|
الخيار الفلسطيني
عند الشاعر الأرجنتيني خوليو هواسي
1
خوليو هواسي فارس
الكلمة الجموح
قد يكون مولد الشاعر
الأرجنتيني خوليو هواسي عند منتصف العقد الرابع من هذا القرن (20/3/1935 ، في خضم
الهجمة الاستعمارية التي ما زالت تدمي الإنسان و التراب في شتى أنحاء المعمورة) ،
قد صاغ الطابع الإنساني المقاوم الذي يميّز مواقفه من قضايا الحرية و العدالة ،
فقد جمع إلى نزاهة الموقف كفاءة إبداعية جعلت من صوته "ذي النبرة الأمريكية
اللاتينية نغماً متميزاً" ، يقف على قدم المساواة إلى جانب أرفع أصوات الجيل الجديد
في الشعر الأمريكي اللاتيني المعاصر و أبرزها .
فقد تجلّت هوية خوليو
الإبداعية في قدرة قصائده الخارقة على التأثير و امتلاكه ناصية اللغة التي هي عنده
"نمر كاسر ، هو سائسه الذي يتفاهم معه بالنظرات" ، و هي أيضاً سبق للمعطيات لا
نتيجة لها . و بهذا راح شعره يفتق براعم اللغة كاشفاً من داخلها عن حدس غذته مشاعر
إنسانية ألهبها الظلم و الشقاء . و منذ أن صدرت مجموعته "أنغام شعبية من بوينوس
آيريس" سنة 1959 ، راح يثير حفيظة الأدب الرسمي السائد و يبعث الارتياح في نفوس
أولئك الذين يطمحون لقراءة فن جذري أصيل ، يحرّك الواقع و يسبر أغوار النفس ، فيغرف
من نسغها زاداً تتزوّد به الروح في مسيرتها النضالية ضد السم و الشرور ، إذ غاص
الطابع الإنساني لمطولة "الأنغام الشعبية" في باطن العذاب و القهر حتى التقى في
الأعماق بجذور "كوميديا دانتي الإلهية" .
من هذا المنطلق الجماهيري
كمدخل وحيد لفهم حقيقة هذا العالم الذي هو عالمنا ، جاءت "اليانكية" سنة 1960
لتصوّر العزلة التي تعيشها الشعوب في ظلّ تسلّط أدعياء الثورة ؛ و هي عزلة يكشف
عنها في "الخارقون للعادة" سنة 1965 ، حيث يؤكّد على ضرورة التعامل الأصيل و الصادق
مع المعطيات ، دون أقنعة ، الأمر الذي وسم ديوانه الثالث هذا بالجذرية في وضع
النقاط على الحروف و تسمية الأشياء بأسمائها ، حتى كادت حيازة الواحدة من نسخ طبعته
الأولى ، الثلاثة آلاف ، كافية لدى سلطات انقلاب 1976 ، لتبرير اعتقال حائزها .
و لقيَ نضال المرأة الوطني
صداه في شعر خوليو هواسي . فبعد أن صوّر ظروف الثورة الأمريكية اللاتينية سنة 1971
في ديوانه "قصائد" ، راح في "وطني الأزرق ، وطن الأمهات" يغني بأصوات منوّعة تضحيات
المرأة الأرجنتينية و صمودها في وجه الطغيان العسكري الحاكم منذ أن ولدت "حركة
أمهات مايو" سنة 1977 بإثنتي عشرة أم طفن بسجون السلطة بحثاً عن أبنائهن الذين
أُختُطِفوا و ذهبت ريحهم .
بعد صمت طويلٍ فرضته عليه
الظروف الرهيبة التي تعيشها قارته صدر له في مدريد سنة 1981 ديوانه "المجازر" الذي
يعزف فيه على أكثر أوتار القصيد حساسية لتصدر عنها الأنغام كعيارٍ ناريّ ينطلق من
مسدس يوجّهه إلى صدغ آلهة الاستغلال و القهر ، حقناً لدماء قارته التي راحت تقاوم و
تصدّ الهجوم في بحثٍ مثير عن بشرى تلوح في الأفق .
و لهذا ، اعتبر خوليو كورتثار
"المجازرَ" "من أسمى ما قيل في الشعر عن أوضاع أمريكا اللاتينية و قضايا التحرّر
الإنساني" .
و مع أن ظروف حياته الشقية لم
تسمح له بشيء من الاستقرار يمكّنه من التفرّغ لعملية الإبداع الفني ، فقد أصدر
خوليو - حتى الآن - ثمانية دواوين شعرية ، صب فيها تجربته الشخصية التي كانت شاهد
عيان على ثلاثة انقلابات عسكرية دموية رعتها الولايات المتحدة الأمريكية بين 1973 و
1976 في الأرغواي و تشيلي و الأرجنتين . و إن كانت النكبة - كما يقول جيمس جويس -
تحطم نفسية الإنسان و تطرده من الواقع الخارجي إلى داخل نفسه ... حيث تنكمش همزة
الوصل الواعية بينه و بين العالم فإن "ألفاً من أكاليل الشوك و المآسي" لاحقت
الشاعر و الصحافي خوليو هواسي عبر دروب أمريكا اللاتينية ، إلى أن قذفت به إلى ضفة
المحيط الشرقية ، لم تزده إلاَّ إيماناً بحتمية النصر ، و تحريضاً للإنسان على
الموت في سبيل وطنه الذي "في هوائه تتطاير جذوره الجسدية و تصرخ بسماء من النابالم"
، حتى لا يظلّ في الأرض "مختاراً و منبوذاً" و "يكون للفلسطينيين وطنهم ، أو لا
يكون هناك وطن لأي كان" ، كما جاء في ديوان المجازر الذي منه اقتطفنا ثلاثية
"فلسطينيو الفداء و النصر" ، و فيه كإرنستو كاردينال في جيشسيماني كي
"رأيتُ تطوّراً جديداً
و لحناً جديداً :
كلّ كواكب الأحياء الأخرى
سمعت الأرض تغني
أُغنية حب" .
2
فلسطينيون
إلى ليلى و خالد
جذورهم الجسدية
في الهواء تصرخ بسماء من
النابالم
قطيع من ذئاب حمر
تلتهم خراف الوطن العتيق
السماوية
تركل رماد الموقد
الأطفال كشظية خشب مشبعة
بالراتينج
بين أيدينا يحترقون .
تجاوزت الجحيم يا سيدي
في قدميّ بيادر أقدام سارحة
تهيم على وجهها
يا ربّ هذا الحيّ الكوكبي
إله عيسى و موسى و محمد
استجب من عليائك
إن كان لك وجود
انتهت عمليات إخلاء الكرة
الأرضية
و المستأجرين المختارين
و المنبوذين .
الأرض لمن يرويها بدمه
و تحت أعناب الشمس مكان
للجميع
بمشيئة الله يا إلهي
ألاَّ يعصبوك بعصَابة المنافي
الحزينة
أنت تعرف كم هو ثقيل صليب
عبادك المشردين .
سيكون ذلك عربة حب
لكلّ المخلوقات
فيكون للجميع وطن
أو لا يكون هناك وطن لأيّ كان
.
3
نداء الوطن
الداعرات بشِفاههن المصبوغة
يا موسى الرعب
يهززن مهدك
دعائم سفينتك جدَّفت عليها
القدر
جسد أضنته العاصفة
اليوم هو أول يوم من نورك
بعد الموت دائماً كفرخ نسر
نصرخ
و دون طعام
نولد
لكن بالشمس تحت الإبط
في أمريكا اللاتينية أردنا أن
نحلم
ففاض بنا الحب
و أجسادنا ما سمت سموّنا
و كلما كشر الموت عن أنيابه
أصبحت أمريكا أمانة في أعناقكم
غربان الكون تستنفذ الكؤوس .
و لتسر النمور
فاليوم هو آخر ليالي الأمس
فداءً للوطن
أيها النمر
فداءً للوطن .
4
النصر لنا
رغم ألف من أكاليل الشوك و
المآسي
و بجرح أقدامنا سيكون النصر
لنا ، نعم ،
في وجه الموت المتواصل ، و
عاصفة الدموع ،
ببؤسنا الذي لا يرحم
بنِتَف ألسُنٍ مقطوعة
حتى بدون أيدي سننتصر ، نعم ،
درجات سلالم مكسرة
نبني سلماً من الفقراء
برؤوس مبتورة
جماجمها في أحضان أمهات حصدتهن
الرشاشات
و مهودها توابيت ، نعم ،
بكلّ ذلك سيكون النصر لنا .
نعم ،
بخشبتي الصليب و مساميره
كالسكاكين
سنمحو الصالب و ننتصر ، نعم ،
ديدان السرة
و عيون تفرغت
و أفواه يملأها التراب
ستحثّ الخطى و إلى النصر
تقودنا ، نعم ،
بالآلهة في المقدمة أو برأس
الآلهة ،
كبحرٍ من جيٍر حيٍ ستثور أجمة
العظام هذه
و ستحث الخطى صحبة أسماك
و جذور في الليلة العدوّة ، و
سننتصر ، نعم ،
بالقفز من الوتر الرابع إلى
الوتر الخامس في القيثارة الملتهبة
إلى الوتر السادس و وترها
الثخين في صلاة جنائزية ،
بهذا سيكون النصر لنا ، نعم ،
رغم أفاعي الغازي يمارس
الإبادة في وضح النهار
سنُشهر ضلعاً ، بالأسنان و
بالأظافر و بكل وسيلة
سوف ننتصر ، نعم ،
بألوية دم الشهداء على عربات
المدافع
و عيونهم تلتقي بعيوننا مؤكّدة
على الصمود ،
نحن لا نحرث بيت نملٍ أعمى ،
في سبيل بيت الحب سوف ننتصر ،
نعم ،
بالربيع طلقاً في اليدين و
بالحب في الصدر ،
و الزوجان تظلّهما الملاطفات و
المستقبل الزاهر
بالعذاب نفتح هذا الجسد للحياة
كي ننحت فيه الشِفاه العذبة
التي بها نطبع القبلات على
تجارب حبّنا و زغاريده
الجديدة و القديمة ،
ببراعمها الساهرة على ألسنة
نيران الخلاص
و عصفورها (التفاحي) يجتاز
الموت
بتغريده أغان المعجزات
و إنشاده (الميلونغا) مسبحاً
:
النصر لنا ، النصر لنا ، النصر
لنا .
|