|
مشعل: ليس آخراً .. !
قبل محاولة اغتياله الفاشلة
بنحو عامين ، برز خالد مشعل كصاحب المنصب الأول في حركة حماس ، أثناء وجود رئيس
مكتبها السياسي موسى أبو مرزوق في السجون الأمريكية في ظروف معقدة ، و بعد أن تم
الإفراج عن أبي مرزوق بقي مشعل ، الذي ينحدر من بلدة سلواد قرب مدينة رام الله في
منصب رئيس المكتب السياسي .
و كان تعيينه في هذا المنصب
لافتاً للانتباه في تلك الحركة ذات الصلة بحركة الإخوان المسلمين ، و التي كانت
الصورة عن الحركة الأم ، أن قادتها من كبار السن ، أو من (الحرس القديم) و هي صورة
ليست دقيقة ، و جاء تعيين مشعل على رأس المكتب السياسي استجابة لظروف ليست فقط
ذاتية في حركة حماس ، و لكن أيضاً موضوعية ، بعد أن أضحت الحركة لاعباً وطنياً و
إقليمياً ، تحتاج إلى قيادة ديناميكية شابة تتعاطى السياسة من أوسع أبوابها و
النضال اليومي الوطني في فلسطين و الذي عادة ما يكون وقوده الشباب .
و حتى عام 1990 كان مشعل يقيم
في الكويت ، التي نشأ فيها ، و قاد خلال وجوده في جامعة الكويت التيار الإسلامي
فيها، و بعد قدومه إلى الأردن بفعل حرب الخليج الثانية ذات النتائج المعروفة ،
تفرّغ للعمل في حركة حماس في العاصمة الأردنية عمان ، و التي امتاز عمل الإخوان
المسلمين فيها طول عقود بتعايش علني مع النظام الهاشمي الحاكم ، و لكنه تعايش لم
يخلُ من شدّ و جذب و صِدام .
و لكن عمل حماس العلني في
الأردن شابهُ سحابات غير ممطرة كثيرة ، لكون حماس حركة مقاومة و تكاد تكون رأس
الحربة في مقاومة الاحتلال ، بينما النظام الهاشمي في الأردن فتوجهاته معروفة تجاه
(إسرائيل) و التي ليس بينها على الإطلاق ، أي مفهوم للمقاومة حتى لو بشكلها السلمي
.
و حسب نبذة رسمية عن حياة مشعل
، فإنه من مواليد سلواد قضاء رام الله (فلسطين) عام 1956م ، هاجر في عام 1967 إلى
الكويت ، و بقي هناك حتى اندلاع أزمة الخليج عام 1990 . درس الابتدائية في سلواد ،
و أكمل الإعدادية و الثانوية و المرحلة الجامعية في الكويت . قاد التيار الإسلامي
الفلسطيني في جامعة الكويت ، و شارك في تأسيس كتلة الحق و التي نافست قوائم حركة
(فتح) على قيادة الاتحاد العام لطلبة فلسطين في الكويت . حاصل على البكالوريوس في
الفيزياء من جامعة الكويت ، تزوّج في عام 1981م ، و لديه سبعة أبناء ، ثلاث إناث و
أربعة ذكور ، عمل مدرساً للفيزياء طيلة وجوده في الكويت بالإضافة إلى اشتغاله
بالعمل في خدمة القضية الفلسطينية . تفرّغ للعمل السياسي بعد قدومه إلى الأردن .
يعدّ من مؤسسي حركة المقاومة الإسلامية (حماس) . كان عضواً في المكتب السياسي لحماس
منذ تأسيسه ، و انتخب رئيساً له في عام 1996 .
و يمكن ملاحظة أن عمله السياسي
العلني ، و الذي تفرّغ له تماماً ، في قيادة حماس ترافق مع صعود أسهم الحركة خصوصاً
بعد النوع الجديد من العمليات الفدائية التي شهدتها الساحة الفلسطينية ، نفّذها
مجاهدون من حماس و حركة الجهاد الإسلامي ، و عرفت باسم العمليات الاستشهادية ، و
التي كان منها عمليات هزت (إسرائيل) بالفعل و شدّت انتباه العالم ، و منها ما كان
سبباً مباشراً في قرار بنيامين نتنياهو التخلص منه ، و منها :
·6/4/1994 : عملية بسيارة
ملغومة في مدينة العفولة ، أسفرت عن مقتل ثمانية صهاينة و جرح 44 آخرين .
·بعد نحو أسبوع و في 13/4/1994
، تضرب حماس من جديد و هذه المرة في الخضيرة ، و أسفر عن العملية مقتل 12 و إصابة
47 آخرين ، حسب المصادر العبرية .
·11/نوفمبر/1994 : عملية
للجهاد الإسلامي قرب موقع عسكري في مستوطنة نتساريم في قطاع غزة ، أسفرت عن مقتل
ثلاثة جنود صهاينة .
·22/يناير/1995 : عملية للجهاد
الإسلامي فجّر خلالها استشهاديان نفسيهما في موقف باص في مدنية اللد ، و أدّت إلى
سقوط 22 قتيلاً و إصابة 46 آخرين .
·9/4/1995 : مقتل سبعة جنود و
شخص أمريكي قرب مستوطنة كفار داروم بقطاع غزة في عملية للجهاد الإسلامي .
·14/7/1995 : مقتل ستة في
عملية لاستشهادي من حماس بتفجير قنبلة في باص في رمات غان قرب تل أبيب .
·21/8/1995 : مقتل خمسة صهاينة
و إصابة 89 آخرين ، بتفجير قنبلة لاستشهادي من حماس في باص بالقدس .
·25/فبراير/1996 : عمليتان
استشهاديتان لحماس في القدس وع سقلان أسفرتا عن مقتل 26 و إصابة 22 صهيونياً و
أمريكي واحد .
·4/3/1996 : مقتل 19 صهيونياً
في عملية تفجير لحماس في باص بالقدس ، و في نفس اليوم عملية أخرى للجهاد الإسلامي
أسفرت عن مقتل 31 شخصاً في تل أبيب .
·21/3/1997 : مقتل ثلاثة
صهاينة و استشهادي من حماس في عملية في تل أبيب .
·30/7/1997 : عملية مزدوجة
لاستشهاديين من حماس في القدس أسفرت عن مقتل 18 صهيونياً .
·4/9/1997 : ثلاث عمليات
استشهادية في القدس الغربية نفّذها مجاهدو حماس أدّت إلى قتل خمسة صهاينة و إصابة
170 ، حسب الإحصاءات الصهيونية .
و من الصعب تحديد مدى دوره
المباشر في هذا الصعود الكبير لحركة حماس ، لكنه أصبح بالفعل و بعد ترؤسه للمكتب
السياسي للحركة المسؤول الأول أمام الرأي العام عن ما تقوم به الحركة ، و لهذا فكّر
نتنياهو بالتخلص منه و لو بعملية لا تعلن (إسرائيل) مسئوليتها عنها أو لا تسرّب
للصحافة معلومات عنها ، و بمعنى آخر فإن الهدف من التخلص منه كان لهدف ذاتي المقصود
به ربما تجفيف أحد ينابيع نهر المقاومين التابعين لحماس في فلسطين المحتلة .
و هكذا جاءت محاولة اغتياله
الفاشلة ، و التي أدّت على الأقل على صعيد مشعل الشخصي إلى نجاح كبير له ، و برز
كأحد نجوم السياسة العربية ، حيث تسابقت وسائل الإعلام على إفراد مساحات له و إجراء
مقابلات معه ، حتى أصبح معروفاً في كل بيت عربي .
و لم تؤثّر فيه العملية
الفاشلة شيئاً ، و بعد أن غادر المستشفى و تعافى ، عقد مؤتمراً صحافياً ، أكّد فيه
أن حركته لم تكن يوماً حركة إرهابية و لكنها تقوم بما يجب أن تقوم به أي حركة تحرّر
وطني من مقاومة مشروعة ضد الإرهاب الذي (تمارسه الدولة الصهيونية التي تمتلك
تكنولوجيا الدمار) .
و أعطى مثلاً ملموساً على ذلك
الإرهاب الصهيوني و هو محاولة اغتياله التي جرت قبل تسعة أيام من مؤتمره الصحافي .
و بشعور المنتصر قال مشعل لصحافي سأله عن محاولة الاغتيال إذا كانت من تدبير
نتنياهو بسبب تورّط مشعل في التفجيرين الأخيرين بالقدس (ليذهب نتنياهو إلى الجحيم)
.
و أكّد أن مهمته في الحركة
تنحصر في رئاسته للمكتب السياسي و لا علاقة له بعمليات حماس في الداخل التي يفتخر
بها . و أمام صعود حماس و مشعل ، لم يكن من المتوقع من أكثر من جهة (إسرائيلية) و
عربية و غربية السكوت عن ذلك ، و سرعان ما انفض (الحفل) و غادر المدعوون و أصبح من
المطلوب طرد المحتفى بهم .
و بدأت عملية لابتزاز و ملاحقة
قادة حماس في الأردن ، و أعلن عن مداهمة مكاتبهم و زعم الأمن الأردني العثور على
ديسكات حاسوب فيها خطط ضد النظام ، و أغلقت المكاتب و لوحقت قيادة الحركة و على
رأسها مشعل و موسى أبو مرزوق و الناطق بلسانها إبراهيم غوشة .
و أثناء وجود الثلاثة في طهران
، في زيارة عمل ، تحرّكت أجهزة المخابرات الأردنية و ألقت القبض على اثنين من قادة
الحركة و أصبح محمد نزال ممثل الحركة في الأردن و الذي رافق الشيخ أحمد ياسين أثناء
وجوده في الأردن ، مختفياً عن الأنظار مطلوباً القبض عليه .
و قرّر القادة الثلاثة العودة
إلى الأردن و كما هو متوقع ألقيَ القبض عليهم ، و تم إبعادهم إلى قطر ، و في هذه
القصة هناك الكثير مما يقال ، خصوصاً و أن فصولها تتالت بعد أشهر لاحقة ، و لكننا
نأخذ هنا جزأها في السياق المتعلق بمحاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرّض لها مشعل .
و أعلن أن قادة حماس الخمسة
المبعدين إلى قطر سوف يكونون في ضيافة الحكومة القطرية ، بينما أحدث الإبعاد ردود
فعلٍ كبيرة منها ما هو متعلق بالساحة الأردنية ، و تم رفع قضية على الحكومة
الأردنية باعتبار ما حدث مخالفاً للدستور .
و عندما وصل مشعل و رفاقه قطر
، كان كرسي رئاسة الوزراء في (إسرائيل) قد أخلي لزعيم المعارضة اليسارية إيهود
باراك ، و جهاز الموساد تعاقب عليه أكثر من رئيس و الملك الأردني حسين كان غادر إلى
العالم الآخر ، و لكن كانت حماس تدخل مع غيرها من القوى الوطنية و الإسلامية
الفلسطينية معركة جديدة و شرسة .
و بعد نحو ثلاثة أشهر من
اندلاع انتفاضة الأقصى ، كانت أنباء صحافية تتحدث عن محاولة جديدة فاشلة لاغتيال
خالد مشعل في قطر و ذلك خلال عقد المؤتمر الإسلامي في قطر في الشهر الأخير من عام
2000 .
و كان سبق عقد المؤتمر
انتقادات لقطر لعلاقاتها مع (إسرائيل) و لوجود مكتب تمثيل تجاري (إسرائيلي) فيها ،
و وعدت قطر بأنها ستغلق المكتب و هو شرط كانت طلبته معظم الدول الإسلامية لموافقتها
على حضور المؤتمر في ظلّ تصاعد الانتفاضة و نزيف الدم الفلسطيني غير المسبوق في
الأرض المحتلة من أجل الأقصى .
و لكن يبدو أن قطر بقيت تتمتع
بعلاقات مع (إسرائيل) قبل و أثناء و بعد عقد المؤتمر و التقى وزير الخارجية القطري
حمد بن جاسم ، الذي لم يخف علاقات بلاده مع (إسرائيل) و التقى مع قادة (إسرائيليين)
بشكلٍ علني بعد أشهر من انتفاضة الأقصى ، و لكنه في ذلك الوقت و حرصاً على علاقات
بلاده مع الدول الإسلامية فإنه أجرى لقاءاً سرياً 12/12/2000 في باريس مع وزير
الخارجية الصهيوني شلومو بن عامي و هو لقاء كشفت عنه وسائل الإعلام العبرية . و
بحثا في وضع مسيرة السلام و المساعي المبذولة لاستئناف المفاوضات (الإسرائيلية) –
الفلسطينية ، و العلاقات بين الدوحة و تل أبيب .
و ترافق مع تسريب خبر هذا
اللقاء نشر خبر عن محاولة استهدفت خالد مشعل في الدوحة أثناء عقد مؤتمر القمة
الإسلامي . و ذكرت صحيفة "المستقبل" اللبنانية أن السلطات القطرية نجحت في كشف
محاولة اغتيال كان سيتعرّض لها رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية
"حماس" خالد مشعل من جانب 3 مجموعات أمنية صهيونية استطاعت الدخول إلى قطر مستخدمة
جوازات سفر دبلوماسية كندية و نرويجية . و نقلت الصحيفة عن مصادر دبلوماسية عربية
أن الخطة الصهيونية كانت تقضي باغتيال مشعل خلال انعقاد القمة الإسلامية أو بعدها ،
لكن السلطات القطرية اكتشفت الأمر ، و أبعدت المجموعات الصهيونية في ظلّ حرصٍ شديد
على عدم إعلان الأمر .
و أعربت السلطات القطرية
للكيان الصهيوني عن انزعاجها الشديد ، و عجّلت هذه التطوّرات في اتخاذ السلطات
القطرية القرار بإقفال مكتب الرعاية الصهيوني في الدوحة ، كما عمل المسؤولون
القطريون على اتخاذ إجراءات أمنية لحماية مسئولي حماس الموجودين في قطر منذ
أبعدتهم السلطات الأردنية قبل أكثر من سنة . و تم تزويد مشعل بسيارة مصفحة
لاستخدامها في تنقلاته في الدوحة .
و نشرت صحيفة المجد الأردنية
المعارضة (18/12/2000) تقريراً حول ما اعتبرته أسراراً عن تلك المحاولة الجديدة
الفاشلة لاغتيال مشعل ، و التي أقرّت خطتها بعد اندلاع انتفاضة الأقصى ، و وضع
الموساد ، حسب الصحيفة ثلاث سيناريوهات لتنفيذ الخطة ، الأول تفجير عبوة توضع في
هاتف مشعل الخلوي أو الثابت ، و لكن يستلزم ذلك إحداث اختراقٍ في المجموعة القريبة
من مشعل ، أما السيناريو الثاني ، فهو وضع سيارة مفخّخة في الطريق التي يسلكها مشعل
، و هذا السيناريو هو الأضمن للنجاح ، و لكنه يمكن أن يؤدّي إلى قتل العديد من
الأشخاص الذين يمكن أن يكونوا في الطريق .
و السيناريو الثالث و هو
الاغتيال المباشر ، و خطورته أنه يمكن اعتقال منفّذه و إدلائه بالتفاصيل ، كما حدث
من قبل في عمان . و زعمت صحيفة المجد ، أن ثلاث مجموعات من الموساد دخلت الأراضي
القطرية بجوازات سفر مزوّرة ، لفحص إمكانية تنفيذ أيّ من السيناريوهات المذكورة ، و
لكن السلطات القطرية ألقت القبض عليهم ، بعد أن تلقّت أجهزة الأمن القطرية معلومات
عنها من جهاز أمن أوروبي ، نتيجة لضغوط أمريكية ، كما ذكرت الصحيفة تم إبعاد عملاء
الموساد عن الأرض القطرية .
و أضافت الصحيفة معلومات أخرى
عن أن الموساد فكّر باغتيال مشعل في لبنان و لكن حال دون ذلك قلة زيارات مشعل
للبنان ، و أن الموساد و وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تعاونا معاً لجمع
معلومات كافية عن مكان إقامة مشعل و تحرّكاته و اتصالاته و أن المكالمات الهاتفية
لمشعل و قيادات حماس الأخرى و عائلاتهم قد وضعت تحت المراقبة (الإسرائيلية) عبر
الأقمار الصناعية .
و لم يصدر أي بيانٍ رسمي عن
حماس حول هذا الشأن ، و ردّاً على سؤال حول المحاولة الجديدة الفاشلة قال الشيخ
أحمد ياسين إنه لا علم له بذلك و «أن الأخوة في الخارج لم يبلغونا بشيء" .
و سواء كان ما نشرته الصحف عن
المحاولة الجديدة في قطر صحيحة أم لا ، فإن المؤكد أن الموساد لم يغلق بعد ملف خالد
مشعل و ربما تكون هناك بينهما جولات أخرى .. !
|