|
مدفن
الأحياء
وليد
الهودلي
جمعة إسماعيل
"صخرة في صدره"
أكّد لي بأَنّه رأى "عزرائيل"
.. قلت له : إن ملك الموت لا يُرى ، ثم إنه لا يأتي إلا لقبض الأرواح .. لا يتردّد
على المرء إلا مرة واحدة .. هي الأولى و الأخيرة .. زيارةٌ تكون فيها القاضية .. (و
لن يؤخِّر الله نفساً إذا جاء أجلها) .. عَصَر عينيْه و قبض جبينه و قال :
- من يكون إذن ؟! لقد رأيته
بعينيّ هاتين .. حسبته شرطيّاً في البداية .. أمعنت النظر فإذا به يطوف حول سريري و
يتحرّك بطريقة لا يمكن لشرطيٍّ أن يقوم بها .. خيّم عليّ .. أطبق جناحيه .. اقترب
فكان أقرب إليّ من حبل الوريد .. تشهّدت على روحي ، و لكنّه خفَّ عني و انسحبت من
الغرفة بسلام ..
تساءلت متشكّكاً :
- قد تكون أضغاث أحلامٍ طالما
أنّك كنت في حالة غيبوبة أو بين الغيبوبة و اليقظة ؟ ..
- لا .. لا .. كنت قد انتهيت
من هذه الغيبوبة اللعينة كفاك الله شرّها .. وصلت الموت و لكن الله سَلَّم ..
- سمِعْنا عمّا جرى لك و نحن
في عسقلان .. قالوا لنا إن "أبو اسماعيل بين الحياة و الموت" ..
اعتدل ، قوّم جلسته .. شعر
بأنّ أمامه من يحاول مشاركته في حمله .. "الناس تواسي بعضها البعض .. صحيح أن الذي
يأكُلُ العِصِيَّ ليس كمَن يَعُدّها ، و لكن في المجاملة و المؤانَسة تخفيفٌ من هذا
الحمل الذي يثقِل كاهلي و يضغط على صدري" ..
- كان أسبوعاً صعباً .. أطول
أسبوعٍ في حياتي ، شعرت و كأنَّه سبع سنين ، اليوم بسنة .. ضاق بي صدري .. شعرت
بأني أبتلع حجارةً كبيرة .. تدخل إلى صدري ثقيلة تتراكم بعضها فوق بعض و لا تستطيع
الخروج .. شعرت بجهنّم التي من وقودها الحجارة .. ماذا تفعل في صدري ؟ من يخرجها ؟!
أين الهواء الخفيف الذي كان يدخل و يخرج دون أن أشعر به ؟ .. أصبح صدري كتلةً حجرية
واحدة لا يستطيع الهواء أن يشقّ طريقه .. اختنقت .. وددت لو لفظت أنفاسي الأخيرة و
خلصت من هذه الورطة .. بل تيقّنت أني في الدقيقة الأخيرة من عمري .. مرّ عليَّ شريط
حياتي بصورة سريعة متقطّعة كفيلمٍ سينمائيّ شوّهته يد الرقابة من كثرة الشطب و
الحذف .. تذكّرت طفولتي في المخيّم .. الفقر ، الجوع ، و الاحتلال .. تركي المدرسة
و دخولي عالم العمل و الكدح و أنا ما زلت في طفولتي .. غربتي الطويلة .. الشام و
زواجي هناك .. أولادي الذين انقطعت أخبارهم منذ عدة سنوات .. عودتي إلى أمّ إسماعيل
.. أولادي و بناتي .. ثم جاءتني الحبسة "تمشي على استحياء" .. غيمة سوداء استقرّتْ
في سماء وجداني .. فرضت نفسها بعنفٍ .. ناطحتها فلم تتزحزح ..
تذكّرت مناوشات أمّ إسماعيل
لجنود الاحتلال و كفاحها الطويل في مظاهرات التضامن .. أبلت بلاءً حسناً و كانت معي
خير سند .. حاولت تبديد هذه الغيمة و لكنّها استعصت و أبت ، كأنها ضرّة قوية يُحسَب
لها ألف حساب ..
أسافر في عالم ذكرياتي
فتُعيدني هذه الصخرة التي تكلّست في صدري سريعاً إلى بوتقة الألم و الاكتواء بلهيبٍ
دامٍ أشعل روحي ناراً و ألماً .. فَتَكَتْ بي نار المرض و نار الأسرِ و نار
الذكريات العزيزة التي لم تتركّز في حالي "فزادت الطين بلّة" .. تخربطت الألوان ..
تشابكت الأجسام من حولي .. أغلق على عينيَّ الضباب الأبيض ، استقرّت الصخرة في صدري
فهوَتْ بي إلى قاع بحر الظلمات فغيّبني عن الوجود ..
لا أدري كم مضى من الوقت ..
قالوا لي فيما بعد إنه أُسبوع .. انقشعت الظلمات عن عينيّ .. أفقتُ من كابوسٍ مزعج
.. رأيت أضغاث أحلام تتقلّب صورها و تغادر بسرعة و كأنها على عجلةٍ من أمرها .. قلت
في نفسي : لا بأس فنحن في عالمٍ عجيب .. عالم السرعة .. حتى الأحباب يطلّون عليّ
إطلالةً سريعة ما تلبث أن تتلاشى مرتفعةً عن مخيّلتي .. تشابكت الدوائر ثم تمركزت
في دائرة واحدة .. تجرّأت .. خِفْت من رؤية عالم الأموات .. هل أنا حيّ أم ميّت ..
أذكر أنني متّ و حُرّرت شهادة الوفاة بعد ابتلاعي الصخرة الكبيرة .. لا يمكن لإنسان
أن يبقى حيّاً بعد هذا البركان الذي ألقى بكلّ حممه في وديان صدري .. تشجّعت و كشفت
عن بياض عينيّ .. استرقْتُ النظر .. لم أرَ ملائكة العذاب و لا ملائكة الرحمة ..
رأيت "برابيش" العذاب في يدي و على أنفي .. الماء و الهواء يصبّ الحياة في هذا
الجسد المتهالِك .. رأيت الزبانية .. حاولت إغماض عينيّ و لكنني وجدتها قد تسمّرت
على الزبانية .. تقذِفهم بلعنات أبديّة .. إنهم زبانيّة السجن .. عن اليمين و عن
الشمال قعيد .. حراسةٌ لا تنطفِئ ليل نهار .. أيّها المجرمون .. تحرُسون رجلاً على
فراش الموت .. تلقّنونني الحقد و اللعنات .. ثم إنّي لمحت القيد في رجلاي .. يا
فرحتك يا "أبو اسماعيل" إياك أن تهرُب .. الأرجل مربوطة بالسرير إلا إِذا استطعت أن
تهرُب مع السرير ..
لقد هَيّأ لهم شيطانهم بأنهم
يحبِسون جنّاً مارداً من نارٍِ و ليس إنْسِياً من لحمٍ و دم ، شعرت بأن ثقلاً
جديداً قد هبط عليّ و أغرق كياني كلّه .. سمعت كلّ شيءٍ من حولي يقول لي "لا حمداً
على سلامتك" .. حتى شرطة الحراسة و التي تعوّدنا على تبادل المجاملات معها رأيت في
عينيها الشماتة .. و رأيت الضيق على وجوههم عندما شاهدوا عودتي للحياة .. تخيّلت
نفسي في مستشفى محترم .. أم إسماعيل على يميني و الأولاد يلتفّون حول سريري .. أمّ
إسماعيل تحتضن رأسي براحَة يدها و تشدّ بيدها الأخرى على يدي .. الأولاد يتسابقون
بابتساماتهم .. يوزّعون عنّي حلويات السّلامة .. الأطباء و الممرّضون و الممرّضات
يغبِطوني على هذا الحنان المتدفّق من هذه القلوب الرقيقة .. و دموع الفرح تختلطُ مع
دموع الحزن و الشفقة و الحبّ .. ثم تتوالى زيارات الأحباب .. أطلُب من الأولاد
الذهاب إلى مدارسهم ، و أبقى مع أمّ إسماعيل نستقبل و نودّع .. أخلو بها و أبادلها
نظرات شبابنا و أيامنا الحلوة .. كنت أغمِضُ عينيّ على هذه الصور .. أضغَطُ جفوني
عليها .. أخاف من النظرة الواقعية التي تحدّد ملامح أقسى صورة عرفتها في حياتي ..
تماثيل بشريّة جامدة لا تعرِف غير الحقد .. أدوية و علاجات تنقِذ من الموت و لكنها
تبقيك على حافته ، تتنظر و تترقّبه في كلّ وقت ، و حين تتجرّع الموت ألفَ مرّةٍِ
قبل أن تلاقيه .. الموت قبل الموت .. الموت الذي يجعلُك تتمنّى الموتَ فلا تلاقيه
..
قطعت تأمّلاته محاولاً سحبهُ
من ظلام تلك الذكريات ..
- و بفضل الله عدت سالماً "أبو
إسماعيل" ..
- الحمد لله الذي لا يُحمَد
على مكروهٍ سواه .. مكثْت بعدها فترة طويلة لا أستطيع الحركة .. أعادوني إلى هنا ..
قام الشباب على خدمتي .. كنت إذا أردت شربة ماءٍ لا تقوى يدي على نقل الكأس من
الطاولة إلى فمي .. أتذكّر الخال "أبو مرزوق" كيف كان قبل وفاته رحمه الله .. أية
حركة تتطلّب مجهوداً عظيماً .. صدري لا يقوى على لفظ أنفاسي عند أيّ فعلٍ مهما كان
بسيطاً .. تناولي الطعام كان كمَنْ يعمل في المحاجِر فينقل الحجارة الكبيرة من
المحجَر إلى الكسّارة .. كسر الحجارة أهونُ عليَّ من مضغ الطعام ..
- و لكن صحّتك اليوم أفضل
بكثير ..
- هذا من فضل الله .. كتب الله
لي الحياة رغم ما أُعاني من الأزمة و السكريّ و ارتجاجٍ في المخ يؤكّد لي آلاماً
دائمة في رأسي ، و لا تسأل عن آلام المفاصل و التهابٍ في البروستاتا فإنها من نافلة
القول ..
- فرج الله قريب يا "أبو
إسماعيل" ..
- أيّ فرج .. أنا شخصياً لا
أطلب سوى العلاج .. و الفرج لا يأتي منهم .. لا يأتي إلا من الكريم .. أذكر يوم
الإفراجات كنت في عسقلان .. قالوا لنا إنهم اتّفقوا في طابا على أن يُوقّع الأسرى
على وثيقة تعهّدٍ تقضي باحترام عمليّة السلام .. نادوا اسمي للتوقيع .. قلت و لم لا
.. أنا دائماً أفرِض احترامي على الجميع .. أَحتَرِمُ و أُحترَم و ما في القلب يبقى
في القلب .. (إلا من أُكْرِهَ و قلبه مطمئِنٌ بالإيمان) .. وصلت إلى الإدارة و قال
لي ضابط الأمن - لعنة الله عليه .. أينما حلّ و أينما ارتحل - :
- أنت محكومٌ مؤبدٌ و عشر
سنوات .. رفعت عنك العشر سنوات و بقيَ المؤبّد .. جاءتنا مخالفة سير عليك دفعها ..
خمسة آلاف شيكل ..
كانت هزّة عنيفة ضربت أرض
معنويّاتي بألف درجة على مقياس رختر .. زلزلتني من أعماقي .. طوّحت أحلامي التي
رسمتها بسرعة في ميدان الحرية .. عدتُ إلى رائحة السجن و السجّان النكدة بعد أن
تنسّمت شذى الحرية .. عدت إلى الهاوية بعد أن صعَدت إلى أعلى و أوشكت على الخلاص ..
كان الله في عوني على تلك اللحظات ما زِلْتُ أرتعش على ذكرها و أتحسّس ضربات قلبي
الصاخبة .
هززت رأسي و قلت :
- كان الله في عونك .. أروفَ
..
- "ولاّ هو ها الأمراض اللي
بحملها مِنْ قليل" .. لي سنتان و نصف في المستشفى هنا و الله وكيلك كلّ أدويتهم
مسكّنات لا علاج فيها ..
- ستُفرَج بإذن الله و أرجلهم
على رقابهم .. و إن شاء الله تتزوّج الثالثة ..
"اهتزّ كرشه الصغير ضاحكاً" ..
شعر بتعبِ صدره ، زَوَّدَهُ برذاذ بَخَّاخته الزرقاء فالحمراء .. مسح عرق جبينه و
قال بعد أن أضاء عينيه ..
- أنا لا أرضى بديلاً عن أمّ
إسماعيل .. ثم إنّه لم يتبقَّ من العمر أكثر مما مضى .. 58 عاماً أطمع بحسن الختام
و تحقيق مرضاة الله .
- و المستقبل يا "أبو إسماعيل"
؟!! .
- لا أنتظر سوى رحمة الله .
- و الإفراج ..
- طبعاً الترويحة ضرورية حتى
أحجّ و أزوّج الأولاد و بعد ذلك أهلاً و مرحباً بلقاء الله ...
قلت مبتسماً :
- بعد ذلك و ليس قبل ذلك .. و
ما ذلك على الله بعزيز ..
|