|
مدفن
الأحياء
وليد
الهودلي
علي شلالدة
"ما لها إلا الله !!"
فزعنا من نومِنا الساعة
الواحدة و النصف بعد منتصف الليل .. كان صوت جارِنا "أبو الحسن" يتأرجَحُ بين الضعف
و القوة .. صوتٌ جهوريّ هدَّهُ الإجهاد و أعمل فيه معوله الذي لا يرحم .. وقفْتُ
على باب غرفتنا فوجدته متعلّقاً بشباك باب غرفته .. لاحَت لي صلعته التي كسَتها
حبّات العرق .. كان كطائرٍ بلّه المطر .. كان ينادي و الممرّض لا يستجيب لندائه ..
ساعدته في النداء .. رفعت صوتي عالياً .. سمع الممرّض ، و عندما رأى اصفرار الوجه و
شحوبَهُ الواضح للعين المجرّدة ، سارع بإجراء الاتصالات اللازمة لفتح الباب في
الليل .. فتحوا الباب و أخرجوه إلى العيادة .
تربّعت على "برشي" .. "أبو
الحسن" علي شلالدة المحكوم خمسة و عشرين سنة على خلفيّة قيادة مجموعة عسكريّة في
مقاومة الاحتلال و زرع عبوات ناسفة .. لم يَقْضِ منها سوى تسع سنوات .. كان الله في
عونه .. تداعَتْ عليه الأمراض (كما تتداعى الأكلة على قصعتها) ، تناوشته من كلّ
جانب ، و أحياناً تطرَحُه أرضاً فيرى الناظر إليه جبلاً أصبح قاعاً صفصفاً .. طويل
القامة ، ضخم الجثّة ، كرشٌ بارز ، رأسٌ يفيض حيويّة يُطِلُّ عليك من فوق مرتفع
عالٍ .. تسمَع لصداه أزيزاً كأزيز المرجل .. يبدو أنه في العقد السابع رغم أنّ عمره
واحد و خمسون عاماً .. أعلم عن معاركه مع المرض الكثير .. أتذكّر حينما كان في
عسقلان سنة 92 .. قلَع طبيب الأسنان له ضرْساً و زرع مكانه التهاباً دائماً يقضّ
عليه مضجَعه بين الحين و الآخر و لغاية اليوم .. فَكُّه ملتهِبٌ و يضرب على صفحة
وجهه .. أزاح هذا الالتهاب بصره .. قال له الطبيب آخر مرة ساخراً : (قد تحتاج إلى
زراعة فكٍّ في يومٍ من الأيام) .. "كورس" مضادات حيويّة وراء آخر و لا حياة لمن
تنادي .. هذه إحدى المعارك البسيطة التي لم تُحسَم بعد .. أمّا المعارك الكبيرة ، و
متى تضعُ الحرب أوزارها ، فيظهر أنّها ستتحقّق هناك في جنّات النعيم ..
بقيت مشدوهاً بعد أن طار
النومُ من رأسي .. أتذكّر معارك هذا الرجل في مواجهة أمراضه العاتية .. بدأت معه
الأزمة أثناء فترة التحقيق اللعينة .. زنازين المسكوبية معروفة في حضنها الدافئ !!
تفيض حناناً و عشقاً لزبائنها الكرام .. تُمسِك عليهم أنفاسهم بشمّ هوائها .. طاقات
تهويتها مزروعة في سمائها ، و الذي يتحكّم بتزويد الهواء هم المضيّفون أولاد النعم
الكرام .. ويلٌ للضيوف المشاكسين الذين لا يقدّمون بين يدي مضيفيهم الاعترافات
المطلوبة .. عندها ينزل عليهم سخط سمائهم بإغلاق تلك الفتحات في جحيم العذاب الذي
يتناولهم صباح مساء ..
ضاق صدر أبي حسن في تلك
الزنازين .. "الهواء ، الصديق الغالي قطعوا صلته الحميمة بي .. صادروه .. اعتقلوه
.. أرادوا خنقي .. فرغ صدري من الهواء النقّي و أتعبوه بهوائهم الدّنس .. صدري الذي
اعتاد على الهواء الطلق .. ذلك الصدر الذي لم يتعرّف في حياته إلا على هواء الحرية
.. قمعوا هواء حريّتي و لم يفسحوا المجال لهواء ربّي أن يتسلّل إلى صدري إلا بصعوبة
بالغة و بعد أن يشبِعوه بروائحهم النكدة و رطوبتهم العفنة" ..
نَمَتْ و ترعرعت الأزمة في
صدره من زنازين المسكوبية حتى إذا اشتدّ سوقها هبطوا به إلى سجن عسقلان وسط مدينةٍ
صناعية تعجّ بما يشرح الصدر من غازات المصانع و المداخن التي تنفُث سمومها ! ..
تشبّعت رطوبة الجوّ الساحلي المنعشَة بكيماويات المصانع الكاوية .. تسمّمت الأجواء
بهذا الخليط الثقيل الذي يفرض نفسه على الصدور ببلادة عجيبة .. يمهّد و يهيّئ
الصدور لزراعةٍ مجيدةٍ و حصاد أعتى الأمراض ..
تضاعفت الأزمة في الأجواء
العسقلانيّة .. ضاق بها صدره ، تعالوا خذوه إلى نفحة حيث الجوّ الصحراوي .. إِنّه
المستشفى الطبيعيّ لأمراض الصدور .. صحيح أن هناك البرد القارس في الشتاء و الحرّ
الشديد في الصيف ، و لكنه أرحم من هنا ، و يعرف كيف يكرم ضيوفه .. و فعلاً قام
بالواجب بعد اثني عشر يوماً اضطروا لنقله إلى مستشفى "سوروكا" بعد أن تدهورت صحته و
ضاق صدره بصحراء نفحة و ما رحُبَت .. كان يشعر في ذاك المستشفى و كأنّ سكيناً قد
أثبت في مركز الصدر ثمّ جعل يدور بحركة دائرية فيقطّع كل ما يقف في طريقه ..
معنويات أبي الحسن عالية نزلت عن سقف مطالبها ، لم يكن له سوى مطلب واحد .. العلاج
.. و خذوا بعد ذلك ما تريدون ..
عندما يشتدّ ألم صدره ، و يضرب
بطوقه الضاغط و في نفس الوقت يتأخّر و يتقاعس العلاج ، تأتيه مصائبه بقيادة مصيبة
الأسر .. تلحّ عليه و تضغط هي الأخرى على صدره و أعصابه و رأسه و كلّ ذرات جسمه ..
كان يقول : ماذا لو أنّي في بيتي أجلس على الشبّاك الغربي .. ذاك هواء أرى فيه
شفائي .. ثم إنّي أختار طريقة علاجي بيدي .. أذهب إلى الطبيب المختصّ في الوقت
المناسب .. قاتلهم الله دائماً ، علاجهم يأتي متأخّراً بعد فوات الأوان .. يفرِضون
علينا أطباء و كأنهم جاءوا عبر الأطباق الطائرة من كوكبٍ آخر .. بعضهم لا يستطيع
إِخفاء حقده .. أحدهم غرَز إبرته في الوريد ففقدت الوعي و ارتفع ضغطي .. قال لي
فيما بعد أحد الأطباء الأسرى بأن هذا المصل لا يجوز مطلقاً أن يُعطى بهذه الطريقة
..
كان أبو الحسن عندما يشرح تلك
الحادثة يعتصر ألماً و يقول : (لقد أحدَثوا بي أضراراً عظيمة .. أفسدوا أكثر مما
عمَّروا .. بعد تلك الحادثة ، ضغطي غير منتظم ، إضافة إلى الزُّلال الذي استقرّ في
أرجلي فضاعف من معاناتي) .. قلت له في إحدى المرات : "ألا تثقُ بعلاجهم ؟!" ردّ
قائلاً : بعد أن قطب حاجبيه :
- أعوذ بالله .. أذكر لك قصّة
حصلت معي .. في إحدى المرات فتحت قنّينة الدواء التي صرَفوها لي في ذلك اليوم ..
وضعت منها في جهاز التنفّس بعد أن داهمتني أزمة خانقة .. شغّلت الجهاز و بدأ يبثّ
شجونه الحانية .. وصلتني فاهتزّ بها كياني .. نخرت في صدري رائحة نتنة ، "فطيسة" ..
قلت في نفسي : تصبّر لعلّ هذه الرائحة من الخارج و لكنّي لم أستطع المتابعة .. قرأت
على زجاجة الدواء فإذا بتاريخها قد انتهى .. راجعتهم فأبدوا دموع التماسيح و
الاعتذار ..
ها أنت ترى الشكلَ شكل
المستشفى ، أما المضمون و مستوى العلاج فإنه كإصطبلٍ للدواب أعزّك الله .. تجد
لعلاجهم حلاوة ، و لكنه يروغ في دمائنا كما تروغ الثعالب .. إنه خبث يهود ..
قلت له :
- و لكنّك تتابع معهم علاجك ؟
سارعني بالإجابة :
- لا يوجد بديل ..
لم أستطع النوم حتى أعادوه في
ليلته تلك .. انتظرت الصباح .. يمّمت وجهي شطره .. وجدته في غاية القلق و الاضطراب
.. قلت له مستفسراً :
- خيراً إن شاء الله "أبو حسن"
.
- لن نجد الخير و هم في وجوهنا
.. وجدوا ضغطي مُرتفعاً و خلجات قلبي متوتّرة .. يدي اليمنى لغاية كتفي مع ألمٍ في
الجهة اليمنى لصدري ، قالوا لي إنّ معي آلاماً في القلب .. أعطوني حبّة تحت اللّسان
، و ضربوني إبرة مورفين .. ها هم قد أضافوا لي مرضاً جديداً .
- أعانك الله و قوّاك .. الله
المستعان "أبو حسن" .
- الحمد لله .. لولا شعوري
الدائم بعون الله لخرّ سقفُ معنويّاتي منذ زمنٍ بعيد .. أشعر و أنا أتناول دواءهم و
كأنّي في حربٍ صليبيّة شرسة . أتجرّعه و لا أكاد أُسيغه ، يتعمّدون تحطيم معنوياتي
و غزو نفوسنا ، و لكن الله أكبر ..
غرقنا في لحظة صمتٍ بدَتْ لي
طويلة لأنّي رحت فيها بعيداً .. رحت فيها لأولاده الإثني عشر .. زاره أحدهم بعد
غيابٍ طويل .. كان أبو حسن يتكلّم معه على أنه ابنه حسن .. تفاجَأ بأنه أخطأ
العنوان ، إنه "هاني" و ليس "حسن" .. تسع سنوات و أولاده لا يسمَعون عن أبيهم
الأسير إلا المعاناة و المرض .. أعزّ حبيبٍ على قلبك يُعصَر ، يُقهَر ، يُخنَق ،
يموت كلّ يومٍ مائة مرة و لا تستطيع أن تفعل له شيئاً سوى زيارة روتينية مرّة كلّ
أسبوعين ، و بعض الاعتصامات و المظاهرات التي تطالب بإطلاق سراح الأسرى .. اتفاق
سلامٍ خلف اتّفاق .. لجنةٌ خلّفت لجنة تكاثَرت تكاثر البكتيريا و لم تسفِرْ عن شيء
، بل بدّدَت الآمال و طار من النفوس حلم الإفراج عن هذا الأب المريض .
عدت إليه من صمتي فإذا به
غارقاً .. تصوّرته يغرق في بحرٍ من الكبسولات و العقاقير الطبية .. تصوّرته و هو
يتألّم من سياط المرض و من سياط الدواء و ألاّ مفرّ من أحد الخيارين .. يتلوّى
ألماً و يختار سياط الدواء .. يبلع و يتجرّع الألم فيضيف ألماً إلى ألمه "و ما
يجبِرُكَ على المرّ إلا اللّي أمَرّ منه" .. يطوف و يسافر كلّ يومٍ إلى أولاده و
أخواته .. يشدُّون أوتار قلبه .. الأولاد فالأخوات فالأخوة فالخالات و العمَّات ..
و الأهل و العشيرة الموزّعون بين القدس و سعير ، و منهم من تشتّت في بلاد الشتات
الواسعة .. يزأر صدره .. يدخل الهواء و يخرجُ بصعوبة .. رحلةٌ من المعاناة عبر
المسافة الطويلة بين الأنف و الرئة .. يجمّع مشاعره المتفرّقة و يطبعها في قاع صدره
، ثم يلتمِس لها الأعذار عندما تتقطّع أوصالها هناك فتتلاشى و يطغى عليها الألم ..
و كلّما أراد التجميع في فترات الاستقرار ، داهمته قارعةً فجعلتها كالفراش المبثوث
تنتظر رحمة ربها .. "تمتَم .. عفوك يا الله .. قلت :
- ما لها إلا الله يا "أبو
حسن" .. المهمّ أن يبقى وضعك مستقرّاً ..
قال بحرارة :
- أيّ استقرارٍ و أنا أنتظرُ
الموت ..
- خلّي أملك بالله كبير ..
- أملي بالله كبير .. لا أملك
من التفاؤل إلا ما أرجوه من الله و ما أنتظره عند لقائه .
- هذه وحدها كافية يا "أبو
حسن" .. حسبُنا الله و نعم الوكيل ..
|