|
أنطونيو مورينو
من عذابات إسبانيا يغني فلسطين
1
أنطونيو شاعر العذاب
الإنساني
بينما كانت فلسطين تموج
بثورتها المسلحة و عصيانها المدني في وجه الإنتداب البريطاني ، عند نهاية
الثلاثينات ، كان تلاميذ مدرسة المعلمين الاعتيادية الواقعة في شارع سان برناردو
المدريدي يصطفون أمام علم جمهورية راحت وقتذاك تترنح تحت ضربات الانقلاب العسكري
اليميني الذي كان يجتاح إسبانيا و يمزّقها .
و لما أوشكت قوات الانقلاب
بقيادة الجنرال ياغي على كسر خط الدفاع الجنوبي عن مدريد و اجتياز نهر المنثنارس
تجمَّع أطفال هذه المدرسة و أطفال مدارس اخرى في مستشفى مدريد استعداداً للانضمام
للفلول الجمهورية إذا ما تقهقرت إلى مدريد .
و بينما كانت ميليشيات
الجمهورية بقيادة الجنرال إنريكي ليستر تستميت في الدفاع عن مواقعها عند جسر
الفرنسيين بضواحي مدريد الغربية ، كان الجنرال كاسادو يتستر - تحت شعار السلام -
لتقديم مدريد لقمة صائغة للجنرال فرانكو ، غير أن المجتمعين بالمستشفى رفضوا
الطروحات الاستسلامية و شكّلوا الفرقة الخامسة التي تصدّت للمتآمرين و الانقلابيين
، حتى قتل معظم أفرادها و لاذ بالتستر من بقي منهم على قيد الحياة ، كي يعود
للانطواء فيما بعد تحت راية "منظمة الإنجيل" الفدائية التي شكّلها سنة 1939 خوسي
ميرينو كامبوس ، و راحت تقوم بعملياتها في إقليمي ليبنتي و إكستريمادورا ، في
انتظار أن تأتيها الحرب العالمية الثانية بعون القوى العالمية التقدّمية الذي ما
كان سوى سراب تلاشى بانهيار المقاومة و لوذ مقاتليها بالمنفى أو بالاستتار عن أنظار
السلطة الجديدة ، التي راحت تقبض عليهم الواحد تلو الآخر و تزجّ بهم في غياهب
السجون العسكرية و الجنائية أو تقودهم إلى الأعمال الشاقة بجبال وادي الشهداء "حتى
بلغ عدد ضحايا الجممهوريين بين 1939 و 1943 مئة ألف ضحية" .
هذه هي أهم المنعطفات التي مرت
بها حياة الشاعر الشعبي انطونيو مورينو ميخياس (11/5/1929 غوارينيا - وادي حوف) ،
منذ أن ترك مدرسة المعلمين الاعتيادية منخرطاً في صفوف الميليشيات الجمهورية حتى تم
اعتقاله في 13/4/1947 ، و راحت تتقاذفه سجون مدريد و أوكانيا و قادش و وادي الشهداء
و قلعة عبد السلام ، حتى لفظه هذا الأخير إلى شوارع مدريد في 17/8/1964 ليحاول -
دون جدوى - التكيّف مع وضعه الجديد ، الأمر الذي دفعه سنة 1973 إلى الهجرة لألمانيا
الغربية ليعمل حمالاً مدة عامين عاد إثرها إلى وطنه ليقوم بواجبه الإنساني في
الدفاع عن قضايا الإنسان العادلة دون أن يضع حداً أو يحدّد عرقاً لهذا الإنسان .
و بهذا راح أنطونيو ينتقم من
جلادّيه بالكتابة ، فنشر "بيت الأختين" في أدب الرحلة ، حيث نجد الإنسان مرهقاً
يهيم في مجاهل هذا العالم الظالم على وجهه . أما تجربته الحياتية المرة فقد مزجها
بآلام الإنسانية حيث وُجدت ، و صبّها في كتابه "نشر الميت لتشريحه" ، حيث يستعيد
ذكرى رفاقه الذين عُذبوا و قُتلوا مشيراً بإصبع الاتهام إلى الجلادين .
هكذا التهمت السجون السياسية
من حياة أنطونيو مورينو سبعة عشر عاماً ، زادت من إيمانه بضرورة الدفاع عن الحق و
عدم الاستسلام للطغاة الغاصبين . خرج من السجن كي يجد الذئاب الكاسرة تذرع الكرة
الأرضية ، ناشبة مخالبها في جسد الإنسانية في فيتنام و جنوب أفريقيا و أمريكا
اللاتينية و فلسطين ؛ نعم في فلسطين ، حيث تآلبت الذئاب بمختلف فصائلها على هذا
الوطن الآمن ، كي يتمكّن من افتراسه ذئب هجين أتت به بقية الذئاب كي يكون حارساً
لمطامعها في المنطقة . أمام هذه الحقيقة المرة جرد أنطونيو مورينو قلمه في وجه تلك
الذئاب ، مغنياً كلّ جرحٍ في جسد الإنسانية ما زالت تدميه المخالب الغازية حتى جاءت
"رياح الشعب" سنة 1977 تحمل بين صفحاتها هذه "الأغنية إلى فلسطين" :
2
أغنية إلى فلسطين
سلطان النور بلا حدود
يطل من نافذة كبيرة
على المصراعين مفتوحة .
نبيلة كما لم تكن أبداً
هي في قلبك الصداقة ،
هدئي من روعك يا أم الشعوب :
يا فلسطين الحبيبة .
إلى الأمام صفاً واحداً
أيها الفدائيون الرفاق
إلى الأمام و النصر لنا .
شعوبنا سُحقت
آباء و أصدقاء لنا قد استشهدوا
.
النضال قدرنا جميعاً
سنقاتل حتى آخر رجل .
وحدي الراية أيتها الشعوب
ضد المعتدي الشرير .
وطن أثخنته الجراح :
حرب ، فحرب ، و حرب هو حصادنا
!
في كلّ شبر و فرسخ من ترابك ،
يا فلسطين
يا وطني الغالي ، أعداؤك سوف
يُهزمون .
كنت وحيدة أنت في نضالك من أجل
الشعوب المقهورة !
كنت يتيمة من الحنان البشري
قبل أن تهبك الحياة
أنثى ولود و سبع كاسر
و ذئبة و ضبعة ، و لبؤة جريح
إيه يا فلسطين !
طفلٌ يدفن أخاه الشهيد
كم هو قاسٍ دفن الشقيق .
طفل في الثامنة من عمره يلعب
فأيّ لعبة هي لعبة الحرب
طفل يغني ، الحرب هي أغنيته .
صبيّ في الثانية عشرة من عمره
يصعد سفح الجبل
مقسماً على الثأر لأخيه ؛
فالأمس غروب دامٍ
والحاضر زيتون متوقّد .
قلبي و كلمتي و مشاعري تحرسك
فهي لك يا فلسطين .
أرض باركها الله هي اليوم
ذبيحة :
دمٌ و جوع و رعب و موت ...
يا وليداً تنتظر الحياة ، دون
سقف ،
دون فرش ، دون ضوء ، دون صوت ،
أنت منذ الآن ميّت !
فيا للعذاب القاتل الذي يفتك
بصدري .
عندما خلق الله الإنسان ،
صوّر المرأة و شكلها بتلك
الطبيعة الولود .
تباركت يا إلهي .
تبارك المبدع الخلاق لطبيعة
كهذه .
قال البعض – و يا للنفاق - :
كم هي متوحشة تلك الخراف لأنها
لا تترك نفسها فريسة سهلة
للأخ الذئب ، تماماً كما فعل
معلمها
يسوع المسيح .
|