الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

كتب وإصدارات

 

مدفن الأحياء

وليد الهودلي

 

ربحي هرشة

"أمام الضمير المفقود"

 

ربطوا يده بيدي و رجله برجلي .. أنزلونا إلى المحكمة المركزيّة في بئر السبع .. كانت هذه المحكمة للاستئناف على حكم اللجنة التي حرَمتنا من الإفراج بعد انقضاء ثلثي فترة محكوميّتنا .. كان "أبو همّام" شاحباً ، هزيلاً ، يجرّ نفسه كأنّه شيخٌ قد أكل منه الدهر و شرب .. كان في بداية العقد الرابع رغم أنه بدا و كأنه في العقد السابع أو الثامن .. لم يكن اصفرار وجهه و ذهول عينيه خوفاً من عواقب المحكمة .. جبهته الداخلية متماسكة ، تقاتل بصلابة و بعزيمة لا تلين .. يقينه ، بحكمة الله و لطفه في قضائه ، راسخ .. يمشي على وقع السلاسل بتؤدَةٍ و وقار .. يقطع المسافات من النَّظارة إلى قاعة المحكمة بخطوات قصيرة ، يزنها ميزاناً دقيقاً كالنجم الذي يقطع مراحله بصمت .. قطع هذه الرحلة كما كان يقطع في الحبسة .. يوماً وراء يومٍ و شهراً وراء شهر ...

كانت ضعضعة جسمه و كان تخاور قواه بعد أن سكنته الآلام .. في سنته الثامنة للحبسة اجتاحت جسمه رياح المرض العاتية .. و منذ ذلك الحين و هو يصارع و يكابد ، الفحص تلوَ الآخر و العلاج تلوَ العلاج و الحال على ما هو ، لم يطرأ أيّ تحسّنٍ يُذكَر ، و إنما التراجع و التدهور السريع .. سنتان و هو يتقيّأ ما في بطنه .. معدته لا تحتمل الطعام .. عاد إلى طفولته الأولى .. حليبٌ لا يكاد يسيغه .. أيّ إضافة أخرى تعرّضه للقيء و العذاب الشديد .. يحضّر لإخوانه المرضى الطعام و يتفنّن في إتقان صنعه .. يضعه بين أيديهم ثم ينسحب بهدوء .. أيّ لقمةٍ تدفعه للقيء و أن تقلب معدته رأساً على عقب ..

احتلّ مكاناً دائماً في مستشفى الرملة على أمل تحسّن الحال ، و لما وجد حالته تزداد سوءاً قرّر متابعة هذه المحكمة .. سألته عن توقّعاته .. توقّف قليلاً ، نظر إلى الشرطة الذين يحيطوننا بأسلحتهم الرشاشة و قال : أنالا أتوقّع من محاكمهم خيراً .. أما حسب المنطق و القانون فإن حجّتي قوية .. لا يوجَد أيّ مبرّر لاستمرار اعتقالي .. في الأصل كان حكمي جائراً .. لا تستحقّ قضيّتي حكم أشهر .. حشرونا على ذمّة قضيّةٍ لا ناقة لنا فيها و لا بعير .. كان اعتقالي في البداية في سجن "مجدّو" حيث كان من المتوقّع لحبستي أن لا تستمرّ أكثر من عدة شهور .. ألحقونا ظلماً و زوراً بمجموعة ذات أحكام عالية .. حملت الحكم المؤبّد ثم بعد مسيرة طويلة مضنية في البوسطات و المحاكم ، تم تخفيض الحكم إلى اثنتي عشرة سنة ، محاكم قراقوش يتراوَح الحكم فيها من البراءة إلى المؤبّد .. ماذا نتوقّع منهم اليوم ؟!

دخلْنا قاعة المحكمة .. جلس في صدرها ثلاثة قضاةٍ يترقّبون فريستهم بعيون جارحة .. جلسنا في مقدّمة الصفوف الخاوية .. محكمة بدون جمهور .. كانت المحامية تقلّب أوراق ملفاتنا .. وقف المدّعي العام يترنّم بكلماته المنكِرة : كلّ التقارير التي لديّ تشير بأن المدعوّ يمارس نشاطاتٍ قياديّة داخل السجن .. المخابرات و مصلحة السجون تقول إن الإفراج عنه يشكّل خطراً خارج السجن .. لذلك فإني أطلب من حضرات القضاة إبقاءه في السجن بقيّة حكمه كاملة .. و وقفت المحامية تناشد الضمير الإنساني المفقود :

- إن موكّلي لا يمارس أيّ نشاطٍ محظور .. لا يوجد في ملفه أي مخالفة .. ادعاء المخابرات و إدارة السجن لا يوجَدُ عليه أيّ دليل ، إنّني أطالبهم بالدليل .. (عوى المدّعي العام .. بين أيدي القضاة : تقرير سرّي) ..

هزّ القضاة رؤوسهم .. تراجَعت المحامية في حدّة كلامها ، خفّضت من ضرباتها و قالت بهدوء :

- حضرات القضاة .. إن موكّلي في حالة صحّيّة خطرة .. لديّ التقارير الطبيّة و الإثباتات الكافية .. هذا تقريرٌ من مستشفى الرملة .. هذا تقريرٌ من عيادة السجن .. إنه يعاني من انسدادٍ في فمِ المعدة لا تستقبل الطعام .. في التقرير يحتاج إلى عملية نفخٍ للمريء ، و في حالة بروز أيّ خللٍ يجب شقّ الصدر بعمليّة جراحيّة نسبة نجاحها لا تزيد عن خمسة بالمائة .. أصابه الهزال و الضعف الشديد كما ترون .. كان وزنه يقارب التسعين ، و الآن لا يصل إلى الستين .. وضعه الصحيّ يتدهوَر يوماً بعد يوم .. العلاج كما تعلَمون لم يُجْدِ معه نفعاً .. أطلب لموكلّي الإفراج الفوريّ حتى يستطيع متابعة العلاج خارج السجن .. داخل السجن حالته لا تبشّر بخير .. لا داعي مطلقاً لاستمرار اعتقاله .. أمضى عشر سنوات على ذمة قضيّةٍ بسيطة لا يستحقّ عليها هذا الحكم .. آن الأوان أن يُعيد حضرات القضاة للعدالة مجراها .. إنّي أناشِد عدالتكم و إنسانيّتكم أن تنظروا لهذا الأسير الذي عانى من الظلم الطويل و هو الآن يعاني من قسوة المرض و الآلام المبرحة .. و يشاركني في هذه المناشدة مؤسّسات قانونية تتابع حقوق الإنسان الفلسطيني .. لقد ملأت مناشداتها صفحات الجرائد .. وَضْع هذا الأسير يقلِق الرأي العام الفلسطينيّ ، و في هذه المرحلة نحن بأشدّ الحاجة لتدعيم مسيرة (السلام) .. أطلب أن تصدِروا أوامركم بالإفراج عنه فوراً .

مالت رؤوس القضاة على بعضها البعض .. تناجَوْا بالإثم و العدوان .. ضرَبوا بعرض الحائط كلّ الأبعاد الإنسانية .. تلا أوسَطُهم القرار من بين أسنانه المتناثرة .. تحرّكت صلعته القاحلة تُعلِن شحّها و تتضامن مع ما يخرِج من أسفلها من كلمات جوفاء .. إن مرضَه لا يشكّل خطراً على حياته .. عليه أن يكمِل حكمه كاملاً .. إن الأبعاد الإنسانية في الملفّ لا تعفي المتّهم من تبعات المخالفات القانونية التي قام بها ..

هتفت المحامية ..

- ألا تكفيه العشر سنوات ؟ ..

أردف القاضي بوجهٍ متجهّم و كأنه نذير حرب ..

- الملف الثاني ..

أطْرَقْت رأسي .. قرأت نتيجة قرارهم سلفاً .. سمعت "أبو همام" يتمتم ..

- حسْبُنا الله و نعم الوكيل .. (أم لهم نصيب من المُلْك فإذاً لا يؤتون الناس نقيراً) صدق الله العظيم ..