|
مدفن
الأحياء
وليد
الهودلي
علي عباس البياتيّ
"عراقيٌّ في سردابِ السَّبع"
التقيت به في مستشفى الرملة ..
لم أَرَهُ و لم أسْمع أخباره منذ ستّ سنوات .. كان أبو نبيل غارقاً في عالم النسيان
.. قابعاً في ذاك السِّرداب الذي قسَّموه إلى حجراتٍ ضيّقة "إكسات".. كلّ "إكس
X" يتقاسمه اثنان في بئر السبع قسم (8) يثوي في عالمه
الزَّاخر بالذكريات ، يُسافِر بعيداً في الزمان و المكان .. يصل إلى بغداد بنخيلها
و أنهارها ، بمآذنها و أسواقها ، بمعالمها التي يملؤها التاريخ بأنفاسه .. يزور
المشاهِد المعمّدة في روحه ، و يعود إلى الثَّغرة التي يرابط فيها .. الحجرة
الضيقّة .. حشرت له العالم بقبسٍ يسير من الضَّوء و الهواء .. ضاقَتْ عليه الأرض
بما رحُبَت و لم تعدْ تفسَح له إلاّ تفصيلاً على طول قامته .. و يسافِر في الزمان
من طفولته في بغداد إلى بداية شبابه في بيروت ، ثم يُكمِل الشباب و بداية الكهولة
في عالم السجون الضيِّق ..
أول ما نسأل عنه هو صحَّة
الرجل .. فالشيب الذي جلَّل شعر رأسه و لحيَته قد يُخْفي وراءه المفاجآت .. و سنون
السجن تُغيِّر و لا تتغيّر .. تأكُل من أعمار سكانها و لا تشبع .. سمِعْتُ أزيز
صدره و هو يتنهّد قبل أن يجيب .. ابتسم ابتسامةً حاول أن يريني فيها شبابه و قال :
الحمد لله على كلّ حال .. تذكُر عندما كنّا في عسقلان العام (93) لم أكُنْ أعاني من
شيءٍ سوى التهاباتٍ في الكلى و مشاكل انسداد البول .. تعايشت معها منذ بداية
"الحبسة" .. أصبحت من أعزَّ أصدقائي .. بعد خمسة عشر عاماً استطاعوا أن يشخّصوها ..
بعدما جرّبوا عليّ كلّ ما لديهم من أدوية .. قالوا لي أخيراً : إنّ الكلى عندي ليس
في مكانها الطبيعيّ .. قلت مستغرباً : خمسة عشر عاماً منذ بداية اعتقالك سنة (79) ،
و لغاية (94) وصلوا إلى تعيين سبب معاناتك من آلام الكلى .. لا أكاد أُصدّق أذني ..
قلت : خمسةَ عشر عاماً أم يوماً ؟!! ..
- خمسة عشر عاماً .. و منذ خمس
سنوات و التنقيب جارٍ عن أمراضٍ أخرى ، صبرتُ عليها كثيراً و كان لا بدَّ في
النهاية من الكشف عنها .
- أذكر أنّ الكلى لم تكنْ
تكترث بها كثيراً .. أدرت لها ظهرك .. واصلت نشاطك على أكمل وجه .. كنت رياضياً
متميّزاً ..
- بالطبع فأنا عسكريّ قبل كلّ
شيء .. لم آتِ من أجل نزهة أو "شمّة هوا.." لقد أكَلَت معسكرات التدريب من أجنابنا
.. ما زِلْت أعاني من شريان البلاستيك المزروع في ساقي منذ كنت في بيروت قبل نزولي
دوريّةً إلى فلسطين ، كتب الله لي الوقوع في الأسر .. واصلت نشاطي بهمّة عالية ..
حافظت على صحتي و أعدتها إلى صوابها بعد أن تضعضعت أثناء فترة التحقيق العسكريّ
العنيف الذي أذاقونا فيه الموت مراراً ...
- أسمع لصدرك صوتاً .. أنفاسك
تقطّع كلماتك و لا تدعك تكمل جملة ..
- منذ خمس سنوات داهمتني عدّة
مرات أهمّها الأزمة التي أشعلت النار في صدري أحياناً أشعر و كأنّ ملك الموت يقبِضُ
على روحي و ينتظر إذْن ربه .. أخيراً ظهرت علينا آثار القمع و الغاز الذي كانوا
يعموننا به .. و عندي آلامٌ في المعدة و ضعفٌ في العيون و البواسير كفاك الله شرّها
.. و أخيراً ، و إن شاء الله آخراً السكريّ الذي اجتاحني بعد الإضراب الأخير السنة
الماضية .
- إذن تحتاج إلى (أفرهول) .
- هكذا قالوا لي .. عندي عدة
فحوصات جِئْت من أجلها إن شاء الله ..
- أكملْت العشرين عاماً "أبو
نبيل" ؟!
- في شهر 11 القادم 18/11/99
..
- كيف مضت العشرون عاماً ؟
هزّ رأسه ، بدت عيناه و قد
غرقت في بحر ذكرياته .. يصارع الموت و يسبح عكس التيارات الجارفة .. البحر يجرّه
بشدة نحو الأعماق السحيقة و هو يجدِّف بكلّ ما أوتي من قوة .. تنقضي عاصفة و تأتي
أُخرى .. تأتيه الأمواج العاتية من كلّ مكانٍ فيعلِّق عليها .. يمتطيها قبل أنّ
تمتطيه .. يهزّ رأسه بعد كلّ موجة . يتساقط عنه الماء و العرق –
يبتسم للبحر و الحياة . ماذا أقول عن العشرين عاماً ؟! ، أُحدّثه بالتفصيل المملّ
أنه سجينٌ مثلي و لن يطيق سماع تفصيلات السجون ؟ أحدّثُه عن مسلسل مقارعة السَّجان
الذي لن ينتهي و لو بقينا على الجلسة هذه عدة أيام ؟ أحدّثه عن علاقات الناس في
السجون ، الفصائل و الأفراد . كيف كانت قبل تبادل سنة (85) و كيف أصبحت بعده ؟ كيف
كانت قبل أوسلو و كيف أصبحت بعده و بعد تداعيات الإفراجات و الإحباطات ؟ أحدّثه عن
تجربتي في عسقلان أم في نفحة أم في جنيد أم في السبع ؟ عن رحلتي مع المرض و
علاجاتهم التعيسة ؟ عشرون عاماً أَتيه و لا أدري من أين أبدأ ..
"لاحظت شروده من هذا السؤال
فحدّدت سؤالي" ..
- أخبرني عن أبرز ما ترك فيك
من أثرٍ بليغٍ ؟ ..
انطلق لسانه بسرعة :
- زيارة أمي .. يا لها من
زيارةٍ ما زال وجداني يناطح السَّحاب بها .. ما زالت أمّي أمامي منذ ذلك الوقت ..
منذ سبع سنوات ، تصوَّر لم يسمحوا لي بزيارتها إلاّ بعد ثلاثة عشر عاماً .. كانت
تسافِر من بغداد إلى الأردن فيمنعونها من دخول فلسطين تستقصي أخباري من الأردن ..
تذرُف دموعها و تبعث سلاماتها و تعود .. توفّي أبي في حادثة ملجأ العامرية أَثناء
القصف الأمريكي على بغداد العام (90) ، جاءني الخبر بعد ستة شهور .. و كانت زيارة
أمي بعد ذلك بسنةٍ و نصف تقريباً عندما وصلت شيك الزيارة .. و رأيت العباءة السوداء
التي تجلّل روحها الطاهرة .. طار عقلي .. نسيت نفسي صِحْت ! (هيَ أمّي ! هي إمّي !)
.. هجمت على الشيك و غرقنا في دموعنا .. رغْم أنّي كنت مقرّراً على نفسي بأن لا
تنزل دموعي .. بعد أن هدأت العاصفة .. لم تهدَأْ خفَّت قليلاً و عادت .. انفجَرت
القلوب بأحزانها المخزونة .. أخرجت كلّ رصيدها .. أسأل ما هي أخبار عمّي فلان -
توفاه الله .. أخبار عمّتي فلانة ؟ توفّاها الله . أخي .. ذهب إلى الحرب و لم يعدْ
.. زيارة شُحِنَت بأخبار الوفِيّات .. كانت زيارة رأيت فيها شيخوخة أُمّي ، ذوت
نضارة وجهها و غاب نور عيونها في ثنايا السنين التي تركت بصماتها بوضوحٍ خبت فيها
شمعة حياتها و هي ما زالت في الحياة تُعارك الموت و تصّبر نفسها .. رأتْ أمي شيبي ،
رأت عجزي وراء هذا الشيك المقيت فلم تتحمّل .. ضجّت بالبكاء .. حاولت معها بدموعي
الصامتة و لم أفلح ، توسَّط أحد أفراد الشرطة لضابط الأمن بأن يسمَح لي بالسلام
عليها دون شيك ، رفض بشدّة ، طلب منه تمديد الزيارة و رفض .. ساعة بكاءٍ انقضت
بسرعة لم ندْرِ كيف نبدأ أو من أين نبدأ ؟! ضاعَتْ الأفكار من رؤوسنا و تردّدت
الكلمات في حلوقنا . قلتُ :
- و بعد ذاك لِمَ لمْ تعد
لزيارتك مرّة أخرى ؟
- منعوها ، تأتيني أخبارها
عندما تأتي إلى الأردن من أجل السؤال عنّي أو عندما يُعتَصَم على باب الصليب الأحمر
في الأردن عندما تسمَع بإضرابٍ في السجون ، في إحدى المرّات أخبرونا بزيارة
الدوريات .. حضّرت نفسي .. تهيّأت لأمّي ، تعلَم كيف تكون هذه التَّهيؤ .. ترتيبات
نفسية و معنوية .. هيجانٌ لعواطف اللقاء مع ستّ الحبايب ، ما تبقّى لي في هذه
الحياة ، المهمّ وصل الزّوار ، نزل الشباب و نزلت معهم .. تعانقت الأصابع و التقت
الأرواح ، تذكّرت ندائي الأول "هيَ أمّي" ، لم أجِدْها ، عِلق لساني في حلقي الجافّ
، خرج قلبي من صدري .. تدحرَجَ عند قدمي ، قالوا لي : لا يوجد لك زيارة .. و كأنّ
برميلاً من الماء المثلّج ألقوه على رأسي ، وددت لو أقتُل هذا اليهوديّ الذي قال
هذه الكلمة اللعينة .. إنّ هذا غيرُ كافٍ لردّ اعتباري ، عدت أدراجي أحمِل أحزاني
حيث كنت قبل أسابيع طويلة .
- لم تحاوِل الاتصال التلفوني
و تعلَم أنّهم سمحوا للدوريات بالاتصال و لو مرّة كلّ سنة ؟ .
- حاولت ، قدّمت طلباتٍ كثيرة
قالوا لي : مستحيل أنت من العراق من دولة معادية - قاتلهم الله - إلى متى ؟
- بعد أنْ تنهي المؤبّد يسمحون
لك ؟ ألم يشبَعوا من العشرين عاماً ؟! .
عاد إلى بحر العشرين عاماً
يحدّث نفسه من جديد . أحدّثه عن آلامي التي تقاطعت عليَّ من كلّ حدبٍ و صوب ،
أحياناً أراها قد مرّت سريعة خاصة عند أيام الشباب و النشاط و المواجهة - كان القمع
يزيدنا عزماً و تصميماً ، يشعِلون نارَ التحدّي فتحرق كلّ سياساتهم تحت أقدامنا .
في سنة (91) قمَعونا مرّتين متتاليتين ، الغاز و الرصاص المطاطيّ ، كسَرْنا الأبواب
و حطَّمنا كلّ شيء ، ارتوينا غازاً حتى النُّخاع ، حقّقنا بعض ما نريد و لم نخسَر
شيئاً ، لم يكن هناك ما نخسره .. المواجهة و التحدّي تُنْسيك همومك .. تشعُر بقوّتك
عندما ترى عدوّك رغم ميزان القوى الذي يميل لصالحه ، يتهاوى و يبحث عن حلول الوسط ،
تشعر بالعزّة و حلاوة النصر .. أحياناً أخرى أرى اللحظة الواحدة و كأنّها قنطارٌ من
السنين تلقي بثقلها على رأسي خاصة تلك اللحظات التي يختلف فيها الأسرى و يدورون حول
أنفسهم - أصدقك القول .. مرّت السجون بأيّامٍ سجَّل عليها بسواد اللاوعي و تقهقر
الروح الأخوية أمام الزحف الأسود للبلديّات و التمييز بين الداخل و الخارج أو بين
الجنوب و الشمال أو بين فصيلٍ و آخر ، شيَّبتني هذه الأوقات القاسية و لكن الحمد
لله كلَّ مرّة كان يعود فيها الوعي للسيطرة على الوضع ، و اليوم إذا قارناه بالأمس
فالأمس أفضل من اليوم ، يوجد حالة من الترهّل و الإحباط لا بدّ من الوقوف لها و
محاولة العودة إلى الجدّ و الاجتهاد .. قلت له بعد أن أوقفتني هذه الكلمات الحريصة
و دقّت ناقوس الخطر في روعي :
- لم تُثْنِ عزمَك هذه الأمراض
التي ألّمت بك ، ما زالت آمالك كبيرة ؟! .
- بالتأكيد لأنّ الروح ما زالت
على حالها ، كان فضل الله عليَّ عظيماً .. فتح الله عليَّ باب الدراسة ، قرأت
الكثير . و كان للدراسات الدينيّة و الروحيّة الأثر الكبير على مسار حياتي و على
قوّة معنوياتي .. حلّقت بروحي عالياً ، المرض يصيب الجسد و لا شكّ أنّه يؤثّر ، و
لكن بفضل الله عندي من المعنويات ما يغطِّي آمالي و طموحاتي و يزيد .
سرحت في عالم هذا الرجل ،
بالتأكيد قد أَخْفى الكثير ... على عادة الرجال الذين يعمَلون في الخفاء و في العلن
يتظاهرون بأنّهم لم يقدِّموا شيئاً .. أخفى عني المعركة البحريّة المتميّزة التي
اعتُقِل على إثْرها ، دوريّة بحريّة فدائيّة اخترقت دفاعات العدو و أصابت فيها
مقتلاً ، نسيَ نفسه في ذكر الشهداء .. عدّد لي الشهداء الذين التقاهم .. ما زالوا
يظلُّون روحه بأرواحهم ... حتى أنّ أمراضه التي قطعته بآلامها ليل نهار ، مرّ عليها
مرّ الكرام .. المماطلة المميتة في العلاج و تشخيص الأمراض أزعجته ، و لكنها لم
تفلّ من عزيمته .. طلبوه لتصوير المعدة ثم بلّغوه بإعادته إلى سرداب السبع .. سأل
عن الفحوصات الأخرى التي وعدوه بها .. سيأتي وقتها ، متى ؟! عندما يأتيك الدَّوْر
.. حبالهم طويلة و نفسه أطول و الله المستعان على ما يُجْرِمون ..
|