|
ربيع فردان
و لعل أشهر عملية اغتيال تمت
في بداية حملة غولدا مئير تلك التي نفّذت يوم 10/4/ 1973 و التي عرفت باسم ربيع
فردان و طالت القادة كمال ناصر و كمال عدوان و أبو يوسف النجار ، حيث وصلهم آمنون
شاحاك (القائد العسكري وزير السياحة الصهيوني فيما بعد) و إيهود باراك (القائد
العسكري و رئيس وزراء (إسرائيل) فيما بعد) و تمت تصفيتهم في منازلهم في شارع فردان
في بيروت .
و كمال ناصر (1924 - 1973) أحد
رموز النضال و الأدب في فلسطين ، ابن إحدى العائلات المسيحية الفلسطينية من بلدة
بير زيت ، تتشابه سيرة حياته مع كثير من أبناء جيله من نشطاء الحركة الوطنية
الفلسطينية ، فهو خريج الجامعة الأمريكية في بيروت ، التي تخرج منها أيضاً العديد
من الذين أصبحوا رموزاً في الحركة الوطنية الفلسطينية و حركة القومية العربية ، كان
عضواً في حزب البعث الاشتراكي ، و أصدر صحيفة البعث في رام الله ، و صحفاً أخرى ، و
انتخب عضواً في مجلس النواب الأردني ، و تعرّض للاعتقال بعد الاحتلال عام 1967 و
أبعدته سلطات الاحتلال للخارج ، و أصبح عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير
الفلسطينية و مسؤول الإعلام فيها ، و ناطقاً رسمياً باسمها ، و مشرفاً على مجلة
فلسطين الثورة التي أصدرها باسم منظمة التحرير الفلسطينية .
و في نفس العمارة التي كان
يسكنها كمال ناصر في شارع فردان في بيروت ، كان يسكن أيضاً محمد يوسف النجار (1930
- 1973) عضو اللجنة المركزية في فتح ، و ينحدر من قرية يبنا قضاء الرملة ، شرّد مع
عائلته في عام النكبة ، و كان له نشاط في صفوف الإخوان المسلمين مثل كثيرين من
الذين أسسوا فيما بعد حركة فتح .
أما كمال عدوان (1935 - 1973)
فهو ، مثل أبو يوسف النجار عضو في اللجنة المركزية لحركة فتح التي شارك في تأسيسها
، و تولى مسؤوليات في الإعلام الفلسطيني و أخرى فيما يخص المقاومة في الأراضي
الفلسطينية المحتلة ، و قبل ذلك درس في مصر و عمل في السعودية و قطر ، و شارك في
مقاومة العدوان على قطاع غزة عام 1956 و أدّى ذلك إلى اعتقاله وقتذاك .
و بعد وصول إيهود باراك إلى
موقع الرجل الأول في (إسرائيل) و معه أمنون شاحاك وزيراً للسياحة ، تذكّرت الصحافة
من جديد دوره في عملية فردان ، و نشرت وكالة الصحافة الفرنسية تقريراً لها من بيروت
بتاريخ 23 أيار 1999 ضمنته مقابلة مع المواطن اللبناني منعم عبد المنى و كان عمره
وقت تحرير التقرير ستين عاماً ، و الذي ما يزال يقيم في المبنى الذي حدث فيه
الاغتيال في شارع فردان في بيروت .
تذكر عبد المنى بعد 26 عاماً
من قيادة إيهود باراك للعملية متنكراً بزي امرأة شقراء ، ما حدث في ليلة التاسع من
نيسان 1973 ، و في تلك الليلة كان منعم و زوجته و ولداه الصغيران نائمون في غرفة
صغيرة في طابق أرضي في البناية التي استهدفها باراك و رفاقه . و استيقظ منعم و ذهب
إلى النافذة ليرى امرأة شقراء تضع رشاشاً على خاصرتها و تطلق النار على الغرفة .
عاد منعم إلى ابنه الصغير و
خبأه تحت السرير و رمت زوجته نفسها على ابنهما الثاني ، و فيما بعد وجدا أكثر من 40
من فوارغ الرصاص في الموقع .
و بسبب الأزياء التي تنكّر
فيها باراك و رفاقه أطلق على العملية اسم (عملية هيبي) . و أعطت العملية باراك سمعة
كبيرة ، و أدّت إلى استقالة رئيس الوزراء اللبناني صائب سلام احتجاجاً على عجز
الجيش اللبناني عن تحقيق الأمن و إيقاف فرقة الكوماندوز التي قادها باراك متنكراً
بثياب امرأة شقراء ، التي نزل أفرادها على أحد شواطئ بيروت و استقلوا سيارات أعدها
عملاء لـ (إسرائيل) .
و انطلقت الفرقة إلى أحد
المباني في فردان و تم تصفية أبو يوسف النجار أحد قادة فتح البارزين وقتذاك و زوجته
التي حاولت حمايته ، و كمال عدوان المسؤول العسكري لفتح في الأراضي المحتلة و كمال
ناصر المتحدث باسم منظمة التحرير الفلسطينية ، و قتل في العملية شرطيان لبنانيان و
حارس و عجوز إيطالية تبلغ من العمر (70) عاماً .
و في أثناء اندلاع انتفاضة
الأقصى و قيام (إسرائيل) باغتيالات طالت مقاتلين فلسطينيين ، كتب المستشرق الصهيوني
غي باخور عن سياسية الاغتيالات متذكّراً عملية فردان التي يطلق عليها في (إسرائيل)
اسم (ربيع الصبا) أيضاً ، في نيسان 1973 بمشاركة باراك الذي كان رئيساً للوزراء
عندما كتبت المقالة .
قال ياخور إن تلك العملية
(كانت إحدى العوامل التاريخية لاندلاع الحرب الأهلية في لبنان بعد عامين من ذلك) .
و إذا كانت عملية (ربيع فردان) أصبحت مصدر (فخر) لا ينتهي لدى الصهاينة ، فإنها
تحوّلت إلى ألم متجدّد لدى الجانب الآخر الخاسر : الفلسطينيون ، و يبدو أن كلا
الطرفين ، كل بطريقته و أدواته و ظروفه و لخدمة أهدافه راح يستخلص العبر من تلك
العملية ، و إذا كان الصهاينة تحدثوا كثيراً عن تلك العملية و ما أعقبها من تطورات
سياسية ، فإن الاستماع لما يقوله شاهد على تلك العملية من الطرف الآخر الفلسطيني ،
أمر مهم ، خصوصاً بعد أعوام طويلة على وقوعها مما يوفّر للشاهد فرصة ليس فقط للندب
بل أيضاً للتقييم بعيداً عن ضغط اللحظة و قوة الصدمة .
و كان هذا الشاهد ممدوح نوفل ،
القائد العسكري السابق في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ، و الذي تحدّثت معه في
منتصف الشهر الأخير من عام 2000 ، عن سياسة الاغتيالات التي تنتهجها (إسرائيل) ، و
كانت في تلك الفترة بلغت ذروة لا يمكن إغفالها بالقيام بسلسلة اغتيالات طالت نشطاء
انتفاضة الأقصى ، و اتفقت مع نوفل على الاستعانة بشهادته مكتوبة عن عملية فردان بعد
أكثر من 27 عاماً على وقوعها ، و هي شهادة حافلة ليس فقط بالوقائع كما رآها شاهد
عيان ، بل أيضاً بما يمكن استخلاصه منها من دروس من خلال ما ذكره نوفل من أحداث على
هامش الحدث ميّزت تلك الفترة في بيروت .
في البداية يرسم نوفل مشهداً
مهما عشية وقوع الحدث (في النصف الأول من العام 1973 صعّدت قوات الثورة نشاطها
العسكري من جنوب لبنان ، و مس بعضه سكان القرى و المستعمرات الصهيونية الواقعة على
الحدود الشمالية . و خشيت القيادة الصهيونية من تمركز قوات م.ت.ف على حدودها
الشمالية ، و من تطوّر قدراتها العسكرية و تحولها إلى قوة جدية مزعجة . و وجهت
الحكومة الصهيونية أكثر من رسالة رسمية تحذيرية للسلطات اللبنانية ، طالبتها
بالسيطرة على نشاط (المخربين) الفلسطينيين ، و ضبط وجودهم على أراضيها ، و منعهم من
القيام بعمليات (تخريبية) من أراضيها . و لم تتوانَ في الرد على العمليات القتالية
الناجحة التي نفّذها مقاتلو فصائل الثورة . و زادت من غاراتها الجوية و قصفها
المدفعي ضد مواقع الفلسطينيين في الجنوب و البقاع و العرقوب) .
و يضيف نوفل : (في العاشر من
نسيان 1973 ، و بعد تحضيرات استخبارية استمرت شهرين ، نفّذت القوات الصهيونية
الخاصة من سرية الأركان عملية خاصة جريئة محكمة التخطيط ، في قلب العاصمة اللبنانية
. دخلت القوات الصهيونية بيروت عن طريق البحر ، و كان رجال و عملاء الموساد قد
سبقوهم بجوازات سفر أوروبية و أمريكية ، و أقاموا في فنادقها و استأجروا 7سيارات
مدنية في حينه ، و هاجمت القوة الصهيونية في وقتٍ واحد ، المقر المركزي للجبهة
الديمقراطية لتحرير فلسطين في الفاكهاني ، إحدى ضواحي بيروت الغربية ، و منازل قادة
م.ت.ف كمال عدوان عضو اللجنة المركزية لحركة فتح و أبو يوسف النجار عضو اللجنة
المركزية لحركة فتح و كمال ناصر عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ، و كانت
معلوماتها تشير إلى أن الأول قائد جماعة أيلول الأسود ، و الثاني مسؤول عمليات فتح
في (إسرائيل) ، و الثالث ناطق رسمي باسم عرفات و م.ت.ف.) ..
و يشير نوفل إلى أنه (نجحت
المجموعة الأولى بقيادة (إيهود باراك) في الوصول إلى هدفها ، و اغتالت القادة
الثلاث في منازلهم ، و نسفت الثانية بقيادة (آمنون شاحاك) بصورة جزئية مقر الجبهة
الديمقراطية في منطقة الفاكهاني قرب المدينة الرياضية . في حينه اشتبكت معهم مجموعة
حراسة مقر الجبهة ، و قتل من القوة المهاجمة جنديان من قوات المظلات (أبيدع شور و
حجاي معيان) و فقدت القوة المهاجمة عنصر المفاجأة ، و لم تتمكن من العمل بحرية تامة
، و لم تحقق هدفها كاملاً . فبعد اغتيال المجموعة الصهيونية الحارس المركزي أمام
مدخل البناية بواسطة مسدس كاتم الصوت ، أطلقت عليها نيران غزيرة ، من قبل كمين
جانبي نصب في حينه ، للدفاع عن مقر الجبهة الديمقراطية من هجومٍ كان متوقعاً أن
ينفّذه تنظيم القيادة العامة بزعامة أحمد جبريل) .
و يمكن أن يشكّل ما ذكره نوفل
، و قبل ذلك القائد الفلسطيني صلاح خلف (أبو إياد) في حديثه ، في مكان آخر ، عن
عملية فردان ، صدمة للقارئ ، حتى لو كان متابعاً لتلك المشاحنات التي سادت لفترة
طويلة بين فصائل العمل الوطني الفلسطيني .
و لكن لماذا كانت الجبهة
الديمقراطية مستعدة لهجوم أحمد جبريل المتوقع ، و ما هو السبب الذي يجعل أحمد جبريل
مصدراً متوقعاً لهجوم على الديمقراطية ؟! ..
يجيب نوفل : (كانت المشاحنات
السياسية بين الجبهة الديمقراطية (و تنظيم جبريل) حول البرنامج السياسي المرحلي على
أشدها ، و تطورت إلى صدامات مسلحة في مخيم تل الزعتر ، و استشهد دفاعاً عن البرنامج
، قائد قوات الجبهة في مخيم عين الحلوة ، النقيب المناضل (فايز خلدون) ابن التعامرة
المجاورة لمدينة بيت لحم) ..
و على أرض الواقع و أثناء
إدلاء نوفل بشهادته فإن الذي (تحقّق) للفلسطينيين على أرض الواقع كان أقل بما لا
يذكر عن مشروع البرنامج المرحلي الذي قدمت الجبهة الديمقراطية شهداء (دفاعاً عنه) و
كذلك أيضاً بالنسبة لبرنامج أحمد جبريل الذي أصبح تنظيمه فاعلاً ضعيفاً في العمل
الفلسطيني .
و بعد أن سمع نوفل صوت الرصاص
الكثيف و الانفجارات غادر منزله القريب من مقر الجبهة المستهدف (و توجهت راجلاً
لاستطلاع ما يجري ، و كنت واثقاً من أن حرس المقر اشتبك مع مجموعات القيادة العامة
. و كم كانت مفاجأتي كبيرة عندما منعني أفراد مجموعة الحراسة (الكمين) من الاقتراب
من مبنى المقر قائلين : موقعنا تعرّض لهجوم (إسرائيلي) و حاولت المجموعة
(الإسرائيلية) نسف المقر بمن فيه ، اشتبكنا معهم و أوقعنا خسائر في صفوفهم ، و هناك
احتمال وجود متفجرات موقوتة و ألغام لم تنفجر) ...
يقول نوفل : (في حينه لم أصدق
أقوال الرفاق ، إلا بعد أن سلّمني أحدهم مسدساً "إسرائيلياً" عيار 6 ملم كاتم للصوت
، يحمل شعار نجمة داود . و تبين لي كما قال الحرس ، إن القوات الصهيونية هاجمت
المقر في سيارتين مدنيّتين تحرسهما من بعيد سيارة جيب عسكرية ، تشبه تماماً سيارات
قوات الدرك اللبناني . خلال عمليات مسح و تفتيش المقر و تنظيفه من المتفجرات ، تم
العثور على مزيد من المسدسات و القنابل و المتفجرات ، تحمل علامات جيش الدفاع
(الإسرائيلي) . و ظهرت بقع دماء على الأرض) .
و يضيف نوفل : (خلال وجودي حضر
إلى المكان أحد أفراد حرس (أبو إياد) صلاح خلف ، و همس قائلاً "الأخ أبو إياد موجود
في المبنى المقابل و يريد أن يراك" ، تحركت مباشرة إلى حيث يوجد أبو إياد ، و
استغربت وجوده في ذلك المكتب الفرعي التابع لأمن فتح ، و علمت أن المصادفة قادته
إلى المكان و قبل السلام بادرني بالقول : (هل هذا وقت الاشتباك مع القيادة العامة ،
فأنت تعرف أن المشكلة ليست مع أحمد جبريل بل مع من يقف خلفه) ، و كان يقصد
المخابرات السورية . و لم يصدّق أن الاشتباك كان مع مجموعات الكوماندوز
"الإسرائيلية" ، إلا بعد أن أبرزت له مخلفات المجموعة المهاجمة ، عندها قال : (ضاعت
علينا فرصة اصطيادهم فقد كانون تحت مرمى نيران حراستي) . و فوراً أصدر أوامره
للأجهزة الأمنية الفتحاوية بالتحرك فوراً باتجاه شواطئ بيروت و الجنوب ، على أمل
اللحاق بالقوة "الإسرائيلية" قبل صعودها البحر . و كان تقديرنا أنهم قدِموا من
البحر بمساعدة عملائهم في السلطة اللبنانية ، و سينسحبون بواسطة زوارق تنتظرهم في
نقطة ما على الشاطئ . لاحقاً ، بيّنت مخلفاتهم بأنهم قدموا من البحر و غادروا بيروت
بسلام ، كما وصلوا دون أن تقع بهم إصابات باستثناء تلك التي لحقت بهم أثناء هجومهم
على مقر الجبهة الديمقراطية) ..
و يعتقد نوفل بأن (العملية
اعتمدت على عمل استخباري دقيق و أن مجموعاتها دخلت قلب بيروت بعدما هيأ لها عملاء
الموساد المحليين ما يلزم من سيارات و مرشدين . و فعلاً عثرت مجموعات فتح على عددٍ
من السيارات المدنية متروكة على الشاطئ الأوزاعي ، جنوب بيروت أحدها يحمل آثار
دماء) ..
بعد مقابلة نوفل لأبي إياد و
معرفة الأخير بما حدث ذلك طلب أبو إياد من مرافقيه البحث عن أبي عمار و أبي جهاد (و
بعد دقائق معدودة اتصل أبو عمار و قال : سأرسل لكم سيارة للحضور لطرفي بسرعة ، و
فهمنا منه أنه موجود في مكتب أبو شاكر (إبراهيم قليلات) قائد قوات (المرابطون) و أن
عدة مجموعات صهيونية دخلت بيروت ، و نجحت في اغتيال أبو يوسف النجار في منزله . بعد
المكالمة الهاتفية تحرك أبو إياد ، تحت حراسة مشددة ، باتجاه المقر المركزي
للمرابطين ، الواقع في حي أبو شاكر على كورنيش المزرعة في المقر كان حشد من قادة
القوى و الأحزاب الوطنية اللبنانية و الفلسطينية يتوافدون ، و يتبادلون المتوفّر من
المعلومات حول ما حصل ، و يجرون الاتصالات اللازمة مع الجهات المعنية في السلطة
اللبنانية) .
روى نوفل للموجودين ما حدث
أثناء عملية الهجوم على مقر الجبهة الديمقراطية (و سمعنا ما روي حول استشهاد أبو
يوسف النجار . و أوعز أبو عمار للأجهزة الأمنية الفلسطينية بالاتصال ببيوت القادة
الفلسطينيين دون استثناء ، و زيارتها كلها و شدّد على زيارة البيوت التي يتعذر
الاتصال الهاتفي معها . و بعد دقائق قليلة أبلغ الحاضرون باغتيال (كمال عدوان) و
بعدها نقل خبر استشهاد (كمال ناصر) و فوجئ الجميع ، بأن كمال ناصر هو الوحيد الذي
أتيحت له فرصة استخدام سلاحه ، و أنه بالفعل أطلق النار على قاتليه الصهاينة ، علما
أنه كان يكره حمل السلاح ، و لا يحب أن يكون معه مرافقون ، و كان يعتبرهم أقرب إلى
السجانين يحدّون من الحركة و يقيّدون نمط الحياة العادية) .
و كانت لتلك العملية تداعياتها
الأخرى ، يقول نوفل : (حملت قيادة م.ت.ف الحكومة اللبنانية قسطاً رئيسياً من
المسؤولية عن دخول القوات الصهيونية قلب بيروت ، و نجاحها في الوصول إلى بيوت
القادة الثلاثة . و وجّهت اتهامات علنية للمكتب الثاني اللبناني (المخابرات
اللبنانية) و بعض رموز قيادة الجيش اللبناني ، بالتواطؤ مع "الإسرائيليين") .
و يضيف : (و لاحقاً شيّعت
بيروت القادة الثلاثة في جنازة مهيبة شارك فيها جميع قادة الأحزاب الوطنية و بعض
قادة القوى و الأحزاب المارونية ، و كان ضمنهم (بيار الجميل) زعيم حزب الكتائب . و
ألقى زعماء المسلمين الذين شاركوا في الجنازة خطباً رنانة هاجموا فيها تواطؤ السلطة
اللبنانية ، و طعنوا في تركيب أجهزتها و مؤسساتها المدنية و الأمنية ، و طالبوا
بإقالة الجيش . و تحدّث بعضهم عن المقاومة الفلسطينية ، و كأنها جيش المسلمين في
لبنان . و كانت الجنازة فرصة مهمة ، استعرضت فيها قيادة م.ت.ف أسلحتها و قدراتها
العسكرية و الجماهيرية بطريقة أقلقت السلطات اللبنانية ، و نبّهت أجهزتها الأمنية و
أرعبت بعض القوى المسيحية المتزمتة التي رأت في منظمة التحرير قوة أخلت بالتوازن
الداخلي لصالح المسلمين ، عامة ، و السنة على وجه الخصوص . و رغم علمانية الحركة
الوطنية اللبنانية ، و تبوّء كثير من المسيحيين مراكز قيادية أولى فيها ، إلا أن
تخوّفات الحركة السياسية المسيحية كان لها ما يبررها في بلدٍ تنخره الطائفية
الدينية و السياسية) .
و لم يكن ذلك كل شيء ، فهناك
نتائج هامة أخرى أسفرت عنها عملية اغتيال القادة الثلاثة في فردان ، فبعد هذه
العملية ، كما يقول نوفل (أصبحت قيادة م.ت.ف مجبرة على إبلاء وجودها في لبنان
اهتماماً استثنائياً ، و راحت تعطي مسألة حماية وجودها أهمية كبيرة ، و بدأت تغرق
تدريجياً في الأوضاع اللبنانية الداخلية ، و نسيت ما استخلصته من دروس تجربتها في
الأردن) .
و يضيف : (و مع كل خطوة كانت
تخطوها داخل المستنقع اللبناني ، كانت تبتعد أكثر فأكثر عن عملها السياسي داخل
الأراضي الفلسطينية . و حلّ دون قرار ، شعار الدفاع عن الوجود الفلسطيني المدني و
المسلح في لبنان ، مكان شعار تصعيد و نقل الكفاح المسلح إلى داخل الأراضي المحتلة .
و راحت تعزز تسليح المخيمات الفلسطينية ، و شجّعت القوى الوطنية اللبنانية للتدرّب
على السلاح و بناء تشكيلات عسكرية خاصة بها . و عملت على تجنيد أعداد كبيرة من
الشباب الوطني اللبناني ، و بدأت تتدخل مباشرة في الشؤون السياسية و الحزبية و
الاجتماعية اللبنانية . و بقي احتلال "إسرائيل" عام 1967 لكلّ فلسطين و لأجزاء
واسعة من الأراضي العربية السورية و المصرية قائماً و تقلصت كلفته) .
و قبل أن يتحدث نوفل بسنوات ،
كان الزعيم الفلسطيني صلاح خلف (أبو إياد) قدّم شهادته عن ما حدث في (ربيع فردان) ،
في كتابه فلسطيني بلا هوية ، و ربط ذلك بالأجواء التي أعقبت عملية ميونخ ، حيث
تواصلت حرب الأشباح بين المخابرات الصهيونية و الفلسطينيين ، و بدأت كما هو معلوم
بالاغتيالات و إرسال الطرود الملغومة و التي طالت مسؤولين فلسطينيين في مختلف
العواصم العربية و العالمية ، و بالرد الفلسطيني بتنفيذ عمليات ناجحة طالت رجال
للموساد في عواصم مختلفة أيضاً ، و من بين ما قام به الفلسطينيون محاولتان استهدفتا
مقر سفير "إسرائيل" في نيقوسيا و الأخرى ضد طائرة تابعة لشركة العال الصهيونية كانت
جاثمة في مطار قبرص ، كان ذلك في التاسع من نيسان ، و في اليوم التالي كانت وحدات
الكومنادوز الصهيوني تنزل إلى بيروت و تغتال القادة الثلاثة .
و روى أبو إياد عن علاقته
الوثيقة بكمال ناصر ، و أنه كيف كان في مرات كثيرة يقضي الليل عنده في شقته ، و
أشار إلى أنه قبل العملية بعشرة أيام و كان هو و الرئيس عرفات و آخرون في شقة كمال
ناصر ، استرعى انتباهه عدم وجود حراسة و تحدّث بين الجد و الهزل ، عن احتمال أن
تحطّ طائرة عمودية في الأرض الخلاء مقابل المبنى و تختطف القادة الثلاثة .
و في التاسع من نيسان ، كان
المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية يعقد جلسة له في بيروت و طالت حتى ساعة
متأخرة من الليل ، و قضى أبو إياد ليلته في شقة كمال ناصر ، و في اليوم التالي عرض
أبو إياد على كمال ناصر أن يقضي السهرة في شقته ولكن كمال ناصر أجابه مازحاً :
(أفضّل أن أموت على أن أستقبلك عندي) ، و أوضح أنه يريد أن ينظّم مرثاة في الشاعر
عيسى نخلة المتوفى حديثاً ، و أن وجود أبو إياد سيلهيه عن تلك المهمة .
و ذهب أبو إياد ليلتقي الناجين
الثلاثة من عملية ميونخ الذين أطلقت السلطات الألمانية سراحهم ، بعد عملية الاختطاف
التي يعتقد أنها مدبرة كما أشرنا سابقاً ، و الموجودين في مبنى لا يبعد سوى عشرة
أمتار عن مبنى الجبهة الديمقراطية ، حيث وجد شباب هذا التنظيم مستنفرين بسبب هجومٍ
سيشن عليهم من الجبهة الشعبية بقيادة جورج حبش ، و رواية أبو إياد هنا تختلف مع
رواية نوفل ، و إن كان مغزى الحدث واحداً .
و بعد ساعات كانت وحدات
الكوماندوز الصهيونية تنفّذ مهمتها ، انتقل أبو إياد إلى منزل عرفات ، الذي قصف في
العملية و كان الحراس قاوموا المعتدين ، و تابع عرفات المعركة من سطح المبنى .
و ذهب أبو إياد إلى المبنى
الذي كان يقطنه القادة الثلاثة بعد ورود الأنباء عن اغتيالهم ، و في شقة كمال ناصر
، وجده ممدّداً على شكل صليب على الأرض بعد إصابته في وجهه بخمس عشر رصاصة على
الأقل ، و يعتقد أن المهاجمين لم يغفلوا عن حقيقة أن ناصر مسيحي الديانة ، فمدّدوه
على شكل صليب و أطلقوا النار على وجهه ، و رش المهاجمون برصاصهم سريره و السرير
الذي كان يأوي إليه أبو إياد في أحايين كثيرة .
و لاحظ أبو إياد أن شباك
النافذة كان مفتوحاً و الستائر منتزعة ، الأمر الذي ربما يشير إلى أن ناصر كان حاول
الفرار ، و لم يتمكن من ذلك ، فردّ على المهاجمين بمسدس صغير وجد بجانب جثته .
و بالنسبة لأبي يوسف النجار
فاتضح بأن الصهاينة نسفوا مدخل شقته بقنبلة بلاستيكية ، بينما كان هو نائماً مبكراً
كما يحب ، و الأولاد يذاكرون دروسهم في غرفهم ، و عندما تم نسف المدخل اندفع
باتجاهه ابن الشهيد يوسف و كان عمره 16 عاماً ، و لكن الكوماندوز المهاجمين صرخوا
به سائلين عن والده ، فرجع يوسف إلى غرفته و نزل من شباكها إلى الطابق الخامس ، و
خلال ذلك أغلق أبو يوسف النجار باب الغرفة التي يوجد فيها و طلب من زوجته أن تناوله
مسدسه ، و لكن الصهاينة اقتحموا الغرفة و أصابوه و حاولت زوجته حمايته و وضعت نفسها
بينه و بين المعتدين فتم قتل الزوجين معاً .
و في الطابق الثاني كانت
مجموعة أخرى تقتحم شقة كمال عدوان الذي كان ما زال يعمل و عندما سمع بالجلبة أمام
الباب أمسك برشاشه ، و قبل أن تتاح له فرصة استخدامه كانت مجموعة أخرى من
الكوماندوز الصهاينة يدخلون من نافذة المطبخ و يصيبونه في ظهره .
و اتهم أبو إياد شركاء محليين
للكيان الصهيوني بالتواطؤ و تسهيل عملية الاغتيال ، و أكد أن الجيش اللبناني و
الدرك و الأمن العام لم يحاولوا التدخل ، و قبيل الهجوم على المبنى في فردان ببضع
دقائق حدث انقطاع في التيار الكهربائي و كان المهاجمون يتنقلون في بيروت بحرية و
يسر مذهلتين و كذلك في الجنوب حيث شنت هجمات أخرى .
و ما لبث التواطؤ الذي تحدّث
عنه أبو أياد من أطراف لبنانية ، أن أصبح تحالفاً علنياً كان طرفه الأساسي و موجّهه
و راعيه هي (إسرائيل) خلال تلك الحرب اللبنانية الطويلة و التي أسموها ، بقدر من
التضليل حرباً أهلية .
|