|
مدفن
الأحياء
وليد
الهودلي
فتحي زقوت
"سائق الحافلة"
تمَّ تنقيط الخبر و إيصاله إلى
"أبو تيسير" بالتقسيط المريح ، نهاية المطاف وصل المضمون كاملاً ، تيسير الشاب
المقعَد ، يعاني من شللٍ نصفيّ منذ صغره ، شارك المنتفضين انتفاضتهم بإمكانيّاته
المتواضعة ، كان يراقب تحرّكات الجيش من موقعٍ استراتيجيّ يطلّ على مفترق طرقٍ و
يزوّد الشباب منه بالإشارات المطلوبة ، تَصوَّر بأن الجيش لن يشكّ فيه نظراً
لمأساته الصحيّة ، لكنّهم حملوه أخيراً هو و عربته و ألقوه في الجيب العسكريّ ..
اختلفوا في أمره .. قالوا ماذا نريد من هذا العطيل المعوّق ؟!
سحبوه .. وضعوه على الحافة ..
كانت سيارة الجيب مسرِعة .. دفعوه بأرجلهم و قلبوا عربته على الشارع .. قلوبٌ قاسية
لا تعرِف الرحمة .. تدحرجت العربة و انكفأ على وجْهه .. ارتضّت رجله .. نقلوه إلى
المستشفى ، و هناك و بعد رحلة طويلة من العلاج تقرّر قطع رجله نتيجة "الغرغرينا"
التي تغلغلت فيها ، هكذا تكامَلت حلقات هذا الخبر ، فأشعلت نيران الحزن في قلبه ..
ذلك الولد الذي احتلَّ أفضل المواقع في قلب أبيه منذ صغره .. كان يسيطِر على مجامع
روحه .. فهو الولد الأول .. وليّ العهد المنتظر .. ابتُلِيَ بهذا الشلل الذي حرَمه
من الاستمتاع بطفولته .. شاركه أبوه طفولته المشلولة .. أعطاه جهده من أجل العلاج
أو تحسين وضعه .. طاردَ به من مركزِ إلى آخر ، في غزة و القدس و الأردن و سوريا ..
حظِي من أبيه بالاهتمام المميّز من بين إخوته التسعة .. دخل السجن و "تيسير" في
الثانية عشرة من عمره ، تركَه لوحده في مصارعة الحياة .. ارتحلَ عنه بعيداً في
غياهب السجن رغم أنه بقِيَ مزروعاً في وجدانه و لم يَغِبْ عنه لحظة واحدة ..
كان لهذا الخبر وقع الصاعقة
على "أبو تيسير" .. لا حول و لا قوة إلا بالله .. قطَعوا رجله .. ألم تقتنع قلوبهم
الحاقدة بشلله ؟؟ عندهم يحظى المقعَدون باحترامٍ عظيم .. عطاءات مميّزة من الحكومة
.. علاجاتٌ مجانيّة و إعفاءات من الجمارك و الضرائب ، طوابير السيارات تقفُ في
الشارع كي يمرّ المقعَد على راحته .. كم وقفتُ لمُقْعَدين أثناء عملي كسائق باص
عندهم ؟! أما هؤلاء الأنكاد فإنهم يدحرِجوه في الشارع .. يا إلهي .. لا أستطيع
مجرّد تصوّر المشهد .. العربة ترتطمُ بالأرض و تتكسّر على رأسه .. تتشقلَب و تنكفئ
على وجهه .. تختلط عجلاتها بدمه .. دوّخت هذه المشاهد "أبو تيسير" .. ملأت رأسه و
أثارت عواصف اللوعة و الحرقة على فراق ولده .. اختزنها و كبتها في أعماقه منذ بداية
الحبسة .. منذ أن طوته صحراء نفحة في طيّاتها .. وسط حجراتٍ ضيّقة أطبقت عليها
الأسوار العالية و الأسلاك الشائكة .. سياسة القمع و القهر يتجرّعها كلّ لحظة ..
يهون كلّ هذا أمام ما جرى للولد .. أيُّ إنسانٍ هذا الذي يخرج منه هذا الصنيع ..
أيمشي على رجلين ككلّ البشر ؟!! .. ألهُ قلبٌ أم قطعة من الحديد الصلب ؟!
انطوى أبو تيسير على حزنه ..
رجعت به ذكرياته إلى كلّ صغيرة و كبيرة .. حلو الحياة و مرّها ، قال في نفسه : "لقد
تحمّلت الكثير .. مصائب الواحدة تلو الأخرى .. أخرج منها بصبرٍ و احتساب.. أرفع
رأسي و أمضي بعزمٍ و إصرار .. أمام هذه المصيبة فإني أجدُ نفسي صريعاً تحت مشاعري
الملتهبة تجاه ولدي .. حمّى حبّي له التهمتْ كلّ المضادات الحيوية .. لم تنفَع
المسكّنات بل كلّما خبت زاد لهيبها .. وجدت نفسي أدور في دائرة محورها "تيسير" ..
كلّما حاولت الخروج عدت و وجدت نفسي في أقرب دائرة تدور رحاها في حماه .. رحّلت
نفسي من رغد الحياة طواعية .. كنت ميسور الحياة صاحب دخل مرتفعٍ .. لي سيّارتا أجرة
و عمارة من ثلاث طبقات لا ينقصني شيء .. اخترت طريق المصاعب مضحّياً بالغالي و
النفيس .. التحمت بالثورة و لبّيت نداء الواجب .. كنت في الثالثة و الثلاثين من
عمري .. فلم يكنْ الأمر حماس شبابٍ أو اندفاعاً عاطفياً و إنما كان خيار العقل و
الرّوح الثائرة ، بعد ثلاثة عشر عاماً من التفوّق في عملي كقائد باصٍ محترفٍ في
شركة إيجد .. قرّرت وضع عبوات ناسفة في تلك الباصات .. فما معنى الحياة بوجود
الاحتلال ؟! أكلٌ و شرب و نومٌ و عمل .. و أين العمل ؟! في دولة الاحتلال ؟! ما هذه
الحياة و الناس تنصبُّ على رؤوسهم لعنات الاحتلال ، قالوا لي في الثورة أنت ربّ
أسرة كبيرة يكفيك الاهتمام بها و تنشئتها النشأة الوطنية و التربية السليمة ..
صمّمت على خياري و لم أستمع لنداءات القعود و التراجع .. أما الأهل و الأولاد فلهم
الله ...
اشتغلت بالزراعة .. زرعت
العبوات .. اغتنمت فرصة عملي و الثقة التي بنَيْتها في نفوسهم على مدار سنوات طويلة
.. حصدت الكثير و أخيراً أصابني الحصاد بخيراته و انفجرت عبوةٌ أثناء زرعي لها و
كانت هناك ثلاثٌ تنتظر اللمسات الأخيرة في باصي الذي أعمل عليه ، رفعت يدي اليمنى
فإذا بها خرقة مدلاّة على عضدي .. حاولت النهوض ، وجدت أن ساقي مقسومة إلى قسمين من
وسط الفخذ .. بطني ينزف دماً .. حملوني على اعتبار أنّي من ضحايا الانفجار إلى
مستشفى "يخلوف" .. قبل إجراء العمليّات كانت المخابرات تقف عند رأسي ، وصلوا إلى
العبوات غير الجاهزة .. قبضوا على بصماتي ، قارنوها مع بصماتٍ سابقة كانت على قنبلة
وضعتها سابقاً و لم تنفجر ..
هجموا عليّ بتحقيقٍ عنيفٍ
الساعة العاشرة ليلاً و قبل إجراء أيّة عمليّة لي .. فقدت الوعي ، ما لي أرى هذه
المصيبة لا تلقي بظلالها كمصيبة ابني .. أيقظوني في الصباح .. صباح الخير .. أيّ
خيرٍ ؟! وجدت نفسي في صباح الإجرام .. يدي معلّقة أمامي بعد أن قُطِعت .. فخذي
مربوطة بالحديد .. و بطني ، متضامناً مع الأعضاء المقطوعة و المكسورة ، يتأوه ألماً
.. ضاعت منه زبائنه التي كان يزوّدها بمؤونتها .. الآلام الحادّة تطلق النار على
جسدي في كلّ مكان .. وجدت العيون السّاهرة على رأسي ، أسئلة الاطمئنان .. قلقون على
صحّة المعلومات و تقسيم الميراث .. أيوجد في الحياة أكبر من هذه المصيبة ؟ ..
أطرافك تُقطّع .. رائحة البنج .. ضنك السلخ و الذّبح .. الهجوم الصاروخيّ من هؤلاء
الذين لا يصبِرون .. ماذا لو صبروا حتى ألتقط أنفاسي ؟ إنها فرصتهم فليحسِنوا
استغلالها ، نقلوني إلى مستشفى "برزلاي" .. استمرَّ التحقيق ، كانوا يريدون كلّ شيء
، و أنا لم يكن لديّ أيّ شيء .. سوى الشاهد الذي شهد عليَّ من أهلي .. رجلي
المكسورة و يدي المقطوعة .. كان بإمكانهم وصل اليد التي كانت معلّقة معي .. وجدوا
أنّ القطع أسهل على قاعدة "إخلع ضرس الطاحونة و اخلع وجعها معها" .. أمام صلابتي و
عدم استجابتي لضغوطهم المرهِقة استبدّ بهم الغضب .. رفع أحدهم رجلي و ألقاها بعنف
.. انكسَر الحديد و وقعت البراغي .. أعاد الأطباء تجبيرها بالجبس ، ما زلت أعاني
منها لغاية اليوم .. العظم غير متطابِقٍ مع بعضها البعض .. و من "برزلاي" إلى
الرملة حيث استمرّ التحقيق ستة و ثلاثين يوماً ، و من هناك إلى مستشفى الرملة
القديم حيث واصلتُ رحلة التجبير الوعرة خمسة شهور هانَت كلّ هذه المصائب عدا هذه
المصيبة الإضافية لولدي "تيسير" .
حاولوا مساومته على زيارة
الأهل الأولى .. ما الذي دفَع هذا الرجل الوديع المسالم الذي يجري وراء لقمة عيشه
إلى هذا العمل ؟! أجابهم بسهولة : الاحتلال .. ألقوا شباكهم .. "ما رأيك أن تعمَل
معنا و لك أن تعود إلى سابق عهدك .. حرام على حياتك" .. تساوموني على وطنيّتي ..
الحمد لله ، لقد كفاني الله شرّ أموالكم السوداء .. لم أعمل الذي عملته من أجل
المال .. قالوا (لا تخفْ سنوفّر لك الحماية) .. قلت : (أنتم لا تستطيعون حماية
أنفسكم .. أتدرون لماذا ؟! لأنّكم احتلال !! إذا أردتم الصراحة بشرط أن لا تغضبوا
؟!) ..
- قل ما تريد ..
- أول حاجة سأقوم بها بعد
خروجي من السجن أن أطخّك لأنّك كنت السبب في قطع يدي ؟!
تلقّيت لكمةً في وجهي ..
تركتهم في حسرتهم و خرجت .. "عاد بأحزانه إلى ولده مرة أخرى" .. أية مصيبةٍ هذه
التي ألمّت بولدي .. لم أكْتَرِثْ بمصيبة الحكم .. خمس مؤبّدات و أربعون سنة ..
حملتها على كتفي مثل السلام عليكم .. عدتّ إلى السجن أستقبل المهنّئين و أشدُّ على
أيديهم قبل أن يشدّوا على يدي .. جاءني أبي و أمّي على شيك الزيارة .. بعد أن
قطَعوا الحدود .. هم في رفح المصريّة و أنا في رفح الفلسطينيّة .. كانت الأخبار
تصلهم أولاً بأول .. تصوّروني "كومة لحمٍ في قفة" .. لم يصدّق والدي عندما رآني ..
طلب مني أن أمشي أمامه .. مشيت و ضحكت .. أراد أن يبتلعني بعينيه .. يقتلعني من خلف
الشيك .. يضعني في قلبه و يسير .. أمّي غسلت وجهَها بدموعها .. كانت نظراتهم
السريعة تقول لي (اخلع ملابسك نريد أن نراك كما ولدناك) .. اطمأنّ والدي على خصوبتي
.. ابتسم ابتسامةً قوية ارتجّ لها جسدي .. هذه زيارة نوعيّة لوالدي كشفت عن حجم
مصيبتي .. و هناك خبرٌ عندما نقل لي خبر زواج ابنتي بعد أكثر من عشر سنوات من
الحبسة .. وصف لي مشهد إنابته عني في زفّ البنت لعريسها .. قال لي : "تمنّيت أنها
لو لم تُخْلَق ، خيرٌ من هذا الموقف" .. تتوالى المصائب و لكنها دون مصيبة ولدي ..
تحمّلت الكثير ، أما هذه فقد غمرتني في أحزانها ..
حاول إخوانه في هذا السجن
المنفيّ التخفيف من حدة هذا الاكتئاب .. يتناوبونه في التفاعل و الزيارات .. ذكّروه
بمواقفه الصلبة .. قدرته على التحدّي و تجاوز العقبات ، المثابرة و الروح النشطة ،
الجبل الذي لا يهزّه الريح .. قالوا إن الكفّ لا تناطح المخرز ، و لكنه كان كفاً
ناطح مخارز كثيرة .. مخرز الأسْر ، مخرز الإصابة و آلامها ، و مخرز إدارة السجن
التي تحاوِل غرسه في أجساد الأسرى كلّ وقتٍ و حين .. ذكّروه بمواقفه في إضرابات
الطعام .. كان من قادة جبهة حرب الأمعاء الخاوية ، و من صُنّاع القرار .. إحدى
المرّات بعد خذلان الاتفاقيات للإفراج عن الأسرى قرّروا الإضراب .. تراجعوا ، و
لكنه أضْرَبَ لوحده ، نقلوه إلى عسقلان ثم السبع ، صباح أحد الأيام بعد حوالي خمسة
عشر يوماً من تلقّيه خبر ولده ، كان متوجّهاً لتناول طعام الفطور .. أسفرت أحزانه
عن ضربة قاصمة ، شعر بأنّ صخرة تنزل عليه من السماء .. ارتطمت في صدره .. صاحَ في
الشرطة .. افتحوا الباب ، أذهلت صرخته المحترقة الجميع .. كانت كصرخة القتيل ، صبّ
فيها أحزان عمره .. وجد نفسه على بوابة العيادة .. ضرب الباب بشدة .. انقطعت أنفاسه
، كانت كأنفاس خيلٍ ضابحة خرجت على التوّ من سباق طويل ، من حسن حظّه كان الطبيب
موجوداً .. جسّ نبضه فوجده بلا نبض ، زوّده بالأكسجين و الإبر المطلوبة ، طَلَبوا
له سيارة إسعاف مع طاقم العناية المركَّزة ، طاروا به على جناح السرعة إلى مستشفى
"سوروكا" .. و للحقّ يُقال حظِيَ هذه المرة بعناية فائقة و كأنّهم يريدون التعويض
عن الإهمال الفظيع في بداية أمرهم معه عندما قطَعوا يده و لم يحسِنوا تجبير رِجْله
..
اشتدت ضغوطات الشباب في السّجن
.. صعّدوا الوضع و طالبوا بإلحاح .. ماذا جرى لأخيهم ؟ واصلت إدارة السجن الاتصال
مع المستشفى .. قالوا إنه في غرفة العناية المكثّفة .. قد يصلُ من هناك خبرٌ محزنٌ
.. وضعه في غاية الخطورة .
أصابته الجلطة في المستشفى
ثانية و بشكلٍ أشدّ ، كان بطنه يصعَد باتجاه حلقِه يطغى البطن على الصدر فتخرُج
دفعات الدم متدفقة من فمه و كأنّ شرايينه الداخلية قد تفجّرت .. الموت يقترب ..
يدقّ أبوابه بعنف .. الجهود متواصلة .. الأجهزة تصفّر .. تعلو الموجات فيها و تهبط
.. الإبر تتلاحق .. تُفرّغ حملها و تفسَح المجال لغيرها .. كان معه في نفس الغرفة
اثنان في حالة موتٍ سريريّ .. تراهما عيناه في لحظات الصحو ثم تذوي في عالم الغيب ،
و تهرب من نفس المصير ، شيئاً فشيئاً بدأ يستوعب ما يجري .. ثمانية أيام و صدره في
حالة غليان ، كان أرضاً لمعركة ضارية تجالدت فيها الجيوش بسيوفها الحادة .. عادت
إليه روحه و بدأ يشعر بالتحسّن .. بدأت الشمس تلوح في الأفق بعد عاصفة ثلجيّةٍ
هوجاء .. إعصار شديد دمّر الأخضر و اليابس .
نقلوه إلى قسم القلب بعد أن
خرج صاحباه من الغرفة محمّلين على الأكتاف ، حددّوا له طعامه و شرابه و منعوه من
التدخين .. الرِّجْلان مكبّلتان .. و يد مكبّلة في السرير أما اليد الثانية فكانت
تتعارك مع إبر العلاج .. إثنا عشر يوماً تجمّدت فيها أجنابه .. أصبح همّ هذا القيد
أشدّ من همّ السكتة القلبية و الشريان المغلَق الذي أخبروه عنه .. رغم هذه المعارك
الضارية إلا أن مشهد "تيسير" و هو على عربته يُدفَع بأرجل الجنود من حافة الجيب ،
لم يُغادِر هذا المشهد رأسه ، و بقِيَ مستقراً في أعماق قلبه ، على الرغم من كلّ ما
جرى لهذا القلب المتعب بالهموم .
بعد أخذٍ و ردٍّ مع الأطباء و
شرطة الحراسة ، سمحوا له بالمشيِ مكبّلاً مع شرطيٍّ مسافة قصيرة ، في الممرّ
الداخلي .. وجد صحّته تتحسّن ، طالب بإعادته إلى السجن ، كان يشعر و كأنه نبتة
غُرِسَت في أرضٍ لا تتناسب معها ...
غربة تضغط على أنفاسه ..
النظرات تلقي بتهمها عليه جزافاً .. إرهابيّ يتلقّى العلاج و يتماثل للشفاء ..
حملوه مع آلامه إلى مستشفى الرملة .. شعر و كأنّه يولَد من جديد خرج من أصعب مصيبة
ألمّت به .. لم يدْرِ أيُّ المصيبتين أعظم .. دحرجة ولده أم جلطة قلبه ؟! عاد إلى
حياته يجدّد عزائمه و يشحَذُ همّته من جديد .. وجد نفسه في معترك الحياة عند أول
زيارة .. أخبروه عن زواج ابنته الثانية .. الخبر المفرِح المبكي هكذا هي الحياة
وجهان لعملةٍ واحدة .. تتناوب كتناوب الليل و النهار .. الولد الثاني يبحث عن شريكة
حياته .. بنت تبدِع و تتفوّق في النشاط المنهجي و اللامنهجي .. فداء آخر العنقود ،
عمرها عمر الحبس ، ثلاثة عشر عاماً ، سألها عن العيد فقالت :
- "مفيش طعم للعيد بدونك !!"
...
و هل جرّبت العيد بوجودي ؟!
عادت سفينة حياتي تَمخرُ البحر و تواجه التيّار .. قلت لنفسي : كما تحمّلت الكثير
من أجل فراق حياة الدّعة و القعود عليك أن تواصل هذا الحِمْلَ مهما كلّف الثمن ..
صحيحٌ أنني كنتُ متحمّلاً كلّ ما هو على حسابي ، فجاءني من يُحمّلني ما هو على حساب
ولدي "تيسير" فينضمّ إلى طريقي و يحمل معي هذا الحمل الثقيل .. إنه لم يعدْ صغيراً
، ما زلت تنْظُر إليه و كأنّه في عمره عند بداية حبستك ، أصبح الآن رجلاً مثلك و قد
يلهمه الله القدرة على أن يحمِل أكثر منك .. ما يدريك ؟! . وجد "أبو تيسير" نفسه في
معترك حياةٍ من نوعٍ آخر .. حمل على عاتقه مسؤولية خدمة و رعاية المرضى .. هؤلاء
القابعين في مستشفى الرملة .. و كأنّ أيدي القدر أهّلته لهذه الرعاية .. تجربته مع
ولده المريض إلى تجربته في الإصابة و العمليّات الجراحيّة التي أُجرِيَت له ، و
تجربته أخيراً مع السكتة القلبية .. و شريان الحياة المغلق ، أنظر إليه و كأنّه
يقود مثل الحافلة التي كان يقودها خارج الأَسْر ، هذه الحافلة زبائنه فيها مرضى
الأَسْر في سجون الاحتلال .. و هو يعبُر بهم طريقاً مليئة بالحواجز .. حواجز
البيروقراطية و التأجيل الفظيع لإجراء العمليّات الملحّة ، و الفحوصات الطبيّة ،
حواجز الأشهر الطويلة التي تستغرقُ عمليّات العلاج .. القيد في أسِرّة المستشفيات و
الحواجز النفسيّة التي تضغط على الصدور .. سنّة الحياة أن نقودها دائماً نحو الأفضل
بكلّ عزمٍ و إصرار ، و أجْرُنا على صبرنا من الكريم بلا حساب .
|