|
الكلمة الفلسطينية المقاومة
في شعر خابير بيان
1
خابير الشاعر المجدد
فلسطين ، كما يراها الناقد
الإسباني بدرو ميغل لاميت ، هي الجرح المفتوح ، في قلب هذا العالم المريض ، الذي
يسكننا اليوم بآهاته. و لما كان الاقتراب من المرض ، أو الحزن ، أو الجرح ، غير
متيسّر إلا بالحب ، أو الدواء ، و كان الشعر ، على الدوام ، شكلاً من أشكال الحب ،
فإن معنى اقتراب خابير بيان Javier Villan من القضية
الفلسطينية ، يصبح جلياً و مفهوماً ، و يعد خطوةً تجديدية ، في مضمون الشعر
الإسباني المعاصر ، إذ أن قارئ هذا الشعر قلما يقع فيه ، باستثناء ما كتبه رفائيل
البيرتي و ميغل إرناندث ثم كارلوس الباريث ، على مضامين سياسية ؛ و إن حدث ذلك يكون
مجرد محاولة غير ناضجة نضج هذا النوع من الشعر عند شعراء كتبوا بالإسبانية مثل
الكوبي نيكولاس غيين أو التشيلي بابلو نيرودا أو السلبادوري أُسوالدو إسكوبار
بيلادو أو النيكاراغوي إرنستو كاردينال[2]
. و حتى تلك المحاولات التي قام بها شعراء إسبان مثل بلاس دي
أوتيرو أو غابرييل ثيلايا أو كارلوس سآغون في مستنقع الدم الذي تركته الحرب الأهلية
الإسبانية تظل غارقة في استعاراتها الخاصة و نواقصها التعبيرية ، و غموض أفقها
السياسي ، نتيجة لغياب الراية ، و غياب الصراع . أما خابير بيان ، فعندما نظر إلى
"الوجه في المرآة" ، تكشّفت له استحالة التفاهم مع صورة الوجه ، التي لم تكن حقيقية
، في المرآة ، لأن المعاناة كانت تعكّر الوجه و تفقده حقيقته نتيجة لفقدان الهوية
الشخصية ، و حضور الموت كقاسمٍ مشترك بين الحياة و عبثها :
الموت شرط حياتنا
موتنا
خوفنا
دمنا
موتوا أيها الأشرار
كي تعيشوا ميسورين
فخابير بيان (تورّي دي مولينوس
، بالينثيا Palencia ، قشتالة : 24/3/1942) الذي شتّت
العصبية القبلية أهل قريته المائتي نسَمة ، على المدن المجاورة ، توقّدت فيه روح
المقاومة عبر سنوات الحظر ، حتى قادته إلى استنتاج واحد :
"ما متنا
على كثرة ما قتلونا"
من هنا راح يستلهم روح النضال
الفلسطيني ، و يرفع راية التضامن الإنساني ، باسم كلّ المظلومين الذين تتعرّض
حقوقهم و جذورهم للسلب و النهب . فديوان "أمثال فلسطينية" Parabolas
Palestinas ، يرسم لمحات غنائية على هامش موضوع ملحمي يصوّر
نضالاً عادلاً يخوضه ، اليوم ، شعب صبور .
إن تراتيل الشاعر و صلواته
لأجل الشعب الفلسطيني الذي "فقد البيت و الراية" ، تضع في الجزء الثالث من ديوانه ،
النقاط على حروف مأساته و مشاعره الإنسانية دون اللجوء إلى قذف التهم جزافاً ، إذ
أنه يدرك أن المسؤول عن بؤس الطفولة و الشباب ، في عالمنا ، فد يكون الجميع و قد لا
يكون أياً كان ؛ فالإله الذي تصلّي له قشتالة "رحيم" لأن الشاعر لا يودّ إلقاء
اللوم على أحد ، و لا حتى على الإله نفسه ، لأن الذنب فيما يصيب قشتالة من مآسٍ ،
يقع على الطغاة الذين حكموها بالحديد و النار ، و أن أيّ مسؤولية غير مسؤولية هؤلاء
الطغاة ، تحدّدها وجهات النظر على تباينها .
فقد مرّ جيل السبعينيات الذي
ينتمي إليه خابير بيان ، في إطار الشعر الإسباني ، بفترة نقاهة من حمى فهم ملتوٍٍ
لحداثة حطّمت قدرات الشعراء الشباب في ظلّ حَجْر كاملٍ على الفكر لم يؤدّ إلا إلى
تجلمد المفاهيم و عقم المضامين ، جريأ وراء قشور سوريالية غامضة .
و جاء خابير ليغوص في خضم
الواقع السياسي و الاجتماعي ، بروح لا تعرف الكلل ، مبشراً بقدوم سيل الشعر
الاجتماعي الجارف الذي غمر الساحة في فترة لاحقة .
في ديوانه الأول : "الوجه إلى
الحائط" ، 1974 ، يستفيد الشاعر من خبرته الصحافية الواسعة ، فيقلب مفاهيم
السبعينيات في الشعر الإسباني المعاصر و يحقن القصيدة بحيوية جمالية ، و ينجح في
إذكاء روح التمرّد على الجمود ، و نشر روح التغيير ، و دفع القصيد "للنزول إلى
الشارع عارياً" ليكتسب طابعه الجماهيري ، بإيقاع موسيقيّ جديد ، و تعبير أنضجته لغة
كثيفة سهلة . كانت بداية طيبة لشاعر شاب يتوقّد حماساً . و على عكس الأعمال الأولى
لأيّ شاعر ، و ما يلازمها من صمت و تجاهل ، فإن "الوجه إلى الحائط" لاقى اهتمام
النقاد و المعلّقين ، حيث ميّزه إميليو ميرو بالتراكيب الذكية السليمة و الطابع
الإنساني الأخلاقي . و قد تضمّن الديوان قصائد رائعة مثل "طقوس دينية" ، "مدريد" ،
"الحب" ، "الحزن" ، "كلّ السُبل" ؛ و انطلق خابير، في ديوانه هذا ، من موقف إنساني
، تمثّل في إعدام خوليان غريماو ، رمز الشعب ، و رمز الضمير الجمالي لنضال الجماهير
، رمياً بالرصاص.
و بصدور أول مختارات ، مترجمة
إلى الإسبانية سنة 1969 ، من شعر المقاومة في فلسطين المحتلة ، أعجب خابير بالقيمة
الفنية العالية لهذا الشعر و بالتزام كتابه بقضية شعبهم ، و التقى ذلك في نفسه بما
اعتقد ، هو ، أنه طريق صحيح للوصول إلى الحرية و تحرير الوطن . لهذا حاول اقتفاء
أثر المعاني النضالية السامية لهذا الشعر ، فتمثّل صدى ذلك في "أمثال فلسطينية" ،
العمل الفني الذي نجح في إسقاط صورة فلسطين الدامية ، مع وجود طوابع خاصة لهذه
المأساة ، على واقع قشتالة / إسبانيا ، التي وُلدت فيها كلمات الشاعر و دموعه .
فالمأساة الإنسانية عند خابير
بيَّان لها اليوم وجه فلسطين ، حيث يحاول في الأمثال الاقتراب ، بموضوعية ، من
عذابات وطنه الذي كان ، حينذاك ، يقع على الخطّ نفسه الموازي لنهر العذاب الفلسطيني
المتدفق :
بيت القصيد ليس حساماً يجعل
الجرح يئن
و على الدوام يغوص في أعماق
الواقع باحثاً عن جذور المأساة :
و أخيراً ماذا أريد أكثر من
يدك و شعرك و صوتك .
أكثر من ريح غريبة تتوغّل في
أقبيتي الداخلية
حيث غرست الكارثة
مزيداً من الأزهار و الورود
الجنائزية
و يمكن إجمال موضوعة "أمثال
فلسطينية" في الحوار بين "الأنا" و "الأنت" بين الحبيب و محبوبه في ظلّ "الهو"
الرقيب ، مصدر القهر و الظلم ، حيث يستحيل الحب و الوئام في ظلّ التهديد السياسي
بالقهر ، و التهديد الاجتماعي بقطع لقمة العيش :
إن لم أصل
إن ضلَّ عقرب ساعة
اللقاء سبيله
فلا تسم جبيني بلعنة
و لا تذر التراب على اللحظة
التي فيها قد تعارفنا .
إن تغيَّبتُ عن الموعد
فلأن ريحاً غضوبةً
اقتلعتني
و قشتالة ، بهيمنة الكنيسة
عليها ، و تحكّم رأس المال و الإقطاع بمقدّراتها ، "تبارك السلب" بالدعاء في
صلواتها للطغيان : طغيان العسكر الحاكمين ، و طغيان الكنيسة المهيمنة :
إننا حيث كنا دائماً
بين الصليب و الحسام
حفار جحيم
و من رحم اللحظة القاهرة ، في
ظلّ "الهو" الظالم ، يولد الرفض ؛ رفض واقع إسبانيا في الربع الثالث من هذا القرن .
و هنا يعبق الديوان بأنفاس أنطونيو متشادو عمقاً و ليون فيلبي تمرداً :
إنني حيث يسمحون لي .
يملكون
الصوت
و السوط
و المفتاح
و خزانة الطعام
لكن الشاعر يعود في قصيدة
"صبغتُ الوجه" فيفقد الثقة بالواقع النضالي ، و يتسرّب إلى أبياته إحساس بالعجز ،
لأن كلّ وسائل التحدّي و المقاومة ، تبدّت له ، و كأنها فقدت ، و لو إلى حين ،
فعاليتها .
كان العنصر المناضل في إطار
حزب أو تنظيم ، يناضل سراً متخفّياً تماماً كما يتخفّى المهرج خلف قناعه و أصباغه ،
و هو فعل قليل الجدوى في تلك الفترة ، التي ربما أحسّ الشاعر خلالها بشيء من
الإحباط ، فأراد بذلك الدعوةَ إلى تعميق النضال ، و إلى مواجهة الظالم مواجهة
مكشوفة ، دون الاقتصار على النضال السري . إن الشاعر يدرك جيداً حقيقة المهرج ، أو
حقيقة النضال السريّ ، الذي يضحك في الظاهر و يمرح ، بينما الآهات في أعماقه تمزّق
الأحشاء . إنه يدرك تماماً أن الذي يعيشه ليس قصة خيالية ، و إنما هو حقيقة واقعة و
منتشرة ، في جميع أرجاء إسبانيا في تلك الفترة ... و مع ذلك فتحمّله لهذا الوضع له
حدود ، يقف عندها ليحذّر الظالمين من عواقب التمادي في اضطهاده و قهره :
احدودب ظهري ، اعوجَّ و جثى .
و لم أعد حتى
الخمر
أشربها
فحذار من أن
يتجرأ
أحد على
ملء
كأسي .
ملئها
دون كيلٍ
بمظالم جوف
كثيرة و غرورة .
و لأنه لم يعدْ يطيق هوان
النضال السريّ ، عقد العزم على الخروج للمواجهة العلنية ، لكنه سرعان ما تماسك ، في
مقابلته لرسالة الملازم مازن أبو غزالة بقناعاته النهائية لمعنى النضال و ضروراته :
فلتنتصب الأقلام و لتزغرد
البنادق
فالنصر آتٍ في الوقت المناسب .
هنا يتخذ الحب صورة الانتقام
الشرعي من السلوكيات الظالمة ، و يصبح الشعر، في "تلألؤ الأطلال" خاصةً ، مزيجاً
اجتماعياً أخلاقياً ، يبلغ به خابير بيان أوج تألّقه الشعري سياسياً و اجتماعياً ،
فتعبق من الأبيات رائحة الكبت الذي عاشه الشعب الإسباني ، إثر حربه الأهلية . في
هذا الديوان نتلمّس قصة حب ملحاح ، لا يحيد عن الهدف الإنساني النبيل ، و فيه
تتجلّى محنة شاعر ملتزم بالقيم الإنسانية و يبحث في شخصه الفردي و الجمعي عن الحرية
الكاملة الشاملة .
فخابير في "أمثاله الفلسطينية"
، يُبرِز واقع قشتالة ، التي تلفظ أنفاسها الأخيرة ، راضية بمصابها ، مسلوبة الهوية
، تعيش خارج حقيقتها ، من خلال واقع مأساوي آخر تعيشه فلسطين الأرض و الإنسان . كما
يشير الشاعر إلى تأثّره بشعراء المقاومة الفلسطينيين و يشيد بكفاءتهم و يعبّر عن
إعجابه بهم ، كنوعٍ من الاعتراف بنضال الشعب الفلسطيني و التضامن معه باعتباره
نضالاً في سبيل الحرية و الخلاص من الاحتلال و استرداد الحقوق السليبة . فمن الوضع
الذي يعيشه أولئك الشعراء ، و من روح المقاومة الوطنية الفلسطينية ، ينطلق خابير في
"أمثاله" ليصوّر حياته السياسية و معاناته الإنسانية كمواطنٍ إسباني في ظلّ الحكم
التسلّطي ، و يصف ظروف العمل السياسي و الحزبي السريّ في ظلّ نظام حكم كمّم
الأفواه.
"الأمثال الفلسطينية" ديوانٌ و
نموذج هام ، يرفع الصوت عالياً ، مطالباً بالحرية و يستلهم أصوات خمسة شعراء
مقاومين ، ظلّوا يرزحون في وطنهم تحت حراب الاحتلال الصهيوني ، ينشدون فلسطين ، و
من أجلها يبكون ؛ إنه استلهام يجعلنا نتّفق مع خابير بيان ، على أن مهنة الصحافة و
إن كانت قد أربكت توازنه النفسي ، فإنها لم تؤثّر تأثيراً سلبياً على شعره .
فالظروف التي شاءت لخابير أن يختار الكتابة و نشر القصائد و الأناشيد في صحفٍ عديدة
، تاركاً فلاحة الأرض ، هي نفسها التي جعلته يحترف العمل الصحافيّ ، دون أن يتخلّى
عن نظم الشعر ، بل إننا لا نبالغ إذا قلنا إن العمل الصحافي قد أعطى لغة خابير بيان
الشعرية طابعاً مميزاً لها ، فجاءت لغة "الأمثال" مباشرة رقراقة ، ذات نكهة صحافية
تستخدم المفردات بمعناها العادي المباشر ، دون تعقيدٍ أو تكلّف ، الأمر الذي أعطى
هذا الديوان رصانة ميّزت بناءَه الشعري عن مثيله في ديوان "الوجه إلى الحائط" .
فقد تمكّن شاعر "الأمثال
الفلسطينية" ، ببحر قصير ، و مفردة متميّزة ، من الاقتراب ، في قسم الذكريات ، من
حنين سميح القاسم ، و خيبة أمل سليم جبران ، لسبر أغوار مأساة الفدائي ، و مأساة
شعب صبور ، لم يُبقِ له الظلمُ غير الاستشهاد طريقاً لتحرير وطنه و استرداد حقوقه :
أتذكَّر . كانت الأمسية و كادت
تكون ربيعية
و صوتك منسجم و شفتاك تضعان
منخفضات حزينة
على الشفق الهائم البعيد
العنيد
(إذ أنني لن أعود)
و بهذا يعلن الشعر عن نفسه ،
كما سيعلن ، فيما بعد ، في "لحظة تردّد" ، ديوان خابير بيان السادس ، كضربٍ من
الاستقصاء ، و محاولة التعبير عن النفس ، و فهم العالم المحيط بها ، من خلال سبر
أغوارها .
و يطرح الشاعر ، في "أمثاله"
قضية الجنس ، و يفعل الشيء نفسه في ديوانه الرابع ، "طحلب ليليّ و بحر" ، عنصرَ
بناءٍ و تآلف ، في ظلّ المساواة و الحرية ، كمقدمة يتجاوز بعدها ، في "تلألؤ
الظلال" ، بعض التقاليد الاجتماعية المرعبة ، في زمن ما ، لحدّ اعتبار الحس و
اللذة نوعاً من الحرية بمفهومها البشري ؛ ففي قصيدة "ماريلين" ، يعود الشاعر إلى
طفولته ، حيث كانت إسبانيا "مكبوتة بتقاليدها ، و متحجّرة بخلقياتها ، و فاشية في
سياستها" ، الأمر الذي جعل ماريلين مونرو ، الممثلة الأمريكية المعروفة ، في ذهن
الشباب المتطلّع للخلاص منفساً ملتوياً للحرية ! إذ كانت
مظاهر الثقافة و الفكر في مجملها مقيّدة ، أو واقعة تحت طائلة مقصّ الرقيب .
و تمزج "الأمثال" أيضاً عبقرية
الرثاء بعظمة الأسطورة ، فهي ، كما قال خابير الفايا ، تحليل بهيج لغنائية ذات طابع
عاطفي قوي ، و قدرة متفجّرة على إلحاق اللعنة بالغاصبين . و قد تطوّر هذا المزج ،
حتى غاص ، في "لحظة تردّد" ، في أعماق التاريخ ، بالتطرّق لظروف دنيوية و دينية ،
مجتازاً الحاضر ، عبر الذاكرة ، إلى المستقبل الذي أصبح ينعكس بوضوح على مرآة
الحاضر .
بهذا ، جعلت جدليةُ "الأمثال"
الزيتونَ ملعوناً ، لأنه بدل من أن يكون حقل سلامٍ و استقرار ، أصبح حقل مدافع و
قنابل تحمل الموت للشعب الفلسطيني الآمن . فالزيتون هنا ، ليس ملعوناً حقاً ، و
إنما يصفه الشاعر كما يراه بعينيه اللتين ملأهما الاضطهاد رعباً ، تماماً كما ملأ
الصهيوني الغاصب أرض فلسطين تقتيلاً و تشريداً .
فليس ثمة شاعر ، كما يقول
فلورينثيو مارتينث رويث ، يستطيع ، في موضوع الحرب و الحب و الموت ، الوصول إلى
مستوى خابير بيان ، وضوحاً في الأفكار ، و حماسة في الإنشاد . إنه الصوت الصافي
الملتزم ، الذي "يعرف كيف يوصل همساته الغاضبة من بين ركام مراثي القرن العشرين
المضطربة الغامضة ... إنه صوت كبير متميّز ، يبشر بكتاب مبين !" .
و "الأمثال" ، باستثناء
الاقتباسات المأخوذة عن محمود درويش ، و تأثيره الواضح ، في القسمين الأول و الثالث
، و تأثير فدوى طوقان و توفيق زياد ، في نشيد الختام ، ليس فيه أيّ وجود للموضوع
الفلسطيني ؛ فما بالك بالمثَل ! و مع ذلك يبرز عنصر المقاومة ، كما يقول أنطونيو
دومينغث ري ، في ثنايا الديوان ، محصوراً ، في دنيا خابير بيان العاطفية و
الاجتماعية . و حتى تنجلي الأمور، و لا تبدو "كموكب دخان ، أمام جمهور من الأشباح"
يتوجّب ، كما يرى خوسي مارية بالثيس ، فهم شعر خابير ، في إطاره الاجتماعي و النفسي
، للكشف عن وضع الإنسان في المجتمع الإسباني . و خابير لا يضع نفسه موضع المقنّن
للأخلاق أو المهذّب لها ، و إنما بالنغمة الغنائية الرومنسية ، يكتفي بالتذكير ،
بالدوافع و يغوص في علم الأناسة (الأنثروبولوجيا) ، بحثاً عن إيقاعات جديدة ، تعبّر
عن الإحباط الذي يشعر به شاعر شاب ، ينتمي إلى بلد عريق و عزيز ، على نفوسنا ، نحن
العرب ، مثل إسبانيا .
و هكذا يمكن القول إن "أمثال
فلسطينية" عمل فني ناضج و جميل ، و يعد من أفضل دواوين الشعر الإسباني المنشورة
خلال السبعينيات ؛ فبتحرّر الشاعر فيه ، من قيود المحسنات البديعية التي أثقلت
ديوانه الأول ، أضفى عليه قوة و دقة تتجلّى فيهما القدرة على التعبير و البراعة في
البناء الشعري ، و الاستيعاب الجريء للمؤثرات ، مما جعل خابير بيّان صوتاً حقيقياً
، أصيلاً و عميقاً في تجربته ، عمق الجرح الفلسطيني في شعر محمود درويش و فدوى
طوقان و صادقاً في غضبه صدق روح الفداء و التضحية في أشعار سميح القاسم و توفيق
زياد و سالم جبران .
بذلك يكون الشاعر خابير
بِيَّان قد قدم عملاً إبداعياً جديداً و ديواناً فريداً ، من نوعه ، للتراث الشعري
الإسباني المعاصر ؛ قدّم كتاباً مقاتلاً ، فيه يحثّ الخطى على طريق شعراء ما بعد
الحرب الأهلية مثل خوسي يرو و نورا و ثيلايا و بالينتي و أنخل غونثالث و خايمي خيل
الذين تركوا ، في إطار الحكم سابق الذكر ، لنا أروع ما كُتب من الشعر الإسباني في
تلك الفترة ، و أكثره إبداعاً . فشعر خابير ، بهذا ، يمثّل جسراً ، يعبره القارىء
إلى شعر جيل الخمسينيات في إسبانيا .
|