|
محكمة
بعد اغتيال عياش و تكشّف حقيقة
ما حدث سريعاً كان زعماء حماس السياسيون يقفون قي بيت عزاء الشهيد يحيى في غزة
بجانب أسامة حماد ، صديق الشهيد الذي أخفاه في بيته ينفون الأنباء التي أشارت و لو
تلميحاً لتورط أسامة في العملية ، متهمين خال أسامة ، كمال حماد بالتورط في اغتيال
يحيى عياش .
و كان واضحاً أن جريمة
الاغتيال وقعت في أرض ، هي تحت سيطرة سلطة ، مهما اختلفت الآراء حولها ، فإنها في
النهاية مسؤولة عن (أمن) مواطنيها أو على الأقل يجب أن يكون لها (كلمة) ما فيما
يحدث في الأرض التي تحت سيطرتها ، حتى لو كان ما يحدث يتم التحكم به عن بعد ، و من
طائرة تحلق في أجواء ليست تحت سيطرتها ، كما حدث مع الشهيد يحيى عياش .
تحرّكت السلطة الفلسطينية ،
متأخرة جداً ، و أوقفت أسامة حماد و شقيقته كريمة حماد ، و عقدت محكمة أمن الدولة
جلسة لها يوم 9/5/1999 في غزة برئاسة العقيد عبد العزيز وادي ، و عضويه : النقيب
جمال نبهان ، النقيب : سامي نجم ، للنظر في جريمة اغتيال يحيى عياش .
و نظرت المحكمة في التهم
الموجّهة للمتهم الأول كمال عبد الرحمن حماد الفار من العدالة و المتهم الثاني حسام
حماد محمد حماد المرافق للمتهم الأول و الفار من العدالة أيضاً و المتهمان الثالث
كريمة خالد حماد و الرابع أسامة خالد حماد .
اتهم كمال حماد ، بالسعي و
التخابر و التآمر مع المخابرات الصهيونية للقيام بعمل إرهابي استهدف الشهيد المهندس
يحيى عياش . و اتهم حسام حماد (الهارب) و كريمة حماد (الموقوفة منذ 22/6/1996)
بمساعدة المتهم الأول كمال حماد و تهيئة الظروف لقتل عياش . و اتهم أسامة حماد
(الذي أوقف بتاريخ 16/7/1996 أي بعد أكثر من سبعة أشهر من الاغتيال) رفيق المهندس
الذي أخفاه تهمة الإهمال مما أدّى إلى مقتل الشهيد عياش و أنه تسبّب من غير قصد في
مقتل المهندس .
كان عقد المحكمة مهماً ، ففي
النهاية يجب أن تكون هناك رواية (رسمية) فلسطينية لما حدث ، و لهذا لم يتوقّف
الكثيرون عند النصوص القانونية التي يحاكم بموجبها المتهمون الأربعة ، و كان يمكن
أن يكون عقد المحكمة لجلساتها حدثاً ، و لكن ضعف ثقة الرأي العام الفلسطيني بالجهاز
القضائي الفلسطيني و توالي الأحداث و الملل من متابعة دهاليز العملية السلمية عكس
نفسه على الاهتمام بقضايا داخلية كثيرة ، و معرفة الكثير من أسرار حادث الاغتيال ،
أدّى إلى عدم إبلاء المحاكمة الاهتمام الكافي .
في تلك الجلسة قال المدعي
العام جمال شامية إن عمالة المتهم الأول كمال حماد لجهاز الشين بيت (أحد أذرع أجهزة
المخابرات الصهيونية الداخلية) لا تحتاج لإثبات بعد أن رفع حماد دعوى ضد الجهاز
الصهيوني يطالب فيها بتعويض 25 مليون دولار لمشاركته في تنفيذ عملية اغتيال يحيى
عياش .
و أشار شامية إلى أن حسام حماد
و كريمة حماد نفّذا تعليمات كمال حماد ، بجمع معلومات عن عياش و التعاون في زرع
جهاز تنصت في الهاتف الخلوي الذي يملكه المتهم الرابع (أسامة حماد) الذي اشتراه
بناءاً على طلب كمال حماد (المتهم الأول) .
و أكّد شامية ما كان معروفاً
لدى الرأي العام ، من أن جهاز المخابرات الصهيوني تعرّف على صوت الشهيد عياش و
الأوقات التي يتصل والده به من خلال تعاون المتهمين الثلاثة (كمال ، حسام ، أسامة)
، و أنه في يوم تنفيذ جريمة الاغتيال اتصل كمال حماد بابن أخته أسامة و طلب منه
إبقاء الهاتف النقال مفتوحاً بحجة أن شخصاً يدعى شلومو سيتصل لأسباب تتعلق بالعمل ،
و هو بالطبع لم يكن صحيحاً ، فرجال المخابرات الصهيونية كانوا في ذلك اليوم ينتظرون
مكالمة الوالد لابنه يحيى خصوصاً و أنه تم فصل الخدمة الهاتفية (التي تتحكم بها
"إسرائيل") عن الهاتف الثابت .
كان الكثيرون مستعدين لتقبل
الاتهامات لكمال حماد و حسام حماد ، و ربما لكريمة حماد ، و لكن ، و لأسباب كثيرة ،
منها ما هو عاطفي ، فإن الأمر كان مختلفاً بالنسبة لأسامة حماد رفيق الشهيد الذي
خبأه في منزله .
حتى أن المدعي العام النقيب
جمال شامية أشار في تلك الجلسة إلى أن أسامة كان متوجساً من تقرّب خاله كمال حماد
إليه ، و طلب من يحيى عدم الإقامة في منزله بسبب ارتباطات خاله المشبوهة ، و لكن
المدعي وجه لوماً لأسامة لأنه لم يبلغ تلك المخاوف لقيادته السياسية (مما جعله محل
اتهام) .
أثارت لائحة الاتهام التي
تلاها المدعي العام شامية جلبة وسط جمهور المحكمة غير المتعود على مثل هذا النوع من
المحاكمات التي يكون الرأي العام ، اتخذ فيها مسبقاً قراراً ضد المتهمين .
أسامة حماد احتج على التهم
التي وجّهت لشقيقته الأميّة التي لا تجيد القراءة مشيراً إلى أن المخابرات
الصهيونية لا يمكن أن تعتمد ، في تنفيذ عملياتها على هذا النوع من الأشخاص .
و كريمة نفسها نفت ما نسب
إليها بشدة ، و أمام الهيجان الذي حدث في الجلسة حذّر القاضي وادي من طرد أفراد
عائلات المتهمين (أسامة و كريمة) إذا لم يعد الانضباط إلى القاعة ، و قدّم محامي
أسامة و كريمة الموكّل من قبل هيئة المحكمة اعتذاراً مشيراً إلى أن الضغط النفسي
الذي تعرّض له موكلاه عبّر عن نفسه في ذلك الغضب ..!
و بعيداً عن قاعة المحكمة كان
هناك طرف أصدر مسبقاً حكماً على أحد المتهمين بالبراءة ، فحركة حماس ، أصدرت بياناً
برأت فيه أسامة حماد من التهم الموجهة إليه ، و هي كما ذكرنا تتعلق بالإهمال و ليس
بالعمالة لـ (إسرائيل) .
و جاء بيان حماس قبل يوم واحد
من عقد جلسة المحكمة تلك ، في محاولة ، على ما يبدو للتأثير على سير المحكمة ، هي
بغض النظر عن مدى استقلاليتها ، و التحفظات على قانونية محاكم أمن الدولة بشكلٍ عام
، فإنه كان لا بدّ من إعطائها فرصة ، فلا يعقل أن يمرّ حادث بجسامة ما تعرّض له
عياش دون أن تقول ، محكمة ، أية محكمة كلمة فيه . و أعتقد أنه كان من الأجدر إيراد
تحفظات على المحكمة و المطالبة بوضع ضوابط لتكون المحكمة عادلة ، و انتقاد تأخر
عقدها .
و برأ بيان حماس عضو الحركة
أسامة حماد ، و أشار إلى مزايا أسامة و نقاء سريرته و قبوله إيواء الشهيد يحيى عياش
في منزله في ظلّ تلك الظروف الصعبة .
و نوّهت حماس إلى أن أسامة
حماد و بعد حادث الاغتيال أخضع لتحقيق من قبل الأمن الوقائي الذي تأكّد من براءة
أسامة و التي تأكّدت أيضاً من خلال تحقيق أجرته لجنة مشتركة من كتائب القسام و
الأمن الوقائي في غزة .
و لم تعِدْ حماس في بيانها
بنشر نتائج التحقيق المشترك ، و باعتقادي أنه ما دام هناك تحفّظ على محكمة السلطة
يجب أن لا يترك الرأي العام فريسة لوجهة نظر واحدة هي السلطة في هذه الحالة ، و
التي لا تتمتع محاكمها بأية مصداقية ، و من حق الرأي العام أن يعرف نتائج التحقيق
الذي شاركت فيه حماس نفسها .
و ذكر البيان أن الشيخ أحمد
ياسين وجّه رسالة لرئيس السلطة ياسر عرفات يؤكّد فيها براءة أسامة ، و طالبت حماس
بالإفراج عن أسامة حماد ، و أكّدت حرصها على وحدة الشعب الفلسطيني في (هذه المرحلة
الدقيقة و تفويت الفرصة على المتربصين بوحدة الصف و الكلمة) .
و لم تقدّم حماس ملاحظات على
طبيعة المحكمة و صلاحيتها و مدى نزاهتها و لم تطالب بمحكمة بديلة ذات طابع مدني
مثلاً و أكثر استقلالية ، و لم تتقدّم ببيانات البراءة إلى المحكمة التي بدأت في
عقد جلساتها بشكل علني .
من جانبه قال العقيد عبد
العزيز وادي رئيس المحكمة العسكري ، إن براءة أسامة أو عدمها هي من اختصاص المحكمة
، و قال إن ما أوردته حماس في بيانها يجب أن يقدّم للمحاكمة التي من اختصاصها النظر
في ذلك .
و عقدت المحكمة جلسة أخرى لها
يوم 14/5/2000 ، و بتاريخ 21/5/2000 عقدت المحكمة جلسة للمداولة و النطق بالحكم، و
في تلك الجلسة التي رأسها العقيد عبد العزيز وادي و عضوية النقيب : جمال نبهان ، و
النقيب : رسمي النجار ، تمت إدانة جميع المتهمين الأربعة في القضية .
و تلا القاضي وادي حيثيات
الحكم ، و قال إنه بشأن المتهمة الثالثة كريمة حماد فإن الأدلة و البيانات تشير إلى
أنها قامت بتزويد المتهم الأول كمال حماد بما طلبه منها من معلومات عن الشهيد يحيى
عياش و تحركاته ، مشيراً إلى أن ذلك يقع تحت طائلة أحكام المادة 88 من قانون
العقوبات الفلسطيني لعام 1979 ، و قال إن هيئة المحكمة قرّرت تجريمها مع الأخذ بعين
الاعتبار الظروف و الأعذار المخفّفة التي وجدتها هيئة المحكمة من خلال الوقائع
المادية و الأدلة و البيانات التي اقتنعت بها هيئة المحكمة و اطمأن ضميرها .
و فيما يخصّ المتهم الرابع
أسامة حماد رفيق الشهيد عياش ، قال وادي إنه ثبت للمحكمة أن المتهم كان على علاقة
سيئة بالمتهم الأول خاله كمال حماد ، لمعرفته أنه عميل للموساد ، و بعد أن خبّأ
الشهيد عياش في منزله أبقى على تلك العلاقة مع خاله و وافق العمل في شركته و تقبّل
منه المساعدة المالية ، و لم يخشَ مخاطر قبول الهاتف النقال منه و استرجاعه في
أوقات مختلفة بحجج واهية ، متجاهلاً أحاسيسه التي يقر بأنها كانت تقول له أن يتخذ
الحيطة و الحذر . حسب اعترافاته الموجودة في ملف القضية ، و استمر في التعامل مع
خاله كمال حماد .
و قال القاضي إن هيئة المحكمة
رأت أنه كان من واجب أسامة حماد إبلاغ تنظيمه بما يتوقّعه من مخاطر محدقة بالمهندس
الشهيد . و لم تعتبر هيئة المحكمة رسالة الشيخ أحمد ياسين للرئيس عرفات أو بيان
حماس ، دليلاً لإعفاء أسامة حماد من مسؤولية الإهمال و قلة الاحتراز ، الأمر الذي
أدّى إلى تمكين أجهزة المخابرات الصهيونية و عملائها من الوصول للمهندس و اغتياله .
و بتهمة (الإهمال و قلة
الاحتراز) وفقاً (لتطبيق أحكام المادة 212 معطوفة على أحكام المادة 393 بدلالة
المادة 235 من قانون العقوبات الفلسطيني لعام 1979 ، و الحكم عليه وفق أحكام هذه
المواد مع مراعاة مشاركة تنظيمه له في تحمّل المسؤولية التقصيرية عن أمن و سلامة
الشهيد يحيى عياش) .
و حكم على أسامة حماد ، صديق
الشهيد منذ دراستهما معاً في جامعة بيرزيت ، بالسجن لمدة ثلاث سنوات تبدأ منذ
اعتقاله بتاريخ 16/7/1996 .
و بدا أسامة حزيناً لإدراجه و
شقيقته ضمن لائحة اتهام ضمّت العميلين كمال و حسام حماد ، و هو رفيق و صديق الشهيد
الذي كان مستعداً للتضحية بروحه من أجله .
و لكن الحزن ، و ربما الندم لا
يكفي في مثل هذه الحالات ، فقد رحل المهندس ..!
|