|
الفصل الرابع
نجاح
.. و فشل ..!
المهندس
في الخامس عشر من شهر كانون
الثاني عام 1996 ، اتصل عبد اللطيف عياش على رقم الهاتف الخلوي (050507497)، و هو
رقم سرّي لهاتف نقال لا يعرفه إلا أشخاص معدودين على الأصابع . أهمهم ، للأسف ،
رجال الشاباك الصهيوني.
ردّ على الهاتف ابن عبد اللطيف
، يحيى (المعروف باسم المهندس) المطلوب الأول لـ (إسرائيل) في مخبئه في بيت صديقه
أسامة حماد في بلدة بيت لاهيا بقطاع غزة في الساعة التاسعة صباحاً ، بينما كانت
مروحية صهيونية تحلّق في الجو تنتظر هذه المكالمة و بعد أن ميّز من في المروحية صوت
يحيى أرسلت إشارة ، إلى عبوة ناسفة صغيرة بحجم 50 غراماً من مادة شديدة الانفجار
مثبتة في الهاتف النقال ، فانفجر الهاتف الذي كان أداة اتصال المهندس مع العالم
الخارجي ، بالإضافة إلى هاتف آخر ثابت ، و استشهد يحيى عياش قائد كتائب عز الدين
القسام ، الذراع العسكري لحركة حماس ، و الذي تحوّل لعدة أشهر لرمز فلسطيني مقاوم
اكتسب تعاطفاً لا يوصف معه من الشارع الفلسطيني .
و في الساعة الثالثة و النصف
من مساء نفس اليوم كانت إذاعة (إسرائيل) تعلن عن مقتل المطلوب الأول لحكومة
(إسرائيل) يحيى عياش . و كان الشارع الفلسطيني يغلي ، بينما كانت (إسرائيل) التي
اتجه إليها الاتهام فوراً بالمسؤولية عن اغتيال عياش ، فرحة بالاغتيال و كان أشد
(الإسرائيليين) فرحاً ، ربما كرمي غيلون رئيس جهاز الشاباك الذي كان وراء العملية و
نفّذها بخطة محكمة باستخدام عميله كمال حماد .
كان عميل الشاباك كمال حماد ،
هو الذي أعطى الجهاز الخلوي لابن شقيقته أسامة ، الذي يعمل معه في عمله الخاص ،
ملغّماً ، و عند وقوع الاغتيال كان في يافا و بقي هناك هارباً ، و يعيش الآن حماد
في (إسرائيل) متهماً جهاز المخابرات (الإسرائيلية) بالتخلي عنه .
**
كان يحيى عياش طالباً في جامعة
بيرزيت في قسم الهندسة و هناك تعرّف على زميله أسامة حماد ، انتمى يحيى عياش إلى
الجهاز العسكري لحركة حماس ، و بدأت (إسرائيل تتحدّث) عنه كمطلوب لها في أيار 1993
بعد أن ربطت اسمه بعملية استشهادية تم إحباطها في تشرين ثاني 1992 في رمات أفعال و
قبلها في انفجار سيارة مفخّخة في مقصف مستوطنة محولا في الأغوار في نيسان 1993 .
و أطلق رابين رئيس الوزراء
الصهيوني الهالك على يحيى عياش لقب المهندس ، بسبب ما عرف عنه من براعته في إعداد
العبوات الناسفة و تجنيد منفّذي العمليات الاستشهادية .
و راق اللقب الذي أطلقه رابين
على يحيى عياش للفلسطينيين فأصبحوا يطلقون عليه اسم المهندس أيضاً و في حين كان
رابين و في كل اجتماع مع أجهزته الأمنية يسأل عن مصير المهندس و هل تمكّنوا من
إلقاء القبض عليه أو تصفيته ، كان الفلسطينيون يتابعون أخبار المهندس بعد كلّ عملية
استشهادية شاكرين ربهم لأن (مهندسهم) لم يقع في أيدي (إسرائيل) و أنه ما زال حياً .
و انشغل الإعلام الصهيوني بالمهندس الذي أصبح معروفا بقدرته الفائقة على التخفي و
العمل ضد (إسرائيل).
في نهاية تشرين أول 1994 ،
نشرت صحيفة (الأوبزيرفر) الأسبوعية البريطانية أن المجلس الوزاري (الإسرائيلي)
الأمني برئاسة رابين قرر القضاء على المتورطين في العمليات الاستشهادية من حركتي
حماس و الجهاد الإسلامي ، و من بينهم بالطبع ، إن لم يكن على رأسهم المهندس يحيى
عياش .
صحيفة يديعوت أحرنوت في عددها
الصادر يوم (23/8/1997) نسبت للمهندس يحيى عياش المسؤولية عن مقتل 70 (إسرائيلياً)
و إصابة نحو 240 شخصاً بجروح ، و من بين العمليات التي نسبت إليه بالتخطيط و
التنفيذ ، عملية العفولة في 6/نيسان 1994 التي أسفرت عن مقتل ثمانية أشخاص ، و
عملية المحطة المركزية في الخضيرة في 13 نيسان 1994 و أدّت إلى مقتل خمسة أشخاص ، و
عملية خط 5 قرب ساحة ديزنغوف في تل أبيب في 19 تشرين أول 1994 و أدّت إلى مقتل 21
شخصاً ، و عملية رمات غان بتاريخ 24 تموز 1995 و أدّت إلى مقتل ستة أشخاص و عملية
الباص 26 بالقدس في 21 آب 1995 و أدّت إلى مقتل خمسة أشخاص .
و كانت عملية واحدة من هذه
العمليات كافية لتجعل المهندس يحيى عياش يدرج في قائمة المطلوبين لفرق الموت
الصهيونية ، و حسب مصادر صهيونية فإن المهندس نجا مرتين من متتبعيه الصهاينة الذين
وصلوا إلى فراشه و وجدوه فارغاً رغم أن السرير بلغة الأمن ، كان ساخناً ، أي أن
المهندس هرب قبل أن يصله الصهاينة بفترة قليلة .
و بعد العملية في باص رقم 5
بالقدس و هي عملية شهيرة تبنّتها حركة حماس ، ضاقت الحلقات حول المهندس ، الذي لا
تكفّ وسائل الإعلام الصهيونية عن الحديث عنه ، فاتجه إلى غزة إلى صديقه أسامة حماد
الذي استضافه في بيته في بلدة بيت لاهيا ، و لم يكن يخطر ببال الصديقين أن النهاية
ستكون في هذا البيت و بتلك الطريقة .
و هناك دلائل كثيرة تشير إلى
أن المهندس شعر بنوع من (الأمان) في مخبئه في بيت لاهيا ، لدرجة أن زوجته و ابنه
براء لحقوا به للإقامة معه و إن لم يكن في نفس البيت ، و لكن في بيتٍ قريب و كان
يزورهم المهندس متخفياً و في هذا البيت ولدت له زوجته ابنه يحيى قبل نحو أسبوعين من
اغتياله ، و حتى أن والدته التي كانت تتعرّض لمضايقات عديدة من جيش الاحتلال بسببه
و تخضع لمراقبة أجهزة الأمن الصهيونية تمكّنت من زيارته في بيت لاهيا ، و تم
اعتقالها و هي العجوز بتهمة رؤية ابنها .
و لا بد من الإشارة هنا إلى ما
ذكره حسن سلامة أحد رفاق الشهيد من الجناح العسكري لحماس الذي قاد ما عرِف فيما بعد
بالعمليات الثأرية لمقتل المهندس ، أن الأخير كان يستعد لمغادرة مخبئه للضفة و
التخطيط لأعمال داخل الكيان الصهيوني .
و كتب في مذكراته التي نشر
جزءاً منها عن الظروف التي كانت سائدة في ذلك الوقت في قطاع غزة و شرح للحصار الذي
كان يعاني منه المجاهدون من السلطة و من (إسرائيل) و يصف مثلاً الظرف الذي ساد قطاع
غزة بعد تنفيذ إحدى العمليات (اشتد البحث و التفتيش عن الشهيد يحيى عياش ، و الأخ
الضيف (يقصد محمد الضيف) ، و وزّعت صورهم على الحواجز ، و داهمت السلطة جميع من
يشتبه بهم أو المنازل التي تشكّ بوجودهم فيها ليلاً و نهاراً . هكذا كانت غزة ، و
هكذا كانت السلطة ، و هذا هو وضع الكتائب في تلك المرحلة) .
و يمكن أن أذكر هنا أن لديّ
شهادة شخصية على ظروف أخرى مشابهة عاشها حسن سلامة صاحب هذا الكلام ، عندما طاردته
أجهزة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية ، و كانت مطاردات ضيّقت الخناق على سلامة
كثيراً و أدّت أخيراً إلى اعتقاله ، و فتح هذا الملف يؤدّي إلى سرد وقائع و ذكر
حقائق و استخلاص استنتاجات ، يجب أن تأخذ حيزها من التقصي في بحث مستقل .
و عن تفكير الشهيد عياش
بالخروج من مخبئه للضفة قال سلامة الذي يقضي حكماً طويلاً في سجون الاحتلال (في ظلّ
تلك الأجواء الموجودة كان الشهيد يحيى عياش يعيش في عالم آخر ، و يفكّر في أمورٍ هي
النقيض لما يطرح حيث كان للشهيد حياة خاصة في كل شيء حتى العمل . و لكن كان من ضمن
المطاردين الموجودين في القطاع يتأثر بما يدور حوله لأنه كان من ضمن المسئولين
الذين يملكون القرار ، المطلعين على كل الأمور ، و ما يدور حتى الآن و إذ لم يشارك
في الجلسات لوضعه الخاص ، و كان الشهيد يتميّز بالهدوء التام و لا يكثر الكلام ، و
قليل الضحك شغوف بالعمل و تطوير أساليبه . و لكن كان يعيش في وضع أكبر من الجميع
فكان عليه أن يختار بين أن يرضخ للواقع و بين أن يكابر و يعاند و يصارع الجميع في
مسألة معروفة نتائجها ، إلا أنه اختار أن يكون قدوة الجميع فتعالى بنفسه عن دنايا
الأمور و صمد في وجه كل المشاكل و الخطوب و صارعها حتى النهاية . حاول الشهيد تغيير
الوضع لكنه عاود و تجاهله و حاول التخطيط للعمليات التي حدثت سنة 95 في شهري يوليو
و أغسطس و أرسل الأخ عبد الناصر عيسى إلى الضفة للقيام بالعمليات و بعدها اشتد
الحصار من قبل السلطة إلى أقصى حدّ على الجميع و بدأت الاعتقالات و التحقيقات و
اشتد البحث عن الشهيد) .
و أضاف سلامة : (كان لزاماً
على الشهيد أن ينطلق إلى مكان آخر لمواصلة العمل رافضاً كلّ الحلول و فعلاً بدأ
الشهيد في التفكير بالعودة إلى الضفة و هذا ما اهتدى إليه بعد التنسيق مع قيادة
الكتائب و بالذات محمد الضيف و بدأ يخطّط للعودة و بعد تجهيز كلّ الأمور و
الاستعداد للخروج عن طريق السلك الحدودي و قبل الموعد بيومين تفاجأ الجميع بل
العالم بنبأ استشهاد المهندس ، و كانت كالصاعقة علينا ، و أقسم بالله أننا بقينا
فترة طويلة لا نصدّق ما حدث لكنه أمر الله الذي اختاره ليريحه من الشقاء رحمه الله)
.
و هذه الكلام لا يمنع من
الاستنتاج بأن (الأمان) أو الشعور الكاذب به الذي تحدّثنا عنه هو ، أو ضيق الدنيا
(على سعتها) ، على الأغلب ، الذي قاده لاستخدام الهاتف النقال رغم معرفته المسبقة
بسهولة تنصت (إسرائيل) على مكالمات هذا النوع من الهواتف التابعة لشركات
(إسرائيلية) ، عدا عن كون صاحب الهاتف الأصلي هو عميل معروف لـ (إسرائيل) هو كمال
حماد .
و لا ينفي ذلك ، ما قاله قادة
حماس إن المهندس كان حذراً في استخدام الهاتف النقال ، و أنه لم يستخدمه إلا بعد أن
تم تعطيل الهاتف العادي بشكلٍ مقصود عندما أجرى والد المهندس تلك المكالمة القاتلة
.
و على أية حال فإن الهواتف
الثابتة ، التي عطلت خدمتها (إسرائيل) مؤقتاً وقت الحادث ، هي ، على الأغلب يمكن أن
يكون التنصت عليها سهلاً بالنسبة لـ (إسرائيل) .
و في حديث لزينب حماد والدة
أسامة رفيق المهندس و شقيقة كمال الذي ساعد في قتله ، لصحيفة يديعوت العبرية
(23/8/1997) يتضح أن المهندس وصل إلى بيت أسامة في تموز 1995 ، و أن أسامة فوجئ
عندما وجد المهندس أمامه يطرق الباب معتقداً أن المهندس تمكّن من الهرب إلى خارج
فلسطين .
و تذكر زينب حماد أن شقيقها
كمال استعاد الهاتف النقال مرتين لإصلاحه ، و لم يكن أحد يعرف أن الشاباك زرع تلك
العبوة الناسفة فيه ، و تعطي زينب ملاحظة قد تكون هامة و هي أن الهاتف الثابت كان
مشوّشاً على مدار شهر قبل اغتيال عياش ، و هي تعتقد أنه كان يخضع لرقابة
(الإسرائيليين) .
و تذكر ملاحظة هامة أخرى أنه
في يوم الحادث اتصل كمال حماد في السابعة و النصف صباحاً و ردّت عليه زوجة أسامة ،
و طلب كمال التحدّث مع أسامة و طلب منه أن يبقي الهاتف النقال مفتوحاً لأنه ينتظر
مكالمة هامة تخصّ العمل .
و بعد ساعة تقريباً اتصل والد
المهندس ليهنئ ابنه بمولوده الجديد ، و لكن فجأة انقطع الهاتف العادي فاتصل على
الهاتف النقال ، و ردّت عليه زوجة أسامة ، التي أعطت الهاتف إلى زوجها أسامة الذي
أعطاه بدوره إلى المهندس ، الذي ردّ على والده بضع كلمات ثم انفجر الهاتف و استشهد
المهندس ، الذي دوّخ (إسرائيل) ، هكذا بكلّ بساطة .
عبد اللطيف عياش والد المهندس
يقول إن آخر كلمة سمعها من ابنه كانت (كيف حالك يا أبى) ثم انقطع الخط ، فحاول
الحديث مرات أخرى و لكن الخط كان مقطوعاً من الخدمة .
و اعتبر الحادث نجاحاً فائقاً
لكرمي غيلون قائد الشاباك الذي كانت معنويات جهازه في الحضيض بعد الفشل في حماية
رئيس الوزراء إسحاق رابين الذي مات قبل أن يسعد بخبر قتل المهندس .
و إذا عدنا إلى الشهادة
النادرة على تلك المرحلة التي كتبها حسن سلامة ، فإنه يشير إلى أن الشهيد عياش كان
(حريصاً على أمنه الشخصي لكن الذي حدث هو قدر الله ، و لكن لا أنفي التقصير من
الجميع ، فالجميع يتحمّل ما حدث ، و المعروف أن حياة المجاهد عبارة عن سلسلة
مغامرات يسلكها بعد أخذ جميع الاحتياطات اللازمة و مستعيناً بالله قبل كل شيء ، و
هذا ما تم و ما توصل إليه المهندس و تم تحديد الموعد و المكان الفاصل بين القطاع و
الأرض المحتلة بعد التجهيز لكلّ الأشياء التي تساعده على الوصول بسلام حسب التخطيط
و لكن قدر الله هو الغالب ، فليلة الاستشهاد كان الشهيد يسير طوال الليل يراقب
الحدود و المكان الذي سيخرج منه و يراقب تحرّكات الجيش و الدوريات الصهيونية ، و
بعد صلاة الصبح كان له موعد في غزة في البيت الذي استشهد فيه و هو انتظار مكالمة من
أبيه في الضفة و في نفس اليوم أخبره المطاردون الذين معه و نصحوه بعدم الذهاب إلى
ذلك المكان لأنهم غير مرتاحين لفكرة الاتصال و لكنه أصر على الذهاب و رفض أن يصحبه
أحد ، و ذهب إلى حيث قدره الذي ينتظره ، لنسمع بعد وقت قصير ، ساعتين ، من خروجه
نبأ استشهاده ، و للاستشهاد قصة يطول شرحها و ليس الآن وقت سردها ، و دفن الشهيد و
ليعود المطاردون بأحزانهم و جراحهم التي كانت أكبر من التصوّر و لتدور نقاشات كلها
كانت نابعة من شدة الحدث و عدم إمكانية تصديقه ، و طغى فقدان الشهيد على كل
المواضيع التي كانت تطرح سابقاً من أجل وضع المطاردين ، كان الجميع يتحدث عن الثأر
، و ليس سوى الثأر مهما كانت الظروف و التضحيات لأن الضربة كانت قوية كادت أن تشلّ
الجميع دون استثناء) .
و أوفى رفاق عياش الذين عملوا
في ظروف غير مواتية بتاتاً ، بما قطعوه على أنفسهم و نفّذوا عمليات ثأرية لمقتل
عياش هزّت (إسرائيل) ، و لكنهم تعرّضوا لعدة ضربات كانت قاسمة منها مقتل العديد
منهم كمحي الدين الشريف و الأخوان عماد و عادل عوض الله ، في ظروف تستعدي أفراد بحث
مستقل عنها في مكان آخر .
|