|
طلقة غولدا الأخيرة
و إذا كان هناك اختلاف في
الاجتهادات في النظر لعملية اغتيال أبو إياد و رفيقيه أبو الهول و أبو محمد ، فإن
المؤكد الذي لا خلاف عليه لدى الجميع ، هو الإدراك لمدى الفراغ الذي تركه رحيلهم
المفاجئ على أجهزة الأمن الفلسطينية .
و مع غياب أبو إياد و رفيقيه ،
استلم مسؤولية الأمن الفلسطيني كوادر من تلامذة أبو إياد من بينهم عاطف بسيسو الذي
يعتقد بأنه واحدٌ من ثلاثة حلّوا محل أبو إياد في قيادة الجهاز الأمني التابع
لمنظمة فتح .
و تولى بسيسو ، مسؤولية
العلاقات مع أجهزة الاستخبارات الأوربية و من بينها الفرنسية و متابعة شبكات من
المتعاونين في العواصم المختلفة و أيضاً أنيطت به مسؤولية تأمين أمن مسئولي منظمة
التحرير .
و في يوم 8/6/1992 ، كان عاطف
بسيسو الذي وصل فجأة للعاصمة الفرنسية باريس للالتقاء مع مسؤولين من المخابرات
الفرنسية ، عائداً مع صديقين لبنانيين إلى فندق المريديان مونفرانس في شارع
كومندينت موشوط ، في العاصمة باريس ، عندما اقترب منه رجلان و أطلقا النار عليه من
مسدسات مزوّدة بكواتم للصوت و جمعا فوارغ الرصاصات و غابا عن الأنظار .
و يعتبر هذا الفندق فألاً
سيئاً على الشخصيات العربية المهدّدة بالاغتيال ، ففي 13/6/1980 ، تم اغتيال
الدكتور يحيى المشد في إحدى غرف الفندق ، و المشد كما هو معروف كان مسؤولاً في
المشروع الذري العراقي و كان في فرنسا في تلك الفترة لأسباب تتعلق بنشاطه ذاك ، و
لكن بسيسو ، لم يأخذ ذلك على ما يبدو على محمل الجد ، رغم معلومات استخبارية كانت
تتناثر في العاصمة الفرنسية عن تحول فندق المريديان ذاك إلى ساحة للنشاط الاستخباري
.
و كان الصحافي المصري عادل
حمودة في كتابه عن اغتيال الدكتور المشد قدّم صورة (مريبة) لهذا الفندق ، الذي قال
عنه ، إن الشرقيين يفضّلونه (و قد نقلوا إلى إدارته الكثير من العيوب ، مثل البقشيش
الذي يصل حدّ الرشوة ، و الخطأ المتعمّد في فواتير الحساب و الإهمال الذي لا يختلف
كثيراً عن المؤامرة) .
و عن نزلائه كتب عادل حمودة
أنهم (خليط من الأثرياء و الدبلوماسيين و التجار و الصحافيين و رجال الأعمال و نجوم
السينما ، و كل شيء فيه مباح .. متاح .. حتى اللغة العربية ، فعندما تبرز النقود ،
يتنازل الفرنسيون عن غطرستهم الشهيرة ، و يتحدثون لغة الشيطان) .
و أضاف و هو يجمع معلومات عن
مسرح الجريمة التي قتل فيه المشد ، و فيما بعد عاطف بسيسو (و يعمل بعض العرب في
أماكن الفندق الحساسة ، الحجز ، خدمة الغرف ، البار ، و الملهى الليلي الذي لا يخلو
برنامجه من الرقص و الغناء الشرقي ، و الاستعراض و الاستربتيز الغربي) .
و أيضاً تتساهل إدارة الفندق
مع العاهرات (و تسمح لهن بالوجود في الممرات و الكافتيريا و البار و الغرف دون خوفٍ
إذا كن يعملن تحت إشرافها ، كما أن عاملة التليفون لا تتردد في خدمة النزلاء بإحضار
عاهرات بالتلفون من شركات الرقيق الأبيض و الأسود ، المتخصصة في التوصيل من الباب
إلى الباب ، و لمزيد من السرية فإن الغرف مبطنة بعازل و كاتم للصوت ، أي أنها غرف
مناسبة للخطيئة و الجريمة معاً) .
و لأن بسيسو ، كما تبيّن فيما
بعد حضر على وجه السرعة إلى باريس و لم يكن ضمن خطته المعلنة في رحلته أن يزورها ،
فإنه لم يحجز في الفندق الذي اعتاد أن ينزل فيه مسئولو منظمة التحرير و هو فندق
الميرديان بورت ، أو ربما حجز في الفندق (المشبوه) الذي قتِل على أعتابه إمعاناً في
التمويه .
و يمكن القول إن اغتيال بسيسو
شكّل ، على الأقل مفاجأة ، إن لم نقل صدمة لرفاقه ، فالرئيس عرفات و القيادة
الفلسطينية كانت تخوض مفاوضات مع (إسرائيل) ضمن الترتيبات التي أفرزتها حرب الخليج
الثانية و مؤتمر مدريد ، و فتح صفحة جديدة في العلاقات بين الفلسطينيين و (إسرائيل)
.
و تردّدت أنباء صحافية أن
تنظيم صبري البنا (أبو نضال) المنشق عن حركة فتح ، أعلن مسئوليته عن مقتل عاطف
بسيسو ، و هذا أعاد للأذهان قضية اغتيال أبو إياد و رفيقيه على يد الحارس الذي قيل
إنه ينتمي لتنظيم أبو نضال ، و ها هو أبو نضال يعود من جديد و يقتل أحد مساعدي أبو
إياد ، و لكن تنظيم أبو نضال عاد و نفى مسئوليته عن الحادث ، بينما الرئيس عرفات
الذي كان منهمكاً في العلاقة الجديدة مع (إسرائيل) ، اعتبر مقتل بسيسو ضربة لعملية
السلام و اتهم (إسرائيل) صراحة بالوقوف وراء حادث الاغتيال .
و أمام أصابع الاتهام التي
وجهت لـ (إسرائيل) ، نفى اللواء أوري ساغي رئيس شعبة الاستخبارات الصهيونية ، أية
علاقة لـ (إسرائيل) في الحادث و أنه لا يعرف من قام بعملية الاغتيال ، و لم يصدّقه
أحد .. !
و أضاف ساغي للصحافيين ، أن
بسيسو مسؤولٌ عن قتل الرياضيين (الإسرائيليين) في ميونخ و عن المحاولات الفاشلة
لضرب طائرة العال في روما عام 1978 .
و بقيت أصابع الاتهام متجهة
نحو (إسرائيل) ، لعدة أسباب منها ضلوع عاطف بسيسو ، بحكم عمله مع أبو إياد ، في
عملية ميونخ ، و هي التي نفّذت سلسة العمليات الكثيرة بحجة ميونخ ، و أضيف إلى ذلك
سبب جديد ، هو بمثابة رسالة إلى المخابرات الفرنسية (دي.أس.تيه) بأن الموساد غير
راضٍ عن علاقتها مع المخابرات الفلسطينية .
و مثلما يحدث في مرات كثيرة ،
غابت قضية عاطف بسيسو ، عن اهتمامات الرأي العام الفلسطيني ، و لكن هناك من كان
حادث الاغتيال يعنيه بصورة مباشرة مثل زوجته ديما ، و محاميها فرانسوا جيبو ، و
القاضي جان لوي بروغيير ، الذي كلّف بالتحقيق في ملف اغتيال عاطف بسيسو في قلب
العاصمة الفرنسية ، و معرفة الجهة التي تقف وراء حادث الاغتيال .
و بعد مرور سبع سنوات ، و في
شهر آذار 1999م قدّم القاضي الفرنسي تقريره عن الحادث اتهم فيه (الموساد)
"الإسرائيلي" بالوقوف وراء قتل بسيسو ، و أنه استعان بذلك بالجاسوس عدنان ياسين
لتنفيذ عملية اغتيال بسيسو الذي كان على علاقة مع الاستخبارات الفرنسية .
و عدنان ياسين ربما يكون أشهر
جاسوس يتم اكتشافه كان يعمل في منظمة التحرير عقب انتقالها من بيروت إلى تونس ، و
كان مسؤولاً عن ترتيبات السفر في المنظمة و بحكم علاقاته كان يدخل إلى مكاتب كبار
المسؤولين بسهولة و يسر ، و بفضل تعاونه مع (إسرائيل) كانت المخابرات (الإسرائيلية)
تتطلع على كثير مما يدور في المكاتب الفلسطينية ، و خلال جولات المفاوضات
الفلسطينية – (الإسرائيلية) التي سبقت توقيع اتفاق أوسلو ، كان المفاوضون
الفلسطينيون يصابون بالذهول عندما يدركون بأن الطرف الآخر لديه معلومات كافية عما
سيطرحونه و ما سيناورن عليه و خطط التفاوض التي عادة ما كانت توضع في مكتب محمود
عباس (أبو مازن) .
و مع نشر تقرير القاضي الفرنسي
، ارتفعت أصوات في (إسرائيل) تحذّر من نشوب أزمة دبلوماسية بين (إسرائيل) و فرنسا
على خلفية هذا الاتهام ، و في حين رفض أفيف بوشينسكي المستشار الإعلامي لرئيس
الحكومة الصهيوني التعليق على التقرير الفرنسي ، فإن مصادر في ديوان رئيس الحكومة
الصهيوني نقلت إلى صحيفة هآرتس العبرية (21/3/1999) مخاوفها الكبيرة من أن يؤدّي
تطوّر القضية إلى أزمة في العلاقات الاستخبارية و الدبلوماسية بين (إسرائيل) و
فرنسا .
و أشارت هذه المصادر التي لم
تسمّها صحيفة هآرتس العبرية إلى أن قضية بسيسو قد تتحوّل إلى شبه ما حدث في قضية
اغتيال رسام الكاريكاتير الفلسطيني الشهير ناجي العلي الذي اغتيل في حزيران 1997 ،
و في حينها وجّهت أجهزة الأمن البريطانية اتهامات لـ (إسرائيل) بدعوى أن (الخلية
التي انتمى لها القتلة كانت مخترقة من قبل عملاء الموساد) ، و بأنه كان يجب على
الموساد إبلاغ المخابرات البريطانية بذلك ، و أعلنت بريطانيا عن أسماء عددٍ من رجال
الموساد كأشخاص غير مرغوب فيهم في بريطانيا ، و حسب هآرتس فإن حادث اغتيال العلي
تسبّب في ضرر فادح للعلاقات الاستخبارية بين بريطانيا و (إسرائيل) .
إذن كان الموساد في قضية بسيسو
في وضع مشابه لما حدث معه في قضية ناجي العلي مع الفارق أن الغضب الفرنسي كان أكبر
، لأن بسيسو ، وفقاً لكل الاعتبارات كان ضيفاً على الـ (دي.أس.تيه) .
و كانت الأوساط الفلسطينية و
العربية المعنية غائبة .. ! عن ما يحدث و لم (تستغل) الاتهام الفرنسي العلني لـ
(إسرائيل) بمقتل رجل الأمن الفلسطيني لتثير قضية الإرهاب (الإسرائيلي) المستمر و
الذي لا يتوقّف في ظلّ الحرب أو في ظلّ السلام ، حتى لو كان سلاماً وفق المعايير
(الإسرائيلية) .
و لا بد هنا من الإشادة بجهد
القاضي بروغير الفرنسي ، و مهنيته ، فهذا الرجل أخذ المسألة ، كما اتضح بشكلٍ جدي ،
و ليس كما كانت تفعل الأجهزة المشابهة في الدول الغربية الأخرى عندما يتعلق الأمر
بالإرهاب (الإسرائيلي) على أراضيها .
علم بورغيير بأن ثلاثة أشخاص
فقط علموا بنية عاطف بسيسو التوجه إلى فرنسا خلال جولته الأوروبية ، و هؤلاء هم :
زوجته ديما ، و أحد المسؤولين في المنظمة و عدنان ياسين ، و بعد التحقيق ، اشتبه
القاضي الفرنسي بعدنان ياسين أنه وفّر المعلومات عن تحرّكات بسيسو للموساد
(الإسرائيلي) .
و توجّه القاضي إلى منظمة
التحرير الفلسطينية ، في مطلع عام 1993 ، مطالباً بتفاصيل المكالمات التي كان
يجريها عدنان ياسين ، من مقر المنظمة في تونس في اليوم الذي سبق حادث الاغتيال ، و
حسب مزاعم صحيفة هآرتس العبرية فإن المنظمة لم تستجب ، و لكن هذا القاضي المقدام
الذي لا يكلّ و لا يملّ كما يقال ، وجد طريقة للوصول إلى هدفه ، و يعتقد أن
المخابرات الفرنسية ساعدته بوضع يده على المكالمات التي كان يتركها عدنان ياسين في
(آنسر مشين) الهواتف التي يتحدّث إليها في فرنسا و إيطاليا ، و بعد تحليل هذه
الرسائل تأكّد الفرنسيون من علاقة عدنان ياسين بالموساد .
و هنا لا بدّ من التساؤل لماذا
لم تتعاون منظمة التحرير مع القاضي الفرنسي ؟ و لماذا تم (السكوت) على عدنان ياسين
نحو عشرة أشهر ، حيث تم اعتقاله في 25/10/1993 ، مع أنه كان من الواضح و من الطلب
الفرنسي الرسمي بالاطلاع على مكالمات ياسين بأن هناك على الأقل شيئاً ما ضد الرجل
من مخابرات قوية و (صديقة) هي المخابرات الفرنسية و في قضية تتعلق في النهاية بأحد
قادة الأمن الفلسطيني : عاطف بسيسو .
و تكرّر موقف منظمة التحرير
(السلبي) فيما بعد عندما طلب القاضي الفرنسي الاستماع إلى إفادة عدنان ياسين الذي
أعلن أنه معتقل في أحد السجون التونسية ، و جاء الرد الفلسطيني ، بأن ياسين اختفى
في العام 1996 ، بعد انتقال منظمة التحرير من تونس إلى غزة .
و قد لا يكون الرد الفلسطيني
هذا صحيحاً ، لأن الأنباء الصحافية تحدّثت عن أن عدنان ياسين أعدِم بعد اكتشافه على
ظهر سفينة في المياه الدولية ، و أنباء أخرى تحدّثت عن وجوده معتقلاً في اليمن أو
في تونس .
المهم أن ما بدا في ربيع عام
1999 بداية لأزمة بين فرنسا و (إسرائيل) ، بعد انتهاء التحقيق في القضية و اتهام
(إسرائيل) بالمسؤولية عن الاغتيال بمساعدة جاسوسها عدنان ياسين الذي أبلغ الموساد
بتفاصيل وجود عاطف بسيسو في باريس ، أخذ في التراجع ، و ربما كانت الأسباب كثيرة و
متنوعة و لكن لا يمكن هنا إبراء الجهات المسؤولة و المعنية العربية و الفلسطينية ،
من مهمة المتابعة و الاستمرار و الضغط على الجانبين الفرنسي الذي كان متحمّساً
لإدانة (إسرائيل) و (الإسرائيلي) الذي كان يدخل مع الفلسطينيين ، و العرب في حلقات
مفرغة مسجلاً أهدافاً في ملعبهم و هم فرحون .. !
و لا بد من التوقف هنا عند ما
أثير من قضية الجاسوس عدنان ياسين ، و التي أخذت مجالاً واسعاً في التداول ، فوفقاً
لمعظم المصادر فإن ياسين الذي كان يتولى مسؤوليات استصدار أذونات السفر لكوادر
المنظمة في تونس ، كان يعالج زوجته المريضة في فرنسا ، على حساب المنظمة ، و أنه
كان يسافر كثيراً هناك لهذه الغاية ، و رغم أن مصادر فلسطينية قالت إنه لم يعانِ من
مشاكل مادية لعلاج زوجته ، فإن مصادر أخرى أفادت أن المخابرات الصهيونية استطاعت
النفاذ إليه من هذا الباب .
و قيل إن أول لقاء تم بين
ياسين و ممثل عن الموساد كان في شهر آذار 1989 ، في باحة نفس الفندق الذي قتِل على
أعتابه بعد ذلك التاريخ بأكثر من ثلاث سنوات عاطف بسيسو ، و هو الفندق (المشبوه)
بعاهراته و إدارته و العاملين به و الكثير من رواده .. !
و قيل إن عدنان ياسين تجنّد
على يد ضابط الموساد المدعو (حلمي) الذي (التقط) عدنان ياسين في ذلك الفندق ، و عرض
عليه الدخول في مشاريع تجارية مشتركة ، و فيما بعد تولى الضابط (جورج) العلاقة مع
ياسين .
و كان وقوع ياسين في الفخ ،
نصراً مهماً للموساد ، لأن ياسين بحكم علاقاته و تدخّلاته جعل قيادة المنظمة مكشوفة
للجانب الآخر . و مما تم الكشف عنه ، مثلاً ، أن عدنان ياسين الذي زوّده الموساد
بأجهزة تجسّس حديثة جداً ، حصل من الموساد على مصباح فاخر للقراءة ، و على كرسي طبي
متطوّر و جهاز فاكس صغير الحجم ، و تم وضع أجهزة تنصت في هذه الأجهزة ، و تشتغل هذه
الأجهزة بمجرد الجلوس على الكرسي ، بفضل جهاز حساس للحرارة وضع في الكرسي ، و
تستطيع هذه الأجهزة العمل ثماني ساعات دون تغيير البطارية .
و شحن ياسين هذه الحاجيات في
سيارة رينو من فرنسا إلى تونس ، و لأنه أيضاً من مسؤولياته ، ترتيب إدخال الأثاث
للكوادر الفلسطينية ، فبدا عادياً أن يقوم بتقديم هذا (الأثاث) إلى محمود عباس (أبو
مازن) ، و استقرت أدوات التجسس هذه في مكتب أبو مازن ، و فيما بعد عرف السر ، الذي
كان يحيّر رجال أبو مازن ، الذين كانوا يتفاوضون هناك بعيداً في أوسلو ، مع
(الإسرائيليين) ، و بدوا أمامهم مكشوفي الظهر تماماً ، فقد كان (الإسرائيليون)
يعرفون تماماً ما سيعرَض عليهم و حدود التكتيك الفلسطيني و المدى الذي يمكن أن
يتنازل عنه الفلسطينيون .
و فيما بعد تحدّثت أوساط
صهيونية أن القيادة (الإسرائيلية) شعرت أن ذلك (العري) الفلسطيني في المفاوضات
السرية في أوسلو ، بدأ يعكر أجواء المفاوضات التاريخية بين الفلسطينيين و
(الإسرائيليين) ، و أن الوفد الفلسطيني يشعر بمهانة كبيرة وهو يواجه الوفد
(الإسرائيلي) المدعّم بالخبرات و المعلومات ، عارياً ، و لم يكن يعرف أحد أن سبب كل
ذلك ، الكرسي الفاخر و الأدوات الملحقة الجميلة التي أعجبت قائد المفاوضات أبو مازن
، فسمح لعدنان ياسين بوضعها في مكتبه .
و بعد التحقيق مع ياسين الذي
لم يكشف عنه الكثير ، فإن المعلومات المؤكدة كانت تتعلق بأن الموساد زوّده بأجهزة
تنصت متطوّرة جداً ، و بعضها مثل الذي زرع في مكتب أبو مازن يمكن أن يعمل لخمس
سنوات دون تغييره .
و بالطبع لم يقتصر دور ياسين
على ذلك ، فأشارت التقارير التي نشرت بعد اعتقاله إلى تعاون ابنه هاني الذي يملك
كراجاً للسيارات في العاصمة التونسية ، و كان يتم وضع أجهزة تنصت في السيارات
التابعة للمنظمة و لرجالها التي تذهب للتصليح في كراج هاني .
و يبدو أن المخابرات الفرنسية
أرادت أن تقدّم خدمة لمنظمة التحرير ضمن التعاون الاستخباري أو حتى .. ربما
(تكفيراً) عن الإخفاق في حماية (ضيفها) عاطف بسيسو و الذي وصله رجال الموساد و
قتلوه على أرضها ، أو أرادت أن تردّ صفعة الاغتيال إلى وجه الموساد ، و دبت الحرارة
في الخطوط الساخنة الفرنسية و التونسية و الفلسطينية ، و قبل اعتقاله أخضع لرقابة
مشدّدة و تم ضبط سيارة رينو 25 أرسلت إلى عدنان ياسين من ألمانيا ، فاعترضتها
الجمارك التونسية ، و تم تفتيش السيارة و اكتشاف أجهزة تنصت دقيقة فيها ، و تم
القبض على ياسين الذي وصف بأنه أخطر جاسوس لـ (إسرائيل) في منظمة التحرير ، و لكن
ربما كان ياسين الذي قدّم معلومات وافرة لـ (إسرائيل) في منعطف تاريخي في العلاقات
بين (إسرائيل) و المنظمة ، من الجواسيس المهمين الذين تم كشفهم ، و لكنه ربما لم
يكن أخطرهم ، ففي عالمٍ مثل الجاسوسية لا يعترف بسهولة بأفعال التفضيل .
و لابد من الإشارة هنا إلى أن
الأجواء التي كانت تشهدها العاصمة التونسية عشية القبض على ياسين و الكشف عن
اعترافاته ، كانت تعج بالمفارقات ، ففي حين يتم إلقاء القبض على ما وصف بأنه (أبر)
جاسوس لـ (إسرائيل) في منظمة التحرير ، كان الصحافيون الصهاينة المستعربون ، وثيقي
الصلة بالاستخبارات (الإسرائيلية) ، يحجّون بشكلٍ شبه يومي إلى تونس و ينزلون في
ضيافة منظمة التحرير ، و يستقبلهم كبار المسؤولين هناك ، و يدلون لهم بأحاديث
صحافية عديدة و لمختلف وسائل الإعلام الصهيونية و من بينها التلفزيون العبري .
كانت الوفود الصهيونية تحجّ
إلى تونس قبل ذلك و لكنها تكثّفت قبل و أثناء و بعد الإعلان عن اتفاق أوسلو ، و في
حين أن (إسرائيل) بالكشف عن الجاسوس ياسين ، كانت تؤكّد بأنها ما زالت ترى في
الفلسطينيين أعداء لا يؤتمنون مهما قدّموا من تنازلات ، كان القادة الفلسطينيون
يستقبلون ممثلي أحد أذرع الدولة العبرية الهامة : الإعلاميون ، و كتبت في حينه
تحقيقاً موسعاً ، عن تلك الظاهرة في الأراضي المحتلة و تونس ، و أسميتها (ظاهرة
يوني) نسبة إلى يوني بن مناحيم مراسل التلفزيون العبري العليم ببواطن الأمور في
الأراضي المحتلة ، و في تلك الفترة في تونس أيضاً ، و الذي كان مصدراً إخبارياً
مهماً بما يجري في الساحة الفلسطينية في الداخل و في الخارج في تونس ، تصب عنده
المعلومات الهامة و يتطوع المسؤولون الفلسطينيون للاتصال به و إمداده بالمعلومات ،
و مثلما كان يصول و يجول في الأراضي المحتلة ، انتقل يوني بن مناحيم بكاميرته إلى
تونس و أصبح يصول و يجول فيها أيضاً ، و يبث التقارير من هناك و أحياناً بشكلٍ
مباشر ، و مرة بث تقريراً مباشراً من العاصمة التونسية عن وصول نايف حواتمة زعيم
الجبهة الديمقراطية المعارض لأوسلو إلى تونس سراً و قال إن حواتمة قال له إذا كشفت
عن زيارتي فسأنفي ذلك فوراً .. !
و قدّم و هو في تونس تقارير ،
عرف فيها بالرموز التي ستلعب أدواراً في المرحلة المقبلة : مرحلة السلطة الفلسطينية
مثل حسن عصفور و جبريل الرجوب و ياسر عبد ربه و غيرهم .
و خلال التحقيق الذي أجريته
تبين أن كل الصحافيين الصحافيين المختصين بالشؤون العربية كانت لهم علاقات معلنة مع
أجهزة الدولة العبرية و مع أجهزة الاحتلال في الضفة الغربية و قطاع غزة .
و يوني بن مناحيم الذي كان
أبرزهم و أكثرهم ديناميكية ، هو أحد الذين شاركوا في عملية الليطاني في آذار 1978
في جنوب لبنان و يعمل محاضراً في مدرسة عسكرية صهيونية في مستوطنة مقامة على رأس
مدينة بيت جالا ، و قابلت مناحيم على مدخل مقر الحاج إسماعيل جبر قائد القوات
الفلسطينية في الضفة الغربية لدى دخوله أريحا ضمن اتفاق (غزة و أريحا أولاً) و
عاتبني على التقرير الذي نشرته عن (ظاهرة يوني) مؤكّداً على تطوّع المسؤولين
الفلسطينيين بالاتصال به و مدّه بالأخبار و المعلومات .
و أيضاً من رموز ظاهرة يوني
(روني شكيد) الذي عمل في جهاز الشاباك الصهيوني و كان يحقّق مع المعتقلين
الفلسطينيين في معتقل المسكوبية بالقدس ، و هذا المعتقل بالذات هو (مسلخ بشري) بكلّ
ما تعنيه الكلمة من معنى كما خبِره كاتب هذه السطور أكثر من مرة .
و حتى الذي عرفوا بيساريتهم من
الصحافيين الصهاينة الذين عمِلوا في الشؤون الفلسطينية و العربية فكانت لهم علاقات
مع أذرع الاحتلال المختلفة ، فمثلاً يهودا ليطاني كان ناطقاً بلسان الجيش الصهيوني
المحتل للضفة الغربية و قطاع غزة ، و يوسي تورفشتاين عمل مستشاراً لحاكم بيت لحم
العسكري ، و بنحاس عنبري كان مسؤولاً عن دائرة الإحصاءات في الضفة الغربية التي
تتبع الحكم العسكري .
و من جانب آخر كانت تصريحات
المسؤولين الفلسطينيين الذي أصبحوا مفتوحي الأذرع للصحافيين الصهاينة ، يأخذونهم
بالأحضان ، كما لو كانوا ينتظرون هذه الفرصة على أحرّ من الشوق ، غير موفقة فيما
يطرحونه ، في معظم الحالات ، و مثلاً فإن حكم بلعاوي سفير منظمة التحرير في تونس و
عضو اللجنة المركزية في فتح و المسؤول الأمني الكبير ، و الذي بحكم مسؤولياته
الأمنية ، يتحمّل التقصير في عدم كشف عدنان ياسين ، توعّد على شاشة التلفزيون
العبري بلجم المعارضين للاتفاقيات الموقّعة بين الجانبين الفلسطيني و (الإسرائيلي)
، و قال إنه جرى تعاون مع (إسرائيل) بهذا الشأن و خاطب يوني بن مناحيم قائلاً :
"بإمكانك التأكد مما أقوله من المسؤولين عندكم" ...! .
و كان هناك من رأى فيما يقوله
بلعاوي استفزازاً ، خصوصاً و أن معلومات تناثرت حول علاقته الوثيقة مع عدنان ياسين
و أن الأخير هو نائبه كسفير للمنظمة في تونس ، و هو ما نفاه بلعاوي قائلاً إن ياسين
مجرّد موظف صغير لديه ، و لكن يبدو أن ذلك و ربما غيره ، أر على دوره ، فعندما عاد
إلى فلسطين ضمن ترتيبات اتفاق أوسلو ، لم يعد له دور يناسب وضعه السابق (كرجل تونس
القوي) الذي كانت تتقاطع لديه كل الخطوط ، و في فيلته الفخمة التي يقيم بها في تونس
العاصمة ترسم سياسات المنظمة الكبيرة و الصغيرة .
و للأسف لم يكن بلعاوي وحده
الذي يوجّه سهامه للمعارضة ، فإن (الطرف الآخر) و هي التسمية التي تم إطلاقها على
(إسرائيل) من قبل المسؤولين الفلسطينيين بعد اتفاق أوسلو ، كان مستمراً في سياسته و
مصالحه كما يراها ، أو الأصح أنه كان مصمّماً على الاستمرار فيها : الاغتيالات
للمعارضة ، بعد أن أيقن أن الثوار القدامى اتخذوا ليس قراراً بالتقاعد فقط بل إنهه
مستعدون لأبعد من ذلك : لجم معارضي السلام (الإسرائيلي) .. ! .
و كان أول ضحاياها ، في عصر
"السلام الإسرائيلي" : الشهيد هاني عابد .
كانت منظمة التحرير تتغير
بسرعة، وبقيت إسرائيل لا تتغير..!
و إذا كان اغتيال عاطف بسيسو
(8/6/1992) آخر طلقة من بندقية ميونخ ، و التي أمرت بإطلاقها غولدا مئير التي كانت
شبعت موتاً في قبرها ، فإن اغتيال هاني عابد (2/11/1994) ، شكّل استمراراً لسياسة
(إسرائيل) التي لا تتغير ، و التي ازدادت دموية مع كل تنازل جديد كانت تقدّمه
القيادة الفلسطينية .. !
و لكن لا أحد يريد أن يتّعظ
..!
|