|
زيتون فلسطين عند الشاعر الإشبيلي
خوليو بيليث نوغيرا
1
نسغ الحياة في شعر خوليو
يدعو الله عز و جلّ الإنسان في
قوله : "إن في خلق السماوات و الأرض و اختلاف الليل و النهار و الفلك التي تجري في
البحر بما ينفع الناس و ما أنزل الله من السماء من ماءٍ فأحيا به الأرض بعد موتها و
بثّ فيها من كلّ دابة و تصريف الرياح و السحاب المسخّر بين السماء و الأرض لآيات
لقوم يعقلون" ، لتأمّل الطبيعة تأملاً يتجاوز مظاهرها و آثارها الماثلة أمامه
مثولاً مادياً ، و أن ينفذ إلى كنهها المتمثّل في الحياة التي تسكنها منذ الأزل في
صورة حركة الأحياء و سكون الجماد و نور النهار و حلكة الليل .
و في كلمة "يعقلون" معنى
استمرارية الطابع الروحي الحيّ الذي تعني حياته الموتَ و الولادة . و بهذا فالطبيعة
لدى الإنسان العاقل تعني بالضرورة الروح و الحياة بعد أن يكون الموت قد اختفى ليفسح
السبيل أمام ولادة جديدة .
و نرى في هذا الفهم للطبيعة
أساساً لنجاح أيّ عملٍ إبداعيّ ، و هو ما نلمسه عند قراءة شعر خوليو بيليث نوغيراJulio
Velez Noguera المولود سنة 1946 في قرية مورور Moron
الإشبيلية التي ما زالت تحتفظ باسمها العربي الآندلسي حتىاليوم
. فالطبيعة في شعره مرادفة لمعنى الحياة التي تنبض في عروق الكائنات المادية في
عصرنا و تمتد عبر التاريخ لتنبض في الذاكرة فتحيي التراث إحياءاً يشدّ الإنسان
إليه بروابط الحق و الخير و الجمال .
تندرج صورة الإنسان في شعر
خوليو في إطار هذا الفهم المتكامل للطبيعة ؛ فمن الطبيعة الحيّة يمكننا أن نعتبر
الإنسان المتمسّك بقيَمِه و خلقياته الإنسانية ، و ضد هذه الطبيعة يقف الأشرار
الذين فقدوا القيم الإنسانية فراحوا يدمّرونها ، بتجاوز قوانينها ، الأمر الذي جعل
شاعرنا يقف ضدهم مدافعاً عن الطبيعة التي هي عنده فعلٌ للتأكيد على إنسانية البشر و
رفض الجمود و السلبية و العدمية :
خوان يا من رحلت عنا
و بقيت معلّقاً ،
الهوة تسندك
بينما يلتصق البحر بوهد سفليّ
لئلا يكون موتك موجعاً ،
إذ أن سبع دعائم تردفك .
و بهذا المنطق يكيّف خوليو
لعبة "مصارعة الثيران" مع مبادئه لينصر الحياة متمثّلة في الثور الذي يكون العالم
عالمه على الموت متمثلاً في المصارع الذي فقد عالمه و مبرّر وجوده فلقيَ مصرعه على
يد الثور . و الحقيقة أن ذلك قلّما يحدث في هذه اللعبة ، إلا أن جدلية خوليو
الشعرية تقف دائماً إلى جانب المدافعين عن الحياة ، حتى و لو أدّى هذا الدفاع إلى
سلب المعتدي الشرير حياته :
من كثبك بدأت
عظامُك عويلَها الطويل .
عواء أحمر
للثور الذي سوف يقتل المصارع .
أن تكون الطبيعة عنصراً أصيلاً
في شعر خوليو ليس بالأمر المُستغرَب ، إذ أن الشاعر بانتمائه لحضارة البحر الأبيض
المتوسط جغرافياً و حضارياً قد اندرج شعره في إطار الشعر الذي أنتجته هذه الحضارة
على مرّ العصور . و هو شعرٌ للطبيعة فيه - على اختلاف مظاهرها - القدح المعلى .
فمن سمات هذا الشعر المتوسطي
سمة الفلاحية إذا ما قارناه بما يمكن أن نسمّيه بالشعر الأطلسي (المنتمي لمنطقة
المحيط الأطلسي) ذي الطابع المادي (المدني) ، المجرّد من المعنويات ؛ إذ أنه ينتمي
إلى ثقافة أطلسية استعمارية حقنته بعنصري الانحلال و الفناء على عكس العناصر
الكامنة في الشعر المتوسطي و هي عناصر بنّاءة و إنسانية . و ليس هناك أكثر إنسانية
من الطبيعة التي تمثّل أهم عناصره ، فالنهر لا وجود له بدون مطر و المطر لا يتكوّن
بدون سحب ... و لولا الشواطئ لما كانت البحار . و هكذا يجمع الكون المتحرّك دائماً
بين الإنسان و بين الطبيعة : العنصران الرئيسان الموجودان في أكثر الثقافات أصالة
كما هو الحال في ثقاقة البحر الأبيض المتوسط و شعرها الذي يمكن أن يتمثّل في شعر
بدر شاكر السياب و شعر قسطنطين كافافس (اليونان) و شعر فيدريكو غرثية لوركا
(إسبانيا) و شعر ثيسار باييخو (الذي تنتمي بلاده البيرو للثقافة الإسبانية) و أيضاً
بشعر أولئك الذين عايشوا ثقافة البحر الأبيض المتوسط فأوحت لهم ربّاتها بما كتبوا
مثل فريدريش هولدرين الألماني و لورد بايرون البريطاني الذي عاش و توفيّ في مدينة
البندقية ، حتى لا نرانا نبالغ إذا اعتبرنا أن الشعر الرومنسي في القرن التاسع عشر
قد نشأ على ضفاف البحر الأبيض المتوسط ؛ نعم ، فقد تميّز شعر المتوسط بالدفء
الإنساني و الأصالة الفنية على عكس ما هو الحال في الشعر الأطلسي الذي نعتبر من
نماذجه شعر ويليام توماس و شعر ليوناردو كوين (بريطانيا) ، و هو شعر بالرغم من عدم
استطاعته التخلّي عن العنصر الإنساني تماماً فإن إنسانيته تأتيه عبر الانحلال و
العزلة و السلبية فتنطبع بطوابعها .
و نعود للرابطة التي لا تنفصل
بين الإنسان و بين الطبيعة الحيّة عند خوليو متمثّلة هذه المرة في أقصوصة شاعرية
اللغة بعنوان "أجنحة الفراشة" . و بالرغم من شاعرية العنوان فهو اسم لمرض مستعصٍ
يصيب الأطفال ، و من أعراضه أن يظهر طفح أسفل عيني الطفل المصاب ، يأخذ شكل جناحي
الفراشة ، حيث تنتهي القصة بأن ينقر الديكُ الطفلةَ أسفل العينين و في مكان الطفح
بالذات ، فيكتسب هو المرض و تنجو الطفلة بتخلّصها من الطفح . و بهذا تقدّم الطبيعة
، عند خوليو دليلاً جديداً على تعاضدها و تكاملها مع الإنسان على طريق الخير
تعاضداً يصل إلى أسمى درجات التضحية بالنفس في سبيل إنقاذ الغير ، و العكس صحيح ،
عندما يضحّي إنسان بنفسه في سبيل إنقاذ حيوان ؛ و في حياة الفلاحين معين لا ينضب من
الأمثلة على ذلك : فالغجر مثلاً يفضّلون في كثير من الأحيان الاعتناء ببعض البهائم
على الاعتناء ببعض البشر ، جاعلين من اقتراب هذا أو ابتعاد ذاك عن الحياة مقياساً
و سبباً للتفضيل ، و هو عمل خيّر ما دام يحفظ توازن الطبيعة و لا يكون دافعه
اقتصادياً تفرضه المصالح الاستغلالية .
و عندما يدمّر الإنسان في شعر
خوليو ذكريات الإنسان فإنه يتصرّف عندئذٍ كطبيعة عدمية ، و تقدّم لنا حياة المدن
الكبرى يومياً أدلة جديدة على ذلك ، حيث يُهدم البيت الذي وضع فيه الإنسان كلّ
تراثه الشعوري و النفسي الذي يصل حاضره بماضي أسلافه صلةً يُعتبر وجودها أساساً
لوجوده كطبيعة حية ، من أجل شق طريق تجوبه السيارات ملوثة البيئة أو من أجل بناء
عمارة شاهقة تزيد من جشع مالكها في استغلال الآخرين .
عاش خوليو بكلّ جوارحه هذه
التجربة الإنسانية و كان لانتمائه الأندلسي أثر كبير في ذلك ؛ ففي قناعاته أن
الأندلس في ظلّ الدولة العربية الإسلامية كانت الرسول الذي نقل البشرية من الظلمات
إلى النور ، و بالتالي فهو حريص كلّ الحرص على الحفاظ على كلّ ما يمت للأندلس
المسلمة بصلة : "اعتقد اعتقاداً راسخاً أنه دون هذه الحضارة الشامخة ، ما كان لاسم
الأندلس أن يدخل التاريخ ، لا اليوم و لا بالأمس و لا في أي عصر من العصور . و أنا
لا أكاد أتصوّر الإنسان الأندلسي بعيداً عن هذه الثقافة العربية الإسلامية ... فقد
كانت الأندلس موطناً أحبه أجدادنا العرب الإسبان و أعطوه طابعه الإنساني الفريد من
نوعه كنموذج حيّ للتعايش الإنساني . فشاعرنا أبو البقاء الرندي ، بعد أن سقطت
إشبيلية في يد فرناندو الثالث ، في القرن الثالث عشر الميلادي تساءل : "إذا كان
هناك وطن للإنسان بعد أن فقد إشبيلية" ... و نحن - أقولها بصراحة - لا نتحمّل
مسؤولياتنا الإنسانية و الأخلاقية تجاه هذا التراث العربي الذي هو تراثنا" .
عندما قامت السلطات البلدية في
قريته بإزالة المنعطفات السبعة التي تشكّل "شارع السبع عرصات" محوّلة إياه إلى شارع
واحد ، مستغلة الفراغ الناجم عن عملية الهدم لإنشاء بنايات جديدة ، رأى خوليو في
ذلك تدميراً لهذا الطابع المعماري العربيّ فجاشت قريحته :
خثر الروح
و النسغ كم هو مر !
ذهبت العرصات السبع تغصّ
بالأجراس لهذا العالم الضيق .
فأيّ عالم هو هذا !
اجتث الهواء المدلهمّ
من الذاكرة
منعطفات سبع . على أطلالها
منعطف واحد قد تبقّى
في سويداء القلب قد تبقى !
و أثَّرت إشبيلية - التي وصفها
خوان سييرا بأنها فضفاضة الحياة بمسال يخفق برصيد روحي و ماديّ عظيم . و كلّ ما
فيها من مظاهر الفن يتّسم بالأصالة و الصدق و الحب و النقاء ، و تتميّز هي عن غيرها
باحتفالات الجمعة الحزينة و مهرجانات نيسان ، و بكونها اليوم غيورة على تراثها
العريق ، ساهرة على كنزها الفني - في شعر خوليو تأثيرها بالأمس في شعر المعتمد بن
عباد و شعر أنطونيو متشادو ، فراح يغرف من عناصرها الطبيعية : العقعق و الشمس و
القمح و الزيتون و الجبال و السهول و الأنهار و البحر مادته الفنية التي ارتبط فيها
العقعق بمعنى الازدراء و الاحتقار لكونه يتغذّى على كائنات أخرى ، فتكون حياته
قائمة على موت الآخرين ؛ أما الشمس فهي دائماً رمز الحياة المتجدّد :
آه أيها العقعق منعم الحياة
كم هو صعب تصوّر
أن أبناء الشر يموتون
لأن النهار و النور
و حقول القمح
و إن اجتثوها لا تنتهي .
و يكون الزيتون في شعره
مباركاً باعتباره غذاءً مادياً و ثقافياً للإنسان يرتبط وجوداً بعملية التجديد و
الولادة
كبر خوسي و أصبح رجلاً
و هو في الثانية عشرة من عمره
هذا هو عمر أشجار الزيتون
التي غرسها والده
يوم مولده
و إن ارتبطت الجبال و الشمس
عند خوليو بمعنى الحرية و الخلاص حيث تتحالف مع الإنسان ضد الشر و الاستعباد فقد
ارتبط البحر عنده بمعنى المغامرة و المفاجأة و الرمز للمجهول :
كنت أصطحبك إلى السلسلة
الجبلية
كنت تقفز و تركض
و كانت الأشجار عليها تثمر
خروباً
له طعم الدفء و الابتسامة
و البحر كبير
رحت في بحر مريم تتحمّم
لكن البحر أصبح اليوم دماً .
... ... ...
خرجوا جميعاً إلى الشمس
و الأيدي مقيّدة
ثم راحوا ينشدون أنشودة الأمل
التي لا تنتهي .
و قد تعدّى ارتباط خوليو
بالجذور العربية حدود الانفعال بما تبقّى من عمارة إسلامية في إسبانيا إلى التأثّر
بالتراث الأندلسي و استيعابه ، حيث يظهر في شعره بوضوح الإحساس بكثافة الخرجة
العربية و الاستفادة من دقة الألفاظ في التعبير عما في الأبيات الثلاثة الأولى
(المتحدّثة عن العقعق في مقطع سابق) التي تنتهي بالكلمات : morir
و concebir و vivir
. و لا يكفّ خوليو في كتاباته و نشاطاته الفكرية عن ذكر شعار قريته المتمثّل في
"الجواد العربي الأبيض" الذي فرّ ذات ليلة من القرية أثناء عسكرة فرناندو الثالث
ملك قشتالة بجيشه على مدخلها المتمثّل في ممر بين جبلين ؛ فلما مرّ الجواد الجموح
بالمدخل ، تردّد رجع الصوت ، فتخيّل الجيش الغازي أن جيشاً من الفرسان العرب قد
باغته أثناء الليل ، فدبّ الذعر بين جنوده و شدّ الرحال إلى بلاده خائباً .
و ربما كان إحساس خوليو بيليث
المترسّب في اللاشعور بأن غياب شمس العرب عن الأندلس كان تغييباً للحق و الخير و
الجمال هو الذي جعله يتخذ عنواناً لأحد دواوينه من شخصية القس الطروادي "لاوكونتي"
الذي حذّر أهل طروادة من السماح للحصان الخشبي بدخول المدينة خشية أن يكون بداخله
جنود عوليس ، فلم يعرِه أحد انتباهاً و اقتصت منه آلهة أثينا بأن أرسلت إليه
ثعبانين كبيرين قتلاه و قتلا أبناءه أثناء تأديتهم الصلاة .
كما يتكشّف الحضور الثقافي
العربي بمعناه الإنساني الواسع في وجدان خوليو من خلال انتماء هذا الشاعر إلى وطنه
الأندلس الذي استطاع أبناؤه العرب المسلمون ، عبر ثمانية قرون ، تقديم أعظم تجربة
إنسانية في بناء الحضارة بروح من التسامح الفكري و الاحترام الكامل لمكوّنات
الإنسان العقائدية و التراثية و الثقافية .
كما أدّى هذا الحضور دوراً
هاماً في تطويرمفهوم الشعر عند خوليو بيليث حتى تميّز شعره بخصائص يسهل على قرائه
التعرّف عليها مسبقاً في أيّ من قصائده حتى و لو لم تحمل توقيعه ؛ فقد تميّز شعره
بدقة انتقاء المفردة ذات المغزى الذي يساعد على رسم الصورة الشعرية التي تبوح
للقارىء المدقّق بأسرار الطبيعة و تكبح جماح ذلك النهر المتدفق من التضامن الإنساني
الذي يجيش في نفس الشاعر ، فالمفردة عند خوليو رقيقة في طبيعتها ، سهلة في تركيبها
، وثيقة الصلة بسياق النص ، تتسلّل إلى نفس القارىء تسلّل "النسمة التي تثقب الضباب
و تجرح الجبل لتليّن الجو و تخصب الأحراش" . و ربما يكون الدكتور خوليو بيليث
(الناقد المعروف و أستاذ الأدب الإسباني بجامعة سلمنقة) قد اكتسب هذه التجربة من
تتلمذه على شعر ثيسار باييخو الذي كرّس جهده لدراسته و تحليله ، فتعلّم منه كيف
يقتل الخصم بالمحبة الإنسانية و التسامح ، و يقاتل الأعداء بالإخوة و الرحمة ، إلى
أن توفّاه الله في Dax - France غريباً عن وطنه في
24/12/1992 .
و هكذا تمكّن خوليو بأغاني
الأنهار و بالنور الذي غالبه النعاس و الخواطر التي تتوارد على وسائد ازدانت بجذور
الأحلام من ثقب ضباب الظلم و تعرية سلاسل القهر و فتح الطريق أمام شمس الحياة لتحرق
أوراق الخريف و تقارع الموت و الفزع ، حتى يولد الفجر و يصبح الصراخ شرعاً ينبّه
الضمير البشري إلى خطورة العواصف الغريبة التي تجتاح "زيتونة كنعان" إنساناً و
فكراً و تراباً .
2
زيتونة كنعان
علت الشجرة
بسيمائها كموجة بحرية
فاهتز الزيتون كنجوم
و الأغصان كحراشف أسماك
أخذتها المفاجأة .
و كان المظهر
عمارة خضراء عصفت بها الريح
تلوح للمشرّدين بالكارثة
و كان المظهر
جناحاً بلا روح يطير نحو
فلسطين
و ما استطاع اليراع من بعد
تفتيق الدُّجى
ذرف نسغ الزيتون المرّ و القمح
كرذاذ دمع
على الجبال .
و كان المظهر أن هدهدت الأحلام
الربى
و الحرّاس .
كان الإنسان هو الكلمة
بل كان الدم و كانت اللغة
شيئاً واحداً :
نبض إخطبوط يطعن بالحربة .
اهتزاز الجذور وحده
يمدّ شجرة الزيتون بالحياة .
3
مروج إشبيلية
ملأت النغمةُ الوادي
تخثّرت كالندى على الأرض
و أصقعت : حمصٌ في زهر بِكر .
تنمو و تزهر و تموت .
ترعى الطّلعُ : زهر الشتاء .
تتجمّد و تغزو و تخضرّ ،
تدفع قبة السماء و تضربها .
تتناثر !
تقبّل شفتيك يا حبيبي .
و بتقبيل شفتيك
تُقبِّل قلب العالم المنسيّ .
___________________
لي قلب و لك قلب
لنقل كالنهار المتمرد
كالطوق الجبار
لي قلب و لك قلب
يسنّ السيف
يتفتح كبرعم إخصاب
و عندما يروى لبابه
سنفنّد هذا العالم .
_______________
أنت هنا و أنا
على شفا البهجة نفسه .
نحسّ بالنوافذ تفتح .
الأركان تغرق .
أنا الآن هنا و أنت
مع الحياة بيدك تشرب المطر
كهاجس حرية .
هكذا أحسّ بك و تحسّ بي
في دقات قلب كالشبح
كحبّ ممنوع
كقوس المنعطفات
لنجعل الثورة تدقّ في الرُّوح
دقاتها !
_________________
في سرة الوادي
حيث أضواء النهار الأولى
لها هواجس المساء .
من النور المخثّر
تهبّ نسمة
تفوق الوصف
تجرح الجبال .
الضوء يثقب الضّباب
و يشقّ سيفه
و طفل الشمس
حرّ من كلّ وثاق
يقطع السلاسل
يحطّم القضبان
يليّن الأرض .
يُظهر التّلم .
يخصب الأحراش
إنه النور سيد الطبيعة .
______________
إنه النور سيّد الطبيعة
يحتضن سقف الحقول الأخضر .
يروح الصباح مفتحاً أزهاره
و صوت الإنسان يفرّخ في ألف
حنجرة
من صمتٍ ثم ينتصب .
لأن فأل الأشجار المائسة هذا
هو الذي ينفخ في النايات
و السيقان الفارغة
آيات عصر
في النور كامنة .
_______________
آيات عصر
كامنة في نور غَالَبَهُ النعاس
عند سفح الجبل
و على الماء الذي
ينساب و ينزلق
و ينزل و يصل
فيظفر بالزهرة حتى الساق .
في النهاية تنمو !
تفتق الأرض
و تزهو الألوان .
حينئذٍ يولد الإنسان
و الحضور الكامل للحياة
التي تواردت هواجسها
على وسائد الشتاء المزدانة
بجذور الأحلام
وحدها .
_______________
بجذور الأحلام
و غياب الشفق الحبيب المتدفق .
خطّار الصباح شمس معلقة
على القمة .
إن كان الصباح بداية
فالمساء وحده ابتهاج
و ثمر متفتح
و مهرجان أنغام شعبيّ .
الأرض ناضجة .
الصراخ : الشرع
______________
الصراخ : شرع
البرهان المُطعَّم
في الخفاء
على انفراد .
تداعبه الحشائش
النامية .
معلّق على قضبان النوافذ
بين ظفائر الأشجار
و في كهوف الخنزير البري
ضد طقوس الشمس و القمر
حارقاً أوراق الأشجار
المتساقطة
محادثاً الموت و الفزع .
تغنّيه الأنهار و الزوارق
منسوج في المهاريق المخبأة
بين الرياح المطرزة
على لُحُف الجاموس
تُبعده الضباب و تطرده
العصافير
إنها في نهاية المطاف
الطبيعة الزاهية
كامرأة متبرجة .
______________
كامرأة متبرجة
رائعة
و يصبح الإنسان
بالتدريج
سيِّد نفسه .
يتسلّل سعيداً
فتقلّد الطبيعة سلوكه
و بيده يبني كيانه
______________
بيده يبني كيانه
من نسغ الأشياء
تولد حيوانات فيعطيها أسماءَها
.
و تصبح فريسته
أكثر ضماناً .
يجتاز البحار بفلك .
و يشرب الماء
و يقلب السماوات
فتزهر الأرض بأكملها .
______________
تزهر الأرض بأكملها
بينما الإنسان ، ببذوره
يعمر المروج
و ينبت الجبال .
يهذب الحجارة
و الحصى .
ثم يطوي الرياح
و يخترقها بأنصاف كرياتها .
يوقظ عناقيد العنب
التي تفقد وزنها
عندما يدوسها .
يعجن الوحل .
يصوغه و يخلطه .
يسوّيه و يلتقطه ببنانه .
يخمّر الخمر .
يحيلها كحولاً .
هذا فتيل
و الإنسان ضد الإنسان
يضرم ناراً .
______________
يضرم ناراً
و الشمس في الوديان
فتهرب الزرازير
و الخنازير البرية
أفواجاً
حانقة الصدور
و الأيل مُطارَدٌ لمسافات
طويلة .
أيلٌ أسمر و سنونو و أسماك
و كركدن .
و تماسيح و نسور و حيّات .
أسماك نهرية و نسور و حيّات .
أسماك نهرية ذات جلد وضّاء
و سلاحف و هداهد و نعاج
و نمور بلمعان وضّاء
تهرب أفواجاً
أمام البخار الذي
يثير تحت سطح الماء موجات
و يخلق تموجّات .
يؤخّر البحر أمام هبوب الرياح
هدوءَه .
يظلّ الإنسان وحده يعاني .
______________
يظل الإنسان وحده يعاني
رأسه مملوءَة بالأحلام :
في سرة الوادي
حيث أضواء النهار الأولى
لها هواجس المساء .
______________
كنتُ ذات ليلة أتمشى
وحيداً
في الحقول و في العَرَق .
في شوارع مالاسانيا
الملهبة للحنين
شارد الذهن في الصرخة السوداء
التي انتزعها وطني الأندلس من
أعماقه
و في المصائب المقترنة بسواد
قلوب
المتسلّطين على الشعوب الحزينة
و في بؤسٍ موروث
لعصافير تعيش
بلا قنن .
وحيداً كنت ذات ليلة
أتمشّى .
أتأمل جسمي
يضطرب
بعيداً عن الاشتياق لبحر
التخوم .
يبدو مرسوماً بلون
الغضب الأحمر
حدوده كشعلة الرعاة
تكاد على الدوام
تكون رمز سلام
حينئذٍ جاش أمامي
صوتٌ قديم لإنسان
بعيون حيوان
مطروح في سلام الشمس
كطفلٍ يلهو بدميته
بين خطواتي
مفاجئاً الزمان و كنز المفاجآت
.
كنز أن نكون أحياءاً ،
و إن فرش الموت
أجنحته السوداء
كمحارب قبل بدء المعركة قد
هُزِم .
حدثني
حديث الجبال القديمة
للريح ،
فعرفت منذ تلك الليلة
أن الشعوب كالغاب
تحفظ أغانيها
كما لو كانت
عصافير توشك أن
تحلّق تحليقاً أبدياً
نحو عوالم جديدة
حرّة
كطقوس ألعاب الأطفال .
|