|
الفصل الأول
الأصل و الصورة
الرجل الظل
انتظرت دولة الكيان الصهيوني
(38) عاماً لتعلن مسئوليتها عن اغتيال مصطفى حافظ الذي حمل ملفه في الموساد اسم
(الرجل الظل) ، و ذلك في كتاب أعدّه يوسي أرجمان حمل عنوان (سري جداً) و صدر في
الكيان عام 1993 . و كتب الأستاذ توحيد مجدي عن حادث الاغتيال مستنداً للكتاب في
مجلة روز اليوسف القاهرية (3422) بتاريخ 10 يناير 1994 .
و العقيد مصطفى حافظ ، من
الأسماء التي حفرت لنفسها مكاناً بارزاً ، في العمل الفدائي و الوطني ضد الكيان
الصهيوني ، و قاد عمل مجموعات فدائية ، عرفت لوقت طويل بعد ذلك ، باسم فدائيي مصطفى
حافظ ، أوكلت إليهم مهام بتنفيذ عمليات داخل الكيان ، و كان يعتمد على أي إمكانية
متاحة لتجنيد الفدائيين ، و فضلاً عن اعتماده على المتطوعين ، فإنه عمد لتجنيد
سجناء مدنيين للعمل الفدائي ، لاقتناعه بأن هناك جوانب إيجابية في أي إنسان يجب
استثمارها و تطويرها ، و أنه بإمكان توجيه أي سلوك عدواني ، أو يبدو كذلك لدى
السجناء المدنين نحو العدو الأكبر ، (إسرائيل) ، و لم يكن يدري حينها أن ذلك سيكون
إحدى نقاط الضعف التي ستتمكن فيها (إسرائيل) من اغتياله .
و مصطفى حافظ معروف للكثير من
الفلسطينيين الذين خلّدوا ذكراه بإطلاق اسمه على مدارس و شوارع في قطاع غزة ، و
تحوّلت الأعمال التي قام بها (فدائيو مصطفى حافظ) إلى حكايات أسطورية بالنسبة
للسكان المحليين ، و كان مجالاً لفخر بعض الأبناء ، فيما بعد بأن آباءهم كانوا من
أولئك الفدائيين ، في حين أن من بقي من فدائيي حافظ على قيد الحياة التزموا صمتاً
مطبقاً على ما كانوا يقومون به من أعمال بعد الاحتلال الصهيوني لباقي الأراضي
الفلسطينية و أجزاء من الأراضي العربية عام 1967 ، و لاحقت دولة الاحتلال بعض من
كانوا من رفاق حافظ و اغتالت بعضهم بأساليب مختلفة ، مثل تصفيتهم بعد اعتقالهم .
و عندما استشهد حافظ
(11/7/1956) كتبت صحيفة الأهرام القاهرية بعد يومين (13 يوليو 1956) خبراً عن ذلك
جاء فيه (قتل البكباشي مصطفى حافظ نتيجة ارتطام سيارته بلغم في قطاع غزة و قد نقل
الجثمان للعريش و منها جواً للقاهرة ، و قد كان حافظ من أبطال فلسطين ، ناضل من أجل
استقلالها و تحريرها ، و لقد سجل التاريخ له أعمالاً جعلت اسمه يزرع الرعب بداخل
قلوب "الإسرائيليين") .
و لم يكن ذلك ، بالطبع صحيحاً
، و لكن على الأغلب قصد منه التمويه على سقوط ذلك الفدائي المقدام ، أو إخفاء حقيقة
ما حدث لأية أسباب أخرى . و لكن هذا لا يكفي لمعرفة أهميته ، فمن هو (الرجل الظل)
الذي كان محط اهتمام قادة (إسرائيل)؟
في ربيع عام 1955 ، و في
اجتماع سري عقد في القاهرة برئاسة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر ، تقرّر إنشاء
كتيبة تنفذ أعمالاً فدائية ضد (الإسرائيليين) . و اختير لهذه المهمة العقيد مصطفى
حافظ ، الذي عرف بذكائه و كفاءته حتى أصبح عقيداً و لم يتجاوز عمره (34) عاماً .
و طوال عامي 55 – 1956 ، أرعبت
عمليات حافظ (الإسرائيليين) خصوصاً تلك التي نفّذت في العمق الصهيوني كاللد و تل
أبيب و غيرهما من المدن الكبرى . و بعض هذه العمليات نفّذت في مستوطنات في شمال
(إسرائيل) مثل مستوطنة (ريشون لتسيون) بالقرب من تل أبيب و المقامة على أراضي قرية
(عيون قارة الفلسطينية) ، و كان يقوم بتلك الأعمال العشرات من رجال حافظ .
و عندما عرف الموساد أن (رجل
الظل) هو مصطفى حافظ ، بدأ بالتخطيط لاغتياله بأوامر من القيادة السياسية في
(إسرائيل) آنذاك ، و يبدو أن المصريين كانوا يعرفون بمخططات (إسرائيل) أو يتوجسون
منها ، ففي إحدى زياراته لغزة همس الرئيس عبد الناصر في أذن مصطفى حافظ (خلي بالك
يا مصطفى من الخونة فأنا و مصر نريدك بشدة) .
و في أوائل عام 1956 دخل أفراد
من الوحدة (101) التي كان يقودها مجرم الحرب الصهيوني الذي أصبح فيما بعد رئيساً
للحكومة الصهيونية أريل شارون ، التي أوكل إليها تصفية (الرجل الظل) إلى بيته و
نسفوا باب البيت ، و لكنهم لم يجدوا أحداً لأن مصطفى حافظ أيضاً بدا هو الآخر يلعب
لعبته مع الموساد ، فجعلهم يراقبون طيلة الوقت شخصاً آخر و منزلاً آخر هو الذي تم
اقتحامه .
و بعد فشل مهمة الوحدة (101) ،
صدرت الأوامر لسبعة ضباط كبار كما يذكر صاحب كتاب (سري جداً) لتنفيذ عملية ضد الرجل
الظل ، و هم ضابط يعمل مزارعاً الآن ، و آخر يعمل مستورد سيارات في حيفا و (أبو
سنان) الذي كان يقود مجوعة استخبارية وقتذاك ، و ضابط يطلق عليه (أبو سليم) و آخر
اسمه (صادق) و يعمل أيضاً في مجال الزراعة الآن ، و سابعهم يدعى (أبو هارون) وصفه
المؤلف بأنه عالم اجتماع شهير في جامعات (إسرائيل) .
و شارك الضباط السبعة في وضع
خطط و تنفيذها ضد (الرجل الظل) و لكنها باءت بالفشل ، و من هذه الخطط عملية إنزال
بحري على شواطئ غزة ، و لكن الرجل الظل استطاع تضليل فرقة الاغتيال و نجا بأعجوبة .
و أخيراً وجد ضباط الموساد
الحل ، و هو إرسال طرد ملغوم للرجل الظل ، و هو الأسلوب الذي اتبعته العصابات
الصهيونية مع ضباط بريطانيين قبل قيام الدولة الصهيونية و مع قادة فلسطينيين فيما
بعد .
و أعد الطرد من قبل خبير كان
يعمل في منظمة إتسل الصهيونية الإرهابية ، قبل تأسيس (إسرائيل) ، و شارك في إعداد
طرود ملغومة أرسلت لضباط بريطانيين ، و تغلب ضباط الموساد على مشكلة واجهتهم و هي
أن الرجل الظل لا يفتح الطرود بنفسه ، و ذلك بإيجاد سبب مقنع يجعله يفعل ذلك بنفسه
.
و تم إرسال الطرد مع عميل
مزدوج اسمه (سليمان طلالقة) الذي لا يعرف ما بداخل الطرد ، على أنه مرسل بواسطته
إلى قائد شرطة غزة وقتذاك لطفي العكاوي من الموساد ، فتوجه طلالقة بالطرد إلى مصطفى
حافظ قائلاً له إن قائد شرطة غزة عميل للموساد ، و ما إن فتح حافظ الطرد حتى انفجر
، فأصيب بإصابات بالغة أدت لوفاته في المستشفى ، و أصيب معه أحد مساعديه بعاهة
مستديمة ، و أصيب طلالقة بالعمى .
و طلالقة ، كما ذكرت بعض
المصادر الفلسطينية لي ، هو واحدٌ من الذين أطلق مصطفى حافظ سراحهم من السجون ليعمل
مع مجموعاته ، و اعتبروا ذلك إحدى نقاط الضعف الأمنية لدى حافظ التي أودت بحياته في
انفجار الطرد الذي هز سرايا غزة يومها . و مصادر أخرى تفيد بأن (إسرائيل) كانت
اعتقلته ، و ساومته على إطلاق سراحه مقابل العمل كعميل مزدوج.
و جاء في تقرير التحقيقات
النهائي عن حادث الاغتيال الذي رفع للرئيس عبد الناصر ، كما أورده الأستاذ توحيد
مجدي في روز اليوسف (لقد استغل الموساد غباء طلالقة الشديد و نفذوا العمل الشيطاني
، و إن طلالقة لم يدرك أبداً و لو للحظة خطورة ما كان يحمله و ما كان لينقل الطرد
بنفسه لو علم ما فيه لأنه جبان جداً) .
و هكذا الموساد (ذراع
المخابرات الصهيونية للأعمال الخارجية) و كذلك الشاباك (ذراع المخابرات الداخلي) و
أجهزة الأمن الصهيونية الأخرى لا تعطي عملاءها كامل خططها ، كما حدث مع العميل كمال
حماد و اغتيال يحيى عياش (غزة : 1996) ، و العميل علان بني عودة و اغتيال إبراهيم
بني عودة (نابلس : 2000) ، و العميل مجدي مكاوي و اغتيال جمال عبد الرازق و رفاقه
(غزة : 2000) .
و كان يتابع ما يحدث ، مع حافظ
، اثنان من أهم رجال السلطة في (إسرائيل) ، بن غوريون رئيس الوزراء الصهيوني المؤسس
، و موسى ديان رئيس الأركان الشهير ، اللذان وضعا مع آخرين مبادئ أن تقوم دولة
بسياسة الاغتيال ضد الخصوم . و شرب الإثنان نخب التخلص من الرجل الظل مع منفّذي
العملية .
كانا في الواقع يقومان بعمل لم
يكن غريباً عليهما ، و لا على زعماء (إسرائيل) اللاحقين ، الذين قادوا العصابات
الصهيونية قبل تأسيس (إسرائيل) و التي مارست الإرهاب بأبشع صوره .
|