|
خروج
الشيخ
في اليوم التالي الإثنين
(29/9) يبدأ الصهاينة في التسريع في الصفقة و الخروج سريعاً من الفضيحة التي وصفتها
وسائل الإعلام بأنها (الهدية) غير المنتظرة لنتنياهو الذي كان يأمل بالحصول على
هدية بمناسبة رأس السنة العبرية و لكنه حصل (على العملية الأكثر غباء و رداءة في
تاريخ الموساد) .
و يجتمع داني ياتوم و إليكيم
روبنشتاين و أفرايم هليفي و ممثل الموساد في عمان (.. تصوّروا ذلك : ممثل للموساد
في عمان ..!) ، مع الجنرال علي شكري مستشار الملك حسين العسكري ، ليتلقّوا منه
جواباً إذا كانت حركة حماس توافق على نقل الشيخ أحمد ياسين إلى الأردن ، و كان الرد
إيجابياً.
و في يوم الثلاثاء 30/9 ، و
أثناء إلقائه لخطاب في مدينة الزرقاء أمام وحدات من جيشه ، يطلب الملك ، و بصورة
فاجأت الرأي العام ، الذي لم يكن يدري ما يدور في الخفاء ، حتى أن الرقابة
الصهيونية حذفت التقارير التي تحدّثت عن صفقة من نوعٍ ما بين الملك الأردني و
(إسرائيل) ، و تشدّدت الرقابة على برقيات وكالات الأنباء و عمدت إلى حذف أجزاء منها
، يطلب الملك من (إسرائيل) الإفراج عن الشيخ الجليل أحمد ياسين .. !
و يوافق نتيناهو على (طلب)
الملك حسين ، و يتصل مع وزير الأمن الداخلي أفيغدور كهلاني الذي لم يكن يعرف تفاصيل
التحركات في الأيام السابقة و يطلب منه الإفراج عن الشيخ ياسين لنقله إلى الأردن
خلال ساعات ، لأنه يريد أن يؤدّي ذلك إلى الإفراج عن رجلي الموساد .
و يدخل السجّانون إلى غرفة
الشيخ ياسين و يطلبون منه و من مرافقه الشاب الأسير رائد البلبول ، الاستعداد
للإفراج ، و كانت ، بالطبع مفاجأة غير متوقعة ، و يتم نقل الإثنين إلى عمان بمروحية
أرسلها الملك حسين و يتم إدخال الشيخ ياسين المقعد و الذي يعاني من جملة أمراض إلى
مدينة الحسين الطبية في عمان .
و أثار الإفراج عن الشيخ ياسين
التكهنات حول وجود صفقة فيما يتعلّق بالإفراج عن عميلي الموساد المحتجزين لدى
الأردن . و كتبت الصحف و تحدّثت وسائل الإعلام عن ما وصلها من معلومات عن المفاوضات
بين الملك الأردني و (إسرائيل) للخروج من هذه الفضيحة المدوية . و صاحب الإفراج عن
زعيم حماس المسن و الذي يعاني من إعاقات دائمة ، بعد رفض (إسرائيلي) متكرّر للإفراج
عنه ، ردود فعل واسعة لدى أوساط عديدة .
و أول ردود الفعل هذه ، إذا
جازت التسمية على ما أقدم عليه الرئيس الصهيوني عيزر وايزمن ، جاءت من (إسرائيل)
نفسها ، و ترافقت مع قرار الإفراج عن الشيخ ياسين . ففي (إسرائيل) و بعد ساعات من
الإفراج عن الشيخ ياسين ، كان اثنان من الإرهابيين اليهود هما : زئيف ولف و غيرشون
أرشكوفيتش يطلق سراحهما بقرار من الرئيس (الإسرائيلي) ، و كان حكم على الإثنين في
تموز 1993 بالسجن عشر سنوات لكلّ منهما بعد إدانتهما بإلقاء قنابل يدوية على أحد
أسواق القدس العربية مما أدّى إلى قتل تاجر فلسطيني .
و لم يكتفِ وايزمن بذلك بل
أصدر قراراً بتخفيض عقوبة أربعة إرهابيين آخرين ، و هم يورام سكولنيك المدان بقتل
أسير فلسطيني و خفّف حكمه من المؤبد إلى 15 عاماً ، و خفّف حكم الإرهابي نير عفروني
المدان بقتل عامل فلسطيني من 22 عاماً إلى 15 عاماً ، و خفّف الحكم الصادر على
الإرهابي إيلي فعنونو شريك عفروني بقتل العامل الفلسطيني من 22 عاماً إلى 15 عاماً
، و شمل تخفيف الأحكام إرهابي آخر هو ناخشون وولف المدان بقتل فلسطينية من الخليل
قرب مستوطنة كريات أربع ، و ذلك من 15 عاماً إلى 12 عاماًَ .
و حاولت الأوساط الحكومية
الصهيونية عدم الربط بين هذه القرارات و الإفراج عن ياسين ، و قال آريه شومر
السكرتير الصحافي لوايزمن إن هذه القرارات اتخذت قبل ثلاثة أشهر من الإفراج الذي تم
بمناسبة رأس السنة العبرية الجديدة .
و برّرت (إسرائيل) إطلاق سراح
ياسين لأسباب صحية و استجابة لنداء الملك حسين بإطلاق سراحه ، و تطوّع الناطق بلسان
جيش الاحتلال ليقدّم تقريراً عن حالة الشيخ ياسين ، قائلاً إنه يعاني ضعفاً شديداً
في البصر و التهابات داخلية و مشكلات مزمنة في التنفس و تدهوراً عضلياً .. !
و عبرت الأوساط الفلسطينية
جميعها عن فرحتها بإطلاق سراح ياسين مع تحفّظها على إبعاده إلى الأردن ، و منها
رئيس السلطة ياسر عرفات الذي كان يؤكّد دائماً في خطاباته على أهمية إطلاق سراح
الشيخ ياسين ، و في إحدى المرات و رداً على سؤال وجّهته له ، قال إن مسألة الإفراج
عن الشيخ ياسين أمر متفق عليه مع (الإسرائيليين) و أنهم يجب أن ينفّذوا ما التزموا
به بهذا الشأن ، و هو لم يحدث إلا بعد فضيحة الموساد في عمان .
قال عرفات إنه سعيد لإطلاق
سراح أخيه و زميل دراسته الشيخ ياسين ، و رأى في ذلك أمراً يبعث على الثقة بالنفس و
عبّر عن أمله بأن يكون ذلك فاتحة للإفراج عن بقية الأسرى ، و فيما بعد طار عرفات
إلى عمان و التقى الشيخ ياسين . و وجّه المجلس التشريعي الفلسطيني الذي كان يعقد
جلسة له في مدينة رام الله في 1/10/ التحية لزعيم حماس الذي "كانت مسألة الإفراج
عنه على جدول أولويات الرئيس عرفات و السلطة الوطنية" ، معتبراً أنه كان يجب على
(إسرائيل) إطلاق سراحه قبل وقت طويل من ذلك ، استجابة للاتفاقيات بين الجانبين
الفلسطيني و (الإسرائيلي) بخصوص إطلاق سراح الأسرى المرضى و كبار السن ، و كذلك
استجابة لاتفاق بين أجهزة الجانبين الأمنية تضمن الإفراج عن ياسين مقابل الكشف عن
جثة جندي (إسرائيلي) كان اختطف و قتل في غزة ..
و رحّبت حماس بالإفراج عن
زعيمها و كذلك فعلت أسرة الشيخ ياسين ، و لكنهم جميعاً لم يستوعبوا فرضية أن يبقى
ياسين في الإبعاد خصوصاً و أنه كان رفض سابقاً إفراجاً مشروطاً عنه مقابل موافقته
على إبعاده .
و أكّد محمد نزال ممثل حماس في
الأردن أنه تم تلقّي تأكيدات شخصية من الملك حسين حول عودة الشيخ ياسين إلى غزة بعد
انتهاء علاجه .
و سارع الملك حسين و أخذ
المبادرة من جديد و اتصل بنفسه مع زعماء حماس في غزة الذين قادوا المعارضة ضد ما
وصف بأنه إبعاد لياسين إلى الأردن ، و طمأنهم أنه بإمكان ياسين العودة متى يشاء إلى
غزة .
و قال إن ياسين الآن في وطنه
الثاني بين أهله ، و أعرب عن أمله (في أن يكون هذا الإجراء "الإسرائيلي" بداية خطوة
من خطوات لاحقة على كل الأصعدة على طريق السلام العادل و المشرف) ...
و عاد الشيخ ياسين إلى غزة في
6/10 على متن مروحية ، و جرى له استقبال رسمي و شعبي وسط اهتمام إعلامي كبير . و
تكرّس أحمد ياسين زعيماً عربياً و إسلامياً ، عندما قام بعد مكوثه قليلاً في الأردن
في المستشفى ، و الاهتمام الإعلامي الكبير به ، و عودته إلى غزة ، بجولة شملت دولاً
عربية عدة استقبل فيها من كبار المسؤولين و عومل تقريباً معاملة الرؤساء ، و هو ما
رجّح تكهنات حول زعامة ياسين و دوره المستقبلي في فلسطين ، و إمكانية أن يشكّل
بديلاً لزعامة عرفات .
و لكن ذلك لم يحدث ، و احتفظ
ياسين بصفته رمزاً وطنياً كبيراً ، و صوت المعارضة الأبرز ، و ضمير المقاومة
المستمرة على أرض فلسطين .
|