|
الشاعر الأندلسي كارلوس الباريث
على موعد مع القدس
1
كارلوس شاعر الزمن المدلهمّ
تجسّد حياة الشاعر الإسباني
كارلوس الباريث كروث Carlos Alvarez Cruz المولود في
27/12/1933 ببلدة شريش Jerez الأندلسية - التي نزلها جند
فلسطين أثناء الفتح الإسلامي - نموذجاً للصراع الذي قد يخوضه المثقف ضد السياسي
الحاكم . فمنذ أن غادرت أسرته شريشها سنة 1941 متوجّهة إلى العاصمة مدريد ، بعد
مرور أربع سنوات فقط على إعدام القوات الوطنية لربها الضابط الجمهوريّ خوسي الباريث
رويث ، رمياً بالرصاص في اشبيلية ، حتى وفاة الجنرال فرانكو سنة 1975 ، سُجن الشاعر
لأسباب سياسية ، مدة أربع سنوات و نصف السنة ، توزّعت على أربع مراحل في سجون
كرابانتشيل و برغس و كاثيريس التي ولدت فيها بعض أعماله الشعرية ، حتى أصبح – بحق -
نموذجاً للشاعر السجين في الستينات ، تماماً كما كان ميغل إرناندث في الأربعينات من
هذا القرن .
بسبب مضايقة الشرطة الدائمة له
، تشرّد في فرنسا و هولندا و الدول الإسكندنافية و النمسا و ألمانيا و إيطاليا و
الاتحاد السوفييتي ، فعايش قضايا الإنسانية و نضالها ضد الضيم و زاده ذلك تمسكاً
بتراب وطنه و جعل من المنفى كابوساً يقضّ مضجعه :
لا يزال للمشرد من وطنه اسم
غير اسمي
و شدما يخيفني
و يفزعني
التفكير
في أن يصبح اسمه ذات يومٍ
كارلوس الباريث
...
... ...
هذه هي الصورة التي تتراءى لي
عن بُعد لذلك الإنسان
الذي تعرفون صوته
و هو الذي جرّعته "إسبانيا
الطوائف" السجن و المنفى
...
... ...
هذا هو هاجس شعري أن إسبانيا
عندما تداعبها يدا خوان ستبدو
مضاءة بالقمح ، نقية ، طيبة .
في المدة الواقعة بين 1963 و
1996 أصدر كارلوس أكثر من ستة عشر مجموعة شعرية باللغة الإسبانية ، سبع منها ترجمت
إلى لغات أجنبية ، منها العربية ، أكّدت كلها على أن كارلوس الباريث من أكثر
الشعراء الإسبان المعاصرين جرأة في القول و نشراً خارج إسبانيا .
اتسمت أعمال كارلوس بواقعية
الإبداع و عمق الدلالة ، حتى لا ترانا نبالغ إذا قلنا إن حياته و مسيرته الفنية
تقرآن في عناوين أعماله ، مثل : "الكتابة على الجدران" 1963 ، "أخبار من إسبانيا"
1964 ، "أوراق عثر عليها سجين" 1966 ، "أن تكون منفياً بلا وطن" 1967 ، "موسم
الحصاد و أعشاب أخرى" 1970 ، "أشعار الزمن المكفهر" 1976 ، "كالرغوة تقاوم الصخر"
1976 ، "نجّاك الله يا مريم و قصائد علمانية أخرى" ، 1978 ، "أغانٍ و حكايا مدلهمة"
1980 ...
و ينبع تضامنه مع الشعب
الفلسطيني - كما صرح لمجلة فلسطين الثورة ، عدد 513 - من كون هذا الشعب قد طُرد من
وطنه . و الشاعر يتضامن مع كلّ إنسان يطرد من أرضه ؛ و مع أنه يتضامن مع اليهود
الذين يطردون من أوطانهم فهو عدوّ لدود للصهيونية المتمثلة في دولة (إسرائيل) التي
يعتبرها ولاية من الولايات المتحدة الأمريكية ، و يأسف لأنه لا يملك غير الكلمة
سلاحاً في هذا الخندق ، إذ أنه يعتبر نفسه مناضلاً - من متراسه الإسباني - في صفوف
المقاومة الفلسطينية ، و يرى أن نضال الشعب الفلسطيني هو نضال الشعب الإسباني نفسه
ضد الإمبريالية الأمريكية التي يعتبرها - لا الشعب الأمريكي - عدوة للإنسانية . و
الشعب الفلسطيني عنده هو الفقير المضطهَد في الأسرة العربية الكبيرة ، و يتحمّل
حلفاء أمريكا من أغنياء المال العرب ، حكومات لا شعوب ، عار معاناة هذا الشعب .
2
أخي الفلسطيني
إلى أخي محمود
سألني أخي الفلسطيني
عن وطني ، فقلت له :
ليس شجرة هو و ليس نهراً ،
و لا حتى ذكرى
ليس هو البكاء على
ضريح أسلافي ؛
إنني بين الجبارين غريب ،
و مواطن بين الفقراء
عرباً كانوا أم يهوداً
صفراً أم سوداً
بيضاً
بدمٍ أحمر أحمر .
قال لي : "أفهمك
و لكني مشرّد و لا أدري أين
أبيت هذه الليلة
و أطفالي يتضوّرون جوعاً
فقد سلبوني كلّ أملاكي" .
حينئذٍ تلمّستُ في حزنٍ تبكيت
مفتاحي في جيبي
و قد تلظّى و راح كسكينٍ يحزّ
يدي
يقول :
فلسطين هي وطني" .
3
حكاية في ثلاث مدن
إلى الشاعر الفلسطيني معين
بسيسو
أمس في بيروت ، اليوم في تونس
و غداً في القدس
إن يُلق في قلب المياه النقية
بالحجر
تفيض بموج مرتعش
يبتعد و يتناءَى
حتى يكاد يتلاشى
لكنه يبلغ الضفة
فيرتدّ عنها
و ليس له من غاية في النفس
إلا استعادة عنفوانه
الكاسح المباغت الثقيل
و لذا يتمركز في القلب من جديد
كما الموج هو المنفى
الذي يسمّونه أحياناً غربةً
فهو أبداً لا يذوي
إذ أن من أسمائه الأخرى أيضاً
و هو أجملها
اسم العودة
عادني طيفك يا معين
و أنت هناك في بيروت
و منك وطنك فلسطين على مرمى
البصر
بين أرز لبنان أنشدنا :
أنا و أنت قصيد التضامن
بلسانين مختلفين
موجتك اليوم هي أبعد من أي
وقتٍ مضى
عن مسقط رأسها
بيد أني أراها عن كثب
تغذّ الخطى في عودتها المحتومة
إلى أرض الوطن .
مدريد / تونس
في أبريل 1984
|