|
الفصل الثالث
الكف
و المخرز
الأول
في أثناء البدء بتطبيق
اتفاقيات الحكم الذاتي ، سمحت (إسرائيل) لرجالٍ من منظمة التحرير متهمون بالمشاركة
بتدبير عملية ميونخ و التي قتل فيها عشر من الرياضيين الصهاينة ، بالدخول إلى
فلسطين ، و بدا حينها للمراقبين بأن (إسرائيل) تخلّت عن سياستها بالإعدام و
الاغتيال ، إلا أن حادثاً وقع في تلك الفترة له دلالته نسف تلك الفرضية .
ففي الساعة الثالثة من عصر يوم
2/11/1994 خرج هاني عابد أحد مسئولي الجهاد الإسلامي ، الذي كان يدير مكتب أبرار
للصحافة بغزة ، ذو العلاقة بحركة الجهاد الإسلامي ، و يعمل محاضراً في كلية العلوم
و التكنولوجيا بخانيونس من الكلية ، بعد انتهاء عمله ، و ركب سيارته من نوع (بيجو
104) و عندما أدار محرّكها انفجرت السيارة و سقط هاني عابد شهيداً ، و الذي اتهمته
(إسرائيل) بتدبير عملية عسكرية استهدفت جنديين صهيونيين قرب حاجز بيت حانون (أبرز)
في العشرين من أيار 1993 . و وصفته صحيفة هآرتس العبرية بعد اغتياله بأنه رئيس
الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في قطاع غزة .
و فور اغتياله ، اتهمت الفصائل
الفلسطينية (إسرائيل) بتدبير الاغتيال ، و في صيف 1997 قال الوزير في السلطة
الفلسطينية فريح أبو مدين أثناء ردّه على منتقدين للسلطة ، في اجتماع مفتوح في قاعة
الاتحاد النسائي العربي في مدينة بيت لحم ، إنه أعطى مسدسه الشخصي للشهيد عابد و
حذّره من الاغتيال ، و ربما عنى ذلك أن السلطة كانت لديها معلومات حول المستهدفين
من قبل (إسرائيل) .
و عابد ، المولود في عام 1960م
في غزة لأسرة فلسطينية بسيطة و متدينة ، واحد من جيل فلسطيني خطا خطواته الأولى مع
الاحتلال لباقي الأراضي الفلسطينية عام 1967م ، و كان مقدّراً لهاني أن يشهد اعتقال
والده عام 1971م على يد الاحتلال بتهمة مقاومة الاحتلال ، و سيتذكر فيما بعد دائماً
، الزيارات التي كان يقوم بها مع والدته لوالده في السجن .
و في عام 1980م التحق بالجامعة
الإسلامية بغزة ، و هناك اقترب من مجموعة طلابية صغيرة ، في ذاك الوقت ، بخلاف
الأطر الطلابية الوطنية و القومية و اليسارية المتعددة ، كان اتجاهها إسلامياً .
و حسب سيرة شبه رسمية ، فإن
عابد ، خلال اقترابه من هذه المجموعة فإنه (عرف أن فلسطين و الإسلام توأمان لا
ينفصلان ، و أن مرحلة جديدة سوف يحمل فيها أبناء الإسلام راية الدفاع عن فلسطين
آتية لا محالة) .
و في تلك الأثناء التقى مع
الدكتور فتحي الشقاقي ، المثقف الفلسطيني العضوي ، نادر المثال ، الذي أسس حركة
الجهاد الإسلامي في فلسطين ، تلك الحركة ، التي كان مقدّراً لها أن تلعب دوراً
بارزاً بجانب فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية الأخرى .
و بعد تخرّجه من الجامعة عام
1984م من كلية العلوم قسم الكيمياء ، أكمل دراسته للماجستير في جامعة النجاح
الوطنية عام 1988م ، و كان التيار الإسلامي في الحركة الطلابية في تلك الجامعة
يتعاظم دوره .
و اعتقل عابد ، لأول مرة عام
1991م ، و أمضى ستة أشهر في معتقل النقب الصحراوي ، و بعد خروجه تولى مسؤولية
الجماعة الإسلامية ، و هي الإطار الطلابي السياسي العلني لحركة الجهاد الإسلامي في
الجامعات الفلسطينية ، و فيما بعد أصبح مسؤولاً إعلامياً في حركة الجهاد الإسلامي
من خلال تأسيسه لجريدة الاستقلال في قطاع غزة و لمكتب أبرار للصحافة .
و بعد قيام السلطة الفلسطينية
أصبح هاني عابد ، أول معتقل سياسي لدى السلطة ، بعد قيام مجموعة عسكرية تابعة
للجهاد الإسلامي بتنفيذ عملية عسكرية شمال قطاع غزة أسفرت عن مقتل ثلاثة من جنود
الاحتلال ، و اتهام (إسرائيل) لهاني عابد بالتخطيط للعملية .
و كان هذا الاعتقال مرحلة هامة
في حياته و في مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية ، و كانت بداية لخلافات من نوع جديد
بين فرقاء الحركة الوطنية و الإسلامية الفلسطينية ، فالسلطة الفلسطينية كانت محكومة
باتفاقيات و رؤى ، و تحاول فرض تصوّرها للعلاقة مع (إسرائيل) على الآخرين ، في حين
كانت فصائل أخرى ، و من بينها الجهاد الإسلامي الذي ينتمي إليها عابد ، ترى أن من
حقّها الاستمرار في النضال و القيام بعمليات ضد الاحتلال ، الذي أعاد تموضع قواته
في الأراضي الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو الذي أفرز السلطة الفلسطينية ، و لم ينسحب
منها .
و شكّل الاعتقال ما يشبه
(الصدمة) لأوساط في الرأي العام الفلسطيني لم يكن بمقدورها هضم مسألة أن تقوم
السلطة الفلسطينية باعتقال أحد (لأسباب وطنية) .
و يمكن استشفاف ذلك من البيان
الذي أصدرته حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين في اليوم التالي للاعتقال (القدس/
27/5/1994م)
و تميز البيان بقسوة نسبية
اتجاه السلطة (لقد أقدمت أجهزة الأمن الفلسطينية في غزة و التي يترأسها المدعو أمين
الهندي على اعتقال الأخ هاني عابد ، أحد الشخصيات و الفعاليات الإسلامية البارزة و
المعروفة في مدينة غزة ، حيث اختطفته من مقر عمله ، و أودعته سجن غزة المركزي و
هكذا تفتتح أجهزة القمع الصهيونية التي يفترض أنها غادرت غزة قبل أقل من أسبوعين و
لكن يبدو أنها تركت وكلاءها و مندوبيها لإكمال الدور الصهيوني و لأجل الحفاظ على
أمن الكيان الصهيوني) .
و يمضي البيان غاضباً مستهجناً
رابطاً بين سلطة الاحتلال و السلطة الفلسطينية الجديدة (ليعلم أمين الهندي و غيره
من الزبانية الجدد أنهم برغم مديح و ثناء إسحاق رابين عليهم بأنهم يقومون بدورهم
على أكمل وجه ، فإنهم ارتكبوا عملاً خطيراً و غبياً عندما اختطفوا الأخ هاني عابد ،
فالذين قاوموا الاحتلال و الإرهاب الصهيوني ببسالة شهدها و شهد لها العالم لن
ينكسروا أمام أي إرهاب جديد) .
و رأت مصادر في الجهاد
الإسلامي في حينه ، أن اعتقال هاني عابد بمثابة (رهينة سياسية حتى نوقف عملياتنا
الجهادية) كما قال الأمين العام للحركة الشهيد فتحي الشقاقي في تصريح نشرته صحيفة
الحياة اللندنية (5/6/1994م) .
و أشار الشقاقي في تصريحه ذاك
، إلى أنه أجرى اتصالات غير مباشرة مع الرئيس عرفات و قيادة منظمة التحرير لإطلاق
سراح هاني عابد ، و بأنه أبلغ تلك القيادة و عرفات ، بشكلٍ غير مباشر أيضاً ، أن أي
اعتقال (لإخواننا سيصعّد من العمل العسكري ضد الاحتلال كي نبرهن لهم بأنه لا يمكن
ابتزازنا عن طريق اعتقال أحد إخواننا في الحركة ، و أنه طالما بقي عابد معتقلاً ،
فسنصعّد العمل العسكري ، و لن يكون استمرار إيقاف عابد سبباً لإيقاف العمل العسكري)
.
و بالمناسبة اعتبر الشقاقي أن
العمليات التي نفّذها الجناح العسكري للجهاد المعروف باسم (قسم) ، كشفت بأن
(الانسحاب "الإسرائيلي" من غزة لم يكن حقيقياً ، و السيادة "الإسرائيلية" لا زالت
موجودة و أن مرجعية الإدارة الفلسطينية هي "إسرائيل") .
و خرج هاني عابد ، أول معتقل
سياسي فلسطيني لدى السلطة الفلسطينية ، من السجن ، و في حين كانت سلطات الاحتلال
فشلت باعتقاله قبل إعادة تموضع قوات الاحتلال في قطاع غزة بنحو أسبوع ، بعد أن
حاصرت منزله في حي الغفري بمدينة غزة ، و لكنه كان قرّر عدم تسليم نفسه لهم ، فإنها
نجحت باغتياله ، بعد أن أنهى عمله في كلية العلوم و التكنولوجيا ، و ركب سيارته
متوجّها لعمله الإعلامي ، و ما إن أدار المحرك حتى انفجرت به السيارة و خرّ شهيداً
، ليكون أول شهيد يتم اغتياله في المرحلة التي أطلق عليها مرحلة السلام ، مثلما كان
أول معتقل سياسي فيها .
و رغم أن (إسرائيل) التزمت
الصمت حول حادث الاغتيال ، و لكن هناك لدى متهمي (إسرائيل) بتدبير الاغتيال مبررات
لاتهامهم خصوصاً و أن الاغتيال جاء بعد تهديدات أطلقها إسحاق رابين ، رئيس وزراء
(إسرائيل) وقتذاك ، باتخاذ إجراءات ضد نشطاء حماس و الجهاد الإسلامي بعد عملية تل
أبيب الاستشهادية في حينه ، على نحو ذكّر بما فعله بن غوريون في الخمسينات و غولدا
مائير في السبعينات .
و بتاريخ 23/10/1994 أكّدت
صحيفة (الأوبزيرفر) البريطانية ، أن رابين أعطى أوامره بملاحقة قادة فلسطينيين .
و في مقال افتتاحي بعد اغتيال
عابد كتب صحيفة هآرتس العبرية بعنوان (الثواب و العقاب) مذكرة بسلسلة الاغتيالات
التي نفّذتها "إسرائيل" بعد عملية ميونخ .
و اعترفت هآرتس أن عمليات
الانتقام "الإسرائيلية" قد تخطيء هدفها أحياناً (و هو أمر مؤسف) حسب الصحيفة ، و
لكنها قالت بوضوح ، و هي تتخلى عن رصانتها ، (إذا كان هاني عابد قد تورّط في عمليات
قتل فإنه لا يستحق اعتذاراً ، بل لقي العقاب الذي يستحقه) .
و ربطت معظم الصحف الصهيونية ،
التي خصّصت مساحات واسعة لتغطية حادث اغتيال عابد ، بين تهديدات رابين و حادث
الاغتيال . و هو ما يؤكّد مسؤولية "إسرائيل" عن اغتيال عابد بعملية إعدام غير قضائي
كما تسمّي ذلك منظمات حقوق الإنسان ، و أن "إسرائيل" مستمرة به حتى أثناء (العملية
السلمية) و هو ما أكّده الواقع بعد ذلك .
و بعد حادث الاغتيال ، قال
الدكتور الشقاقي إن الموساد وضع هاني عابد على رأس قائمة التصفيات بناء على قرار
رابين ، و تنفيذاً لتهديداته ضد حماس و الجهاد الإسلامي .
و أضاف الشقاقي ، في حديث
لصحيفة العرب (10/11/1994م) أن قادة "إسرائيل" يدّعون أن (هاني عابد مسؤول عسكري في
الجهاد الإسلامي ، و كان مسؤولاً عن مقتل عددٍ من الجنود الصهاينة ، و نحن نؤكّد أن
هاني كان من نشطاء الجهاد الإسلامي بالفعل ، و لكنه كان سياسياً ، إضافة لكونه
أستاذاً جامعياً و صحافياً ، و عندما فشلوا في معرفة القادة العسكريين قاموا بتصفية
هدف سياسي سهل) .
و ردّاً على سؤال للصحيفة إذا
كانت حركة الجهاد تتهم السلطة الفلسطينية بالتعاون في قتل هاني عابد ، أجاب الدكتور
الشقاقي (لا نتهم السلطة بمحاولة القتل ، و لكن السلطة تغض النظر عن عملاء الموساد
الصهيوني الذين يحملون ضمانات بعدم التعرض لهم ، بل إن عملاء الموساد يخترقون هذه
السلطة بقوة و في مستويات عديدة و هامة و من المفروض أن تتحمّل السلطة مسؤولية
حماية المواطنين أو تعلن عن عجزها لتقوم القوى المجاهدة بهذه المسؤولية) .
و مثلما يحدث عادة ، فإن
الصهاينة ينسون أنهم لا يستطيعون وحدهم رسم معادلة (الثواب و العقاب) حسب تعبير
صحيفة هآرتس ، فبعد أيام قليلة من اغتيال عابد ، و في حين كان أصدقاؤه و مناصرو
القوى الوطنية و الإسلامية يحضرون حفلاً لتأبينه في غزة (11/11/1994م) ، انطلق أحد
تلامذة الشهيد عابد و اسمه هشام حمد ، راكباً دراجته الهوائية ، متمنطقاً
بالمتفجرات ، في عملية استشهادية ، مقتحماً تجمعاً عسكرياً قرب مستوطنة نتساريم ،
ففجّر نفسه فيها ، انتقاماً لهاني عابد ، فقتل خمسة من جنود الاحتلال ، و أصاب عشرة
آخرين ، حسب مصادر صهيونية .
و أعلنت حركة الجهاد أن تلك
العملية هي واحدة من سلسلة عمليات جهادية انتقاماً لعابد ، و هو ما حدث بالفعل ،
خلال الأشهر التالية ، في عمليات كان لها صدى كبير ، مثل العملية التي فجّر فيها
الشهيد خالد الخطيب سيارة كان يقودها في حافلة عسكرية ، في مستوطنة كفار داروم ،
أسفرت عن قتل عشرة جنود يوم (9/4/1995م) ، و العملية الكبرى في بيت ليد التي نفّذها
الشهيدان : صلاح شاكر و أنور سكر ، و فيما بعد اعتبرت "إسرائيل" هذه العمليات و
غيرها مبرراً لقتل زعيم الجهاد الإسلامي فتحي الشقاقي .
عندما استشهد هاني عابد ، كان
أربعة من البنين و البنات ، و كانت زوجته حاملاً ، ولدت بعد استشهاده بنتاً ،
أسموها (قسم) تماهياً مع اسم الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي ، و التي خرج
منها استشهاديون ، كانوا مع غيرهم من الاستشهاديين ، أنبل ظاهرة ، في عصر الانحطاط
العربي .
|