندما تطبق هذه الخطوات سيعرفها الشعب بالتأكيد"  (65)[العرب العالمية ، العدد 3965 ، 17/12/1992 ، ص5 .

 

لم تكن هذه التصريحات للاستهلاك الإعلامي ولا لتهدئة الخواطر ، فقد اتخذت الحكومة الإسرائيلية من مقتل طوليدانو حجة لتصعيد الإجراءات التعسفية ضد المواطنين الفلسطينيين بشكل عام ونشطاء الاتجاه الإسلامي بشكل خاص . فأصدر رابين تعليمات سرية لجيشه بإطلاق النار بقصد القتل ، وسعت السلطات الصهيونية بالقرار الذي اتخذه مجلس الوزراء المصغر بالإجماع (ما عدا صوت وزير العدل) بإبعاد (415) مواطناً فلسطينياً إلى لبنان إلى تعطيل كافة الإجراءات القانونية رغم عقمها وعدم جدواها . فقد كان في مقدور الشخص المرشح للإبعاد المثول (ولو شكلياً) أمام محكمة عسكرية ذات مهمة استشارية لتبدي رأيها في القضية المطروحة أمامها دون أن تكون لها صلاحية إلغاء القرارات الصادرة عن الحاكم العسكري . ولكن حكومة رابين ، وللتغلب على التأخير الذي يسببه هذا الإجراء أصدرت أمراً من خلال قائد المنطقة في الضفة الغربية والقطاع (صاحب سلطة التشريع) ، يجيز تنفيذ أوامر الإبعاد المؤقت قبل مثول المرشحين للإبعاد أمام لجنة الاعتراض ، على أن يكون من حقهم الاستئناف بعد التنفيذ بواسطة محام موكل أو قريب . (66)[مجلة فلسطين الثورة ، العدد 920 ، 27/12/1992 ، ص8 .] وكانت محكمة العدل الإسرائيلية أمرت منذ العام 1980 بأنه لا يحق للسلطات العسكرية أن تبعد فلسطينيين قبل أن تتيح لهم الاعتراض أمام لجنة اعتراضات عسكرية ثم أمام قضاة محكمة العدل . وهو إجراء إداري لا يتمتع بالصفة القضائية إذ لم يحدث منذ بداية الاحتلال الإسرائيلي أن ألغت محكمة العدل قراراً بالإبعاد باستثناء حالة رئيس بلدية نابلس السابق بسام الشكعة وذلك بسبب ضغوط تعرضت لها وليس نتيجة قرار منها . (67)[الحياة اللندنية ، العدد 10905 ، 18/12/1992 ، ص5 .

 

  وبالفعل غادر أكثر من ثماني حافلات الأراضي المحتلة تقل (415) معتقلاً يمثلون النخبة المثقفة من أساتذة الجامعات والعلماء والأطباء والمهندسين اختارتهم أجهزة الأمن الإسرائيلية للإبعادمن معتقلات أنصار - 3 في النقب وسجن غزة المركزي ومعتقل الظاهرية قرب الخليل ومن سجون أخرى وذلك في عملية سباق مع الوقت لإتمام عملية الإبعاد قبل موافقة المحكمة العليا في الكيان الصهيوني على قرار الالتماس الذي تقدمت به حركة حقوق المواطن الإسرائيلية ضد قرار الإبعاد حتى تقرر المحكمة صواب أو خطأ هذا الإجراء . لكن المحكمة قررت في الواحدة والنصف بعد منتصف ليل الأربعاء 16/12/1992م وقبل إتمام عملية الإبعاد وقف قرار الإبعاد حتى استكمال النقاش ، وواصلت جلساتها بعد ضم أربعة قضاة إلى هيئة المحكمة منذ الساعة الخامسة صباحاً لتستمع إلى شهادات مختلفة حول مشروعية قرار الحكومة حيث استدعت المحكمة رئيس الأركان ايهودا براك لسماع أقواله . واستمرت مداولات القضاة حتى الساعة الرابعة عصراً ، فقد كان أمامهم إما إلغاء قرار الحكومة بالإبعاد وبالتالي إحراج رابين وإثبات تصرفاتها المنافية للقانون أو الموافقة على القرار وهذا يمثل بدوره سابقة لا مثيل لها لإبعاد مجموعة كبيرة من سكان الأراضي المحتلة عام 1967 لا علاقة لهم أو لا دوراً مباشراً لهم في عملية الخطف والقتل مما قد يفقد محكمة العدل العليا الثقة في استقلاليتها . (68)[الشرق الأوسط ، العدد 5134 ، 18/12/1992 ، ص3 .

 

  وفي الساعة السابعة من مساء يوم الخميس 17/12/1992 ، اتخذت المحكمة بأغلبية خمسة أصوات مقابل صوتين قرارها بإجازة قرار الحكومة القاضي بإبعاد الـ (415) فلسطينياً الذين قضوا أكثر من ثماني عشرة ساعة وهم ينتظرون في داخل الحافلات قرب مستعمرة كريات شمونة في جو شديد البرودة وهم معصوبو الأعين ، مقيدو الأرجل والأيدي ، ومشدودون إلى كراسي الحافلات ولا يسمح لهم بالحراك تحرسهم قوات ضخمة من الجيش الصهيوني . وما أن أعلن رئيس المحكمة العليا القرار حتى بدأت القوات الصهيونية بإنزالهم من الحافلات وزجت بهم في شاحنات إلى نقطة الحدود اللبنانية في زمريا، وحوصر المبعدون بعد قرار الحكومة اللبنانية بعدم السماح لهم بالعبور بين حاجز الجيش اللبناني في (مرج الزهور) وحاجز الجيش الصهيوني في (زمريا) ، وقد اتخذت الحكومة اللبنانية قرارها بعدم استقبال المبعدين احتجاجاً على انتهاك الكيان الإسرائيلي لحدود لبنان الدولية وسيادته على أراضيه وللضغط على المجتمع الدولي لوقف القرار الإسرائيلي الجائر . (69)[المسلمون السعودية ، العدد 412 ، 25/12/1992 ، ص7 .

 

  ومما هو جدير بالملاحظة ، أن الكيان الصهيوني باتخاذه قرار الإبعاد الفوري للعشرات من النخبة السياسية والفكرية والإدارية للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة دون المرور بالخطوات القضائية التي كان يتبعها في السابق يكون قد تجاوز الحقوق المدنية والإنسانية لهؤلاء المبعدين . وبهذا الإجراء تكون الحكومة الإسرائيلية التي طبل لها البعض بأنها حكومة سلام ، قد أظهرت الوجه الحقيقي لليهود بحمائمهم وصقورهم . فعندما يتعلق الأمر بالعرب أو بمعنى أشمل غير اليهود ، فإن الحكومة الإسرائيلية ومن ورائها الشارع اليهودي بكافة اتجاهاته ومشاربه الفكرية والسياسية على استعداد تام لتجاوز كافة الإجراءات القضائية المتبعة في إسرائيل ، وإن كان إسحاق رابين قد أدعى من جانبه أن ترحيل الـ "415" فلسطيني ليست عملية "طرد" لهؤلاء وإنما هي "إبعاد" مؤقت لمدة تصل عامين لبعض المبعدين وعام للآخرين" . (70)[القدس المقدسية ، العدد 8370 ، 18/12/1992 ، ص1 .