الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

جملة معترضة : إرهابي سابق

 

في عام 1948 كان أوري أفنيري ، الشخصية المعروفة و المركزية ضمن معسكر اليسار الصهيوني و رئيس كتلة السلام ، من ضمن العصابات الصهيونية التي حاصرت و شرّدت سكان عدة قرى فلسطينية و بعد خمسين عاماً من ذلك التاريخ ، الذي حفر في ذاكرة الفلسطينيين و العرب باسم النكبة ، أمضى أفنيري ، عطلة عيد الميلاد في مخيم الدهيشة ، مع أصدقاء فلسطينيين وجدوا في المخيم نتيجة سياسة الإرهاب التي اتبعتها العصابات الصهيونية ضدهم .

التقيت أفنيري الذي قدِم مع زوجته و طرحت عليه عدة أسئلة ، ربما و هي تشكّل جملة معترضة في موضوعنا عن الاغتيالات أن توضح و لو نسبياً الخلفية التي  يستند إليها القادة الصهاينة في سياستهم الإرهابية ضد الشعب الفلسطيني ، التي يمكن وصفها بكثير من الاطمئنان بأنه : القتل من أجل القتل .. !

- سألت أفنيري : ماذا كنت تفعل عام 1948 ؟

- كنت جندياً في الجيش (الإسرائيلي) ...

- لم يكن هناك جيشاً إسرائيلياً بعد ؟

- الجيش بدأ ، عندما بدأت الحرب عام 1948 ، لم يكن جيشاً رسمياً و كان اسمه الهاجناة ، و عندما أعلنت دولة (إسرائيل) عام 1948 أصبحت هذه الكتائب جيش الدفاع (الإسرائيلي) .. ، و كنت أنا في كتيبة (جفعاتي) ، عملنا على طريق القدس في قرى مثل (خلدة) و (دير محيسن) ، و في وقتٍ من الأوقات كنت قريباً من قرية (زكريا) و لكنني لم أدخل (زكريا) محارباً .

يعتقد أفنيري بأن الحديث عن الحرب عام 1948 ، و ما حدث فيها يستلزم ليس العودة خمسين عاماً للوراء ، بل إن الواقع يستلزم العودة 120 عاماً إلى الوراء ، حيث وصول أول دفعة من المستوطنين اليهود إلى فلسطين . و يضيف : (منذ ذلك التاريخ بدأ صراع تاريخي بين شعبين ، يعتقد كلُ واحد منهما بأن الأرض ملكية لكل منهما ، و هذا يختلف عن أية حرب أخرى أعرف عنها ، لأنه في العادة تقع الحرب بين دولتين حول قطعة أرض ، بينما الحال هنا فإن كلاً من الشعبين يدعي بأن الأرض له ، و أنا كنت أعتقد بأن على الشعبين كان عليهما أن يناضلا معاً ضد الاستعمار الخارجي) !! .

و يشير أفنيري إلى أنه عمل من أجل ذلك حركة عام (1946) أي قبل الحرب ، و من أجل ذلك أصدر أيضاً كتاباً في نهاية عام 1947 بعنوان (الحرب و السلام في المنطقة السامية) و استخدم عبارة (السامية) لأنها في رأيه هي العبارة الوحيدة التي توحّد سكان هذه الأرض ، و لم يستخدم كلمة شرق .. لأنها غير مناسبة و ليس لها معنى فالشرق بالنسبة لمن ... ؟

و يقول ، إنه أصدر ، بعد تلك الحرب ، كتابين أحدهما كان شعبياً جداً ، و كان لسنوات أحد الكتب الأكثر مبيعاً في (إسرائيل) ، أما الكتاب الثاني فهو بعنوان (الوجه الآخر للعملة) و الذي قوطع من قبل السلطة (الإسرائيلية) ، و تحدث فيه عن الجرائم و المجازر التي وقعت خلال حرب عام 1948 .

و رداً على سؤال قال أفنيري إن تلك الحرب كان لا بد منها في الصراع ، و يقول إن المهم تجاوز نتائج ذلك التاريخ و إيجاد حلاً للصراع .. ! و يعتقد أفنيري بصحة موقفه في المشاركة في تلك الحرب : (كنا متأكدون في ذلك الوقت بأننا ندافع عن حياتنا ، و إذا خسرنا الحرب كنا على قناعة تامة ، بأننا إذا خسرنا سنرمى خارج البلاد ، لذلك كان شعارنا ليس هنالك خيار آخر) .

و يقول رداً على سؤال (كان هنالك تأثير للقوى الأجنبية لكن الصراع كان بين شعبين ، حتى لو لم يكن هناك فرنسيون أو إنجليز أو روس ، الجانب اليهودي كان لديه هدفٌ واضحٌ و هو إقامة دولة يهودية مستقلة ، و بعد الحرب العالمية الثانية التي قتل فيها (6) ملايين يهودي ، كان علينا أن نحصل على دولة يهودية مستقلة هنا) .

و يضيف أفنيري : (قبل مائة عام كان اليهود أقلية ، في نهاية القرن الماضي كان هنالك (50) ألف يهودي و نصف مليون فلسطيني ، نحن لا نختلف على الوقائع ، لكننا نختلف في تفسيرها) .

و رداً على سؤال كيف يبرّر الإرهاب الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني في تلك الحرب قال أفنيري : (الأعمال التي حدثت اعتبرت إرهابية من الجانبين ، لسبب بسيط لأن كل طرف لم يكن يعترف بالآخر) .

و أضاف : (من الخطأ اتهام الجانب اليهودي بارتكاب مجازر ، فهناك أعمال فظيعة حدثت من الجانب الآخر ، فمثلاً هنالك (35) من جنودنا قتلوا في الطريق إلى غوش عتصيون و قطعت رؤوسهم و علقت و ساروا بها معلقة في القدس ، و نحن رأينا صورهم على تلك الحال ، في بداية الحرب كان كل جانب مقتنع أنه إذا سيطر فيجب قتل الجميع ، ما كان يحدث شبيهاً بما حدث فيما بعد ، و في هذه السنوات في البوسنة ، في النهاية الذين عانوا هم الفلسطينيين لأننا كسبنا الحرب ، و يجب أن لا ننسى أنه في المناطق التي كان يسيطر  عليها  العرب لم يبقَ أي يهودي فيها و في البلدة القديمة في القدس ، تم إما قتل اليهود أو أسرهم ، لقد كانت حرب قاسية بين الطرفين ، عندما دخلنا الحرب كان هنالك 635 ألف يهودي في فلسطين قتل منهم ستة آلاف يهودي ، كل أصدقائي قتلوا ، كانت حرباً قاسية جداً عنيفة من الطرفين) .

و أخذ أفنيري ، الذي غالط في سرد الحقائق مثل إشارته لما حدث في مستوطنات كفار عتصيون ، طرف الحديث إلى جانب آخر لترسيخ ما طرحه من أفكار : (في الأول من أبريل عام 1948 ، بدأنا الهجوم لفتح الطريق إلى القدس ،  و كانت فرقتان من الجيش تنتظر في ميناء تل أبيب ، قدوم سفينة من الاتحاد السوفيتي محملة بالأسلحة ، جميع أسلحتنا جاءت من الاتحاد السوفيتي و مصنوعة في تشيكوسلوفاكيا و خلال الحرب كان الاتحاد السوفيتي يعطينا دعماً دائماً ، و يمدّنا بالبنادق و المدافع ، لأنهم اعتقدوا أن وجود دولة يهودية هنا أفضل من مستعمرة بريطانية ، و حتى عام 1951 كان السوفيت يعطوننا دعماً سياسياً كاملاً ، و لكن بعد وفاة ستالين بدأت السياسة السوفيتية تتغير لصالح العرب) ..

- و لكننا نعرف أن الاتحاد السوفيتي كان يحارب النشاط الصهيوني ، و اعتقلت القوات السوفيتية ، مثلاً ، مناحيم بيغن و رحّلته لسيبيريا بسبب نشاطه الصهيوني كما رواها في مذكراته .

- صحيح ... و لكنهم كانوا يحاربون النشاط الصهيوني في بلادهم و ليس هنا .

- سالت أفنيري : هل ارتكبت جرائم  في تلك الحرب ؟

- القتل محتمل جداً ، كل حرب يحدث فيها ذلك ، خصوصاً و أننا كنا نحارب في الليل ...

- أين حاربت .. ؟

- قاتلت في عدة قرى من (دير محيسن) حتى (عسقلان) ، و كان لوحدتي دوراً في معارك كثيرة حدثت معظمها في الليل ، و أنا أصبت في تلك الحرب في منطقة (عراق المنشية) و التي اسمها اليوم (كريات غات) و كان في الجانب الآخر الرئيس عبد الناصر ، و في كتابي (إسرائيل بدون صهيونية) كتبت فصلاً عن هذا الموضوع و طلبت من صديق مشترك ، هو (أريك رولو) أن يعطيه لعبد الناصر بعد أن أصبح رئيساً ، و قال عبد الناصر إن وصفي للأحداث كان صحيحاً .

- ما هو شعورك الآن و أنت شاركت في ذلك الإرهاب ضد الشعب الفلسطيني  ؟

- دعنا لا نسميها إرهاباً ، نسميها حرباً ، حرب 1948 كانت مأساة و محزنة جداً و نتيجتها مازلنا نعيشها حتى الآن ، و لا توجد فائدة لأيّ جانب أن يفكّر بنفس الاعتقاد لدى الطرف الآخر ، و الحديث عن الطرف اليهودي كعصابات من القتلة ، و الآن هنالك كتّاب يهود يحكون عن العصابات العربية ، يجب أن نبتعد عن هذه الكلمات ، كلا الطرفين حاربا من أجل هدف ...

- هل تشعر بندم على مشاركتك في تلك الحرب ؟

- لا … ، و لكنه من المؤسف ، و بعد خمسين عاماً من الحرب ، لم نضع نهاية للمأساة ، مأساة اللاجئين ، و يجب أن نبدأ الآن في التفكير بوضع حد لمأساة اللاجئين ، و من مضمون السلام أن نجد حلاً عادلاً و عملياً لمأساة اللاجئين !! .... و دائماً عندما أتقي أصدقاء من الفلسطينيين ، أسألهم من أية قرى لجأوا أو لجأت عائلاتهم ، و كثير منهم يذكرون أسماء قرى قاتلت فيها ، و بالأمس سألت (ساجي سلامة - المسؤول السابق في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين) و روى لي كيف خرجوا من عسقلان ، و قلت له إنني شاهدت خروجهم من على تلة قريبة ، و كنت وقتها (حزيناً) لخروجهم ، و أعتقد أن تهجير الناس كان خطأ ، و أعتقد و بعد كل هذه السنوات لم نغير الماضي و لكننا نستطيع التأثير في الحاضر و المستقبل و يجب أن يكون حلٌ في هذا السلام للاجئين فلا يعقل أن نعمل سلاماً مع نصف المجتمع الفلسطيني و نترك الآخرين ، الذين في الخارج بدون سلام .

أضاف أفنيري : (كان لي صديق هو عصام السرطاوي ، الذي ولد في عكا ، و أرسله عرفات عام 1975 لفتح اتصالات مع (الإسرائيليين) ، و كنا نجتمع في اجتماعات عامة في أوروبا ، و كان عصام يقول دائماً : أنا و أفنيري مخربون قدماء ، نريد أن نعمل معاً سلاماً ، .. في الصراع التاريخي بين الفلسطينيين و (الإسرائيليين) ، هناك صراع آخر بين معسكر السلام من الطرفين و أعداء السلام ، و أنا في هذه الحرب من المعسكر الأول) ..

- و سألت أفنيري : هل صداقتك مع الفلسطينيين و زياراتك لهم هي نوع من طلب المغفرة ؟

- أفنيري : أعتقد أنه قبل أن نصل للسلام الحقيقي ، فعلى دولة (إسرائيل) أن تعتذر للشعب الفلسطيني ، فبينما كنا نقاتل ، قمنا بعمل غير عادي ضد الفلسطينيين ، فالاعتذار مهم جداً ... و شخصياً أشعر بامتنان شديدٍ لأن يتم استقبالي في مخيم اللاجئين و لا أنسى بأنني كنت جزءاً من هذه الحرب و لديّ مشاعر عميقة اتجاه أصدقائي الفلسطينيين (!!) .

*******

و لكن ما حدث للشعب الفلسطيني لا يمكن معالجته ، بأي شكلٍ من أشكال المشاعر .. ! حتى لو كانت من إرهابي (سابقٍ) كان مقتنعاً أنه يقوم بواجبه تجاه شعبه و (وطنه) .. !