الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

 

 خالد مشعل

 

تشكّل المحاولة الفاشلة لاغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل في العاصمة الأردنية عمان ، نموذجاً واضحاً للتدليل على فرضية ، زكّتها الأحداث ، بأن عمليات الاغتيال "الإسرائيلي" هي في النهاية قتل من أجل الانتقام و لا تحمل أي بعد سياسي ، و هو الإرهاب بعينه .

فالعملية نفّذت في وسط عاصمة عربية ترتبط حكومتها باتفاقية سلام مع (إسرائيل) و بعلاقات هامة جداً تمتد لعقود ، و أي عمل ، مثل حادث الاغتيال ، هو في النهاية سيشكّل في أفضل الحسابات إحراجاً كبيراً لقيادة الأردن التي تروّج لسياسة الصلح و الاستسلام و الاعتراف بـ (إسرائيل) ، و لو تم أخذ الأمور بأيّ مقياس سياسي فإن أي عمل (أمنيّ) مهما كانت أهميته لـ (إسرائيل) ، لا يساوي أهمية العلاقات الرسمية مع الأردن ، و التعاون الأمني الواسع إلى درجة أنه كانت للموساد محطة للعمل في العاصمة الأردنية : عمان .

و لكن للأجهزة الأمنية الصهيونية موقف آخر ، لذلك كان يوم 25/9/1997م ، يوماً غير عادي في العاصمة الأردنية عمان ، من الصعب أن تنساه المدينة لسنوات تالية كثيرة .

في الساعة العاشرة و الربع من صباح ذلك اليوم ، كان شخصان بديا كسائحين يتحرّكان جيئة و ذهاباً أمام مكتب حركة حماس في شارع وصفي التل في عمان ، في الوقت الذي وصلت فيه سيارة رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل يرافقه ثلاثة من أطفاله و مرافقه الشخصي محمد أبو سيف .

أحد الشخصين كان يحمل في يده حزمة صغيرة مغلفة بكيس نايلون ، و عندما نزل مشعل من سيارته اقترب منه أحد (السائحين) و هو ذو شعر أشقر و لحية صغيرة ، و بدا كأنه يريد أن يسأله عن أمرٍ ما ، في الوقت الذي اقترب منه بسرعة (السائح) الآخر و ضربه بجهاز كان يحمله على رأسه .

و حسب بيان أصدرته حماس فإن محمد أبو سيف مرافق مشعل حال دون أن يلامس هذا الجهاز رأس مشعل ، و لكن الجهاز أصدر صوتاً مدوياً قرب الأذن اليسرى لمشعل الذي شعر بصعقة قوية أصابت جسده بهزة قوية .

و هرب (السائحان) إلى سيارة كانت متوقفة في انتظارهما من نوع (هونداي) خضراء اللون ، دون أن يخطر ببالهما أن حارس مشعل الشخصي محمد أبو سيف ، و هو من الذين تدرّبوا في أفغانستان ، و اكتسب مهارات معينة ، لحقهما ، و أوقف سيارة أجرة عمومية و جرت مطاردة للسيارة الهاربة مسافة 3 كيلومترات ، من المركز التجاري المكتظ في شارع وصفي التل المشهور باسم شارع الجاردنز حيث مكتب حماس ، إلى شارع مكة ، حيث نزل الرجلان من سيارتهما و اجتازا الشارع بسرعة نحو سيارة أخرى كانت في انتظارهما ، و لكن محمد أبو سيف الذي نزل من السيارة العمومي (التاكسي) التي ركبها و لاحق بها الرجلان سجّل رقم سيارة الهونداي الخضراء ، التي تبين فيما بعد أنها مستأجرة ، و لحق بالرجلين و جرت مشاجرة عنيفة تجمّع على إثرها المواطنون و من بين الذين تجمهروا سمير الخطيب ابن قائد جيش التحرير الفلسطيني في الأردن و ساعد أبو سيف في القبض على الرجلين ، و حضرت الشرطة و تم اعتقال الرجلين بينما هرب ثلاثة آخرين كانوا في السيارة الثانية و سائق السيارة الأولى إلى السفارة الصهيونية في عمان .

و ذكر بيان حماس نقلاً عن رواية محمد أبو سيف أن الإرهابيين (مدرّبان تدريباً عالياً على فنون القتال ، كما أنهما يتمتعان بلياقة بدنية عالية ، غير أنه بتوفيق الله ، ثم الإمكانات البدنية و الفنية العالية للمرافق مكّنته من تعطيل حركتهما حتى تجمهر المارة و وصلت دورية للشرطة إلى موقع الاشتباك) .

و بدأت تتضح الصورة أكثر فأكثر ، فبعد ساعات بدأت تتدهور صحة خالد مشعل ، من أثر السم الذي وضعه أحد عملاء الموساد في أذنه بواسطة الجهاز الذي ضربه به على رأسه ، و نقل مشعل إلى المستشفى في حالة سيئة جداً بسبب ما تبين أنه محاولة للموساد لاستهدافه ، و تدخّل الملك الأردني حسين و تم إبرام صفقة لإعطاء مشعل الترياق الشافي و إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين زعيم حماس المعتقل لدى (إسرائيل) مقابل إعادة عميلي الموساد الاذين تم القبض عليهما بسبب شجاعة محمد أبو سيف الذي نوّه لدوره كثيراً فيما بعد خالد مشعل بعد نجاته من محاولة الاغتيال .

هذه هي الخطوط العامة المثيرة لمحاولة اغتيال خالد مشعل ، و لكن ربما الأكثر إثارة هي ما كشف عنه من تفاصيل . فتبين أن الرجلين الذي اعتقلا بعد أن لحقهما محمد أبو سيف الذي أصيب بجرحٍ قطعي في رأسه جراء ضربه من قبلهما بآلة حادة فتم علاجه و قطب رأسه بـ 18 غرزة ، دخلا إلى الأردن بجوازي سفر كنديين يحملان الإسمين شون كندل (28) سنة و باري بيداس (36) سنة .

و بدأ التحقيق مع الرجلين في مركز شرطة وادي السير ، بينما شريكهما الثالث الذي يحمل جواز سفر كندي باسم (جاي هيرس) 30 سنة تمكّن من الهروب خارج الأردن .

و رفض المقبوض عليهما مساعدة القنصلية الكندية لهما عندما تم الاتصال بها ، و فيما بعد أثار انتحال رجال الموساد لجوازات سفر كندية زوبعة و لكنها سرعان ما انتهت لتكون زوبعة في فنجان ، فالحكومة الكندية المجروحة بكبريائها ، أو هكذا بدت ، استدعت سفيرها دافيد برغر ، في لحظات الغضب من تل أبيب ، وسط تشجيع من العالم العربي و إشادة من منظمة التحرير الفلسطينية .

و أعلنت الحكومة الكندية التي استدعت سفيرها للتشاور بأنها تبحث اتخاذ خطوات أخرى لقيام الموساد باستخدام جوازات سفر كندية لعملائه في محاولة اغتيال مشعل .

و اتخذت المعارضة الكندية موقفاً أكثر راديكالية ، و طالب حزب الإصلاح المعارض من الحكومة فرض عقوبات تجارية على (إسرائيل) ، و اعتبر الحزب أن استدعاء السفير إجراء غير كافٍ لإبلاغ (إسرائيل) الرسالة بأن كندا لن تقبل بأن يقوم الموساد بما قام به بانتحال عملائه جوازات سفر كندية .

و تفاعلت قضية انتحال الجوازات عندما ظهر شارون كندال الحقيقي ، و هو مواطن كندي يعمل في مؤسسة خيرية يهودية في تل أبيب و قال للتلفزيون الكندي إنه أقحم في هذا الأمر دون أن يدري .

و أعلن وزير خارجية كندا ليويد إكسويرثي أن سحب السفير خطوة جادة و أن شارون كندال الحقيقي يتعاون مع السلطات الكندية ، و أن الأدلة التي توصل إليها الكنديون تشير بما يدع مجالاً للشك إلى تورط (إسرائيل) بهذه القضية .

و خرج السفير الكندي السابق لدى (إسرائيل) نورمان سبيكتور للإدلاء بدلوه ، و كان حينها ناشر صحيفة جيروسلم بوست الصهيونية ، في الموضوع و فجّرت تصريحاته الجدال المحتدم ، حيث قال بدون مواربة إنه يشك إذا كانت حكومة (إسرائيل) تصرفت بمسألة جوازات السفر الكندية لعملائها بمفردها أم أن (المخابرات الكندية تورّطت في هذه العملية مع "الإسرائيليين") ؟؟ . و ردّ وزير الخارجية الكندية ليود إكسويرثي عليه بالقول : إنه مخطئ .. !

و فتح ذلك ملفاً طويلاً من استخدام الموساد لجوازات السفر الكندية و مثالها الأشهر ، ما حدث في ليليهامر في النرويج ، كما مرّ معنا في فصل سابق ، عندما قتل اثنان من عملاء الموساد يحملان جوازي سفر كنديين العامل المغربي بوشكي عام 1973 ظناً أنه علي حسن سلامة (أبو حسن) .

و اضطر وزير خارجية كندا أن يعترف أن الملفات الحكومية الكندية تشير إلى أن آخر حادث علني تضمن استخدام (إسرائيل) جوازات سفر كندية وقع في قبرص عام 1981 .

و تدخل في النقاش عميل شهير للموساد هو فيكتور إستروفسكي صاحب كتاب (بطريق الخداع) و هو من مواليد كندا فقال لصحيفة (جلوب آند ميل) إن استخدام جوازات سفر كندية يعرّض مواطنين كنديين للانتقام في الخارج ، و مشيراً إلى أن الموساد لا يستخدم جوازات سفر أمريكية مزوّرة مثلاً ، لأن ذلك سيفقده حرية الوصول إلى معلومات المخابرات المركزية الأمريكية .

و هدأت الأمور بعد فترة و صدقت التوقعات التي شاعت لدى وقوع الحادث أن كندا لن تتخذ أي إجراء عملي ضد صديقتها العزيزة (إسرائيل) ، و هو ما حدث بالفعل .

و اعترف عميلا الموساد اللذان طلبا من القنصل الكندي الذي حضر لرؤيتهما عدم التدخل في الأمر ، في حين أن قائد العملية الذي كان يتخذ من السفارة الصهيونية مقراً له ، على ما يبدو هاتف مدير المخابرات الأردنية سميح البطيخي و قال له إن المحتجزين (من رجالي فلا تمسوهما بأذى ، و سنبقى على اتصال مع الملك) .

و الطريف في الأمر أنه بعد وقوع الحادث أصدر سمير مطاوع وزير الدولة الأردني لشؤون الإعلام بياناً نفى فيه تعرّض مشعل لمحاولة اغتيال ، و انتظر مطاوع و حكومته يومين ليصدرا بياناً آخر يؤكّد تعرّض خالد مشعل (لاعتداء) في الأردن .

في هذه الأثناء كان مشعل الذي غادر مكان الاعتداء برفقة أطفاله يشعر بطنين متواصل في أذنه تطوّر لاحقاً إلى إعياء شديد و ألم في الرأس و حالة غثيان و صعوبة في التنفس ، و يدخل المستشفى الإسلامي ، و ينقل إلى مدينة الحسين الطبية ، بعد قدوم أفراد من الأمن الأردني طلبوا نقله ، في حالة حرجة للغاية و دخل في غيبوبة جرّاء السم الذي قيل إنه يتحرّك ببطيء و يؤدّي للوفاة ، و حضر بأمر من الملك حسين طبيب أخصائي من عيادة مايو كلينك الأمريكية ، التي كان يعالج فيها الملك الأردني دائماً و عولج فيها خلال مرضه الأخير المميت ، و أخذ عينة من دم مشعل و غادر مباشرة إلى مركز عمله لتحليل الأعراض التي أصابت مشعل و لم يستطع الأطباء الأردنيين تشخيص حالته .

و كانت التقديرات لدى الأطباء الأردنيين في حينها أن الأشعة التي أرسلها الجهاز الذي ضرب به أصابت منطقة المخيخ مما أثر على توازن الجسم ، و أصابت الأعصاب المسؤولة عن التحكم بعمل الرئتين و الجهاز التنفسي مما أحدث خللاً في الوظائف التنفسية و نقصاً متزايدا في نسبة الأوكسجين في الدم ، و بأن الجهاز الذي استخدم ضد مشعل أرسل أمواجاً كهرومغناطيسية أصابت مركز التنفس في دماغه .

و اتضح أن الموساد خطّط لاغتيال مشعل بشكلٍ بطيء دون أن يحدث ربطاً بين موته و بين الموساد ، خصوصاً و أن الهدف كان أن يموت مشعل أثناء نومه بسبب الاختناق ، و بذلك يتجنّب الموساد إحراجاً مع الأردن ، و لكن مرافق مشعل ، أبو سيف أفشل ذلك .

و فعلاً شعر الملك الأردني بالإحراج الشديد مما حدث و بالمس بكرامته الشخصية ، و وظّف جميع مهاراته الدبلوماسية للخروج من هذا المأزق الذي وضعه الموساد فيه .

و ذكرت صحيفة ديلي تلغراف البريطانية أن الملك حسين اتصل بالرئيس الأمريكي بيل كلينتون ، و طلب منه المساعدة في توفير العلاج لمشعل ، قائلاً له إذا توفي مشعل فستحلّ كارثة على الأردن ، فتوجّه كلينتون شخصياً بالطلب من (إسرائيل) بتقديم تفاصيل دقيقة عن السم أو الغاز الذي استخدم في محاولة قتل مشعل .

و قالت القناة الأولى للتلفزيون الصهيوني ، إن (إسرائيل) أرسلت طبيبة خاصة إلى الأردن معها العلاج ضد السم ، مما مكّن من علاج مشعل ، الذي بدا يتحسّن فعلاً بعد إعطائه العلاج اللازم حتى تشافى تماماً .

و تسرّب الكثير مما جرى في كواليس دهاليز الحدث ، فمثلاً صحيفة صاندي تايمز قالت إن الذين شاركوا في العملية هم ثمانية أشخاص ، ينتمون إلى وحدة التصفية في الموساد و المسماة (مسفروت) و كانوا وصلوا عمان جواً و أربعة منهم يحملون جوازات سفر كندية و ما تبقى ، يحملون جوازات سفر أوروبية مختلفة ، و أن اثنين منهم نزلا في فندق إنتركونتننتال في عمان .

و ذكرت صحيفة الإندبندت البريطانية أن (الإسرائيليين) بدأوا بالتحرك بعد فشل عملية الاغتيال التي وقعت يوم الخميس ، و أنه في يوم الأحد التالي وصل إلى الأردن وفد (إسرائيلي) رفيع المستوى ضم بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء و إسحاق موردخاي وزير الحرب و آرييل شارون وزير البنى التحتية و سكرتير الحكومة داني نفي ، و دافيد عبري مدير عام وزارة الحرب السابق ، و أفرايم هليفي السفير (الإسرائيلي) لدى الاتحاد الأوروبي ، و الذي شغل في السابق نائب رئيس الموساد و قام بدور هام في المفاوضات السلمية مع الأردن ، و استدعي هليفي من قبل نتنياهو لأنه يعتبر من المقرّبين للملك حسين في محاولة لإيجاد مخرجٍ لفشل الموساد باغتيال مشعل .

و حسب رواية أخرى فإن هليفي كان توجّه مسبق و سراً إلى الأردن و التقى مع الملك حسين ، و أنه خلال هذا اللقاء تبلور الاتفاق حول إطلاق سراح أحمد ياسين زعيم حماس من سجون الاحتلال و نقله إلى الأردن .

و بعد نحو أسبوعين من الحادث نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت العبرية (10/10/1997) تقريراً لمحرّرها شمعون شيفر كشفت فيه تفاصيل ما حدث فعلاً من محاولة اغتيال مشعل و التي انتهت بإنقاذ و إطلاق سراح ياسين و فضيحة مدوية للموساد .

أشارت الصحيفة إلى أنه في الساعة الثانية عشرة ظهراً و بعد أقل من ساعتين من وقوع حادث الاغتيال الفاشل ، كان رئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو ، يقوم بزيارة روتينية إلى مقر الموساد ، لشرب نخب العام العبري الجديد ، و ليلقي خطاباً قصيراً في غرفة الطعام ، كما يحدث عادة في هذا النوع من الزيارات الروتينية التي يقوم بها رؤساء الوزارات الصهيونية كل عام لمقر الموساد .

و لكن عندما وصل موكب نتنياهو إلى مقر الموساد ، وجد مفاجأة في انتظاره ، فرئيس الموساد داني ياتوم ، و هو إرهابي محترف ارتبط اسمه بقتل أسيرين فلسطينيين بعد إلقاء القبض عليهما ، الذي كان يقف في انتظار نتنياهو ، طلب منه بعد أن نزل من سيارته أن يتحدث معه على انفراد ، و قال له إن اثنين من رجال الموساد اعتقلا في الأردن قبل نحو ساعة من الآن بعد أن نفّذا ما أوكل إليهما و أصابا خالد مشعل .

و بالطبع لم تكن مفاجأة سارة لنتنياهو ، الذي دخل مع ياتوم إلى مكتب الأخير ، و طلب إجراء مكالمة عاجلة مع الملك الأردني ، الذي كان على الطرف الآخر من الخط بعد وقت قصير .

و لم يخبر نتنياهو الملك حسين عن ما حدث أو عن مطلبه و لكنه طلب منه أن يلتقي مع داني ياتوم في عمان ، و وافق الملك على الالتقاء مع ياتوم ، و ربما كان الملك الذي عرفت أجهزته بالحدث بعد اعتقال رجلي الموساد ، خمّن مهمة ياتوم المفاجأة إلى عمان .

و أثناء استعداد ياتوم للسفر بعد تلك المكالمة ، لحقه العقيد شمعون شبيرا نائب السكرتير العسكري لنتنياهو ، و أخبره أن نتنياهو يطلب منه أن يأخذ معه الدواء الذي ينقذ حياة مشعل الذي لم يتبقَّ له سوى ثماني ساعات ليعيش ، و بعدها سيصل إلى مرحلة لا شفاء منها أبداً .

و فيما بعد فسّر نتنياهو قراره بإرسال الدواء ، بأنه أخذ هذا القرار على عاتقه ، كي لا يعرّض العلاقة مع الأردن للخطر و لإنقاذ رجلي الموساد المحتجزين في الأردن .

و بعد أن تحدّث مع الملك حسين و أمر ياتوم بالسفر إلى عمان حضر الاحتفال الروتيني ، كما هو مرتّب مسبقاً ، و لكنه ، بالطبع كان تفكيره منحصراً بتلك الفضيحة المدوية التي بدأ صداها يتردّد في عمان و منها إلى العواصم المختلفة .

أما داني ياتوم ، فغادر مع أحد مساعديه على متن طائرة خاصة و وصل عمان ، التي كان في استقباله في مطارها المستشار العسكري للملك حسين علي شكري ، و الذي صحبه فوراً للقاء الملك و هناك و بدون مقدّمات يخبر ياتوم الملك بما حدث من محاولة اغتيال مشعل ، و يكتفي الملك حسين الذي صمد وسط عواصف الشرق الأوسط العاتية لسنوات بحيث أصبح أقدم حاكم عربي حينها ، يكتفي بالصمت ، و يقدّم ياتوم للملك المصل الشافي ، و في تلك الأثناء كانت ثلة من الجيش الأردني تأخذ مشعل من المستشفى الإسلامي حيث نقل إلى مدينة الحسين الطبية ، لتوفير علاج أفضل و الحفاظ على حياته و أمنه كما قيل ، و في ذلك المستشفى يحقن مشعل بمصل الموساد الشافي هذه المرة .

و هنا يبدو أن رواية معاريف تستبعد ، من دون الإشارة إلى ذلك ما نشرته بعض الصحف الأجنبية عن الاتصالات التي أجراها الملك مع الرئيس كلينتون ، و يبدو الملك حسين في هذه الرواية و كأنه آخر من يعلم بما جرى في مملكته ، مع أنه مما لا شك فيه فإن المخابرات الأردنية و مديرها سميح البطيخي كانت و كان على علم بما حدث ، و ربما قبل علم نتنياهو بذلك أثناء زيارته لمقر الموساد .

و استمر نتنياهو في برامجه المخصصة للاحتفال برأس السنة العبرية بينما كان يتلقّى التقارير أولاً بأول من الأردن ، و هو يتنقل من احتفال إلى آخر ، و يطلع وزير حربه إسحاق موردخاي و آرئيل شارون وزير البنى التحتية و سكرتير الحكومة داني نفيه على حقيقة ما حدث ، و يصدر أمراً لرئيس بعثة الموساد في العاصمة الأمريكية واشنطن بالذهاب إلى نيويورك للقاء مع وزير الخارجية دافيد ليفي الذي كان يرأس وفد بلاده إلى اجتماعات الهيئة العامة للأمم المتحدة و إطلاعه على ما حدث .

و بعد ساعات يطلب نتنياهو من العقيد شمعون شبيرا نائب سكرتيره العسكري ، الاتصال مع أفرايم هليفي سفير (إسرائيل) لدى الاتحاد الأوروبي ، و المعروف بعلاقاته الحسنة مع الملك حسين على مدى سنوات ، و الطلب منه العودة على وجه السرعة إلى القدس ، التي يصلها في اليوم التالي ، و يتباحث مع نتنياهو في كيفية إرضاء الملك و تطمينه ، و في هذا الاجتماع يطرح هليفي فكرة الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين ، و هو ما طرحه على الملك حسين بعد ساعات عندما التقاه في القصر الملكي .

و في هذه المرة كان الملك حسين الذي حافظ على صمته في لقائه مع ياتوم ، يتحدّث بأريحية مع صديقه هليفي و يعبّر له عن مخاوفه و شكّه فيما إذا كان المصل المضاد سينقذ حياة مشعل . و اشترط الملك حسين ، لاستمرار الحوار مع (الإسرائيليين) أن يزوّدوه بتركيبة المادة السامة التي حقن فيها مشعل .

و في التاسعة من مساء من نفس اليوم (الجمعة : 26/9) كان هليفي يقدّم طلب الملك حول الحصول على التركيبة الكيماوية لقادة (إسرائيل) في غرفة المجلس الوزاري ، في جلسة وصفت بأنها إحدى الجلسات العاصفة جداً في تاريخ (إسرائيل) .

و كما هو متوقع فإن الطلب الأردني جوبه بنقاش حاد ، و لكن في نهاية الاجتماع اتخذ قرار بإرسال هليفي مرة أخرى إلى الأردن و معه خبير مهمته تقديم شرحٍ للملك حسين عن تركيبة السم القاتل .

و هو ما حدث و يبدو أن ذلك كان له ثمن ، و جزءاً من الصفقة التي أريد لها أن ترضي الجميع و تقلّل صدى الفضيحة ، ففي صباح الأحد (28/9) توجّه موكب من السيارات المحصنة من عمان و اجتازت الحدود دون أن يعترضها أحد ، و في إحدى السيارات كان هناك يجلس هليفي و معه ثلاثة رجال و امرأة ، هم عملاء الموساد الذين هربوا إلى داخل السفارة الصهيونية في عمان بعد الحادث ، و ها هم و بعد موافقة الملك حسين في طريقهم إلى بيوتهم ، خائبين .. !

و بالطبع الأمر لم ينتهِ عند هذا الحد ، فمشعل ما زال في المستشفى رغم التحسّن الذي طرأ على صحته و ما زال أيضاً رجلا الموساد محتجزيين لدى الأردن .

و هذا الجزء من القصة لا بد له من مفاوضات من نوع خاص ، لذلك في الساعة الحادية عشرة من مساء الأحد (28/9) تغادر طائرة من مهبط الكنيست بالقدس إلى عمان و تقلّ على متنها : نتنياهو و إسحاق موردخاي وزير الحرب ، و آرييل شارون وزير البنى التحتية ، و السفير أفرايم هليفي ، و مستشار وزير الحرب العميد يعقوب عميدور و نائب سكرتير نتنياهو العسكري العقيد شمعون شبيرا .

و في عمان يلتقيهم ولي العهد الأمير الحسن ، الذي يتهم القادمين بأن ما فعلوه و خططوا له باستهداف خالد مشعل هو في الواقع محاولة لإسقاط النظام الهاشمي ، و قال لهم الحسن بمرارة المصاب بخيبة من أصدقاء مقربين له (ماذا فعلتم ؟ قبل يومين فقط استضاف أخي الملك في قصره مجموعة من ضباطكم ، و جلس معهم ساعات طويلة و أكل معهم ، و أنتم تردّون بإرسال القتلة إلى أراضينا) .

و اتهم الحسن بلسانه و لسان شقيقه الملك بأن (إسرائيل) بعملها كانت تستهدف إحراجهما قائلاً : (نحن لا نفهمكم ، أي غباء هذا حين يقوم أربعة من عملاء الموساد بالهرب في وضح النهار إلى السفارة "الإسرائيلية" في عمان) .

و في حديثه الطويل مع الوفد الصهيوني رفيع المستوى ربط الأمير الحسن بين محاولة الاغتيال بما نشرته وسائل إعلام صهيونية بمحاولة (إسرائيل) اقتحام مناطق السلطة الفلسطينية و هذا يعني تهجير مئات الألوف من الفلسطينيين إلى الأردن ، و إغراق الأردن بهم و إسقاط النظام الملكي .

و بذل نتنياهو و صحبه (توضيح) الأمور لولي العهد الأردني ، و تم الاتفاق بشكلٍ نهائي على إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين ، على أمل أن يؤدّي ذلك للإفراج عن رجلي الموساد المحتجزين في الأردن .