|
الرأس
بعد 19 عاماً من انطلاق حرب
غولدا مئير غير المقدسة ، بذريعة ميونخ ، قتل صلاح خلف (أبو إياد) المسؤول الأمني
الفلسطيني الأول ، و الرأس الأولى في منظمة أيلول الأسود و عملية ميونخ ، على حين
غرة كما يقولون ، مع قياديين آخرين هامين أيضاً هما هايل عبد الحميد (أبو الهول)
عضو اللجنة المركزية لفتح و من مسئولي الأمن و فخري العمري (أبو محمد) و هو مسؤول
أمني ، و كلاهما له علاقة بميونخ و هما مساعدا أبو إياد القريبان منه ، في عملية
واحدة استهدفت الثلاثة ، و لم يكن الموساد (يحلم) بها : عملية تتم بهذه السهولة و
اليسر و في توقيت لا يمكن أن يكون مناسباً أكثر من غيره .
كان صلاح خلف مع ياسر عرفات و
خليل الوزير (أبو جهاد) ، أهم قادة حركة فتح و كان يصنّف بأنه الرجل الثاني بعد
عرفات و أحياناً الثالث بعد عرفات و أبو جهاد ، و لكنه بعد اغتيال أبو جهاد أصبح
بلا شك الرجل القوي الثاني بعد عرفات .
و كان أبو إياد معروفاً على
الأقل بالنسبة للصهاينة بمسئوليته المباشرة عن عملية ميونخ ، التي أطلقت وفقاً
للمزاعم الصهيونية حملة الاغتيالات الطويلة تلك ، و ترؤسه لمنظمة أيلول الأسود ،
التي تشكّلت بعد الحرب الأهلية في الأردن و التي عرفت باسم أيلول الأسود (أيلول
1970) ، و التي يوصفها كثير من الفلسطينيين بأنها المجازر التي ارتكبها النظام
الهاشمي في الأردن ضد الفدائيين ، و التي انتهت في تموز 1971 بعد جمع ما تبقّى من
الفدائيين ، وفقاً لاتفاقيات مع الحكومة الأردنية لم تلتزم بها بعد حين ، في أحراش
جرش و عجلون ، و انتهت تلك المذابح بمحاصرة عجلون و جرش و قتل و تشريد و جرح و
اعتقال نحو ثلاثة آلاف فدائي فلسطيني و على رأسهم قائدهم أبو علي إياد ، الذي اكتسب
سمع طيبة جداً وسط الفدائيين و أجيال أخرى متتالية باعتباره زعيماً لا يساوم .
و قبل قتل أبو علي إياد الذي
كان عضواً في اللجنة المركزية لحركة فتح استطاع أن يرسل رسالة لرفاقه ، يقول البعض
إن فيها كثيراً من اللوم و الغضب و الوعيد ، باعتبار أنه ترك وحيداً في كمين بين
أنياب رجال البادية ، و لكن يتفق الجميع على ما قاله بعد تلك الرسالة التي بثها
لزملائه في القيادة عبر جهاز إرسال قام بتحطيمه بعد إنهاء الرسالة ليواجه و رجاله
مصيرهم وحيدين .
و الجملة التي قالها أبو علي
إياد (.. نموت واقفين و لن نركع) ، و هو ما حدث بالفعل ، و ردّدت كثيراً من قبل
أجيال متتالية من الفدائيين الفلسطينيين ، و إلى اليوم تذكر هذه العبارة كلما ذكر
الشهيد أبو علي إياد .
بعد مذابح جرش و عجلون التي
تلكأ العرب في وقفها عمداً ، و عندما تدخّلوا كان كل شيء قد انتهى ، و في أجواء ما
بعد المذابح تأسست منظمة أيلول الأسود في خريف 1971 ، للقيام بنوع جديد من العمليات
التي يطلق عليها الكثيرون إرهابية ، و حاول أبو إياد إعطاءها نوعاً من المحتوى
السياسي .
و في كتابه (فلسطيني بلا هوية)
الذي أملاه على الصحافي الفرنسي المستعرب أريك رولو يتحدث أبو إياد عن أولى عمليات
أيلول الأسود في تشرين الثاني 1971 ، و التي كانت اغتيال وصفي التل رئيس الوزراء
الأردني العتيد ، الذي حملته الفصائل الفدائية مسؤولية عن المجازر التي ارتكبت ضد
أفرادها في عمان و جرش و عجلون .
في يوم 28/تشرين الثاني/1971 ،
كان وصفي التل محاطاً بحراسه و مرافقيه يدخل فندق شيراتون في القاهرة ، لحضور
اجتماع مجلس الدفاع العربي المشترك ، عندما اغتاله رجال أيلول الأسود ، في عملية
قال أبو داود فيما بعد إن المسؤول عن التخطيط لها هو أبو يوسف النجار .
و يصر أبو إياد على التفريق
بين ما يسميه العنف الثوري و الإرهاب و الاغتيال السياسي ، معتبراً أن منظمة أيلول
الأسود (لم تكن منظمة إرهابية مطلقاً بل تصرّفت دائماً كرديف ملحق بالمقاومة في
الحين الذي لم يكن بوسع هذه الأخيرة فيه ، أن تضطلع بمهماتها العسكرية و السياسية
كاملة) .
و يشير أبو إياد ، و هو لا
يريد بالطبع أن يكشف في ذلك الكتاب كلّ ما يعرفه عن أيلول الأسود ، أو عن دوره
المباشر في قيادتها ، إلى أن أعضاء أيلول الأسود كانوا يؤكّدون دائماً و أبداً (أنه
ليست لهم أية صلة عضوية بفتح أو بمنظمة التحرير الفلسطينية ، و قد عرفت عدداً منهم
، و أستطيع أن أؤكد أنهم ينتمون في غالبيتهم إلى مختلف المنظمات الفدائية ، و
بالنظر إلى أنهم خرجوا من صفوف هذه المنظمات فإنهم كانوا يترجمون ترجمة صادقة مشاعر
الإحباط و السخط إزاء مذابح الأردن و إزاء التواطؤات التي مكّنت من تنفيذ هذه
المذابح) .
و ليس كل ما قاله أبو إياد هنا
صحيحاً ، خصوصاً من جهة نفي علاقة فتح بأيلول الأسود ، و كما سبق الإشارة فإن وقت
صدور الكتاب (1978م) لم يكن ملائماً ، من وجهة نظر أبو إياد على الأغلب ، لنشر كل
المعلومات التي هو خير من يعرفها باعتباره المسؤول عن أيلول الأسود ، و يمكن تفسير
إشارته إلى تعدّد انتماءات أفراد أيلول الأسود ، إلى أن أيلول الأسود ، كانت تتكوّن
من مجموعات مختلفة عنقودية التنظيم إذا جاز التعبير ، و بالنسبة لعملية اغتيال وصفي
التل التي دشّنت منظمة أيلول الأسود ، فإن المسؤول عنها ، حسب شهادة أبو داود التي
عرضنا لها في جزء سابق ، فإنه أبو يوسف النجار .
و مما يدلّ على ما ذهبنا إليه
فإن أبو داود يشير إلى أن النجار لم يكن له علاقة بأيلول الأسود و أنه فقط أصدر
بياناً باسم أيلول الأسود تتبنى عملية اغتيال وصفي التل ، و يمكن تفسير كلام أبو
داود على أن منظمة أيلول الأسود كانت تضمّ عدة مجموعات ليس من الضروري أن تكون
بينها رابطة تنظيمية .
المهم أن اغتيال وصفي التل
المدوّي ، كان أول إعلان عن منظمة أيلول الأسود ، و التي ستكون عملية ميونخ ،
العملية المدوية الأخيرة لها .. ! و بكثير من الحذر عرض أبو إياد لروايته لعملية
ميونخ ، باعتباره كما قال استجوب (مطوّلاً الناجين الثلاثة من المجموعة) ، و تحرزاً
أمام الأمانة التاريخية التي ستقف في يومٍ ما أمام الرواية الكاملة لعملية ميونخ
فإن أبو إياد يشير إلى أن سرده للوقائع ، استناداً لاستجوابه للثلاثة ، محكوم
بالقدر (الذي تسمح به القواعد الأمنية ، من تفصيل) .
و يمكن هنا الإشارة إلى ظروف
إملائه لمذكراته لأريك رولو ، فرولو الصحافي الفرنسي الكفؤ الذي تربطه علاقات واسعة
و متعددة و مع مختلف الطبقات و الأجيال في العالم العربي ، حضر إلى بيروت ليعدّ
كتاباً عن ياسر عرفات لصالح إحدى دور النشر العالمية و لكن عرفات امتنع ، فبعد
مشاورات مع جهة النشر تم الاتفاق مع أبو إياد الذي وافق بشرط أن لا يعلم ياسر عرفات
عن تلك الجلسات التي كانت تتم في مناطق في بيروت و في ظروف الحروب الصغيرة و
الكبيرة التي كان مسرحها لبنان ، و ينطلق فيها أبو إياد في الحديث و لكن كما يتبين
من وراء سطور الكتاب أنه كان حذراً .. !
و بالطبع تتقاطع رواية أبو
إياد (الناقصة) مع رواية أبو داود (الكاملة) لما حدث ، مع كثير من التمويه ، فمثلاً
في حين تحدّث أبو داود ، على أن أبو إياد نفسه قام بإدخال الأسلحة إلى ألمانيا
لتنفيذ العملية ، فإن أبو إياد يتحدّث ، لاعتبارات مفهومة بظروف زمن صدور الكتاب ،
إلى قيام شخص و زوجته بإدخال الأسلحة .
و هناك تفاصيل يذكرها أبو إياد
عن العملية و كيفية تنفيذها ، تبدو بعد رواية أبو داود ، بأن الكثير فيها كان غير
صحيح و ربما للتمويه .
وهناك تفاصيل أخرى ذكرها أبو
إياد تبين مدى علاقته الوثيقة بالعملية ، خصوصاً بقائدي المجموعتين الأول الذي
يسميه عمر مصالحة ، و أبو داود أسماه محمد مصالحة ، و الثاني شي غيفارا .
عن مصالحة قال أبو إياد ، إنه
كان غادر مسقط رأسه في حيفا و هو طفل ، و ينتمي لأسرة من الفلاحين الفقراء ، و هو
حاصل على شهادة في الجيولوجيا ، و عمل في حركة فتح كمفوّض سياسي ، و كان يجيد اللغة
الألمانية .
و قال عن تشي غيفارا ، إنه مثل
مصالحة متمرس بالأعمال الفدائية و هو حاصل على شهادة الحقوق من فرنسا . و يروى أنه
في مرحلة الإعداد الأولى للعملية تم اختيار خمسين شاباً تتراوح أعمارهم ما بين 17 و
عشرين عاماً ، ليتلقوا تدريبات مكثفة و جميعهم من مخيمات اللاجئين في لبنان و سوريا
و الأردن ، و كانوا يجهلون المهمة التي ربما ستوكل إليهم ، و لكنهم يتمتعون بحماس
كبير للمشاركة في أيّ عمل فدائي ، و هنا يروي بأنه تم استبعاد أحد الفدائيين
اليافعين لأنه سبق أن استشهد له اثنان من الإخوة في عمليات سابقة ، و لكن هذا
الفدائي اليافع احتج و بكى و هدّد بالانتحار إذا لم يشارك في العملية ، و هو ما حدث
فعلاً و سقط شهيداً فيها .
و يتطرّق أبو إياد إلى عناد
غولدا مئير رئيسة وزراء الكيان الصهيوني بشأن الاستجابة لمطالب الفدائيين بإطلاق
سراح الأسرى الفلسطينيين من سجون الاحتلال .
و يقول أبو إياد إن (عناد
السيدة غولدا مئير رئيسة الحكومة "الإسرائيلية" في تلك الأثناء غير طبيعي تماماً ،
من حيث إنها لم تظهر أية إرادة في إنقاذ حياة الرهائن ، أما المغاوير الذين كانت
التعليمات الصادرة إليهم توصيهم بألا يقتلوا أسراهم ، فإنهم راحوا يمدّدون فترة
الإنذار ساعة بعد أخرى ، على أمل أن تقدّم لهم صيغة تسوية ما) .
و يشير إلى أن الخاطفين كانوا
يعلمون بأنهم لا يمكنهم الحصول على تلبية كامل مطالبهم و إطلاق سراح المائتي أسير
فلسطيني في سجون الاحتلال ، و أنهم كانوا مستعدين عملياً لمبادلة رهائنهم بخمسين أو
عشرين أو حتى بتسعة معتقلين ، و أن أملهم خاب عندما لم يقدّم لهم المفاوضون الألمان
و الصهاينة إلا مبلغاً محدداً من المال (شيك على بياض) مقابل إطلاق سراح الرهائن و
السماح لهم بالخروج سالمين .
و يكرّر فكرة أن الخاطفين
قاموا بقتل أنفسهم مع المخطوفين ، رغم علمه بخطئها كما قال أبو داود ، و يذكر كيف
أن قائدي المجموعة مصالحة و تشي سقطا برصاص القناصة الألمان و حين سقطا في بركة من
الدماء زحفا نحو بعضيهما و تصافحا قبل أن يلفظا أنفاسهما الأخيرة .
و يؤكّد خطأ بأن (الفدائيين
اللذين كانا يرافقان الرياضيين "الإسرائيليين" واحداً في كل طائرة ، لم يعمدا إلى
قتل رهائنهما و الانتحار معهم ، إلا بعد أن لاحظا أنه لم يبقَ لديهما ما يأملانه ،
أما الأعضاء الثلاثة الباقون ، فإنهم جرِحوا فسلّموا أنفسهم) .
و ينبّه أبو إياد إلى أن
تضحيات (أبطال ميونخ ، لم تذهب هدراً ، فإذا كانوا لم يتوصّلوا كما يأملون إلى
تحرير رفاقهم السجناء في "إسرائيل" ، إلا أنهم بلغوا الهدفين الآخرين المرسومين
للعملية : فقد اطلع الرأي العام العالمي على المأساة الفلسطينية بفضل دويّ الألعاب
الأولمبية ، كما فرض الشعب الفلسطيني حضوره على هذا التجمع الدولي الذي كان يسعى
لاستبعاده ، أما الخاتمة – المجزرة فتتحمّل حكومتا جمهورية ألمانيا الاتحادية و
حكومة "إسرائيل" خاصة ، المسؤولية الراسخة الجسيمة فيها) .
من خلال رواية أبو إياد في
كتابه الذي أملاه على أريك رولو ، الصحافي الفرنسي العليم ببواطن الأمور في العالم
العربي ، حاول كما قلنا نفي صلته بعملية ميونخ ، و كان يذكر الأفعال التي عرفنا أنه
صاحبها هو منسوبة إلى مصادر قال إنها أخبرته بها و عمد كذلك إلى التمويه ، و حتى
عندما ذكر توقيف السلطات الفرنسية لأبي داود بحجة ميونخ فإنه نفى ضلوع أبو داود
فيها ، و لكن الصهاينة كانوا يعرفون حقيقة دوره في العملية .
و يذكر هو إشارة غائمة في
كتابه ، في معرض حديثه عن الاغتيالات التي شنّتها "إسرائيل" بعد ميونخ ، ذات دلالة
(.. و لا ريب في أن "الإسرائيليين" لم يتراجعوا عن مشروعهم القاضي بتصفية قادة
الفدائيين لاعتقادهم أنهم يستطيعون بذلك تدمير الحركة الوطنية الفلسطينية ، و لا
ريب في أنني أظلّ أحد أهدافهم الأولية ، فطوال سنوات ، غذت المخابرات "الإسرائيلية"
، و شريكاتها الأردنية و الأميركية ، حملة صحافية تهدف إلى إظهاري ليس كرئيس أيلول
الأسود و حسب ، و إنما كمدبّر عددٍ من العمليات الإرهابية ، مع أن عدة منظمات أخرى
ادعت القيام بها) ..
و تحدث أبو إياد عن عدة
محاولات لاغتياله جرت في بيروت و دمشق ، و روى تفاصيل محاولة وصفها بأنها كانت
(أكثر جدية) و أوشكت أن تكلّفه حياته و حياة أفراد عائلته في آب 1973م .
و المحاولة كما يرويها أبو
إياد تشبه الأفلام البوليسية إلى حدّ ما ، ففي أحد الأيام و عندما كان أبو إياد في
القاهرة حيث تقيم عائلته أبلغ أن أحد الشباب يريد أن يراه لأمر هام و بأن لديه
معلومات هامة ، و عندما قابله الشاب القادم من الضفة الغربية كما قدّم نفسه ، قال
له إنه مكلف من المخابرات "الإسرائيلية" بقتله و فتح حافظة صغيرة كانت معه و قدّم
لأبي إياد مسدساً كاتماً للصوت ، كان من المفترض أن ينفذ به العملية ، و قال إنه
عندما وصل الأردن قادماً من الضفة ، و السفر لمصر لتنفيذ المهمة الموكلة إليه ،
أوقفته المخابرات الأردنية و حقّقت معه و بعد أن عرفوا مهمته وعده ضابط الاستخبارات
الأردني فالح الرفاعي و الذي كان موكلاً بملف حركة فتح في جهاز المخابرات الأردنية
بمكافأة إضافية إذا نجحت محاولته لقتل أبو إياد .
و أشار الشاب الذي قرّر
الاعتراف لأبي إياد ، إلى أن "إسرائيل" و الأردن لديهما مخطّطاً تفصيلياً عن مكان
إقامة أبو إياد ، و بأن جهازي المخابرات في البلدين زوّداه بمعلومات دقيقة عن
العاملين مع أبي إياد و عن تنقلاته و تحركاته . و غادر الشاب بعد أن ترك لأبي إياد
اسمه و عنوانه في فندق اللوتس و مسدسه .
و أبلغ أبو إياد دوائر الأمن
المصرية بما حدث و التي فتّشت عن الشاب في فندق اللوتس فتبين أنه نزل هناك باسم غير
الاسم الذي أعطاه لأبي إياد ، و عندما فتش رجال الأمن غرفته عثروا على حقيبة مغلقة
بالمفتاح لم يستطيعوا أن يعرفوا ما بداخلها .
و بعد تلك الزيارة التي قام
بها الشاب لأبي إياد بثلاثة أيام ، أيقظه أحد الحراس في الساعة السابعة صباحاً
ليبلغه أن ذلك الشاب حضر و يريد مقابلته ، و عندما استقبله أبو إياد رأى بأنه يحمل
في يده حقيبة صغيرة لها نفس المواصفات التي تحدّث عنها رجال الأمن المصريين عندما
فتشوا تلك الغرفة في الفندق ، فطلب أبو إياد من الشاب أن يفتح تلك الحقيبة و لكنه
ارتبك و تلعثم ثم انهار ، و اعترف بأن الحقيبة تحتوي على عبوة ناسفة تكفي لنسف
المنزل بما فيه و أنه مكلّف بوضعها تحت أي مقعد قبل أن يغادر المنزل ، و اعترف بأن
زيارته الأولى كانت تهدف لكسب ثقة أبو إياد ، و تم تسليمه للأمن المصري و وضع في
أحد السجون .
و بمناسبة صدور كتابه عن عملية
ميونخ ، و الذي أثار جدلاً أكّد أبو داود في مقابلة أجرتها معه صحيفة الخليج
الإماراتية معرفة "إسرائيل" بدور أبو إياد في عملية ميونخ ، و نقل عن أبو إياد
إخباره له لقاءه في باريس في إحدى المرات مع شخص يهودي في منزل إبراهيم الصوص ممثل
منظمة التحرير الفلسطينية في فرنسا ، و بعد تكرار لقائه مع هذا اليهودي الذي لاحظ
أن لأبي إياد وجه طفولي و شعر بأنه ودود و لطيف و سأل أبو إياد إذا كان لا يمانع من
مقابلة آرييل شارون ؟ فأجابه أبو إياد بالإيجاب و بأنه لا مانع لديه من لقائه ، و
بعد تلقيه ذلك الجواب أخبر اليهودي أبا إياد بأنه تربطه علاقة بشارون ، و أنه يمكن
أن ينقل له عدم ممانعة أبو إياد بلقائه ، و هو ما حدث ، و روى اليهودي لأبي إياد
بأن شارون عندما علم بعرض اللقاء مع أبي إياد انتفض غاضباً و قال عن أبي إياد بأنه
قاتل و أخبر الوسيط بعلاقة أبو إياد و أبو داود و آخرين بعملية ميونخ و غيرها .
و من المؤكد بأن أبو إياد ،
بسبب ميونخ ، و غيرها كان من ضمن قائمة الاغتيال "الإسرائيلية" و هو ما تحقّق في
ظروف مريبة و غريبة و صادمة . ففي الرابع عشر من كانون الثاني 1991 ، و العالم كله
محبوس الأنفاس ، مشدود الأنظار إلى الخليج العربي ، حيث تستعد ما عرفت باسم دول
التحالف لتوجيه ضربة للعراق على إثر دخوله الكويت ، كان أبو إياد في منزل مساعده
هايل عبد الحميد (أبو الهول) في تونس و معه مساعد آخر هو فخري العمري (أبو محمد) ،
و ربما كانوا مثل الآخرين يتابعون ، و بحكم مناصبهم الأمنية أيضاً ، ما يجري في
الخليج لحظة بلحظة .
و لأنهم كانوا، ثلاثتهم ،
يتوقّعون أي محاولة لاغتيالهم ستأتي من الخارج ، لم يخطر ببالهم أن أحد حراسهم كان
يكيد لهم ، و ينتظر الفرصة أو الأمر .
و في أثناء وجودهم في إحدى
الغرف يتقدّم الحارس حمزة أبو زيد و يطلب من زوجة أبو الهول كأساً من الماء ليشربه
، فتشير إليه بأن يدخل إلى المطبخ ليأخذ حاجته ، و تقول له إن الثلاجة لا تعمل ، و
يتطوّع لإصلاحها ، و في المطبخ يجهّز سلاحه استعداداً لما هو مقبل عليه ، و يدخل
غرفة القادة الثلاثة ، و لأنه كان يعرف مهمته جيداً أطلق النار على رأس أبو إياد
أولاً ثم نحو فخري العمري و يقتله و يحاول أبو الهول ، الذي استوعب المفاجأة أن
يردّ عليه ، و لكن أبو زيد يعاجله برصاصة تصيبه في مقتل ، و في حين توفي أبو إياد و
العمري فوراً توفي أبو الهول لاحقاً في المستشفى .
و من سوء حظ أبو إياد و رفاقه
أن توقيت العملية الذي أبهج ، و لا شك ، المتربصين بهم ، كان سيئاً بدرجة كبيرة
بالنسبة للطرف الفلسطيني ، لأن الجميع كان مشغولاً بما سيحدث في الخليج ، و تم
التحقيق مع أبو زيد الذي أعدم لاحقاً ، و نشر أنه من أتباع صبري البنا (أبو نضال) ،
الذي يقود جماعة منشقة عن حركة فتح .
و في الواقع فإن معلومات كثيرة
بقيت ناقصة و لم تستوفَ ، فيما نشر و قيل في حادث اغتيال ما وصف أنه العقل الأمني
للثورة الفلسطينية و كذلك الإثنين الذين قضوا معه ، و إجمالاً فإن اغتيال أبو إياد
و رفيقيه يسجّل إنجازاً للجهة التي وقفت وراء اغتياله ، فهو في النهاية وصولٌ
لمسؤول جهاز المخابرات الفلسطينية الأول و مساعديه الرئيسين .
و على كلّ فإن أجيالاً جديدة
من الفلسطينيين ترفع صور أبو إياد في المناسبات باعتباره أحد الشهداء الذين تمكّنت
"إسرائيل" من اغتيالهم ، و لا توجد جهة أكثر من "إسرائيل" في رأينا لها مصلحة في
تغيّبه عن الوجود ، خصوصاً و أن لها معه ثأراً ميونخ .
و لا يمكن إغفال التوقيت الذي
تمت فيه العملية و الذي جاء و المنطقة بأسرها تدخل صفحة جديدة مأساوية من تاريخها و
كان أبو إياد نفسه قبل اغتياله حاول أن يقوم بدور الوساطة في تلك الأزمة و قابل
الرئيس العراقي صدام حسين ، و كان متشائماً جداً و سمعه الكثيرون و هو يتحدث من
خلال إذاعة مونت كارلو (الله وحده يعلم بالمصيبة التي ستحل بالأمة العربية ، كم أنا
متشائم من هذا الليل المظلم الزاحف نحونا) .
و لم يكن اغتيال أبو إياد في
ذلك اليوم (المكفهر) في حياة المنطقة العربية و منطقة الشرق الأوسط ، حيث بدأت
ليلاً عملية (عاصفة الصحراء) هو الرصاصة الأخيرة في مسدس "إسرائيل" اتجاه الشخصيات
الفلسطينية القيادية الذي أشهرته بحجة مينوخ ، و إن كانت من أقواها رغم أنها لم
تحتَج لكثير جهد ، ميّزت عملياتها الأخرى ، و هذه مفارقة من المفارقات في زمن عربي
مليء بالمفارقات .
|