الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

الرأس

 

بعد 19 عاماً من انطلاق حرب غولدا مئير غير المقدسة ، بذريعة ميونخ ، قتل صلاح خلف (أبو إياد) المسؤول الأمني الفلسطيني الأول ، و الرأس الأولى في منظمة أيلول الأسود و عملية ميونخ ، على حين غرة كما يقولون ، مع قياديين آخرين هامين أيضاً هما هايل عبد الحميد (أبو الهول) عضو اللجنة المركزية لفتح و من مسئولي الأمن و فخري العمري (أبو محمد) و هو مسؤول أمني ، و كلاهما له علاقة بميونخ و هما مساعدا أبو إياد القريبان منه ، في عملية واحدة استهدفت الثلاثة ، و لم يكن الموساد (يحلم) بها : عملية تتم بهذه السهولة و اليسر و في توقيت لا يمكن أن يكون مناسباً أكثر من غيره .

كان صلاح خلف مع ياسر عرفات و خليل الوزير (أبو جهاد) ، أهم قادة حركة فتح و كان يصنّف بأنه الرجل الثاني بعد عرفات و أحياناً الثالث بعد عرفات و أبو جهاد ، و لكنه بعد اغتيال أبو جهاد أصبح بلا شك الرجل القوي الثاني بعد عرفات .

و كان أبو إياد معروفاً على الأقل بالنسبة للصهاينة بمسئوليته المباشرة عن عملية ميونخ ، التي أطلقت وفقاً للمزاعم الصهيونية حملة الاغتيالات الطويلة تلك ، و ترؤسه لمنظمة أيلول الأسود ، التي تشكّلت بعد الحرب الأهلية في الأردن و التي عرفت باسم أيلول الأسود (أيلول 1970) ، و التي يوصفها كثير من الفلسطينيين بأنها المجازر التي ارتكبها النظام الهاشمي في الأردن ضد الفدائيين ، و التي انتهت في تموز 1971 بعد جمع ما تبقّى من الفدائيين ، وفقاً لاتفاقيات مع الحكومة الأردنية لم تلتزم بها بعد حين ، في أحراش جرش و عجلون ، و انتهت تلك المذابح بمحاصرة عجلون و جرش و قتل و تشريد و جرح و اعتقال نحو ثلاثة آلاف فدائي فلسطيني و على رأسهم قائدهم أبو علي إياد ، الذي اكتسب سمع طيبة جداً وسط الفدائيين و أجيال أخرى متتالية باعتباره زعيماً لا يساوم .

و قبل قتل أبو علي إياد الذي كان عضواً في اللجنة المركزية لحركة فتح استطاع أن يرسل رسالة لرفاقه ، يقول البعض إن فيها كثيراً من اللوم و الغضب و الوعيد ، باعتبار أنه ترك وحيداً في كمين بين أنياب رجال البادية ، و لكن يتفق الجميع على ما قاله بعد تلك الرسالة التي بثها لزملائه في القيادة عبر جهاز إرسال قام بتحطيمه بعد إنهاء الرسالة ليواجه و رجاله مصيرهم وحيدين .

و الجملة التي قالها أبو علي إياد (.. نموت واقفين و لن نركع) ، و هو ما حدث بالفعل ، و ردّدت كثيراً من قبل أجيال متتالية من الفدائيين الفلسطينيين ، و إلى اليوم تذكر هذه العبارة كلما ذكر الشهيد أبو علي إياد .

بعد مذابح جرش و عجلون التي تلكأ العرب في وقفها عمداً ، و عندما تدخّلوا كان كل شيء قد انتهى ، و في أجواء ما بعد المذابح تأسست منظمة أيلول الأسود في خريف 1971 ، للقيام بنوع جديد من العمليات التي يطلق عليها الكثيرون إرهابية ، و حاول أبو إياد إعطاءها نوعاً من المحتوى السياسي .

و في كتابه (فلسطيني بلا هوية) الذي أملاه على الصحافي الفرنسي المستعرب أريك رولو يتحدث أبو إياد عن أولى عمليات أيلول الأسود في تشرين الثاني 1971 ، و التي كانت اغتيال وصفي التل رئيس الوزراء الأردني العتيد ، الذي حملته الفصائل الفدائية مسؤولية عن المجازر التي ارتكبت ضد أفرادها في عمان و جرش و عجلون .

في يوم 28/تشرين الثاني/1971 ، كان وصفي التل محاطاً بحراسه و مرافقيه يدخل فندق شيراتون في القاهرة ، لحضور اجتماع مجلس الدفاع العربي المشترك ، عندما اغتاله رجال أيلول الأسود ، في عملية قال أبو داود فيما بعد إن المسؤول عن التخطيط لها هو أبو يوسف النجار .

و يصر أبو إياد على التفريق بين ما يسميه العنف الثوري و الإرهاب و الاغتيال السياسي ، معتبراً أن منظمة أيلول الأسود (لم تكن منظمة إرهابية مطلقاً بل تصرّفت دائماً كرديف ملحق بالمقاومة في الحين الذي لم يكن بوسع هذه الأخيرة فيه ، أن تضطلع بمهماتها العسكرية و السياسية كاملة) .

و يشير أبو إياد ، و هو لا يريد بالطبع أن يكشف في ذلك الكتاب كلّ ما يعرفه عن أيلول الأسود ، أو عن دوره المباشر في قيادتها ، إلى أن أعضاء أيلول الأسود كانوا يؤكّدون دائماً و أبداً (أنه ليست لهم أية صلة عضوية بفتح أو بمنظمة التحرير الفلسطينية ، و قد عرفت عدداً منهم ، و أستطيع أن أؤكد أنهم ينتمون في غالبيتهم إلى مختلف المنظمات الفدائية ، و بالنظر إلى أنهم خرجوا من صفوف هذه المنظمات فإنهم كانوا يترجمون ترجمة صادقة مشاعر الإحباط و السخط إزاء مذابح الأردن و إزاء التواطؤات التي مكّنت من تنفيذ هذه المذابح) .

و ليس كل ما قاله أبو إياد هنا صحيحاً ، خصوصاً من جهة نفي علاقة فتح بأيلول الأسود ، و كما سبق الإشارة فإن وقت صدور الكتاب (1978م) لم يكن ملائماً ، من وجهة نظر أبو إياد على الأغلب ، لنشر كل المعلومات التي هو خير من يعرفها باعتباره المسؤول عن أيلول الأسود ، و يمكن تفسير إشارته إلى تعدّد انتماءات أفراد أيلول الأسود ، إلى أن أيلول الأسود ، كانت تتكوّن من مجموعات مختلفة عنقودية التنظيم إذا جاز التعبير ، و بالنسبة لعملية اغتيال وصفي التل التي دشّنت منظمة أيلول الأسود ، فإن المسؤول عنها ، حسب شهادة أبو داود التي عرضنا لها في جزء سابق ، فإنه أبو يوسف النجار .

و مما يدلّ على ما ذهبنا إليه فإن أبو داود يشير إلى أن النجار لم يكن له علاقة بأيلول الأسود و أنه فقط أصدر بياناً باسم أيلول الأسود تتبنى عملية اغتيال وصفي التل ، و يمكن تفسير كلام أبو داود على أن منظمة أيلول الأسود كانت تضمّ عدة مجموعات ليس من الضروري أن تكون بينها رابطة تنظيمية .

المهم أن اغتيال وصفي التل المدوّي ، كان أول إعلان عن منظمة أيلول الأسود ، و التي ستكون عملية ميونخ ، العملية المدوية الأخيرة لها .. ! و بكثير من الحذر عرض أبو إياد لروايته لعملية ميونخ ، باعتباره كما قال استجوب (مطوّلاً الناجين الثلاثة من المجموعة) ، و تحرزاً أمام الأمانة التاريخية التي ستقف في يومٍ ما أمام الرواية الكاملة لعملية ميونخ فإن أبو إياد يشير إلى أن سرده للوقائع ، استناداً لاستجوابه للثلاثة ، محكوم بالقدر (الذي تسمح به القواعد الأمنية ، من تفصيل) .

و يمكن هنا الإشارة إلى ظروف إملائه لمذكراته لأريك رولو ، فرولو الصحافي الفرنسي الكفؤ الذي تربطه علاقات واسعة و متعددة و مع مختلف الطبقات و الأجيال في العالم العربي ، حضر إلى بيروت ليعدّ كتاباً عن ياسر عرفات لصالح إحدى دور النشر العالمية و لكن عرفات امتنع ، فبعد مشاورات مع جهة النشر تم الاتفاق مع أبو إياد الذي وافق بشرط أن لا يعلم ياسر عرفات عن تلك الجلسات التي كانت تتم في مناطق في بيروت و في ظروف الحروب الصغيرة و الكبيرة التي كان مسرحها لبنان ، و ينطلق فيها أبو إياد في الحديث و لكن كما يتبين من وراء سطور الكتاب أنه كان حذراً .. !

و بالطبع تتقاطع رواية أبو إياد (الناقصة) مع رواية أبو داود (الكاملة) لما حدث ، مع كثير من التمويه ، فمثلاً في حين تحدّث أبو داود ، على أن أبو إياد نفسه قام بإدخال الأسلحة إلى ألمانيا لتنفيذ العملية ، فإن أبو إياد يتحدّث ، لاعتبارات مفهومة بظروف زمن صدور الكتاب ، إلى قيام شخص و زوجته بإدخال الأسلحة .

و هناك تفاصيل يذكرها أبو إياد عن العملية و كيفية تنفيذها ، تبدو بعد رواية أبو داود ، بأن الكثير فيها كان غير صحيح و ربما للتمويه .

وهناك تفاصيل أخرى ذكرها أبو إياد تبين مدى علاقته الوثيقة بالعملية ، خصوصاً بقائدي المجموعتين الأول الذي يسميه عمر مصالحة ، و أبو داود أسماه محمد مصالحة ، و الثاني شي غيفارا .

عن مصالحة قال أبو إياد ، إنه كان غادر مسقط رأسه في حيفا و هو طفل ، و ينتمي لأسرة من الفلاحين الفقراء ، و هو حاصل على شهادة في الجيولوجيا ، و عمل في حركة فتح كمفوّض سياسي ، و كان يجيد اللغة الألمانية .

و قال عن تشي غيفارا ، إنه مثل مصالحة متمرس بالأعمال الفدائية و هو حاصل على شهادة الحقوق من فرنسا . و يروى أنه في مرحلة الإعداد الأولى للعملية تم اختيار خمسين شاباً تتراوح أعمارهم ما بين 17 و عشرين عاماً ، ليتلقوا تدريبات مكثفة و جميعهم من مخيمات اللاجئين في لبنان و سوريا و الأردن ، و كانوا يجهلون المهمة التي ربما ستوكل إليهم ، و لكنهم يتمتعون بحماس كبير للمشاركة في أيّ عمل فدائي ، و هنا يروي بأنه تم استبعاد أحد الفدائيين اليافعين لأنه سبق أن استشهد له اثنان من الإخوة في عمليات سابقة ، و لكن هذا الفدائي اليافع احتج و بكى و هدّد بالانتحار إذا لم يشارك في العملية ، و هو ما حدث فعلاً و سقط شهيداً فيها .

و يتطرّق أبو إياد إلى عناد غولدا مئير رئيسة وزراء الكيان الصهيوني بشأن الاستجابة لمطالب الفدائيين بإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين من سجون الاحتلال .

و يقول أبو إياد إن (عناد السيدة غولدا مئير رئيسة الحكومة "الإسرائيلية" في تلك الأثناء غير طبيعي تماماً ، من حيث إنها لم تظهر أية إرادة في إنقاذ حياة الرهائن ، أما المغاوير الذين كانت التعليمات الصادرة إليهم توصيهم بألا يقتلوا أسراهم ، فإنهم راحوا يمدّدون فترة الإنذار ساعة بعد أخرى ، على أمل أن تقدّم لهم صيغة تسوية ما) .

و يشير إلى أن الخاطفين كانوا يعلمون بأنهم لا يمكنهم الحصول على تلبية كامل مطالبهم و إطلاق سراح المائتي أسير فلسطيني في سجون الاحتلال ، و أنهم كانوا مستعدين عملياً لمبادلة رهائنهم بخمسين أو عشرين أو حتى بتسعة معتقلين ، و أن أملهم خاب عندما لم يقدّم لهم المفاوضون الألمان و الصهاينة إلا مبلغاً محدداً من المال (شيك على بياض) مقابل إطلاق سراح الرهائن و السماح لهم بالخروج سالمين .

و يكرّر فكرة أن الخاطفين قاموا بقتل أنفسهم مع المخطوفين ، رغم علمه بخطئها كما قال أبو داود ، و يذكر كيف أن قائدي المجموعة مصالحة و تشي سقطا برصاص القناصة الألمان و حين سقطا في بركة من الدماء زحفا نحو بعضيهما و تصافحا قبل أن يلفظا أنفاسهما الأخيرة .

و يؤكّد خطأ بأن (الفدائيين اللذين كانا يرافقان الرياضيين "الإسرائيليين" واحداً في كل طائرة ، لم يعمدا إلى قتل رهائنهما و الانتحار معهم ، إلا بعد أن لاحظا أنه لم يبقَ لديهما ما يأملانه ، أما الأعضاء الثلاثة الباقون ، فإنهم جرِحوا فسلّموا أنفسهم) .

و ينبّه أبو إياد إلى أن تضحيات (أبطال ميونخ ، لم تذهب هدراً ، فإذا كانوا لم يتوصّلوا كما يأملون إلى تحرير رفاقهم السجناء في "إسرائيل" ، إلا أنهم بلغوا الهدفين الآخرين المرسومين للعملية : فقد اطلع الرأي العام العالمي على المأساة الفلسطينية بفضل دويّ الألعاب الأولمبية ، كما فرض الشعب الفلسطيني حضوره على هذا التجمع الدولي الذي كان يسعى لاستبعاده ، أما الخاتمة – المجزرة فتتحمّل حكومتا جمهورية ألمانيا الاتحادية و حكومة "إسرائيل" خاصة ، المسؤولية الراسخة الجسيمة فيها) .

من خلال رواية أبو إياد في كتابه الذي أملاه على أريك رولو ، الصحافي الفرنسي العليم ببواطن الأمور في العالم العربي ، حاول كما قلنا نفي صلته بعملية ميونخ ، و كان يذكر الأفعال التي عرفنا أنه صاحبها هو منسوبة إلى مصادر قال إنها أخبرته بها و عمد كذلك إلى التمويه ، و حتى عندما ذكر توقيف السلطات الفرنسية لأبي داود بحجة ميونخ فإنه نفى ضلوع أبو داود فيها ، و لكن الصهاينة كانوا يعرفون حقيقة دوره في العملية .

و يذكر هو إشارة غائمة في كتابه ، في معرض حديثه عن الاغتيالات التي شنّتها "إسرائيل" بعد ميونخ ، ذات دلالة (.. و لا ريب في أن "الإسرائيليين" لم يتراجعوا عن مشروعهم القاضي بتصفية قادة الفدائيين لاعتقادهم أنهم يستطيعون بذلك تدمير الحركة الوطنية الفلسطينية ، و لا ريب في أنني أظلّ أحد أهدافهم الأولية ، فطوال سنوات ، غذت المخابرات "الإسرائيلية" ، و شريكاتها الأردنية و الأميركية ، حملة صحافية تهدف إلى إظهاري ليس كرئيس أيلول الأسود و حسب ، و إنما كمدبّر عددٍ من العمليات الإرهابية ، مع أن عدة منظمات أخرى ادعت القيام بها) ..

و تحدث أبو إياد عن عدة محاولات لاغتياله جرت في بيروت و دمشق ، و روى تفاصيل محاولة وصفها بأنها كانت (أكثر جدية) و أوشكت أن تكلّفه حياته و حياة أفراد عائلته في آب 1973م .

و المحاولة كما يرويها أبو إياد تشبه الأفلام البوليسية إلى حدّ ما ، ففي أحد الأيام و عندما كان أبو إياد في القاهرة حيث تقيم عائلته أبلغ أن أحد الشباب يريد أن يراه لأمر هام و بأن لديه معلومات هامة ، و عندما قابله الشاب القادم من الضفة الغربية كما قدّم نفسه ، قال له إنه مكلف من المخابرات "الإسرائيلية" بقتله و فتح حافظة صغيرة كانت معه و قدّم لأبي إياد مسدساً كاتماً للصوت ، كان من المفترض أن ينفذ به العملية ، و قال إنه عندما وصل الأردن قادماً من الضفة ، و السفر لمصر لتنفيذ المهمة الموكلة إليه ، أوقفته المخابرات الأردنية و حقّقت معه و بعد أن عرفوا مهمته وعده ضابط الاستخبارات الأردني فالح الرفاعي و الذي كان موكلاً بملف حركة فتح في جهاز المخابرات الأردنية بمكافأة إضافية إذا نجحت محاولته لقتل أبو إياد .

و أشار الشاب الذي قرّر الاعتراف لأبي إياد ، إلى أن "إسرائيل" و الأردن لديهما مخطّطاً تفصيلياً عن مكان إقامة أبو إياد ، و بأن جهازي المخابرات في البلدين زوّداه بمعلومات دقيقة عن العاملين مع أبي إياد و عن تنقلاته و تحركاته . و غادر الشاب بعد أن ترك لأبي إياد اسمه و عنوانه في فندق اللوتس و مسدسه .

و أبلغ أبو إياد دوائر الأمن المصرية بما حدث و التي فتّشت عن الشاب في فندق اللوتس فتبين أنه نزل هناك باسم غير الاسم الذي أعطاه لأبي إياد ، و عندما فتش رجال الأمن غرفته عثروا على حقيبة مغلقة بالمفتاح لم يستطيعوا أن يعرفوا ما بداخلها .

و بعد تلك الزيارة التي قام بها الشاب لأبي إياد بثلاثة أيام ، أيقظه أحد الحراس في الساعة السابعة صباحاً ليبلغه أن ذلك الشاب حضر و يريد مقابلته ، و عندما استقبله أبو إياد رأى بأنه يحمل في يده حقيبة صغيرة لها نفس المواصفات التي تحدّث عنها رجال الأمن المصريين عندما فتشوا تلك الغرفة في الفندق ، فطلب أبو إياد من الشاب أن يفتح تلك الحقيبة و لكنه ارتبك و تلعثم ثم انهار ، و اعترف بأن الحقيبة تحتوي على عبوة ناسفة تكفي لنسف المنزل بما فيه و أنه مكلّف بوضعها تحت أي مقعد قبل أن يغادر المنزل ، و اعترف بأن زيارته الأولى كانت تهدف لكسب ثقة أبو إياد ، و تم تسليمه للأمن المصري و وضع في أحد السجون .

و بمناسبة صدور كتابه عن عملية ميونخ ، و الذي أثار جدلاً أكّد أبو داود في مقابلة أجرتها معه صحيفة الخليج الإماراتية معرفة "إسرائيل" بدور أبو إياد في عملية ميونخ ، و نقل عن أبو إياد إخباره له لقاءه في باريس في إحدى المرات مع شخص يهودي في منزل إبراهيم الصوص ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في فرنسا ، و بعد تكرار لقائه مع هذا اليهودي الذي لاحظ أن لأبي إياد وجه طفولي و شعر بأنه ودود و لطيف و سأل أبو إياد إذا كان لا يمانع من مقابلة آرييل شارون ؟ فأجابه أبو إياد بالإيجاب و بأنه لا مانع لديه من لقائه ، و بعد تلقيه ذلك الجواب أخبر اليهودي أبا إياد بأنه تربطه علاقة بشارون ، و أنه يمكن أن ينقل له عدم ممانعة أبو إياد بلقائه ، و هو ما حدث ، و روى اليهودي لأبي إياد بأن شارون عندما علم بعرض اللقاء مع أبي إياد انتفض غاضباً و قال عن أبي إياد بأنه قاتل و أخبر الوسيط بعلاقة أبو إياد و أبو داود و آخرين بعملية ميونخ و غيرها .

و من المؤكد بأن أبو إياد ، بسبب ميونخ ، و غيرها كان من ضمن قائمة الاغتيال "الإسرائيلية" و هو ما تحقّق في ظروف مريبة و غريبة و صادمة . ففي الرابع عشر من كانون الثاني 1991 ، و العالم كله محبوس الأنفاس ، مشدود الأنظار إلى الخليج العربي ، حيث تستعد ما عرفت باسم دول التحالف لتوجيه ضربة للعراق على إثر دخوله الكويت ، كان أبو إياد في منزل مساعده هايل عبد الحميد (أبو الهول) في تونس و معه مساعد آخر هو فخري العمري (أبو محمد) ، و ربما كانوا مثل الآخرين يتابعون ، و بحكم مناصبهم الأمنية أيضاً ، ما يجري في الخليج لحظة بلحظة .

و لأنهم كانوا، ثلاثتهم ، يتوقّعون أي محاولة لاغتيالهم ستأتي من الخارج ، لم يخطر ببالهم أن أحد حراسهم كان يكيد لهم ، و ينتظر الفرصة أو الأمر .

و في أثناء وجودهم في إحدى الغرف يتقدّم الحارس حمزة أبو زيد و يطلب من زوجة أبو الهول كأساً من الماء ليشربه ، فتشير إليه بأن يدخل إلى المطبخ ليأخذ حاجته ، و تقول له إن الثلاجة لا تعمل ، و يتطوّع لإصلاحها ، و في المطبخ يجهّز سلاحه استعداداً لما هو مقبل عليه ، و يدخل غرفة القادة الثلاثة ، و لأنه كان يعرف مهمته جيداً أطلق النار على رأس أبو إياد أولاً ثم نحو فخري العمري و يقتله و يحاول أبو الهول ، الذي استوعب المفاجأة أن يردّ عليه ، و لكن أبو زيد يعاجله برصاصة تصيبه في مقتل ، و في حين توفي أبو إياد و العمري فوراً توفي أبو الهول لاحقاً في المستشفى .

و من سوء حظ أبو إياد و رفاقه أن توقيت العملية الذي أبهج ، و لا شك ، المتربصين بهم ، كان سيئاً بدرجة كبيرة بالنسبة للطرف الفلسطيني ، لأن الجميع كان مشغولاً بما سيحدث في الخليج ، و تم التحقيق مع أبو زيد الذي أعدم لاحقاً ، و نشر أنه من أتباع صبري البنا (أبو نضال) ، الذي يقود جماعة منشقة عن حركة فتح .

و في الواقع فإن معلومات كثيرة بقيت ناقصة و لم تستوفَ ، فيما نشر و قيل في حادث اغتيال ما وصف أنه العقل الأمني للثورة الفلسطينية و كذلك الإثنين الذين قضوا معه ، و إجمالاً فإن اغتيال أبو إياد و رفيقيه يسجّل إنجازاً للجهة التي وقفت وراء اغتياله ، فهو في النهاية وصولٌ لمسؤول جهاز المخابرات الفلسطينية الأول و مساعديه الرئيسين .

و على كلّ فإن أجيالاً جديدة من الفلسطينيين ترفع صور أبو إياد في المناسبات باعتباره أحد الشهداء الذين تمكّنت "إسرائيل" من اغتيالهم ، و لا توجد جهة أكثر من "إسرائيل" في رأينا لها مصلحة في تغيّبه عن الوجود ، خصوصاً و أن لها معه ثأراً ميونخ .

و لا يمكن إغفال التوقيت الذي تمت فيه العملية و الذي جاء و المنطقة بأسرها تدخل صفحة جديدة مأساوية من تاريخها و كان أبو إياد نفسه قبل اغتياله حاول أن يقوم بدور الوساطة في تلك الأزمة و قابل الرئيس العراقي صدام حسين ، و كان متشائماً جداً و سمعه الكثيرون و هو يتحدث من خلال إذاعة مونت كارلو (الله وحده يعلم بالمصيبة التي ستحل بالأمة العربية ، كم أنا متشائم من هذا الليل المظلم الزاحف نحونا) .

و لم يكن اغتيال أبو إياد في ذلك اليوم (المكفهر) في حياة المنطقة العربية و منطقة الشرق الأوسط ، حيث بدأت ليلاً عملية (عاصفة الصحراء) هو الرصاصة الأخيرة في مسدس "إسرائيل" اتجاه الشخصيات الفلسطينية القيادية الذي أشهرته بحجة مينوخ ، و إن كانت من أقواها رغم أنها لم تحتَج لكثير جهد ، ميّزت عملياتها الأخرى ، و هذه مفارقة من المفارقات في زمن عربي مليء بالمفارقات .