|
الشاعر التشيلي محفوظ مصيص
عبير
فلسطين في أمريكا اللاتينية
1
محفوظ
الشاعر المبدع
الشاعر محفوظ مصيص ، التشيلي
الجنسية و المولد ، الفلسطيني الأصل ، الإنسان المقاوم لكلّ ظلم و جبروت في مواقفه
و شعره ؛ وُلد سنة 1916 و بدأ الكتابة في فترة مبكرة من حياته . كان عضواً نشطاً
بين الكتاب التشيليين فشغل خلال الستينات منصب رئيس جمعية الكتاب في بلاده ، و مدير
مجلة "بوليميكا" ، و قد نشر أعمالاً منها : سبعة دواوين شعرية و مجموعة قصصية و
كتاباً نثرياً و دراسة نقديةً .
و قد تميّز شعر محفوظ بأسلوبه
الفريد و باستخدامه الموضوعات غير المألوفة ، الأمر الذي جعل الجدل النقديّ يدور
شديداً و عنيفاً حول كلذ كتاب يصدر له ؛ إذ كان القراء و النقاد ينقسمون بين مؤيّد
و رافض لهذه الطريقة المحفوظية في الكتابة ، إلا أن كلى الفريقين كانا يتفقان في
النهاية على أنها ظاهرة أدبية مدهشةً تستحق التحليل و الدراسة .
لقد أجمع نقاد شعره على أنه
يعيش الواقع الإنساني المعذّب بكلّ جوارحه ، الأمر الذي جعل روح التمزّق الإنساني و
العذاب البشري المر يظهران بوضوح في شعره . و هو بهذا ، إلى جانب بابلو نيرودا
يمثّل أقوى تيارات الخلق الشعري تحريضاً في تشيلي ؛ هذا إلى جانب العمق و الأصالة و
الطريقة الخاصة و الكثافة الأسلوبية التي يتميّز بها شعره . و هو ـ كما يقول بدرو
بابلو باريديس ـ كشاعرٍ يزداد كلّ يوم أصالة في إسلوبه و نغمته ، الأمر الذي جعله
مفخرة تشيلي .
و الحقيقة أن ازدواجية
الانتماء و الأصل عند محفوظ قد أثّرت تأثيراً قوياً في شعره ؛ فقد جمع بين حضارات
الشرق الغابرة ، بعلومها ومعتقداتها ، وثقافات الانديز القديمة بأساطيرها وخيالها
؛ وعن هذا الجمع تمخضت فلسفته الشعرية في نظرتها للمفاهيم الحياتية و فلسفتها
الأخلاقية كالموت و الحياة و الحب ... الخ ، فجاء شعره عذباً صادقاً و مفعماً
بالحيوية كأساطير الأنديز القديمة ، تهب عليه ريح جنائزية من مصر القديمة فتضع
الحد الذي يفصل بين الانهيار والأمل في شعره .
إنها ازدواجية حاضرة حضوراً
قوياً في ديوانه "مرثية واراها التراب" ، حيث الكلب و هو أكثر البهائم ظهوراً في
شعر محفوظ مصيص يتقمّص في هذا الديوان صورة الإله "أنوبيس" ذي الرأس الكلبية يزن
أرواح الموتى .
و في شعر محفوظ نجد أيضاً
الملائكة حاضرة يستخدمها استخداماً خاصاً ؛ و إن كان "بليك" قد قال : "إن كلّ ملاك
مرعب" ، فإن شاعرنا ـ كما تقول خيسوفينا بلا ـ يحمل حدود الرعب الملائكي إلى أبعد
مما لا يستطيع أي شاعر "ملائكي" متطرّف في استخدامه هذا العنصر كدانتي أو بودلير أو
بوي مثلاً أن يحملها . و ترى الناقدة نفسها أن الموت في شعر محفوظ مصيص هو تجربة
حية ، مرعبة و غريبة في ظاهرها و تسبق وقتها ؛ حيث يصر الشاعر على الفصل بين الموت
و الحياة فينتهي به الأمر إلى تجشم الإثنين معاً ، دون أن يخلط بينهما ؛ حيث تتلخّص
هذه التجربة في قول الشاعر نفسه : إن كلّ ما نراه و ما نحبه يعيش و يموت و نحن
ننظر إليه" . باختصار ، فإننا نشهد في شعر محفوظ مصيص "ولادة موت جديد" .
و شعر محفوظ مصيص على جودته
يكسوه ضباب لزج تتلألأ من تحته الاستعارات الساحرة . أما لغته فوصفها النقاد
لكثافتها و تماسكها و عمقها "بلغة النفط" أو "لغة السَبَج" التي قّلما يتمكّن
القاريء العادي من سبر أغوارها و الكشف عن إبداعيتها .
و حسب صحيفة أونيبيرسال
الكركاسية (فنزويلا) فإن محفوظ شاعر ذو قيمة كبيرة لها قدسيتها و يمثّل أكثر عمليات
الخلق الشعري ثورية في تشيلي ، حيث إن أحداً في هذا البلد ـ كما يقول بيرناردو
كروث ـ لا يكتب بالصورة المميزة المركزة ، الرائعة التي يكتب بها محفوظ أعمالَه .
و بالرغم من هذه الغشاوة التي
تظهر في عناوين كتبه مثل "ترنمات الديك الأسود" و "أساطير المسيح الأسود" و "سِفر
النجوم المطفأة" و "وحوش الألم" فإن شمساً تبدو من وراء تلك الغشاوة ساطعةً ما تلبث
ـ إذا أمعنّا النظر في حقيقتها ـ أن تمزّق تلك الغشاوة الجنائزية كاشفةً عن روح
ثورة متمرّدة تنظر إلى الأمور نظرة واقعية تأملية تسمح برؤية المستقبل رؤية
حقيقية .
"في هذه الأرض التي تسحقها
الآلام و المجاعة .
محتومة تظهر في السماء
علامة الثورة فوق السم و
الشرور
فهي عبور من خلال الموت
و صيحة عبر جدار الصوت" .
من هذا الموقف انطلق محفوظ
مصيص يكتب شعره المقاوم ، و هو بمنفاه في كراكاس بعد أن شرّدته السلطات الطاغية من
وطنه . و من منفاه راح ينشد مؤيّداً كلّ قضايا الحرية العادلة في العالم ، داعياً
أصحابَها إلى تضييق الخناق على الظالمين و المعتدين ؛ و هنا لم ينسَ أكثر قضايا
الإنسانية المعاصرة عدالة فتبوّأت عنده "فلسطين في القلب" مكانها .
2- فلسطين
في القلب
إلى
فدائيّي الثورة الفلسطينية
عند قدم هذه السلسلة الجبلية
القاسية البيضاء
أقف عارياً أنا
محفوظ مصيص
عبير فلسطين في القارة
الأمريكية
مواطن من العالم الثالث
من العين الثالثة
من هذا القمر الفارغ
كمهرٍ أرفع صوتي في وجه السماء
المكفهرة
لن أبكيك أرض أبي العتيقة
لن أبكي شهداءَك أو
نساءَك المهتوك عرضهن الملقيات
إلى الجمَّة السوداء ،
أو أطفالك المشرئبة إلى الشمس
وجوهُهم ،
أطفالك الذين قلبي يعبدهم ،
لن أبكي دُورك ذات الحجارة
الأزلية
المسكونة بالغربان ،
المجلوبة من كلّ الأمم ،
غربان عيونها زرق ،
أو خضر أو صفر
أو حمر كشقائق نعمان دموية .
لن أبكي مسنِّيك الذين يغنُّون
تحت الأخياش ،
سماءً هجرتها العصافيرُ
ولا صلواتك لإله مات في
الحجز منذ زمن بعيد
الدمع وحده
يلعق الحجرَ ! ينزلق
كالموت ،
و يسقط سقوط الماء على
السَّيفِ
المجرَّد
أغنية العين الناضبة ! العين
التي لا رطوبة فيها ، و أشربُ
إبريق دموعي في وحدتي ، عندما
لا يستطيع حتى الموت رؤيتي ، و
أنتِ ، و أنتِ ، زوجي ، تظنين
أنِّي نائمٌ
قبضة تحدٍ . عَرقٌ و حِمم
بركانية ! ذلك ما أُريد .
أُخرجوا ،
أبطال الشَبُّوط و الحفر
الباردة !
في أيديكم المفاتيح ،
أخرِجوا النمرَ من صوانكم !
عودوا إلى المهد الذي تحابَّ
فيه آباؤكم
و فيه مات الجدُّ ، في آخر
أمسية ، مستمعاً جَلَبَة الحظلئِر
و ثغاءَها الزبرجدي .
همُ أصحاب غيتو أوروبا ! الذين
في الأفران حُرّقوا ،
المنبوذون كقرطاسٍ إثر العاصفة ،
المسلوخون عن جلودهم ، أو
المهروسون مع الحجارة ،
المسمَّرون ، الممزَّقون إرباً
،
المُزهقة أرواحُهم في غرف
الغاز
في آوستشوتز
المجفَّفون ،
الذين لم يتعلّموا الدرسَ ،
من توينبي العجوز ، و أرسلوا
كلابهم المسعورة إلى فلسطين
و أسراب ضِرائهم في ثياب
أحبارٍ
أو أسماك قرش حزينة
أو أرسلوا الجنرال الذي ، بعين
واحدة ، صلدة ، كالماء المتجمّد ،
ينظر إلى أرَضاته أو جلاَّديه
.
إلى جديانه الشعارية .
هرعوا
"ككيس سليكا" و ريح عاتية .
كعواء مجنون في الوهاد ،
حَرَقَ
الأرض الطيِّبة ،
أشجار الليمون ترتجف
كثدي أرملة بها الذكريات قد
عصفت ؛
أشجار رمَّانك
التي لا تنتهي ، و صناعاتك
التقليدية
البسيطة ، عندما كنتِ تشغلين
الصدف ،
أو تنقشين على خشب الزيتون
الخالد .
بقروا بطن دير ياسين و
استعرضوا
فتياتك عاريات
و شربوا بين أفخاذهن النديَّة
كالشمعدان حرقوا
رموزك ، قذفوك بالنابالم و
الزيت الأسود ،
و شتّتوا شمل أبنائكِ يحملون
على أكتافهم
آخر ثقب مسمار في الذاكرة .
و لكن هناك بعيداً
في المخيمات
في كلّ مخضلّ و ترابي في
الأحشاء ، و أعمى
في محاريب الرّعب أو بهزال
الجسوم
التي في كلّ يوم تموت ،
بين مراييل و جرذان مبتلَّة ،
بين أحلامٍ جذماءَ و دخان و
حبال و ملابس
موتٍ .
بين القطران و الحثالة
بين أشياءَ
كثيرة نسيتها الأرضُ ،
انفجرت ، فجأة ، قنبلةُ دمٍ :
مائة
ألف رأس كبردٍ قرمزي ،
بكلمة عدلٍ محفورة في
كلّ عين ، و كل قلب يائسٍ ،
من كلّ
شبوط إلى قلب الليل فدائيٌ
قفَز ،
قلب الليل الرهيب السابق لكلّ
تاريخ .
فالطفل أصبح الآن فدائياً
هائجاً ،
و اللسان الجاف كألسنة لهب في
حلفاء ،
إليكم أبناء الظلّ الساطعين ،
هذه الوردة الباردة .
هذه الدماء التي ما زالت
تحرقني ، و من
الوهاد الساحلية ، من هذه
الصخرة الكوكبية ،
للأهوال و العظامِ
أُحيل لغتي إلى بارود ،
أُشعل أساطيري الخاصة
و على صهوة جواد جامحٍ أصحبكم
في رحلتكم
و أقول :
المجد لكم في الذُّرى !
و هنا في السهوب لكم المجد !
المجد للصناديد عند شروق
الحجر ! فلتسعد الصدور
التي منها رضعتم ، لبن الكواكب
السيارة كطعم الحنظلِ .
فلتسعد امرأة
وضعت على جباهكم أولَ قبلة ،
امرأة تغطّي وجوهكم في الساعة
السوداء الأخيرة الخالدة .
عندها أُثني على رجولتكم ،
و سواعدكم القوية ،
و باسمكم
أرفع صوتي
كمن يُشهِر سيفاً
في أمريكا اللاتينية
و أُبخِّر الآلهة
احتفاءاً بمولدكم .
|