الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

 

 

تغييب المعلم

 

و بتاريخ 25/10/1995 الساعة الواحدة ظهراً و بينما كان رجل يحمل جواز سفر ليبيا باسم (إبراهيم الشاويش) يخرج من فندق (الدبلوماسي) بحي (سليمة) بجزيرة مالطا ، كان رجلان ينتظرانه خارج الفندق ، و تقدّم منه أحدهما و أطلق على رأسه خمس رصاصات من مسدسٍ كاتم للصوت و قفز على دراجة نارية كان يقودها زميله .

و سقط إبراهيم الشاويش ، الذي عرف بعد (24) ساعة باسمه الحقيقي الدكتور فتحي الشقاقي ، أمين عام حركة الجهاد الإسلامي الشاب ، الذي هجّرت عائلته من قرية زرنوقة قضاء يافا عام 1948 ، و كان من الجيل الأول من أبناء اللجوء الفلسطيني الذي رأى النور في المخيمات ، فهو من مواليد عام 1951 في مخيم رفح على الحدود المصرية الفلسطينية ، درس في جامعة بيرزيت في الضفة الغربية و عمل مدرساً في القدس ، و توجّه إلى مصر و درس الطب و عمل طبيباً في مستشفى أوغستا فكتوريا على جبل الزيتون بالقدس .

هذا الرجل كان موضوع النقاش في أحد البيوت السرية التابعة للموساد في تل أبيب ، بعد أن تأكّد مدير الموساد شبطاي شفيت من أجندة تحركاته المقبلة ، و ذلك ، حسب معلومات يعتقد أن شافيت نفسه سربها ، بعد أن راقب عميل للموساد في دمشق ، حيث كان يقيم الشقاقي منفياً ، منزل الشقاقي مستعيناً بجهاز أمريكي إلكتروني مطوّر استطاع إبطال عمل قاطع الردارات الدفاعية في نظام الاتصالات المثبت في شقة الشقاقي .

تقرّر في تل أبيب خطة اغتيال الشقاقي بعد خروجه من دمشق إلى ليبيا و عودته عن طريق جزيرة مالطا ، و ناقش خطة الاغتيال ، في ذلك البيت السري في ضواحي تل أبيب : شبطاي شافيت : مدير الموساد ، و أوري ساغي : مدير الاستخبارات العسكرية ، و دوري تامير : كبير ضباط الاستخبارات في الجيش الصهيوني ، و وضع هؤلاء اللمسات الأخيرة على خطة الاغتيال .

في 24/10/1995م غادر عميلا الموساد : جيل و ران تل أبيب ، و وصلا جواً بجوازي سفر بريطانيين إلى مالطا : ران من أثينا ، و جيل من روما ، و نزلا في فندق دبلومات الذي نزل فيه الشقاقي في الليلة السابقة بعد قدومه من ليبيا .

و في هذه الأثناء ، و كما يروي الصحافي جوردان طوماس ، كانت سفينة شحن (إسرائيلية) تتخذ لها موقعاً قرب جزيرة مالطا ، بعد أن أبحرت من ميناء حيفا ، و اتصل ربانها بالسلطات المالطية لإخبارها بأن عطلا أصابها و لذلك ستبقى بالقرب من الشاطئ حتى إصلاح العطل . و الذي لم يكن يعرفه أحد هو وجود شبطاي شافيت الرجل الأول في الموساد و مخطّط العملية على ظهر السفينة يعاونه فريق متخصص بالاتصالات كانوا على اتصال مع عميلي الموساد بواسطة أجهزة لاسلكية .

و في اليوم التالي 25/10/1995م أطلق أحد عملاء الموساد النار على الشقاقي و فرّ على دراجة كانت تنتظر يقودها العميل الآخر ، و اختفيا الإثنان و استقلا زورقاً إلى حيث السفينة الصهيونية (المعطلة) ، التي لم تعد كذلك حيث اتصل ربانها من جديد مع السلطات المالطية و أخبرهم أنه تم إصلاح العطل و أن السفينة ستعود إلى ميناء حيفا للمزيد من عمال الصيانة .

و هكذا تم اغتيال الشقاقي الذي بدأ نشاطاته التنظيمية منذ منتصف الستينات ، حيث أسس كما قال و هو لم يتجاوز الخامسة عشر عاماً ، تنظيماً شبابياً صغيراً تأثراً بتجربة عبد الناصر ، و في نهاية السبعينات من القرن العشرين كان أحد المؤسسين الرئيسين لما عرف باسم حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين ، و أصبح زعيماً لهذه الحركة التي كانت الحركة الإسلامية التي تدخل ميدان العمل الوطني الفلسطيني ، الذي كان (حكراً) على التيارات الوطنية و القومية و اليسارية .

و كثيرون من الباحثين يعتقدون أن الفترة التي قضاها في مصر كان لها تأثير كبير و مهم عليه ، خصوصاً و أنها توافقت مع ثورة الخميني في إيران ، و بلغ تأثره بتلك الثورة إلى حدٍّ جعله يضع كتاباً عن تلك الثورة مما عرضه للاعتقال في مصر و كان ذلك عام 1979م .

 و تعرّض للاعتقال على أيدي سلطات الاحتلال عدة مرات بين عامي 1983 و 1986 ، ثم أبعدته سلطات الاحتلال عن فلسطين في شهر آب 1988 ، بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الكبرى في فلسطين .

و بعد عملية الاغتيال اتجهت الاتهامات من جديد ، إلى الموساد و وجدت الدراجة النارية فيما بعد و هي تحمل لوحة مزورة ، و لم يظهر عليها بصمات ، و كما هو متوقع لم تفلح الشرطة المالطية بالقبض على القاتلين .

و كما ذكرنا ، لم يكونا فقط قاتلين ، بل كانت هناك شبكة كاملة من الموساد شاركت في الاغتيال ، و هذا ما كان يعرفه الجميع حتى أن المعلق الصهيوني البارز زئيف شيف قال في لقاء بثه التلفزيون العبري في 29/10/1995 (إنني لا أصدق أن أمراً كهذا يمكن أن يحدث فقط بوجود شخصين) . و أضاف : (إن أولئك الذين يقومون بالضغط على الزناد ليسوا وحدهم و إنما وراءهم الكثير من عملاء الموساد) .

و كان معروفاً للمراقبين أن الموساد استهدف الدكتور الشقاقي بعد سلسلة عمليات استشهادية تبنّتها حركة الجهاد الإسلامي التي يتزعمها الشقاقي ، و هزّت الكيان الصهيوني .

و بعد استشهاده ، استعرضت صحيفة (يديعوت أحرنوت) العبرية قائمة جزئية للعمليات التي تنسبها (إسرائيل) لحركة الجهاد الإسلامي ، و لسان حالها يقول (لهذا السبب تم اغتياله) و من بين هذه العمليات :

·مقتل خمسة (إسرائيليين) طعناً بالسكاكين في أسواق غزة (1986) .

·مقتل الرائد رون طال قائد الشرطة العسكرية (الإسرائيلية) في قطاع غزة (2/8/1986) .

·مقتل ضابط المخابرات (الإسرائيلية) لمنطقة جباليا في كمين (22/9/1087) .

·مقتل فكتور أرجوان مدير الشاباك (الإسرائيلي) في قطاع غزة (5/10/1987) .

·قيام عضو في الجهاد بالسيطرة على الحافلة (405) المتجهة من تل أبيب إلى القدس ، و حرف مسارها نحو وادي مما أدّى إلى مقتل 16 شخصاً و إصابة 25 آخرين (6/7/1989) .

·مقتل و إصابة العشرات من (الإسرائيليين) في عمليات نفّذها حاملو السكاكين (ما بين عامي 1989 - 1993) .

·مقتل امرأة صهيونية و إصابة سبعة آخرين بعد انفجار عبوة ناسفة تحت سيارة كانت تمر قرب مستوطنة متتياهو (17/10/1992) .

·مقتل قائد وحدة مكافحة الإرهاب في شرطة (إسرائيل) و اثنين من الجنود في اشتباك مع عنصرٍ من الجهاد الإسلامي في جنين (11/12/1992) .

·سائق شاحنة ينتمي للجهاد الإسلامي يهاجم قافلة سيارات تابعة للإدارة المدنية فيقتل مدير الضرائب في مدينة غزة و اثنين آخرين مرافقين له (2/8/1993) .

·صعد مسلح إلى الحالفة (461) في مفترق طرق حولون ، و أطلق النار على الركاب مما أدّى إلى مقتل شخص واحد (5/12/1993) .

·عضو في الجهاد الإسلامي يقتل مسئول آمن المستوطنات في منطقة لخيش و يصيب عدة جنود بجراح (7/4/1994) .

·قتِل الجنديان أرز بن باروخ و موشيه بورقة ، جرّاء إطلاق النار عليهما قرب حاجز آيرز في قطاع غزة (20/5/1994) .

·عملية استشهادية استخدمت فيها دراجة هوائية ، قرب مستوطنة نتساريم ، أدّت إلى مقتل ثلاثة ضباط و جنديين و إصابة أربعة من حرس الحدود بجروح (11/11/1994) .

·عمليتان استشهاديتان في مفترق طرق بيت ليد ، أدّتا إلى مقتل 22 جنديا و إصابة 68 بجروح (22/1/1995) .

·عملية استشهادية بسيارة ملغومة قرب الحافلة (26) في مستوطنة كفار داروم ، مما أدّى إلى مقتل ثمانية منهم سبعة جنود و إصابة 35 بجروح.

و ربما اتخذ قرار اغتيال الشقاقي منذ فترة بعد تصاعد عمليات الجهاد الإسلامي و تأكّد مسئوليته المباشرة عنها بالنسبة للصهاينة ، و لكن على الأرجح أن العمليات الاستشهادية المتصاعدة سرّعت في تنفيذ القرار ، و هو ما كان يشعر به الجميع و أولهم ، بالطبع الشقاقي نفسه .

و يمكن الإشارة إلى عملية بيت ليد الاستشهادية التي نفّذها استشهاديان من حركة الجهاد يوم 22/1/1995 و التي أسفرت عن مقتل 22 جنديا صهيونياً ، و إصابة العشرات غيرهم كانوا ينتظرون في مفرق بيت ليد ، و تتفق المصادر الفلسطينية و الصهيونية عن مسئوليته عن تلك العملية التي أثارت في حينه ضجة كبيرة ، و كان لا بد للصهاينة من التخلص منه .

و بعد هذه العملية التي رفعت أسهم الشقاقي و حركته ، أدلى بحديث لجريدة المجد الأردنية (24/1/1995) قال فيه : (يهمنا أن نؤكد مجدداً بمناسبة عملية بيت ليد البطولية أن المبرر الأساسي لتشكيل و استمرار حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين هو مواجهة العدو مواجهة شاملة و الكفاح المسلح هو ذروة هذه المواجهة الشاملة ، و هذه العملية تأتي في سياق جهادنا المستمر منذ سنوات رغم إمكانياتنا الضعيفة و المحدودة بسبب صعوبات كثيرة) .

و يقرّ الشقاقي أن تلك العملية و العمليات المشابهة هي ضمن خطة لإفشال ما اعتبره سلاماً مدنساً يعطي كل شيء للصهاينة و لا يعطي للشعب الفلسطيني إلا الهباء .

و أضاف الشقاقي إلى كلامه أن حركته (في سباق مع ما يسمونه عملية السلام التي نعتبرها محاولة لتكريس الاحتلال الصهيوني لفلسطين كل فلسطين ، و محاولة لاختراق كل منطقة الحوض العربي الإسلامي و فرض الهيمنة الأمريكية - الصهيونية على كل هذه المنطقة و صناعة شرق أوسط جديد يكون العدو الصهيوني فيه القوة الأساسية و المركزية ، و تلغي فيه دور الدول التاريخية من سوريا إلى مصر إلى العراق إلى إيران إلى الرياض ليبقى الدور فقط لهذا العدو الصهيوني ، الذي يريد أن تكون العلاقات بين الدول علاقات اقتصادية بعيدة عما يريد أن يوهمنا أنه أوهام الأيدلوجيا و أوهام الصراع القومي و أوهام صراع الحضارات) .

و رداً على تهديدات رئيس وزراء (إسرائيل) إسحاق رابين بالانتقام من منفّذي عملية بيت ليد التي أثارت ضجيجاً كبيراً قال الشقاقي : (يبدو أن "الإسرائيليين" لم يدركوا بعد أننا نحبّ الموت كما يحبون الحياة ، و كأنهم لم يلحظوا أن كلّ محاولاتهم للقتل و الاغتيال لم تكن إلا لتزيد الثورة اشتعالاً ، .. هذه قضية عادلة لشعبٍ كله مظلوم و لأمة تريد أن تحيا خارج سيطرة القوى الكبرى ، و خارج هذه الهيمنة المستمرة منذ عشرات السنين) .

و أضاف : (.. و كأن رابين ، الذي يهدّد و يتوعد ، لم يلاحظ مثلاً أن اغتيال تهاني عابد أحد نشطاء و مسئولي حركة الجهاد الإسلامي جعل مزيداً من الشباب أكثر استعداداً للاستشهاد ، و جعل العديدين ينضمون للمجموعات الاستشهادية التابعة للجهاد الإسلامي) .

كان منفّذو العمليات الاستشهادية يعملون في تلك الفترة التي تم التبشير فيها بما عرف باسم (عملية السلام) في ظروف غاية في الصعوبة و بأجواء ملبّدة ، فعدا عن ملاحقة أجهزة السلطة لهم ، فقد كان كثيرٌ من النخب الفلسطينية المثقفة و السياسيين و الأكاديميين يرون فيما يقومون به نوع من "الانتحار" ، و كان مؤلماً جداً أن يستنكر هؤلاء تلك العمليات ، و دون يولوا انتباهاً ، كانت تستحقه ظاهرة من أنبل ظواهر العمل الوطني الفلسطيني و الإنساني : العمل الاستشهادي ..!

و في حين مثلاً كان إحراق الرهبان البوذيين لأنفسهم احتجاجاً على العدوان الأمريكي لفيتنام يثير العالم ، و ينبه لعدالة القضية الفيتنامية ، و يكسبها احتراماً متزايداً ، فإن العمل الاستشهادي في فلسطين ، على الأقل في تلك السنوات المغبرة تعرّض لظلم كبير ، و إذا كان يصح لي التدخل هنا لتسجيل ملاحظة في هذه القضية لقلت ، بكثير من الموضوعية إن موقف تلك النخب بالنسبة للعمل الاستشهادي هو وصمة عار في جبينها ..!

و ظلم كبير لرجل بحجم فتحي الشقاقي .. ، الذي كان يبشّر سياسياً بأهمية ما يقوم به رجاله لتحقيق الهدف الاستراتيجي من خلال الموقف من (فلسطين كنواة لمشروعنا النهضوي) كما قال في حديث لجريدة الشرق الأوسط (17/3/1995) معتبراً القبول بشعار إقامة دولة فلسطينية بجانب (إسرائيل) تقزيماً للمسألة .

و كان يعرف أن هذا الموقف هو حقيقة سباحة ضد التيار كما وصفها سؤال لجريدة الشرق الأوسط ، و ردّ عليه (تضطر في أحيان كثيرة أن تسبح ضد التيار لتنقذ نفسك أو تنقذ آخريين ، كلّ الأنبياء سبحوا ضد التيار و لو في البداية على الأقل ، و هكذا فعل كلّ الثوار العظام و المبدعين ، السباحة ضد التيار أمر صعب و لكنه ليس عيباً أو خطأ و في أحيان كثيرة يكون عين الصواب) .

و في حديث لمجلة الوسط اللندنية (30/1/1995) تحدّث عن أهمية (العملية الأخيرة) التي نفّذها رجاله في حينه قائلاً : (إنه تأتي في سياق جهادنا و نضالنا المستمر ضد الاحتلال منذ سنوات ، و لكننا في هذه المرحلة نجد أنفسنا في سباق مع المشروع الأمريكي - الصهيوني الذي يراد فرضه على المنطقة) .

و يقول إن رجاله الذين نفّذوا تلك العملية أرادوا ، بالإضافة إلى أمور كثيرة ذكرها تعليم الأمة درساً (مفاده أننا بالإرادة نستطيع أن نفعل كل شيء ، و أن عملية بإمكانيات بسيطة كهذه يمكن أن تحدث هذا الزلزال) .

و بعد كل عملية كانت (إسرائيل) تطلق تهديدات بالانتقام ، و رداً على تهديدات إسحاق رابين قال الشقاقي للوسط (30/1/1995) إن الشعب الفلسطيني يخوض منذ عقود معركة متواصلة و يواجه التهديد منذ قيام (الكيان الصهيوني) .

و قال الشهيد الشقاقي ، بما يمكن اعتباره ، درباً اختاره الرجل بكل قناعة : (عندما بدأنا نحن هذا الطريق ، كنا نعرف أن تكاليفه صعبة جداً ، لكن هذا واجبنا و خيارنا المقدس ، على المستوى الشخصي لا تهمّني التهديدات ، و أنا أعتقد أني عشت أكثر مما كنت أتصوّر ، و دم الشهداء هو الذي ينجب المزيد من المقاتلين و يصعد المواجهة ضد الاحتلال) ..

و كان هناك تصاعداً ، في داخل (إسرائيل) بالدعوة للانتقام من الشقاقي ، حتى أن آرييل شارون أحد زعماء حزب الليكود دعا إلى ترحيل كلّ من له صلة بعائلة الشقاقي من فلسطين رداً على عمليات الجهاد الإسلامي الاستشهادية ، و رداً على سؤال لصحيفة الشرق الأوسط السعودية (17/3/1995) للدكتور الشقاقي عن (موقفكم في حال تنفيذ طلب شارون) قال الشهيد : (الشعب الفلسطيني هو الذي يحارب الاحتلال و ليست هذه العائلة أو تلك و أنا ابن الشعب الفلسطيني و ابن فلسطين قبل أي شيء ، أرض فلسطين بالنسبة لي فرض صلاة لا أساوم عليها تحت أي ظرف من الظروف ، و أعتقد أن "الإسرائيليين" الذين صارعتهم و صارعوني في غرف التحقيق و التعذيب ، يدركون جيداً أنه لا يغرني أي ترغيب ، و لا يخيفني أي ترهيب ، و أنا أحيل آرييل شارون و قبله إسحاق رابين لقراءة جلسة المحكمة العسكرية الاستشارية التي نظرت في مسألة إبعادي عام 1988 ، لقد قلت لهم في قاعة المحكمة : لا أدري بأي صفة أخاطبكم ، إن كنتم ممثلين للشعب اليهودي فكيف تتكلمون عن عذابات اليهود في التاريخ و اضطهادهم ثم تأتون اليوم لتمارسون التعذيب و الاضطهاد ضد شعب آخر ، و إن كنتم تمثّلون الحركة الصهيونية فاعلموا أنني سأقاتل الحركة الصهيونية حتى آخر قطرة من دمي طالما أن الحركة الصهيونية تحلّ مشاكل اليهود على حساب شعبنا ، و إن كنتم تمثلون دولة (إسرائيل) فلا أراكم مؤهلين للنظر في قضية إبعادي من وطني كما أبعدتم والدي من قريته قبل أربعين عاماً) .

و يمكن أن يتفق جميع الشعب الفلسطيني مع ما ذهب إليه الدكتور الشقاقي في وصفه لمدى شرعية الاحتلال و لكن هذا لم يشكّل سبباً كافياً لمنع إبعاد والده (و معه آلاف من أبناء الشعب الفلسطيني) و إبعاده ( مثل آلاف غيره) و أخيراً تنفيذ حكم الإعدام فيه (مثل عشرات غيره) .

و كانت سلطات الاحتلال اتخذت بالفعل إجراءات ضد زوجة الشقاقي و أبنائه عندما عادت زوجته (فتحية الخياط) إلى مسقط رأسها بالقدس ، بعد أن زارت زوجها المبعد ، و تعرّضت فتحية إلى مضايقات كثيرة من المخابرات الصهيونية و إلى استجوابات و أخيراً إلى الإبعاد فقط لكونها زوجة الدكتور الشقاقي .

و في مقال له في صحيفة يديعوت أحرنوت بتاريخ 27/11/2000 انتقد فيه المستشرق غي باخور سياسة الاغتيالات كتب (بات من المألوف أن نسوق اغتيال زعيم الجهاد الإسلامي فتحي الشقاقي في عام 1995 ، كمثالٍ للنجاح السياسي للاغتيالات ، ذلك لأن عمليات الجهاد الإسلامي انخفضت جداً بعده ، و لكنها سريعاً ما تجدّدت) .

و لكن الأمر لم يكن بنفس وجهة النظر هذه لدى اغتيال الشقاقي ، فمثلاً كتب زئيف شئيف في هآرتس بعد اغتيال الشقاقي ، مقارناً بين اغتياله و اغتيال آخرين كان جرى نقاش داخليّ و تباين وجهات النظر ، كما يقول في قرار تنفيذ الاغتيال مثلما حدث مع أبي جهاد عام 1988 الذي كان لديه استعدادٌ لحل سلمي مع (إسرائيل) ، أو عباس موسوي الذي (على الرغم من أنه دعم أيديولوجيا فكرة تصفية الدولة اليهودية ، فإنه لم يفجّر الباصات في المدن (الإسرائيلية) ، و كان مستعداً أن يكتفي بانسحاب الجيش من جنوب لبنان) .

و لكن لماذا كان الشقاقي ، حسب وجهة النظر (الإسرائيلية) مختلفاً ؟

يقول شيف في مقاله إن الشقاقي لم يكن لديه ذرة استعداد للتوصل إلى حلّ سلمي ، و أن منظمته عارضت (حتى  وقف إطلاق نار مؤقت ، و بذلك تحوّلت عملياً لعدو عملية السلام) . و يقول شيف إن قتل الشقاقي رسالة موجهة إلى من يرسلوا (الانتحاريين) و يجلسون في الخلفية مرتاحين ، أنهم هم الهدف أكثر من (المنتحر) نفسه .

و يعبر شيف عن التيار الغالب في (إسرائيل) الذي يرى أن هناك جدوى لعمليات الاغتيال لأشخاص يرونهم مثل الشقاقي ، معتبراً ذلك جزءاً من حرب مستمرة فرضت على "الإسرائيليين" (لا نكسبها بضربة واحدة ، بل على مراحل و بالقدرة على الصمود) ..

و بعد أن يعترف أن هناك أمثلة لـ (إرهابيين لم يساهموا كثيراً في الحرب) يعطي أمثلة على آخرين أثبت سلاح التصفية نجاعته (كان في الجهاد الإسلامي تيار مهم بقيادة حمدي سلطان ، ثلاثة من زعمائه تم اغتيالهم في شباط 1988 في لارنكا ، و منذ ذلك الوقت غاب هذا التيار عن الساحة ، و هناك اغتيال زهير محسن في تموز 1979 قائد الصاعقة ، التي كانت التنظيم الثاني بقوته  حجمه بعد فتح ، أدّى الاغتيال إلى الانهيار البطيء للتنظيم) .

**

لدى ظهور فتحي الشقاقي على ساحة العمل الوطني الفلسطيني ، كان الانطباع عنه أنه مختلف ، و ربما كان تنظيمه أول تنظيم فلسطيني يخرج من (عباءة) الاحتلال الصهيوني للضفة الغربية و قطاع غزة عام 1967م ، بالمعنى الإيجابي لكلمة (عباءة) ، ففي حين كان الثقل القيادي الفلسطيني في الخارج في عمان و ثم في بيروت و أخيراً في تونس ، خرجت حركة الجهاد الإسلامي و كأنها تنظيم بالأساس ثقله في الداخل ذو امتدادات خارجية .

و في لقاء له مع صحيفة الشرق الأوسط (17/3/1995) استعاد الإرهاصات التي أدّت إلى ولادة حركة الجهاد الإسلامي ، و مما قاله الدكتور الشقاقي عن نفسه و عن رفاقه : (كانوا شباناً صغاراً في المدارس الثانوية و الإعدادية عندما حدثت هزيمة 1967 التي تركت أثراً هائلاً عليهم و لقد كنت واحداً من هؤلاء الذين شعروا حينها و كان عمري 16 سنة بمرارة و حزن نادرين إثر تلك الهزيمة التاريخية الكبرى ، لقد هزّتني من الأعماق إذ ألقت بنا في فراغ بلا ضفاف ، كانت أياماً و شهوراً صعبة تلك التي تلت الهزيمة شعرت فيها مع غيري ، و أجزم أن من بينهم أولئك الشباب الذين شاركت معهم في تأسيس الجهاد الإسلامي لاحقاً ، شعرنا بعدم التوازن ، و دعني أقرّر مرة أخرى أن ما يسمّيه الغرب خطأ بظاهرة الأصولية الإسلامية و نسميها نحن ظاهرة الصحوة و العودة إلى الله ، لقد ألقيت بذرتها في ذلك اليوم المر (5/6/1967) حيث سقطت أشياء كثيرة إن لم نقل كل شيء ، و لم نجد مع الأمة سوى الاعتصام بالله كمخرج من الأزمة و لتحقيق التوازن النفسي ، و الانطلاق نحو آفاق أرحب على أسس أكثر رسوخاً و متانة ، لقد تم هذا بالتدريج و فكرة الجهاد الإسلامي بزغت في مرحلة لاحقة و نضجت أثناء دراستنا في مصر) .

كان الدكتور الشقاقي كما ذكرنا درس في جامعة بيرزيت و عمل لمدة أربعة أعوام ، مدرساً في القدس ، و توجّه إلى مصر عام 1974 لدراسة الطب ، و هناك (التقينا كمجموعة من الشباب الفلسطيني و المتديّن و المثقف ، ذوي جذور و تجارب ثقافية و سياسية غنية ، اكتشفنا في سهراتنا و حواراتنا أن أغلبنا قرأ لـ شكسبير و دستوفيسكي و تشيكوف و سارتر و أليوت و آخرين و أيضاً نجيب محفوظ و بدر شاكر السياب و صلاح عبد الصبور ، كما قرأنا السيد جمال الدين الأفغاني و حسن البنا و باقر الصدر و سيد قطب إضافة إلى علوم إسلامية متفرقة و معارف إنسانية و تاريخية ، أذكر أنني كتبت ملاحظات نقدية على سارتر و أنا في السابعة عشرة مقالاً عن لينين في الذكرى المئوية لميلاده و كنت حينها في التاسعة عشرة) .

و يوضح كلام الشهيد الشقاقي ، نوع الخلفية التي أتى منها (مشروعه الإسلامي) المختلف عن (المشروع الإسلامي) التقليدي السائد و الذي كان يتمثّل في الإخوان المسلمين ، و الذين عانوا  في كثيرٍ من الأحيان من سوء فهم في المجتمع الفلسطيني ، على خلفية بقايا ظلال الخلافات الحادة و الصدام الذي حدث بينهم و بين مشروع عبد الناصر القومي .

و في تلك المقابلة ذكر الشقاقي ، أنه قرأ في مرحلة التكون تلك (أوديب ملكا) لسوفكليس بالنص الإنجليزي أكثر من عشر مرات و في كل مرة (كنت أبكي بحرقة و لا أنام ليلتها دون إكمال المسرحية ، كما قرأت مأساة الحلاج لصلاح عبد الصبور أكثر من خمسين مرة ، و حفظت أنشودة المطر للسياب عن ظهر قلب ، و تركت ثلاثية نجيب محفوظ على حياتي أثراً لا يزول ، و عندما كتب محمود درويش (أحمد الزعتر) حفظتها عن ظهر قلب و ظننت حينها أنها أعظم القصائد التي كتبت باللغة العربية منذ أن عرفت هذه اللغة حروفها ، ربما بالغت أو بالتأكيد كنت كذلك و لكن بمعزل عن أي تقييم سياسي أو شخصي يبقى درويش شاعراً مبدعاً و نادراً) .

و في فترة التكوين تلك قرأ أولئك الشباب أيضاً (السيد جمال الدين الأفغاني و كان محل إعجابنا الشديد على حساب الشيخ محمد عبده الذي كان محل نقدٍ بالنسبة لنا قبل أن أكتشف في سنوات لاحقة أن الرجل كان يجب أن يحظى بمزيد من الاهتمام رغم أن تبايناً في النظر للسياسة لا يزال قائماً ، قرأنا من البداية رسائل الإمام البنا و أنا اليوم أكثر اهتماماً بما جاء بها من ذلك الوقت ، أما سيد قطب فكان تأثيره على جيلنا لا ينازع ، و قد بذلت جهداً لأخرج من إسار بيانه الكلاسيكي المدهش و كيف أنه قاد طريقه إلى مصرعه و استشهاده إلى رؤية نقدية و أكثر موضوعية دون أي مساس بالقيمة الأخلاقية ، و لا أنسى أن كتباً مثل (الفكر العربي في عصر النهضة) لألبرت حوراني و (المثقفون العرب و الغرب) لهشام شرابي و أخرى مثلها كانت محل دراسة و نقاش مستمر في أوساطنا) .

كانت تلك الإرهاصات التي قادت للولادة ، و التي اتسعت أجواؤها منذ منتصف سبعينات القرن العشرين ، و شملت حواراً (في مسائل منهجية حول الدين و العلوم الإسلامية و التاريخ الإسلامي و التاريخ الأوروبي الحديث و العالم و الواقع و مناهج التغيير قبل أن ينصبّ جلّ الأمر حول السؤال الفلسطيني حيث عايشنا بعمق و ألم و مخاض حقيقي إشكالية (وطنيون بلا إسلام و إسلاميون بلا فلسطين) ، فقد تعاملت الحركة الوطنية الفلسطينية في سنوات الستينات و السبعينات مع موضوعة الإسلام بالنفي و الاستبعاد أو باللامبالاة ، في نفس الوقت فإن التوجه الإسلامي نحو فلسطين قاصر لأسباب موضوعية و ذاتية أيضاً ، لقد توصّلنا في حواراتنا إلى ضرورة حلّ هذه الإشكالية من خلال مركزية القضية الفلسطينية بالنسبة للحركة الإسلامية و للأمة الإسلامية ، و اعتبار الإسلام كأيديولوجية منطلقاً و فلسطين هدفاً للتحرير والجهاد وسيلة و هكذا تحوّل الحوار الفكري إلى حوارٍ و مناخ سياسي أفرز نواة تنظيمية في نهاية السبعينات ، لقد تشكّلت نواة حركتنا أثناء الدراسة في مصر و خلال عامي 1980/1981 اندفعت هذه النواة باتجاه فلسطين ، مع عودة الطلاب إلى وطنهم ، لتتبلور تنظيمياً حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين ، في البداية كان الحضور دعوياً و سياسياً و جماهيرياً و تعبوياً شمل المساجد و المدارس و الجامعات و المؤسسات و النقابات ، و خلال أعوام قليلة جداً تحوّلنا إلى الجهاد المسلح) .

و هكذا تأسست حركة الجهاد في (محاولة جادة للإجابة عن السؤال الفلسطيني المعاصر إسلامياً) كما قال الدكتور الشقاقي نفسه في مقابلة أخرى مع صحيفة اللواء اللبنانية (3/10/1990) . (و لتسعى لتحرير كامل التراب الفلسطيني) .

و حين أطلقت جهادها المسلح تعرّض الشقاقي للسجن و الإبعاد ، و بعد العمليات الاستشهادية التي استهدفت ما رآه الشقاقي و صحبه مؤامرة تمثّل باتفاق أوسلو على حاضر و مستقبل القضية الفلسطينية ، اغتيل هاني عابد و محمود الخواجا ثم الشقاقي نفسه .

و في حين اغتيل عابد و الخواجا على أرض الوطن كما فصّلنا مسبقاً فإن رصداً استخبارياً محكماً كان كفيلاً بنجاح عملية اغتيال الشقاقي أثناء عودته من ليبيا في مهمة حول الفلسطينيين الذين قرّر العقيد القذافي طردهم ، احتجاجاً منه على اتفاق أوسلو … !

****

و برحيله رحل مفكر إسلامي و إنساني مختلف ، و مدفوعاً بهذا الاختلاف على الأرجح غطيت خبر استشهاده صحافياً ، من موقع مختلف أيضاً ، و عنونت ما كتبته (الدكتور الشقاقي- نظرة أخرى : عندما أسس نادياً للسينما في القدس) ، و ضمنته  انطباعات من عملوا معه في مستشفى أوغستا فكتوريا بالقدس ، و ما قاله لي زميله قاسم منصور الذي كان ناشطاً سياسياً من معسكر مختلف ، إن الشقاقي إنسان موضوعي ، عاقل متفتح ، لم يحوّل انتماءه الفكري و السياسي أمام علاقاته الشخصية و حواراته مع الناس ، و كان متفهماً للرأي الآخر ، و يشارك في نشاطات أناس يختلف معهم فكرياً و سياسياً .

و حدّثني منصور عن مشاركته مع الشهيد الشقاقي في تأسيس نادٍ للسينما لعرض أفلام متميزة و مناقشتها مثل فلمي يوسف شاهين (حدوتة مصرية) و (العصفور) .

و أشار منصور إلى نشاط الشقاقي في الندوات الأدبية و السياسية التي كانت تعقد في المستشفى ، و كان يقدّم كتابات نثرية و شعرية ، و أيضاً شارك بفعالية في تعبئة الجماهير أثناء الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982 .

و قدّم الدكتور رفعت سيد أحمد صورة قريبٍ له ، و هو  الذي التقاه في ليبيا و أمضى معه الأيام من 19/10 - 24/10/1984م ، عندما غادر الدكتور على ظهر الباخرة غرناطة إلى مالطا حيث اغتيل هناك .

و عندما كتب الدكتور رفعت عن تلك الأيام التي استمع فيها للشقاقي و حاوره قال إن الشقاقي فتح له كل القلب و العقل و حدّثه عن ماضيه و أحلامه و آماله و عن أسرته و أبنائه . و عن مستقبل حركة الجهاد الإسلامي و القوى المعارضة و السلطة الفلسطينية .

و عن الأدب و الشعر قال الشقاقي للدكتور رفعت (أحب محمود درويش ، و أراه أعظم شعراء العربية الآن ، و أنا أراه أفضل من نزار قباني رغم إعجابي بالأخير ، و أنا أحب قراءة ما تكتبه الأخت العزيزة صافيناز كاظم ، و أتذكّر أن آخر كتبها (تلابيب الكتابة) وجدته في معرض الأسد بدمشق مؤخراً فاشتريت كل نسخه و وضعتها عندي في المكتب و كل مهتم بالأدب و الكتابة الرفيعة المستوى أعطيه نسخة ، لقد التهمت هذا الكتاب في جلسة واحدة ، و يعجبني الشيخ إمام و أحمد فؤاد نجم و أرجو أن لا تنسى أن تحضر معك بعض أشرطته في اللقاء القادم ، و جزء كبير من وقتي أطالع فيه القصص العالمية و الأدب العالمي و الكتابات الفلسفية ، و آخر ما أقرأه الآن ، قضايا فكرية : الكتاب غير الدوري الذي يحرّره محمود أمين العالم) .

و هكذا فإن الشقاقي و رفاقه و تلامذته من الاستشهاديين ، ليسوا مجرّد أشخاص مدفوعين (بغريزة الموت) عندما يقاومون المحتلين كما يهرطق بعض الأكاديميين و الصحافيين و السياسيين و رجال الدين ، أو أنهم مجرد "منتحرين" أو مجموعة من المتشائمين اليائسين ، لكن حبّهم للحياة الحرة الكريمة وفق وجهة نظرهم ، تدفع الواحد منهم لأن يضحّي بأغلى شيء لديه من أجل الآخرين .

و لذلك فهو يدرك (بعقلي و بروحي وطني و قد تحرّر ، ففلسطين ستعود إلينا و سنعود إليها ، إن فلسطين غالية و تستحق منا البذل ، إنها أرض الرسالات) .

و قال للدكتور رفعت الذي كان آخر من التقاه : (أنا لا أخاف على حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين فلقد بنينا صرحاً متماسكاً في فلسطين الله غايته و الاستشهاد أداته و وسيلته و شبابنا في الداخل قادرون على تغيير الواقع و خلق المستقبل الذي يليق بالشرفاء و المجاهدين) .

******

(أنني لا أخاف الموت و لا أخشاه .. صدّقني) .

……….

و كانت تلك من آخر الجمل التي قالها الذي أصبح يطلق عليه رفاقه بعد استشهاد : الشهيد المعلم .