|
مع الشاعر الكولومبي داسو سالديبار
في رحلته
من أوروك إلى فلسطين
1
داسو صانع الحياة
في "وحوش الألم" يربط الشاعرُ
الأسطورة و التاريخ بالواقع المعاش ليصوّر صراع الإنسان ضد جانبه البهيمي الشرير ،
منذ أن ولد في شخص جلجامش (ثلاثمئة عام قبل المسيح) ، الذي قتل خمبابا : (رمز
البهيمة الشريرة) و مروراً ببيلاطو و أتباعه الذين قتلوا المسيح ، حتى عصرنا هذا
الذي تقف فيه البشرية شاردة اللب و في فمها تساؤل : إذا كان جلجامش قد غسل قدميه
تعبيراً عن براءَته في عصرٍ اختلطت فيه الإنسانية بالبهيمية ، و غسل بيلاطو يديه
متنصلاً من جريمة ارتكبها في عصر نضج فيه العقل البشري فماذا ستغسل القوى
الاستعمارية ، و ماذا ستغسل الصهيونية بعد جرائمها في فلسطين و غيرها من بقاع
العالم ! ...
لكي تحقق البشرية إنسانيتها
توجّب عليها التخلّص من طبيعتها البهيمية ، و لكنها عبر مسيرة الخلاص هذه تعرّضت
لنكسات ساعدت على تغلّب الجانب البهيمي الذي بلغ الأوج فتكاً بالإنسان في عصرنا هذا
.
هكذا غاصت العشر سنوات الأولى
من حياة شاعر "وحوش الألم" (كانيون دي سان خوليان - كولمبيا 24/7/1951) في دوامة ما
يُعرف في تاريخ كولمبيا بمرحلة العنف التي امتدت ظاهرياً بين 1948 و 1962 ، إثر
مقتل الزعيم الشعبي اللبرالي خورخي الييثير غايتن ، و ضربت بجذورها الدامية في
الصراع القديم المتواصل على السلطة بين حزبي الأقلية اللذين تناوبا السلطة في
البلاد تحت رعاية واشنطن .
و بعد أن أودت هذه المرحلة
الدامية بحياة ثلاثمائة ألف ضحية ، جلّها من الفلاحين الذين واجهوا حملات العنف
بالصدور عارية ، دون وعي طبقي و أيديولوجي حقيقي لطبيعة المتصارعين ، استيقظ الشعب
الكولمبي ليكتشف حقيقة الأقلية الحاكمة المستغلة بوجهيها المحافظ و الليبرالي . و
ليتخذ بالتالي ، مكانه الصحيح في صفوف حركة التحرير الشعبية التي تبلورت في منظمة
"إمي دييثي نويبي" الفدائية .
و داسو سالدبيار في ديوانه
"صانع الحياة" الذي اقتطفنا منه هذه القصيدة ، كما في جلّ نتاجه الأدبي ، و بخاصة
في "أقاصيص العودة" ، يعكس أكثر أصداء ذلك الصراع القاتل إيلاماً ، من خلال وعي
سياسي واضح للظاهرة ، على اختلاف مواقعها الزمانية و المكانية ، بداية من جلجامش
أوروك إلى فدائي فلسطين .
2
وحوش
الألم
بين القدم و اليدين
يمتد محيط إنسان
محيط كينونة بشرية إنسانية
و ما نلمحه هنا
ليس أكثر من يمٍّ :
من أوروك إلى لاسيو
منحدراً إلى بوليفيا
و فلسطين كاملة
حينئذٍ ، عند فجر أوروك
قال فتى لجلجامش :
أقتل خمبابا ، أقتل البهيمة
أقتلها في أحراش الأرز
و أغسل يديك !
غسل جلجامش قدميه
و قال :
لستُ أنا القاتل
إنه الإنسان
الذي يولد
طفلاً على أقدام القرون !
و على شاطىء لاسيو .
عند الهجيرة الهاجرة
قال عجوز لبيلاطو :
أقتل أنكيدو (المسيح)
أقتله في سهوب النفس
و اغسل يديك !
غسل بيلاطو يديه
و قال :
لستُ أنا القاتل ،
إنها هي ، إنها البهيمة
التي تنقرض
على رأس القرون
لكن وا ويلتاه !
فقد راح هذا العرف
في صلب الزمن يدبّ
حتى يتوقّف في بوليفيا و
فلسطين الدامية ...
من كروم التين و البرتقال
الحزين
انطلق عند الغروب صوتٌ
كان ينتظر الأوامر :
أقتل الفدائي
أقتله عند منعطف حريتنا
و عطِّر الحجة !
خادم العم سام ضمخ بالطيب
حجَّته
و قدّمها لنا في العالم أجمع
كي نستنشقها .
لكن الجرح كان لا يزال عنيداً
،
معشّشاً في ذاكرة الإنسان :
بهيمة الشمال
كانت في حرش من أحراش بوليفيا
و ما زالت في بيارة برتقال من
بيارات فلسطين
تقدّس خمبابا .
|