الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

 

 

 

 

 الشاعر الطليطلي خواكين دي لوكاس

 

بين أريحا و بيت لحم

تائهٌ يجهش بالبكاء
 
 
خواكين شاعر الفن للحياة :

 

ولد الشاعر الإسباني خواكين بينيتو دي لوكاس في تل إيبيرا - طليطلة ، سنة 1934 . بعد تخرّجه من كلية الآداب عمل سنة 1960 مدرّساً للغة الإسبانية بالمركز الثقافي الإسباني في عمان و دمشق ، ثم برلين و لم يعد إلى بلاده إلا سنة 1969 . ليمارس المهنة نفسها حتى تقاعد عن العمل الوظيفي كأستاذ في جامعة مدريد .

بدأ خواكين يكتب أولى قصائده في منتصف الخمسينات و ينشرها في مجلة "الشعر الإسباني" ، أو يلقيها في مهرجانات شعرية في جامعة مدريد أو في مجمّعها الثقافي . و قد تتلمذ في هذه الفترة على شعراء مثل خوسي يرّو و داماسو ألونصو .

في إطار الكثافة اللينة و العاطفة الجياشة اعتمد شعره على معرفة المحيط الخارجي للأمور من ناحية و على التجربة الشعورية التي تعطي القصيدة صورتها النهائية من ناحية أُخرى .

و في تجربته الشعورية نلمس ظلالاً سوريالية خفيفة ، حيث يسبر في ديوانه "الطحالب" 1976 أغوار دنيا الأحلام و اللاوعي . و مع هذا يظلّ الطابع الغالب على أدبه واقعياً ، يؤكّد على أن الحياة و الشعر هما الشيء نفسه ، حتى جاء ديوانه "تنافر" سنة 1983 قاطعاً في حكمه : "إما أن يكون تاريخنا أدباً أو لا يكون شيئاً آخر على الإطلاق" . *

و لقي شعر خواكين قبولاً لدى القراء و النقاد فحصل سنة 1967 على "جائزة أدونيس للشعر" ، على ديوانه "مادة للنسيان" ، و سنة 1976 على "جائزة ميغل إرناندث الشعرية" على ديوانه  "مذكرات الرياح" .

سمحت له إقامته في سوريا الكبري بمعايشة الشرق و سبر أغواره وطناً و ثقافةً ، فجاء "الهواجس" سنة 1964 ثمرة طيبة لهذه التجربة الغنية لشاعر قضى شرخ الشباب في دراسة العالم الروماني اللاتيني و معايشته . لهذا كانت ضربة الحظ التي حملت الشاعر إلى سحر الشرق قوية الأثر حتى تنازعته المشاعر الشرقية و الوطنية :

الناس الذين أعيش معهم

بعيداً عن بلادي

يرونني أمرّ مالئاً

الصباح بالشجون

و عن بُعد يُسمع

صوت البحر في القيد يشدو .

و يُبحر ليلاً في صحرائنا العربية حيث "تتقدّم القافلة / و الرجال يداعبهم النعاس / دون صوت في الحناجر ... / يئنون تحت سيف الألم" ، حتى يصل البطراء : "مدينة تحاصرها الرمال / مدينة عتيقة في عالم النسيان / حيث الحجر وحده يشدو / طليقاً في الهواء / محطّماً قيوده / ناضجاً من انتظار غزاة كثيرين" .

و في القسم الثالث من "الهواجس" يعبر نهر الشريعة إلى فلسطين : القدس و أريحا و بيت لحم ، فيغنّي في ظلال زيتونها و لوزها أعذب الأنغام ، و بخشوع يعيش ذكرى المسيح عليه السلام أرجة يانعة .

و تظل ذكرى الشرق في نفسه ريانة ترطب من جفاف الشعور بالغربة و خيبة الأمل الذي عاشه في ألمانيا و انعكس على ديوانه : "معسكر الاعتقال النازي KZ" سنة 1970 .

خواكين في دواوينه العشرة بعامة ، و في "فلسطينياته" بخاصة يؤكّد على أمر واحد : "الصباح سأظلّ أنتظره ، حتى و إن لم يأت" .

 

 

2

أسوار القدس

 

الجبال وردية

و الوديان زرق ،

الأنهار متثاقلة

و صفير الريح مشدود

بين أشجار صنوبر

تراني أبكي عند أسوار

هذه المدينة العتيقة .

راحت النسمة بين أشجار

الزيتون تشدو

و تحتضن الأطفال ؛

و راح الناس أيضاً بين

أشجار الزيتون يهزجون  .

على أبواب هذه المدينة أقف

وحيداً رهين الريح و البشر ،

و الذكريات و الأطفال ؛

كما لو كنت بين بيت لحم

و أريحا تائهاً أجهش بالبكاء .

 

 

  

 3

البحث عن أريحا

 

جبال فلسطين

عند الصباح توجّتها براءَة الطفولة .

كان الليل أشمّاً

و النجوم ناصعة

و أنت يا من تخبّ بحصان جريح

بحثاً عن أريحا بين النخيل

سيقان أسل لدنة

تنمو على ضفتي نهر الشريعة الضيقتين .

بجوار البحر المّيت ، المياه ضريرة

تغني أغنية الموت الذي

راح صوته كنهر سلام إلى

شرايينك يتسرب

و ها أنت أخيراً في "أرض الميعاد"

بعد تجاهل طويل و سير

حثيث بحثاً عن حشائش ،

علامة غيث و آثار حافر حصان ،

و أطلال منازل و مواقد .

سواء كنت تقياً من أتقياء مريم

أو حاجاً إلى مثوى سانتياغو ، تأتي

أريحا تكسو صدركَ الأصداف ،

رداؤك متسخ ، و العكاز بيمناك

و تشرع في الصلاة أمام الطبيعة .

من المدينة العتيقة لم يبقَ شيء

في الذاكرة ، سوى نبع عجيب

و شجرة في ظلّها ما زالت

تصوّت خشخشة الأردِية

الزرق و صوت الأنبياء قد انطفأ .

 

 

4

على ضفاف نهر الشريعة

 

غير المكشوفة و المخفية في النفس

هناك دروب اُخرى ،

أنت لا تودّ رؤيتها .بينما نصعد ، عند المساء ،

من البحر الميت إلى بيت لحم

تقول لي إن الحياة نسغ نعصره

بأيدينا ثم يختفي كما تتلاشى

مياه هذا النهر في البحر .

و إن كان كذلك ، فلمَ المساء

له هذا القطيع الملوّن الهائم 

في الجبال الوردية الزرق ؟

لماذا تشدو الشمس على

رؤوس الأطفال ؟

لماذا يملأ الربيع بصوته عناقيد كثيرة

أنظر النسيم بين الأشجار يصفق

لكلّ لحظة حياة في هذه الغادة

التي تَرِد النبع لتملأ جرتها و ترفعها

على الرأس ببهجة تأسر الآبق .

إذا كانت الحياة نسغاً نعصره بأيدينا

فلماذا نذهب ، هذا المساء ؛ أنا و أنت

يحذونا الأمل إلى بيت لحم

تقولين لي و المدامة تتدفق من أعيننا

سروراً : "انظر نهر الشريعة"

فأنظر إلى مياه النهر الكدرة .

و يعصب الليل أعيننا

فأينك أنت .

أين تذهبين ؟