الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

كتب وإصدارات

 

مدفن الأحياء

وليد الهودلي

 

نضال أبو عليا

"أربع ساعات"

 

الحُكْم مؤبّد و عشر سنوات .. مسافة طويلة ينقضي العمر و هو في بداياتها .. همٌّ ثقيلٌ يتجدّد لا نهاية له .. جبل جثم على قلبه و حطّ رحاله على صدره .. كيف يتزحزح هذا الجبل و كيف يضَعُ حدّاً لهذا السفر الطويل ؟! يبدو أن المخرَج أصبح وشيكاً ، و نهاية هذا العذاب أصبحت قريبة .. خروجٌ من السجن و لكن إلى أين ؟!

ما إن يضَع روحَهُ تحت رحمة ماكنة غسيل الكلى إلا و يشدُّ رحاله و يسافر .. يسافِر باتّجاه ما يخبّئ له المستقبل و يبدأ بالعدّ التنازلي السّريع لفترة محكوميّته .. قضى حتى الآن سبع سنوات و نصف من هذه الرحلة السّوداء .. فما هي الفترة المتبقيّة ؟! كم ستصبر عليه هذه الماكينة .. هذه العجوز الشمطاء التي تمارِس عليه سحرها .. يهرُب منها يوماً ثم تجده لا يطيق فراقها فيعودُ لها صاغراً .. تقبِض عليه أنفاسه .. تلقي بشباك "برابيشها" السحريّة على شرايين حياته ، تنغرز في شرايين يده تارة و تارةً أخرى في أعلى صدره .. تتمتم و تعزِّم و يعلو صوت عويلها .. تناشد الجنَّ الذي يجري في عروقه مجرى الدم ..

أصبح لا مفرّ من تنقية دمه ثلاث مرات في الأسبوع .. قابِعٌ في مستشفى الرملة منذ ثمانية شهور يعاني من الفشل الكلوي .. رجع بالأمس من عمليّة الغسيل الساعة الثانية عشرة ليلاً .. استبدّ بنا القلق و الخوف .. عادةً ما تستغرق عملية الغسيل أربع ساعات . خرج بعد الظهر ، سألنا عنه الممرّضين ، قالوا : إنّ هناك عُطْلاً في الماكينة .. كثيراً ما تكرّر هذا العطل .. ماكينة قديمة عفا عليها الزمن .. تذكّرت أنها تعطّلت في أسبوع واحدٍ ثلاث مرات .. يبقى جزءٌ من دم المريض فيها .. تُرفَع عنه البرابيش و يبقى قابِضاً على شريانه كالقابض على الجمر .. الدمُ مضغوطٌ في شرايينه ، و في حالة رفع يده فإن الدم يشبّ بقوة إلى سقف الغرفة .. يتمّ استدعاء الخبير .. يأتي بعد نصفِ ساعة على الأقلّ .. كم يستغرق التصليح ؟! حسب همّة هذا الخبير .. ساعة ، ساعتين ، أنت و نصيبك .. لا تستطيع الأكل و لا الشرب و لا النوم .. يتركوك معلّقاً بمزاج هذه الماكينة الساحرة اللعينة .

سألناه صباحاً عن سبب هذا التأخير الطويل ؟ كان شاحبَ الوجه يبدو عليه التعب و كأنه قادمٌ من معركة بعد هزيمةٍ ساحقة .. قال و الأسى يحيطه من كلّ جانب :

- كالعادة تعطّلت المحروسة .. تأخَّر الخبير عند قدومه و تأخَّر في التصليح .. كنت قد قطعت ساعةً و نصف .. أكَلْت فيها بعض الحلويات حتى يتمّ إخراج سمومها أثناء الغسيل تنفّخت كبالون هواء .. جلست أنتظر ، كانت الساعة تَمرُّ كسنة .. رأيت نجوم الظهر .. انتهوا من التصليح و التفاهم معها الساعة الثامنة .. أنهيت الثانية عشرة منتصف الليل .

ألقيت رأسي على "برشي" و ارتميت في أَحضان كوابيس الليل حتى لاحَ الصباح .. كانت أحلامي هذه الليلة مع الأموات .. رأيت أبي ، أمّي رحمها الله .. بصراحة أجدُ نفسي بفضل هذه الماكينة اللعينة أقرب إلى الموت من الحياة ..

قلت له محتدّاً :

- يجب أن تطالب بتغيير هذه الماكينة ؟! ..

هزّ رأسه و قال بمرارة :

- منذ فترة طويلة و نحن نُطالِب .. يا رجل عندما يشتدّ بي الأمر و يأخذوني إلى المستشفى الخارجي هناك ماكينة محترمة .. تعاملني برفق .. إلكترونيّة ، هادئة لا تغضب .. أرى فيها الحياة على عكس هذه التي تكشّر عن أنيابها و تريني الموت بأشكالٍ متعدّدة .. أرى قبري مفتوحاً و كأنّها تدفعني إليه .. تلك الماكينة .. أستطيع النوم و هي تقوم بعملها على أكمل وجه .. أنام و أحلم أحلامي الرائعة هناك .. أجدُني أحياناً أتغزّل بها .. يا روح قلبي أنت حياتي .. دمي فداك .. أسفح دمي على أعتابها فتردّه نقياً طاهراً .. لا تضجر و لا تصخب .. لم يحدث أن تعطّلت مرة واحدة .. يلامس حنانها شغاف قلبي .. أرى في الغسيل عملية سهلة مريحة .. أناجيها و أترنّم على صوتها الناعم .. أنسى مصيبتي .. أجدُ فيها ملاك رحمة تُرَبِّتُ على كتفي و تشدّ من أزري .. عندما أجلس معها أبْني لي مستقبلاً زاهراً .. أتصوّر نفسي و قد خرجت من السجن بصحّة جيدة .. يتقبّل جسمي زراعة كليةٍ برحابة صدر .. أعود إلى سابق عهدي .. شاباً نشيطاً مرحاً مشرقاً بكلّ معاني الحياة .. أتزوّج فتاة ناعمة وفيّة تشدّ عضدي و تعينني على نوائب الدهر .. تقف معي وقفة هذه الماكينة الطيّبة .. تنهّد عميقاً و تمتم .. الله كريم ..

قلت له مازحاً :

- ماذا "لو وقعت الفاس في الراس" .. و وقفت زوجتك وقفة الماكينة الساحرة ؟! .. أخرجته بهذا السؤال من دائرة أحلامه .. نظر إلى يديه التي شوّهتها إبر الغسيل و قال بنبرة صارمة :

- أُطلّقها بالمليون .. لا أستطيع تصوّر إِنسانةٍ تتبنّى مثل هذه المواقف .. إنها ستكون مخفرَ شرطة و بيت الزوجيّة نَظارة تذيقني فيها سوء العذاب .. يا رجل ما أن تقع عيني عليها إلا و يقع الموت في قلبي .. لها صوتٌ مزعجٌ لا يقلّ سوءاً عن صاحب أنكر الأصوات .. تتقلّب صور ذاكرتي السيئة في حياتي و أنا جالس في حضرتها .. أتذكّر مغادرة أبي و أمّي لهذه الحياة قبل أن أجدَ طريقي في كنف رعايتهما الصافية .. أتذكّر الشقاء و التشرّد .. صفعات الاحتلال .. الفقر و الجوع و الحرمان.. الانتفاضة و القمع و قهر الاحتلال .. أتحسّس عصيّ الجنود و هي ترنّ على ظهري و بين كتفي .. الاعتقال و عذاب الشَّبْحِ و التحقيق .. السجن و معاناته الطويلة .. كلّ صور البؤس و الشقاء تتسلّل إلى مخيّلتي من خلال نظرات هذه الساحرة .. أتذكّر بداية وقوعي في هذه الكارثة .. يوم كنتُ في نفحة .. شهرٌ و نصف و أنا أُراجع العيادة .. لم يكترِثْ المشعوذون في تلك العيادة بأعراض المرض التي كانت واضحة .. أخيراً نقلوني إلى مستشفى "سوروكا" .. وجدت أن هذه المعاناة الطويلة التي كتبوها بلغة سريانيّة غير مفهومة .. لخّصها المستشفى في ساعتين بكلّ دقّة و وضوح .. فشل كلويّ خمس و تسعين بالمائة ...

تركته يسهِب كما يحلو له ، قلت : علَّه يخفّف قليلاً عن الأسى الذي يملأ صدره .. تابعَ في عرض مشاعره و هو تحت رحمة الساحرة :

- أتذكّر الدّم الذي رعف من أنفي و حالة الضغط المرتفع .. حشروني في العيادة على إيقاعات شعوذاتهم أسبوعاً كاملاً .. انقبضتْ نفسي .. غرقت في عرقي و تقيّأت أمعاء بطني .. عندما أوشكوا على سماع أنفاسي الأخيرة ، نقلوني إلى المستشفى ، في الطريق رأيت قبري مفتوحاً .. كان الألم يدقّ عليّ أطنابه .. ضربني بأسلحته الثقيلة .. كنت كنحلةٍ طوّحت بها الرياح .. كان الفضل في إنقاذ حياتي و اكتشاف مرضي لقرن موز .. أكلته فقامت قيامتي .. عندها ظهرت أعراض المرض لأنه غنيٌّ بمادة البوتاسيوم التي تثقِل عمل الكلى .. إنّه فاكهتي المفضّلة .. عدت إلى الماكينة .. هذه الساحرة أرميها بنظراتي القاتلة .. أغضب و يجري الدم سريعاً .. أرجوها و أناشدها الرحمة .. "ذان من طين و ذان من عجين" ، صمّاء لا قلب لها .. لا تعرِف سوى شفط روحي مع دمي ..

حاولت إرجاعه إلى دائرة الأمل و النظرة المتفائلة :

- ماذا عن زراعة الكلية ؟ .. هذه عمليّة سهلة هذه الأيام ..

- الدور طويل .. المهمّ أن يصلنا قبل فوات الأوان ، فكما تعلَم إذا طالت فترة الغسيل فإنه يصعُب على الجسم تقبّل الزراعة . خارج السجن المجال واسعٌ و مفتوح ، أما هنا فليس لنا إلا دورهم اللعين .. قدّمت عدة طلبات ، و أنتظر الإجابة بفارغ الصبر .. آه .. متى أتخلّص من هذا العذاب المتكرّر يوماً بعد يوم ..

عَمِلوا له عمليّتين في كلّ يدٍ ليتمكّنوا من وصل البرابيش .. لم تنجَح مرتين في اليد اليسرى فتعطّلت و أصبحت كلّةً لا تقوى على شيء .. أما الثانية فنجحت فيها العمليّة و أصبح يوصَل من شريانها بدل شريان الصدّر .. تجده أحياناً موصولاً من يده الصالحة و اليد الأخرى مكبّلة بالسرير و كذلك رجله للضروريات الأمنية .. رِجْلٌ واحدة هي الناجية من رحمتهم ! ..

لو أراد شربة ماء لما استطاع .. ما عليه إلا أن يتبلّد أربع ساعات بلا حول و لا قوة .. عمليّة الغسيل تجري في غرفة ضيّقة كدورة المياه ، و فيها مكتبٌ إداريّ يقوم عليه موظف .. ضاق بهم المكان إلا هذه الزاوية الضيّقة ..

الأيام تمرّ ببطءٍ شديد .. حبسة داخل حبسة .. برنامج قاسٍ .. يوم الغسيل يوم الملحمة .. يصحو صباحاً على هَمّ ثقيل .. يجرّ نفسه كمن يساق إلى حبل المشنقة .. يجتاز الأربع ساعات كمن يتسلَّق الجبال الشاهقة .. جبلٌ وراء جبل .. يصل في النهاية إلى بساطٍ يتمدّد عليه منهك القوى .. يعود ليستريح .. مقيّد الخطوات ، مقيّد الطعام و الشراب .. يحسب ، يجمع ، يطرح .. يجب أن يعدّ .. كم كاسة شراب في نهاره و ليله .. يجب أن لا تتجاوز اللتر .. الإفطار علبة لبن ، نصف حبّة بندورة ، نصف خيارة ، ثلاث قطع خبز ، عشر حبات زيتون .. بإمكانه بين الصبح و الظهر إقامة وليمة على حبّة تفاح .. الغداء : ستّ إلى تسع ملاعق أرز مع مائة غرام لحم دجاج أو حبش .. بين الظهر و المغرب حفلة على قرصٍ أو قرصين بسكويت ، أما العشاء فبإمكانه البحبحة في بيضةٍ و خمسين غرام لبن ، و الخمسين الأخيرة له أن يبدلها بخمسين غرام سمكٍ لمرّة واحدة فقط في الأسبوع ..

في إحدى المرات قال له الطبيب معرِّضاً : (بإمكانك الأكل من الأصناف .. كلّ ما تريد) .. طار من الفرح .. استبشر .. و أخيراً فُرِجت ! و لكن الطبيب تابع كلامه : (ملعقة فاصوليا ، ملعقة بطاطا .. لا تزيد عن ملعقة واحدة) ..

سمحوا له بعد مطالباتٍ طويلة بإدخال جلابيّة فضفاضة حتى لا يضرب في البرابيش المزروعة في صدره .. شرّطوا عليه بأن لا يخرُج فيها إلى حجرة الغسيل .. لبسها هي و شروطها و اعتبرها من أهمّ الإنجازات التي وصل إليها ....

يبقى الإنجاز الأعظم في حياته عمليّة الزراعة .. الآمال كبيرة ، الدّور يدور ، و مصيره أن يصلُه أحد الأيام .. يتسمّع أخبار الزراعة و نقل الأعضاء ، متبرّعون عرب تصل أعضاؤهم و تُزرع في أجساد صهيونيّة .. تُعرَض على شاشة التلفاز و تُحيّى المشاعر الإنسانية النبيلة .. إنقاذ حياة الإنسان فوق كلّ اعتبار .. أيّ إنسانٍ عربيّ أم يهوديّ ..

عاد ذات يومٍ من عمليّة غسيلٍ شاقة .. غسلوا دماءه و غسلوا أعصابه .. أضرموا فيها نارَهم عندما بلّغوه بالردّ الحاسم على طلباته .. قالوا له :

- الزراعة مرفوضة في السجون (الإسرائيليّة) .. نحن لا نتحمّل أية مسؤولية ! ..

انقبضت تقاطيع وجهه .. ضرَبَ الأسى جذوره في أعماق قلبه .. رأى أيام مستقبله العجاف .. البراري القاحلة و الجبال الجرداء .. الشمس الحارقة تصبّ شلالاتها على رأسه .. الطريق وعرة و الهاوية بدت قريبة .. غابت شمس هذا المستقبل .. أظلمت الدنيا !! و في عمْقِ الظلام لاحَ لي بصيصُ أمل .. وجّهت وجهي عليه .. علّقت قلبي به ، توجّهت إلى من بيده ملكوت السماوات و الأرض .. توجّهت إلى من بيده : (و إذا مرضت فهو يشفين) فرجك يا رب ... يا رب .