الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

الفصل الأول

 

في فهم اتفاق أوسلو و الظروف من حوله

 

·    حول اتفاق أوسلو

·    الاتفاق الكارثة

·    فلسطين و الوضع العربي و اتفاق أوسلو

·    اتفاق أوسلو و المعارضة العربية

·    لعنة الاتفاق

·    على هامش اتفاق القاهرة

·    مجزرة الحرم الإبراهيمي

 

 

حول اتفاق أوسلو

1- الاتفاق الكارثة

 

لم يكن من المتوقّع أن يخرج اتفاق فلسطيني- (إسرائيلي) حول الحكم الذاتي أقلّ سوءاً من الاتفاق الذي جرى عبر مفاوضات سرية في أوسلو . فمن يقرأ خطابات الدعوة إلى مؤتمر مدريد و ما حدّد من أسس للمفاوضات الثنائية المباشرة كان أمامه أحد احتمالين : إما الدوران في مفاوضات طويلة جداً ، و إما اتفاقٌ في السوء الذي جاء عليه الاتفاق الأخير . و من يتابع التقارير التي صدرت عن مؤسسات الدراسات و الندوات في واشنطن ، أو يتابع التصريحات الأمريكية و (الإسرائيلية) في واشنطن ، كان عليه أن يتوقّع اتفاقاً حول الحكم الذاتي بالمواصفات التي اتفق عليها في أوسلو . و ذلك لسببين : الأول أنّ كلاً من الكيان (الإسرائيلي) و أمريكا و روسيا و عددٍ من الدول الأوروبية اتجهوا لصنع تسوية على أساس الشروط (الإسرائيلية) و إلا لا تسوية ، أما السبب الثاني فقد أظهرت أغلب الحكومات العربية و معها قيادة م.ت.ف. و هنا لا مثيل له في الرضوخ للضغوط الأمريكية . و هذا أمر أكّدته مسارات الأحداث خلال السنتين الماضيتين تأكيداً يقرّ به الجميع بلا استثناء . أي ثمة عاملان متكاملان أخرجا الاتفاق الراهن : الأول إصرار (إسرائيلي) و دولي على صياغة اتفاقٍ حول الحكم الذاتي وفقاً للشروط (الإسرائيلية) بالكامل ، و الثاني قبول تدريجيّ بتلك الشروط و قد عُجِنَ بالوهن و العجز حتى لو كان في ذلك التفريط بأعز الحقوق ، و أقدس القضايا ، و بالأمن القومي و المصالح العليا .

يمكن أن نلخّص اتفاق أوسلو بما يلي : بقاء الاحتلال (الإسرائيلي) و السيادة (الإسرائيلية) على فلسطين كلّها بما في ذلك قطاع غزة و أريحا ، أما الانسحاب من القطاع و أريحا و إقامة نوعٌ من الحكم الذاتي الانتقالي فهو انسحاب الجيش من المناطق الآهلة بالسكان حيث الانتفاضة و المقاومة ، و تسليم الأمن فيها للشرطة الفلسطينية . و بهذا إعفاءٌ للاحتلال من الاصطدام بالفلسطينيين مع بقائه مسيطراً على الوضع عموماً ، و ممسكاً بكلّ النقاط الاستراتيجية على كلّ الحدود ، و في كلّ النقاط المشرفة و في الطرقات الواصلة فيما بين المدن و القرى .. و قد أعطي الجيش (الإسرائيلي) حقّ العودة إلى احتلال كلّ منطقة سكانية تحت الحكم الذاتي إذا فشِل الأخير في المحافظة على أمن الاحتلال (الإسرائيلي) فيها و منها ، أما تسليم إدارة الحكم الذاتي شؤون التعليم و الصحة و البلديات و السياحة فهو إعفاء للاحتلال من الإنفاق على تلك المجالات التي هي الجانب السلبي بالنسبة إلى كلّ احتلال .

و خلاصة حول هذه النقطة ، أن اتفاق أوسلو أعفى الاحتلال (الإسرائيلي) من كلّ ما هو وسخ بالنسبة إلى كلّ احتلال ، أي الصدام بالأهالي و إنزال الجيش للسيطرة المباشرة على السكان ، فضلاً عن التبعات المالية فيما يتعلّق بذلك أو بشؤون الخدمات الصحية و التعليمية و الإدارية ، أو بكلمة أخرى أصبح هناك احتلال "نظيف" مدفوع الأجر . و هذا أمرٌ لا مثيل له في كلّ ما عرفته الشعوب من حالات احتلال . أي تبقى السيطرة العسكرية و الإشراف العام للاحتلال (الإسرائيلي) على الوضع كلّه بينما يتولّى المقهورون شؤون المحافظة على الأمن ، و الإنفاق على الخدمات و استجلاب الأموال التي سيأخذ منها الاحتلال نصيب الأسد .

الذين وقّعوا على الاتفاق ، أو أيّدوه لم يستطيعوا أن يقدّموا نقطة واحدة يعتبرون فيها أن الاتفاق تضمّن زوالاً نهائياً ، أو تدريجياً ، للاحتلال ، و لو على بقعة واحدة ، أو فيها استعادة لسيادة على أرض و لو على شبرٍ واحد ، فكلّ ما يتعلّق بزوال الاحتلال ، أو السيادة على المناطق التي ينسحب منها الجيش ، أو وضع المستوطنات التي أقيمت في الضفة و قطاع غزة . و هذه التي اعتبرت دائماً غير شرعية ، أصبحت الآن واقعاً مسلّماً به و تحت السلطة (الإسرائيلية) ، و قبل أن يكون أمنها ذاتياً لا علاقة للإدارة الفلسطينية به أصبحت موضوعاً للمفاوضات و التراضي لاحقاً . و الأهم تمّ الالتفاف على قضية القدس و مصيرها و قضايا العودة ، و لا نتحدّث عن الحقوق بكلّ فلسطين ، من خلال تأجيل بحثِ تلك المواضيع لمرحلة قادمة ، أي ترك مصيرها لما يمكن أن يتفق عليه الطرفان دون أن تكون هنالك مرجعية ملزمة لزوال الاحتلال .

الذين أيّدوا الاتفاق سواء أكانوا من الفلسطينيين ، أم من العرب ، لا يملِكون سوى تسويغه بالأمل في أن يكون خطوة على طريق استرداد كلّ الحقوق ، أو مرحلة لتطبيق قراري مجلس الأمن 242 و 338 و هو أملٌ أضعف من أمل إبليس في الجنة كما يقول المثل ، لأن أي اتفاقٍ جديدٍ دائمٍ غير ممكن إلا بالموافقة (الإسرائيلية) . فإذا كان الاتفاق الأول لم يقم إلا وفقاً للشروط (الإسرائيلية) فبأي منطق و على أي أساس يؤمَل أن يقوم الاتفاق التالي على غير الشروط (الإسرائيلية) . و إذا كان الاستمساك بالموقف أو بالحقوق من الجانب الفلسطيني و بعض العرب فيما يتعلّق بالمسار الفلسطيني هو على الصورة التي خبِرناها في اتفاق أوسلو و من قبله في إحدى عشرة جولة من مفاوضات ثنائية ، و من قبلِها في مؤتمر مدريد ، فكيف يؤمَل أن تسترد السيادة على القدس و السيادة على الأرض ، أو تفكيك المستوطنات ، أو تحقيق انسحابٍ فعليّ من الأراضي التي احتلت عام 1967 على الأقل ؟ هذا مع معارضتنا أصلاً للتفريط بالحقوق الفلسطينية و العربية و الإسلامية في كلّ أرض فلسطين ما قبل حزيران 1967 .

بكلمة أخرى ، إن كلّ حديثٍ عن اعتبار اتفاق أوسلو خطوة في طريق تحقيق الأهداف الفلسطينية حتى في حدودها الأدنى ، و الأبسط لا يستطيع أن يستند إلى تجربة السنتين الماضيتين أو اتجاه الخط البياني لكلّ خطوة لاحقة بالخطوة السابقة . و هذا ما يسمح بالقول إن ما يمكن أن تفرِزه المرحلة القادمة على أساس هذه الخطوة سيجعل من هذه الخطوة حالة أفضل بكثير من التالية ، أو ليس هذا هو الخطّ البياني الذي جعل الاتفاق على رسائل الدعوة لمدريد "أفضل" من أوراق المبادئ التي نوقشت في الجولتين التاسعة و العاشرة ، ثم جعل ورقتي المبادئ اللتين تقدّم بهما كريستوفر "أفضل" من اتفاق أوسلو (في الأقل ، لم تتضمّنا ما حملته الملاحق من تعاون فلسطيني – "إسرائيلي") و يمكن للمرء أن يقول بكلّ اطمئنان أن التجربة علّمتنا أن الآتي عن طريق هذا المسار و هذا النهج ، لا يمكن إلا أن يكون إلى الأسوأ ، فإذا كان لعلوّ القمم نهايات فليس للحضيض نهايات .

فالذين حاولوا الدفاع عن اتفاق أوسلو كانوا يحتجّون بالسؤال "و ما بديلكم ؟" .. لو وضعنا جانباً كلّ حديث عن بدائل أخرى بالرغم من وجودها قطعاً حتى في مجال طريقة إدارة المفاوضات فإن من الممكن القول و قطعاً هنا ، أيضاً ، إن استمرار الواقع الراهن بديل أفضل من الواقع الذي سينشأ عن الاتفاقية . و لعلّ الحكم الفصل في هذا سيكون التجربة الواقعية القريبة القادمة ، حيث سنسمع الكثيرين يترحّمون على الوضع الراهن حين يرون الترجمة الواقعية لاتفاق أوسلو . و إن غدا لناظره قريب . فالاحتلال الوسخ المصطدم بالأهالي و المكلّف للعدو و المحاصر و المقاوم خيرٌ من الاحتلال "النظيف" مدفوع الأجر و المعترف بشرعيته و المدعوم دولياً ، و أن يكون العدو مغتصباً خيرٌ من أن يعترف بحقّه في الوجود بينما حقوقنا جميعاً موضوع نزاعٍ بيننا و بينه ، و مؤجّلة للمفاوضات ، و ما يمكن أن يوافق عليه و يقبل به . كما أن بقاء حقّنا في استخدام كلّ أشكال المقاومة للاحتلال و الاغتصاب أفضل من أن نعترِف بأن ما كنّا نمارسه إرهاباً لا كفاحاً تحريرياً مشروعاً ، و أن نكون الضحايا أكرم من أن يكون عدوّنا هو "الضحية" إذ وصلت الجرأة برابين أن يصوّر نفسه في خطابه في واشنطن بالضحية في حين لا مقارنة بين ما نزل بنا من ويلاتٍ و قدّمنا من تضحيات في القتلى و الجرحى و التشريد و اليتامى و الأرامل و فقدان الأمن و ما نزل به في مقابل ذلك . أفلا تقلّ النسبة عن مائة لواحد بل ألف لواحد ؟ ، فكيف يقلب كلّ شيء رأساً على عقب ؟ هذا ناهيك عن الذي يحتل موقع المعتدي أصلاً .

بكلمةٍ أخرى أنه بديلٌ أفضل بما لا يجادل فيه في أن نكون نحن و يكون تاريخ آبائنا و أجدادنا أصحاب الحق في الصراع ضد العدو الصهيوني ، من أن يكون كلّ ذلك التاريخ بغياً على "دولة لها حق الوجود في فلسطين" .

على أن الجانب الآخر الذي يجب أن يسترعي الانتباه في اتفاق أوسلو ، و ربما كان من الناحيتين الواقعية و المستقبلية أشد خطورة و سوءاً من الجانب الأول فيتعلّق بالإلحاق الاقتصادي و الاجتماعي و بتلك القائمة الطويلة من لجان التعاون الفلسطينية – (الإسرائيلية) التي نصّ عليها الاتفاق و هي تمتد من شؤون الأمن إلى المياه إلى الطاقة إلى التمنية إلى التجارة إلى السياحة ، و ما إلى ذلك . بكلمةٍ أخرى أن ما أقرّ به من تعاون ثنائي فلسطيني - (إسرائيلي) في مختلف المجالات أقرب ما يكون إلى إقامة الحكم الذاتي الفلسطيني في ظلّ الدولة (الإسرائيلية) ، أي كما لو كنا أمام محور فلسطيني – (إسرائيلي) ، و هو أمر يحمِل أبعاداً خطيرة عل الأمة العربية و الإسلامية كلّها ، فبدلاً من أن تكون المرحلة الأولى خطوة باتجاه إزاحة النفوذ (الإسرائيلي) عن أجزاء من فلسطين تصبح خطوة باتجاه امتداد النفوذ (الإسرائيلي) إلى البلاد العربية و الإسلامية ، الأمر الذي يشكّل خطراً محدٍقاً بالأمن العربي و العلاقات الفلسطينية – العربية . و يشكّل معبراً تحت مظلة فلسطينية للتطبيع العربي – (الإسرائيلي) و لما هو أكثر من ذلك . و من ثم يتضمّن مدخلاً لفقدان الهوية العربية و الإسلامية للمنطقة و لضرب مقوّمات الأمة الواحدة المصالح المشتركة فيما بين شعوبها ليحلّ مكان ذلك نظام شرق أوسطي ، يلعب فيه الكيان (الإسرائيلي) بالتعاون و الولايات المتحدة الأمريكية الدور الرئيس في تحديد هويته و حالته ، و أسس العلاقات فيما بين دوله و طريقة توزيع ثرواته و تحديد سياسته .

و بهذا يكون اتفاق أوسلو أبعد خطراً من هدر الحقوق الفلسطينية و العربية و الإسلامية في فلسطين ، وأبعد خطراً من بقاء الاحتلال و السيادة (الإسرائيلية) على كلّ فلسطين ، إنه جسر لعبور (إسرائيليّ) إلى المنطقة و لا حاجة إلى ذكر ما يحمله ذلك من شرّ مستطير على الأمة كافة ، عقيدة و وجوداً و هوية و حضارة و إنما و مصالح و مستقبلاً .

إنه الاتفاق الكارثة و لا بدّ من أن تتضافر الجهود لتعبئة رأيٍ عامٍ فلسطيني و عربيّ و إسلاميّ له الأغلبية الكاسحة من أجل تمزيقه كما سبق و مزّقت كلّ المعاهدات الاستعمارية الظالمة التي فرضت على أقطارنا العربية و الإسلامية بعد الحرب العالمية الأولى .

 

2- فلسطين و الوضع العربي

 

لم يتوقّف طرح المشاريع لتسوية القضية الفلسطينية سلمياً ، منذ إعلان وعد بلفور ، و لا سيما بعد قيام الدولة (الإسرائيلية) ، حتى الآن . فقد كان من الضروري ، باستمرار ، أن يحذر الوضع الفلسطيني و العربي و الإسلامي بأمل إيجاد حلّ "عادل" . و ذلك حتى يتوقّف زخم الاستعداد لمواجهة القوة العسكرية (الإسرائيلية) و تظل المبادرة ، و لا سيما من الناحية العسكرية بيد العدو الصهيوني ، و ما كان هذا العدو يحقّق توسّعاً في أرض فلسطين و يفرِض سلطاته ، حتى كانت ترتفع الأصوات الفلسطينية و العربية و الإسلامية دعوة للمواجهة و المقاومة ، أو ضغطاً على الحكومات العربية للاستعداد و الحزم في التصدّي للعدوان . و هنا كانت الدول الكبرى تنبري لتطرح مشاريع للتسوية ، و أحياناً تؤخذ قرارات في هيئة الأمم المتحدة ، تطالب الكيان (الإسرائيلي) بالعودة إلى حدوده السابقة و تدعو إلى إحلال (السلام) . و كان هذا الطعم يجد طريقه دائماً إلى فم أكثر القيادات الرسمية و العربية فتجعل سقف مطالباتها ما صدر من آخر القرارات أو ما قدّم من آخر المشاريع للتسوية . و بهذا يكون الوضع قد دخل في متاهة حقيقية : العدو يمضي لابتلاع ما توسّع فيه و الأهم يمضي بتعزيز قدراته العسكرية ، بينما يتراخى العزم الرسمي العربي عن الإعداد و الاستعداد . هذا إذا لم ينسَ الموضوع ليغرَق في صراعات جانبية عربية – عربية .

ازدادت هذه السمة بروزاً بعد العدوان (الإسرائيلي) في حزيران 1967 . و الاستيلاء على القدس كلّها و الضفة الغربية و قطاع غزة فضلاً عن سيناء و الجولان . و لكن الأمر أخذ يتجّه إلى منحى آخر بعد توقيع المعاهدة المصرية – (الإسرائيلية) ، لا سيما بعد حرب الخليج الأخيرة ، فقد استطاعت الإدارة الأمريكية أن تجرّ أغلب الحكومات العربية و منظمة التحرير الفلسطينية للتسليم بالقواعد التي وضعها بوش و بيكر لمؤتمر مدريد . و كان من الواضح أن تلك القواعد تلبّي غالبية الشروط (الإسرائيلية) لإطلاق عملية المفاوضات المباشرة ، لا سيما فيما يتعلّق بالمسار الفلسطيني ، فقد بقيَ موضوع الجولان مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بتنفيذ قرار 242 ، و كذلك الموضوع اللبناني الذي بقيَ قرار 425 قاعدة أساسية له ، و كان الأمر كذلك بالنسبة إلى الأراضي التي تناولتها المفاوضات فيما سمّيَ بالمسار الأردني . أما بالنسبة إلى الموضوع الفلسطيني فقد أصبح قرار 242 مرجعاً واهياً هلامياً في المحادثات ، و أصبح الموضوع يدور حول الحكم الذاتي و صلاحيات الحكم الذاتي ، أي أصبح كلّ ما يتعلّق بالموضوع الفلسطيني ، بما في ذلك القدس ، في مرتبة دنيا ، أو مؤجّلة ، بعد إعطاء الأولوية لموضوع الحكم الذاتي .

و بهذا نلحظ أن المسار على طريق التسوية أو القبول بالمشاريع المطروحة كان انحدارياً بالنسبة إلى الحقوق الفلسطينية و العربية و الإسلامية في فلسطين ، بل ما من شعارات تطرح آخراً ، و إن كانت في أدنى سلّم التنازلات قياساً لما قبلها ، إلا كانت خطوة على طريق انحدار جديد . و من ثمّ سيكون من العبث مناقشة أي مشروعٍ مطروح في اللحظة المعطاة ضمن ما يحمله من تنازلات ، و إنما يجب أن يعتبر ما فيه من تنازلات هو أقلّ خطورة لما هو آتٍ في حالة القبول به . و لهذا فالذين يريدون أن يسوّقوا ما حملوه من اتفاق أوسلو من تنازلات خطيرة و كارثية باعتبار ذلك مجرّد خطوة أولى عليهم أن يراجعوا حساباتهم في حالة المطالبة بخطوة ثانية من هذا الطراز و على هذا المسار لأن ما من اتفاقٍ أو مشروعٍ إلا لعن من سبقه ..

فالقول إن اتفاق أوسلو خطوة على طريق استعادة بقية الضفة الغربية و قطاع غزة ، و استعادة القدس الشرقية و إقامة الدولة الفلسطينية تقديرٌ يخالفه كلّ ذلك المسار على هذا الطريق ، لا بالنسبة إلى التجربة الراهنة خلال السنتين الماضيتين . لقد جاءت رسائل الدعوة لمؤتمر مدريد أسوأ من مشاريع التسوية التي سبقها بما في ذلك اتفاقات كامب ديفيد ، و إذا كانت مسودّات إعلان المبادئ التي تقدّم بها كريستوفر في مفاوضات واشنطن أسوأ من رسائل لمؤتمر مدريد فإن اتفاق أوسلو جاء أسوا من تلك المسّودات ، فكيف يمكن لأحدٍ أن لا يتوقّع أن تكون الخطوة الثانية اللاحقة لاتفاق أوسلو أو الخارجة من أحشائه ، أسوأ منه كثيراً . بل إنه لمن المضحك أن يحاول بعض المتحفظين على الاتفاق ممن يؤيّدونه إبداء تخوّفهم من أن يجمد عود ذلك الحد و لا يكون هناك "ثانياً" ، إذ إن عليهم أن يتخوّفوا من الآتي "ثانياً" لأنه سيكون قطعاً أسوأ من الاتفاق . فهذه الأحشاء لا تلد إلا "كافراً" "فجّاراً" يأتي دائماً أشدّ كفراً و فجوراً مما سبق .

و هذا كلّه أمرٌ منطقيّ ما دام هنالك من يجعل سقفه ضمن حدود ميزان القوى المعطى في حينه دون محاولة لتغييره أو تعديله . فيسوّغ كلّ ما يقبل به من خلال الحديث عن سوء الأوضاع العربية ، أو عن الحصار المضروب على منظمة التحرير أو عن ميزان القوى العالمي و العربي و الإسلامي و الإقليمي . أي أننا أمام اتجاهٍ في إدارة الصراع فقد إرادة الفعل و أصبح مسوّقاً لما تمليه عليه الظروف ، بما في ذلك التسليم بالشروط التي يفرِضها العدو ، هذا مع ضرورة الملاحظة أن اتفاق أوسلو تدنّى عن سقف التنازلات العربية ، و تنازل أكثر مما كان مطلوباً عربياً و دولياً . و لا يستطيع أن يحتجّ بالضغوط العربية لتسويغ القبول به .

و بالمناسبة .. إن كلّ حديثٍ عن سوءٍ في الوضاع العربية أو عن ميَلانٍ لميزان القوى في غير مصلحتنا ليس بالأمر الجديد . بل كان الأمر كذلك دائماً . بل مرّت ظروف على القضية الفلسطينية واجهت أوضاعاً عربية أشدّ سوءاً و واجهت موازين قوى أكثر رجحاناً في مصلحة عدوّنا . فمن يستعيد أوضاع الأمة بعد الحرب العالمية الأولى في العشرينات و الثلاثينات يمكنه أن يرى الوضع العربي الرسمي الراهن أفضل نسبياً ، في عددٍ من النواحي ، عمّا كان عليه في العقدين المذكورين ، فعندما دخل الشعب الفلسطيني في النصف الثاني من الأربعينات ، و خاض الصراع لمقاومة قيام الدولة (الإسرائيلية) أو للمحافظة على بقاء المقاومة متأجّجة ، و القضية حيّة ، واجه أوضاعاً أشدّ سوءاً مما يواجهه اليوم . و كان الجواب الصحيح دائماً هو التوجّه لمعالجة الخلل في الوضع العربي و الإسلامي و ليس في التسليم له تسليماً يضيّع القضية و يفتِك بها . فالمعادلة بين الحال الفلسطيني و الحال العربيّ و الإسلامي عضوية مباشرة حرباً و سلماً .

فلا أمل للفلسطينيين في مواجهة عدوّهم أو في معالجة قضيتهم ، تحت أيّ ظرفٍ من الظروف ، إلا في تصحيح الخلل ، أينما وجد ، في الأوضاع العربية و الإسلامية . و هو أمرٌ لا يعنيهم وحدهم فقط ، و لا  يخصّهم وحدهم ، و إنما هو شأن حيوي يمس وجود الأمة و مستقبلها . و لهذا حين يردّون على كلّ سوءٍ في الأوضاع العربية و الإسلامية و على كلّ خللٍ في ميزان القوى بالاتجاه نحو المطالبة بالتصحيح و التغيير في تلك الأوضاع يكون ردّهم هو الرد الصحيح و الناجع . أما إذا جاء ردّهم انكفاءاً على الذات ، و قبولاً بما يمليه العدو ، فإنهم يرتكبون الخطيئة الثقيلة بحقّ أنفسهم و حقّ قضيتم و أمتهم ، بل لن يعالجوا شيئاً أبداً ، فما يفعلونه يكون محطة هدوءٍ خادع لانحدارٍ جديد و نكبة جديدة ، و ذلك قانون حتميّ ما دامت أوضاع الأمة لم تصلح و لم تصحّح و كان مسارها إلى قهقرى ، و هنا يكون الانكفاء الفلسطيني على الذات الضعيفة و المريضة و الممزقة و يكون القبول بشروط العدو للتسوية ، المجحفة ، و الظالمة الكارثية ، قد أسهما في زيادة الأوضاع العربية و الإسلامية سوءاً و دفعا مسارها إلى قهقرى و زادا في ميلان القوى في غير مصلحة الفلسطينيين و العرب و المسلمين .

 

 

3- اتفاق أوسلو و المعارضة العربية

 

أحدث اتفاق أوسلو فيما أحدث شرخاً بين الموقف الرسمي الفلسطيني و الموقف الرسميّ العربي ، و أن هذا الشرخ مرشح للاتساع اتساعاً كبيراً إذا ما مضى الموقف الرسمي الفلسطيني باتفاق أوسلو إلى مداه ، وفقاً لما أرساه الاتفاق من قواعد للعلاقات الفلسطينية – (الإسرائيلية) .

ينبغي لنا من أجل إدراك هذا البعد أن نلحظ القانون العام الذي حكم العلاقات الفلسطينية - العربية منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى حتى أمسٍ القريب ، و على التحديد حتى ما قبل توقيع التجزئة العربية التي أرست دعائمها و خطوطها العريضة اتفاقية سايكس – بيكو ، و في ظروف الحالة الصهيونية في فلسطين ، و المنطقة من إعلان وعد بلفور . فالتجزئة العربية ولّدت حالة مغالية في النظرة القطرية الضيقة . و إن لم تستطع تلك النظرة أن تتحرّك على المكشوف ، بعيداً عن مظلّة الانتساب إلى أمة واحدة ، و التسليم بالمصالح العليا العربية المشتركة .

و قد نجَم عن حالة التجزئة العربية ، فيما نجم ، أو إن ارتبط كلّ قطرٍ عربيّ بجواره الجيوسياسي ، و بمجموع النظام العربي بعلائق حملت سماتٍ ذات خصوصية بالقطر المعني . وهذا ما نحن بصدده فيما يتعلّق بالعلاقات الفلسطينية – العربية .

لعلّ مراجعة سريعة للتاريخ القريب ، و على التحديد منذ الحرب العالمية الأولى ، تجعلنا نلحظ أن الوضع الفلسطيني كان يتقدّم على الوضع العربي خطوة كلما كان الوضع العربي في حالة نهوض أو تقدّم . و يرجع السبب في الجنوح الفلسطيني للتقدّم خطوة إضافية إلى أمام بتجاوز حذرٍ و أحياناً مغامر لميزان القوى إلى حدة التوتر في الصراع ضد الاستعمار و الصهيونية على أرض فلسطين . و كان الوضع الفلسطيني يتراجَع خطوة أقلّ من مستوى التراجع العربي حين كان الوضع العربي يدخل في حالة تراجع أو تقهقر . و يمكن أن يرى هذا القانون العام حين يرسم خطان بيانيان للانتفاضات و التوترات الجماهيرية العربية و الفلسطينية خلال العشرينات و الثلاثينات و الأربعينات .

و يمكن أن يرى هذا القانون من خلال العلاقة الفلسطينية بالوضع العربيّ الرسمي حين كان ينفتح ليحتمل تحرّكاً فلسطينياً أو حين كان ينغلِق ليفرض أن يغلق باب النهوض الفلسطيني ، فهذا ما يمكن أن نقرأه في الثلاثينات حين اندلعت ثورة القسام ، ثم الإضراب الكبير ثم الثورة 1938 ، و كيف كان لا بد من أن يحدث التراجع حين انكفأ الوضع العربي لاستقبال الحرب العالمية الثانية فارضاً على الشعب الفلسطيني أن يوقف ثورته ، و قد رأينا الشعب الفلسطيني بحالة النهوض العربي ، أو "الانفتاح" الرسمي العربي يندفع بقوة ، إلى أمام ، في الصراع ضد الاستعمار و الصهيونية ثم رأيناه يوقِف ثوراته ، أو انتفاضاته ، أو إضرابه العام ، تحت الضغط العربي الرسمي ، في ظلّ إجماعٍ و لكن دون أن يصل إلى مستوى التراجع العربي في قضية "الصداقة" لبريطانيا على سبيل المثال .

و تكرّرت هذه الصورة في أواخر الأربعينات في ظلّ نهوض حركات الاستقلال العربي ، و في ظلّ الموقف العربي في رفض التقسيم و الوعد ، بالتدخل العسكري للحيلولة دون قيام دولة (إسرائيل) .

و لكن ما إن دخل الوضع الرسمي العربي في اتفاقات الهدنة ، و ما إن ضرِبَت الحركات الشعبية في أكثر من قطر ، حتى رأينا الحالة الفلسطينية تتراجع و لكن خطوة أقلّ من التراجع العربي العام .

و يمكن أن نستمرّ في قراءة هذه العلاقات خلال الأربعين سنة الأخيرة ، بما في ذلك ، تجربة الثورة الفلسطينية من 1965 حتى وقتٍ قريب . و لن تجد لهذا القانون العام الذي حكم العلاقات الفلسطينية العربية من تبديلٍ أساسيّ إلا حين تصل إلى اتفاق أوسلو ، حيث نرى الموقف الرسمي الفلسطيني قد تجاوز السقف العربي في التراجع أمام الصهيونية و الإدارة الأمريكية ، و الكيان (الإسرائيلي) خطوات خطوات .

أي لم يكن التراجع بالنسبة إلى الموقف الرسمي العربي العام مجرّد خطوة أقلّ و إنما خطوات أكثر ، بل راحت اتفاقية أوسلو تفرِض على الموقف الرسمي العربي العام أن ينزل من سقفه ليلحق بما وصله السقف الفلسطيني في العلاقة مع العدو الصهيوني ، إنه تجاوز لسقف كامب ديفيد بالنسبة إلى الموقف المصري حتى هذه اللحظة ، و تجاوز لموقف دول الطوق المنخرطة في المفاوضات الثنائية الأمريكية و الغربية في واشنطن . و لهذا ما إن وقّع الاتفاق حتى راحت الضغوط الأمريكية و الغربية و الصهيونية تتجه إلى رفع المقاطعة العربية ، و إلى إقامة علاقات دبلوماسية بالكيان (الإسرائيلي) و إلى عقد لقاءات ثنائية علنية و الرسميين (الإسرائيليين) و أصبح المطلوب من الوضع العربي الرسمي أن يلحق الموقف الرسمي الفلسطيني و أحياناً قد يفرِض على البعض الدخول في سياقه في مجال التنازلات و التعاون و فتح الأبواب مع دولة الكيان (الإسرائيلي) .

و من هنا يمكن القول إن الدول العربية عموماً و حتى مصر إلى حدّ ما ، تواجه الآن حالة تناقض و الموقف الرسمي الفلسطيني ، و ذلك على الرغم مما يقال في اتفاق أوسلو علناً . و يتلخّص جوهر المشكلة في قلقٍ عربي مشروع من الاتجاه الذي يمكن أن تأخذه العلاقات الفلسطينية – (الإسرائيلية) وفقاً لاتفاق أوسلو . و هنا تطرح إشكالية الولاء و المحاور ، و التحالفات ، فإذا كان الوضع الفلسطيني قد واجه في السابق الكثير من الإشكاليات و المشاكل المتعلّقة بالانحياز و الولاء و المحاور و التحالفات في خضم التناقضات العربية - العربية فإن اتفاق أوسلو أدخل الكيان (الإسرائيلي) طرفاً في جذب الوضع الفلسطيني إلى محوره .

و لسوف تدرِك خطورة هذا الأمر إذا ما نظر إلى الاتفاق بنظرة متحركة لا سكونية لأن المطلوب من هذا الاتفاق (إسرائيلياً) يتعدّى ما تضمّنه من تنازلات في الحقوق و الأراضي أو في الاعتراف بحقّ الوجود للعدو ، أو التخلّي عن الكفاح المسلح و الانتفاضة ، إنه إلحاق أمني - اقتصادي أولاً ، و من ثمّ سياسي - ثقافي لا محالة ، فيما بعد للحالة الفلسطينية بالكيان (الإسرائيلي) . و هذا ما سينظر إليه عربياً ، تحت كلّ الظروف ، تهديداً للأمن القومي ، أما ما هو أخطر فالانتقال إلى تشجيع أجنحة في كلّ نظام عربي ، طامعة في السلطة ، إلى إنزال السقف في العلاقة بالعدو إلى حدّ التعاون و التواطؤ حتى العمالة .

و هذا الخطر يبدأ بالحالة الفلسطينية نفسها التي لا بد من أن تخرج من داخل صفوفها قوية في ظلّ اتفاق أوسلو حين ينزل إلى التطبيق العمليّ ، ترتبط أكثر فأكثر بالعدو ، و تمضي حتى إلى حد الولاء و الانحياز .

بكلمة ، كيف لا تتولّد مثل هذه الاتجاهات في ظلّ كيانٍ يقوم أمنياً تحت حماية جيش الدفاع (الإسرائيلي) ، و اقتصادياً ملحقاً بالمشاريع المشتركة ، و سياسياً لا ينال شيئاً إلا بالتفاوض الثنائي ، أي بموافقة القيادة (الإسرائيلية) ؟! .. فالذين يتعللون بكلمة "أولاً" ؟ في اتفاق أوسلو عليهم أن يسألوا عن "ثانياً" التي ستخرج من أحشاء هذه الـ "أولاً" .

من هنا يكون اتفاق أوسلو قد ألقى سيفاً في الوضع العربي و لم يلقِ سلماً . بل نفث سماً في العلاقات الفلسطينية – العربية . و لن يغيّر من هذا الأمر أبداً توقيع دولٍ عربية أخرى على اتفاقيات سلام ، فالتناقضات العربية - العربية ستظلّ على ما كانت عليه ، و التناقضات الفلسطينية - العربية التي عرفتها المراحل السابقة ستظلّ على ما كانت عليه . و لكن مع دخول العنصر (الإسرائيلي) إلى داخل البيت العربي و الفلسطيني مما يعني أن ما عُرِف في السابق سيتفاقم عشرات الأضعاف ، و ذلك على مستوى القطر الواحد داخلياً ، كما على المستوى العربي - العربي العام . فالهزّات المقبلة ستكون أشدّ بكثيرٍ مما عرفنا من هزات ، و ما سيتولّد من صراعات سيكون أشد مما عرفنا من صراعات ، أو من الصراع الدائر حول من مع اتفاق أوسلو و من ضده .

هذا يعني أن معارضة الاتفاق لن تكون معزولة عربياً كما يتوهّم البعض ، حقاً قد يكون سقف المعارضة الفلسطينية أعلى بكثير ، من الحالتين مختلفا جداً ، و لكن مع ذلك فإن قانون التقاطع في المواقف ، و لو موضوعياً ، سيظلّ يفعل فعله في معارضة الاتفاق ، و يفسح آفاقاً للحركة و المناورة .

هذا يعني مما تقدّم أن الذين سيذهبون إلى غزة / أريحا أولاً سيجدون أنفسهم منقسمين قبل أن يصلوا إلى "ثانياً" في صورتها الأسوأ - لأن لا احتمالاً آخر غير الأسوأ - فالتطبيق العملي للاتفاق سيطرح إشكالية الانتماء و الولاء ، أيكون للمشروع (الإسرائيلي) في رؤيته الاستراتيجية الجديدة المنطلقة من اتفاق أوسلو أم يكون ولاء عربياً – إسلامياً ؟ . أو قل سيكون السؤال أمام الفلسطيني إلى من سيستند ظهرك و من يكون عمقك و من ثمّ أيّ تجاه لمسارك و على من ترمي سهامك ؟

إلى هنا لا بدّ من وقفة متأملة في فهم السمات الرئيسة للشعب الفلسطيني ، فهذا الشعب جزء من الشعوب العربية ، و من ثمّ فهو يشترك في سماته العامة معها من ناحية العقيدة و الانتماء و الهوية و التاريخ المشترك و المصالح العليا و الانتساب الحضاري و العلاقة بالأمة الإسلامية .

على أن للشعب الفلسطيني سمتين ميّزتاه في عهد الاستعمار و الغزو الصهيوني لبلاده ، الأولى كانت ازدياد توتّر العداء في تكوينه و نفسيته و عقليته ضد الاستعمار و الصهيونية أكثر من أيّ شعب عربي أو إ سلاميّ آخر . و ذلك بسبب تعرّضه المباشر للمعركة مع الصهيونية و ما كلّفته من تضحيات و مشاق و ما أنزلت به من كوارث و نكبات ، و قد أنمت هذه السمة في داخله تياراً جارفاً نحو الوحدة و التحرّر و التغيير على مستوى الأمة إذا أدرك منذ الوهلة الأولى أن معركته مع الصهيونية و الإمبريالية العالمية يجب أن تكون معركة الأمة كلها ، و إلا لا مجال لخلاصٍ حقيقي أو لإنقاذ فلسطين .

أما السمة الثانية فقد لحِق بالشعب الفلسطيني من الأذى الجسديّ و النفسي و المعيشي و الأمني من بعض أشقائه العرب ، ما لم يتعرّض له أيّ شعب آخر ، و الأهم أن قضية فلسطين عانت الكثير من التفريط الرسمي العربي أو التقصير في المعالجة و الاهتمام ، و أحياناً التواطؤ من لدن البعض .

و جاء اتفاق أوسلو متصادماً تماماً مع السمة الأولى كما مع السمات العامة المشتركة كذلك ، و لكنه جاء ليضرب على وتر السمة الثانية في محاولة لإثارة العصبيّة الفلسطينية ضد العرب حتى يسحب قوة الدفع من السمة الأولى ، فقد كان الشعب الفلسطيني طوال تاريخه الحديث يعضّ على جوارحه ليوجّه كلّ الجهود ، بل كلّ البنادق ضد العدو الصهيوني ، و إذا توقّف أمام السمة الثانية ما كان يفعل ذلك ليرتد عن عروبته و إسلامه و لكن ليطلب التغيير في الداخل العربي ليستقيم أمر الأمة ، فالجراح ما كانت لتدفعه إلى فقدان الاتجاه الصحيح ، أو التخلي عن سماته المكونة الأساسية .

أما اليوم فقد ارتفعت أصواتٌ بعد اتفاق أوسلو تضغط على جراح الشعب الفلسطيني - السمة الثانية ، و أخذت تلقى بعض التجاوب هنا و هناك و هي مسألة تفسير بعض ما يلقاه الاتفاق من تأييد شعبيّ ، و لا سيما في بعض أوساط الطبقة الوسطى ، و إذا جمع هذا مع الاتجاه الذي مال إلى أن يُعطى الاتفاق فرصة حتى يحكم له أو عليه فيكون ما يلقاه الاتفاق من تأييدٍ نابعاً من اعتبارات آنية .. غير أصيلة في الشعب الفلسطيني ، و من ثمّ سرعان ما تتبخر عند الدخول في التطبيق الجديّ للاتفاق ، و لا سيما حين تتضح معارضة عربية واسعة له ، فالذي سينقلب في نهاية المطاف هو المخزون الإسلامي التاريخي في الشعب الفلسطيني و المخزون المعاصر ضد الصهيونية و الإمبريالية العلميّة ، و المخزون العميق نحو الوحدة و التغيير و النهضة في الأمة ، فضلاً عن التناقض الأساسي و الحاسم بين الوجود (الإسرائيلي) في فلسطين و المشروع الصهيوني في عمومه من جهة و الوجود الفلسطيني في فلسطين و مشروع نهضة الأمة من جهة ثانية ، و لهذا فإن العوامل و الظروف التي قد تسمح لاتفاق أوسلو أن يمرّ لبعض الوقت ستظلّ واهية كخيوطِ العنكبوت أمام ما هو أساسي و أصيل في الشعب الفلسطيني و الأمة ، و أمام ذلك التناقض الوجودي مع العدو ، و أمام الرفض العربي عموماً ، بما فيه الرسميّ لما يريده العدو في اتفاق أوسلو من انحيازٍ فلسطيني لمحوره .

 

 

4- لعنة اتفاق أوسلو و المفاوضات حوله

 

ما حدث من تطوّرات في مسار المفاوضات التي هدفت إلى تنفيذ اتفاق أوسلو يحتاج إلى تحليلٍ حتى نتبيّن طبيعة الخلافات أو الصراعات أو النزاعات ، أو التنافس فيما بين الأطراف المنخرطة في عملية التسوية ، و هذا أمرٌ ضروري لاستشفاف الاحتمالات المستقبلية سواء أكان من ناحية الوضع الفلسطيني ، أم كان من جهة الوضع العربي و الإسلامي و الدولي ، و ما قد يحمله في صراع القوى ، بما في ذلك من ترتيب التحالفات و المحاور . تستطيع العين النافذة أن تلحظ فوراً عند خروج اتفاق أوسلو إلى العلن و انتقاله إلى واشنطن لإجراء مراسيم التوقيع أنه سبق المطابخ الأخرى في تجهيز الطبخة ، و لهذا يخطئ من يتصوّر أن سريّته هي التي أتاحت للمفاوضين أن يتفقوا ، لأن ما كان سرياً كشفته عدة دوريات و تعليقات صحافية ، كما أن الاتصالات السرية غير المعلنة كانت سمة مارستها كلّ الخطوط التي كانت تسعى في الوقت نفسه إلى إنجاز اتفاق ما ، بما في ذلك ما كان يجري وراء الكواليس في مفاوضات واشنطن نفسها ، فالذي ميّز مطبخ أوسلو يرجع إلى طبيعة الأطراف المشرِفة عليه و ضعفها في ميزان القوى القائم ، و من ثم حاجتها إلى الإسراع في إنجاز طبخةٍ تفرض نفسها و تفرض أصحابها و توجّهاتهم على معادلة هم خارجها في ميزان القوى القائم ، فمن هذه الزاوية لا يمكن اعتبار اتفاق أوسلو ترجمة لميزان القوى الدولي - الإقليمي المعطى . لأن المعبّر عن ميزان القوى المذكور فعلاً ، هو ذلك الذي كان جارياً في مفاوضات واشنطن . و هذا ما جعل اتفاق أوسلو يهبط بسقف التنازلات الفلسطينية دون سقف التنازلات العربية ، بما في ذلك سقفها الفلسطيني ..

و لهذا حين التقى المدعوون على مائدة توقيع الاتفاق في واشنطن بدأ المضض على وجوه الكثيرين ، و بدأت عبارات التأييد و الإعجاب و التهنئة تخرج من أفواهٍ أخذتها الدهشة ، و أخذها الاتفاق على حين غفلة . بل راحت مع مضي الساعات و الأيام القليلة تظهر امتعاضها و تبرّمها بأشكالٍ مباشرة ، و أخرى غير مباشرة ، فكيف كان ذلك ؟

هنا علينا أن نفرّق بين ما حمله الاتفاق من محتوى و ما يعنيه بالنسبة إلى كلّ طرف من حيث دوره و مكانته في المعادلة القادمة ، فالمعروف أن الأطراف المعنية لا يهمّها محتوى قدر ما يهمها دورها ، و ما يعنيه ذلك بالنسبة إلى نفوذها و مكانتها ، فالقيادة الأمريكية و كريستوفر أيّدوا الاتفاق ، بعد تردّد ، ثم قرّروا رعاية مراسيم التوقيع . و لكن يجب أن نلحظ أن الطبخة التي كانت تعدّها وزارة الخارجية الأمريكية في أثناء عملية لتفاوض في واشنطن أصبحت غير ذات موضوع ، و هو أمر ليس بالسار لكلينتون و كريستوفر ، إنه ضربة لجهودهم الدبلوماسية ، و هنا يمكن أن نلحظ أن توقّف مفاوضات واشنطن ، و انتقال التركيز الأمريكي إلى الجبهة السورية ، علّ واشنطن تستطيع أن تحقّق إنجازاً ما في هذا المجال لكي تستعيد زمام المبادرة . و لهذا لحَظنا زيادة الاهتمام الأمريكي بسوريا وصولاً إلى عقد قمة الأسد - كلينتون في جنيف ، و ذلك على الرغم من المعارضة التي عبّرت عنها دمشق ضد اتفاق أوسلو ، بل يمكن أن يلحظ زيادة اهتمام كريستوفر - القدومي (أبو اللطف) بعد إعلان تحفّظات الأخير على الاتفاق ، و يمكن أن ترى دلالة أيضاً ، على التوجه ، زيادة الاهتمام الأمريكي بياسر عرفات بعد أن تعثّرت مفاوضات طابا ، القاهرة ، مثلاً : زيارته في مكتبه في تونس من قبل كريستوفر .

إن من ينظر إلى وجه رابين و يراقب تحرّكاته في أثناء مراسيم توقيع الاتفاق يستطيع أن يلاحظ درجةً من الامتعاض ، و هو امتعاضٌ لم ينبع من تحفّظٍ على الاتفاق ، و إنما من تسليط الأضواء على بيريز منافسه و وزير خارجيته ، و الذي كان مبعداً رسمياً عن الإشراف على مفاوضات واشنطن ، بل إن خطورة ما حمله الاتفاق من تنازلاتٍ فلسطينية مذهلة للكيان (الإسرائيلي) هو الذي جعل رابين يتخطّى امتعاضه من بروز بيريز و دوره في الاتفاق ، و يقبل بتمريره ، و لعلّ إبعاد بيريز عن الإشراف المباشر ، عمليّاً على مفاوضات طابا و تسلّم رابين الأمر بيده يؤكّد ما ذهب التحليل إليه أعلاه ، و هذا دليل أيضاً على أن صاحب اتفاق أوسلو (بيريز) هو طرفٌ ضعيف في المعادلة (الإسرائيلية) ، بما في ذلك معادلة الحكومة (الإسرائيلية) الراهنة .

أما القوى الدولية التي جرى الطبخ في مطابخها و تحت سقفها فقد مثّلت الطرف الاشتراكي الأوروبي ، و من خلاله الطرف الصهيوني الأوروبي الاشتراكي ، و هذا طرف فقدَ مكانته الأولى في المعادلة الصهيونية العالمية منذ زمنٍ طويلٍ لحساب القيادة الصهيونية الأمريكية . و هي القيادة لتي تؤيّد الليكود كما تؤيّد تيار رابين في حزب العمل و لم يكن استقبالها للاتفاق حاراً ، و قد أظهرت علامات تبرّم منه و نقداً له ، لأنه لا يسرّها أن يخطف الأضواء الجناح الفلسطيني المنافس على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي أو يقوّي دوره . لذلك يمكن أن يسجّل ضمن المعادلة الصهيونية العالمية نقطة ضعف أساسية من جهة القوى التي وراء الاتفاق .

و إذا جئنا إلى الساحة العربية فسنجد أن الأطراف الفلسطينية التي انخرطت في طبخ اتفاق أوسلو تفتقر إلى أيّ دعمٍ عربي مباشر لها . و لم تكن تعبّر فيما أقدمت عليه من تنازلات عن طرفٍ عربيّ بعينه ، و لا عن محصلة معادلة عربية . و أن وضعها للمعادلة الفلسطينية معادلة محاطة بالمعارضة من كلّ جانب . و ما كانت تمثّل في اتفاق أوسلو محصلة لمعادلة فلسطينية على أية مستوى . و لهذا ما كان بمقدورهما أن يمرّرا الاتفاق لولا أنه حمّل عمليّة الاعتراف المتبادل بين الحكومة (الإسرائيلية) و قيام م.ت.ف. و لعلّ ذلك هو الدافع الأهم بالنسبة إلى ياسر عرفات للقبول بالاتفاق و حمايته و لتوقيع وثيقة الاعتراف بالكيان (الإسرائيلي) . و هذا ما يسمح بالقول إن الاتفاق قام فلسطينياً على أرجلٍ خشبية أي كسباً جزئياً هامشياً مؤقّتاً ، ليس له معنى محدّد بحدّ ذاته و بلا إجراء حسابات عربية دقيقة .

أما عربياً تقع الطامة الكبرى بالنسبة إلى الاتفاق الذي نظرت إليه كلّ من مصر و سوريا و الأردن ، و ينطبق هذا على أغلبية الدول العربية الأخرى ، نظرة متحفّظة بل حتى عدائية ، على الرغم من التأييد الظاهري الذي استقبل به الاتفاق عربياً ، لقد اعتبر الاتفاق عربياً ، و بحقّ ، خطراً على الأمن القومي و الاقتصادي و الأمن السياسي لدول الطوق و من ثمّ لبقية الدول العربية ، فعندما شنّت الصحافة المصرية حملةً على ياسر عرفات تحت حجّة عدم ذكر مصر في خطاباته في أثناء توقيع الاتفاق في واشنطن كان ذلك مجرد حكّ (حركشة) و المقصود هو الاتفاق نفسه .

و عندما زار حافظ الأسد القاهرة و عقد مؤتمراً صحافياً انتقد فيه الاتفاق نقداً شديداً و بحضور حسني مبارك الذي راح يبتسم و فيما كان ذلك بلا مغزى من حيث حقيقة موقف مصر . هذا دون الحديث عن سلسلة من المقالات التي ظهرت في الصحف المصرية تنقد الاتفاق ، لا سيما في جانبيه الاقتصادي و الأمني نقداً مراً .

بكلمة ، إن الأطراف التي طبخت الاتفاق ، و وقّعت عليه ، و كانت وراءه هي الأطراف الأضعف على الأصعدة الدولية و العربية و الفلسطينية و (الإسرائيلية) ، و لهذا ما كان بمقدورها أن تواصل المسار و تشرِف على المفاوضات اللاحقة و التطبيق اللاحق ، و لهذا رأينا بعد لقاء ياسر عرفات بحسني مبارك بعد توقيع الاتفاق تغيّراً في معادلة القوى التي ستشرِف على المفاوضات ، إذا سلّم الأمر الفلسطيني كلّه للقاهرة ، لتصبح القيادة المصرية هي راعية مفاوضات طابا – القاهرة ، فياسر عرفات يعرِف جيداً ما معنى أن تكون مصر و سوريا و الأردن و غالبية الدول العربية غير راضية عما يجري ، بل قلقةً منه . و هو أمر لم يستنتجه استنتاجاً ، و لكن غلب الظنّ سمعه بالكلام العربي الفصيح ، في أثناء زيارته للقاهرة بعد توقيع اتفاق أوسلو .

أما على الساحة (الإسرائيلية) فقد حدَث تغيّر موازي حيث أعيد إقصاء بيريز عن الإشراف المباشر عن المفاوضات و غدا الأمر كلّه في يد رابين ، و قد تضمّن ذلك عمليّاً اختزالاً للدور الأوروبي- الصهيوني الأوروبي .

و من هنا أصبحت المفاوضات لتنفيذ اتفاق أوسلو بين أيدي رابين – مبارك – عرفات ، و لهذا إذا حدث اتفاق ضمن المعادلة الحالية فسيكون في حقيقته ، اتفاقاً مصرياً – (إسرائيلياً) في الدرجة الأولى ، و إذا تعثّر فسيكون نتاج صراع مصري - (إسرائيلي) حول الولاء الفلسطيني .

و يسهم هذا التحليل في إعطاء معنى أو تفسير لتعثّر مفاوضات طابا ، و التي انتقلت إلى القاهرة ، فأوسلو ، فباريس ، و عادت إلى طابا متعثّرة . كما يفسّر لماذا غاب طبّاخو اتفاق أوسلو عن المفاوضات في مرحلتها الثانية . و لماذا حين طُلِب منهم الحضور إلى القاهرة بعد أن تأزّم الموقف توصّلوا إلى وثيقة تفاهم ، في أسرع من البرق ، ثم سرعان ما عادت الأمور إلى تعقيدها من أجل الخلاص مصرياً - فلسطينياً مرة أخرى من الصيغة التي تم التفاهم عليها بين بيريز و محمود عباس في القاهرة ، لتعود المفاوضات سيرتها السابقة مرة أخرى .

و بالمناسبة طالب رابين بمشاركة مفاوضي أوسلو ليدعم تفسيره للاتفاق و قد راح يتّكئ على بيريز من أجل الغاية مع إبقاء القرار الفصل بيده .

على أن من المهم أن يلحظ هنا أن الوضع أصبح إزاء اتفاقٍ جديد عملياً بسبب تغيّر معادلة الأطراف المشرِفة على المفاوضات ، و لكنه اتفاقٌ محكوم بالسقف الذي حدّده اتفاق أوسلو . و قد يكون ، كما يبدو ، محكوماً بالسقف الذي حدّدته وثيقة التفاهم في القاهرة . فإذا كان من المهم أن نعرِف في كلّ اتفاق أو مفاوضات ، من الأطراف الفاعلة و ذات الدور في العملية لأن هذا يحدّد كثيراً من المسائل اللاحقة . على كلّ من جبهتي التأييد و المعارضة ، إلا أن علينا أن نلحظ تدنّي السقف في كلّ مرحلة ، أي تفاقم التنازلات و المخاسر و تحويله إلى أساسٍ للمفاوضات اللاحقة ، و لا بدّ من التوقّف هنا عند ضرورة رصد الموقف الأمريكي الذي راح يتكشّف عن برودة في الموقف إزاء تنفيذ اتفاق أوسلو ، و قد بدا كمن يعمل على تهميش العملية التي لا تجري تحت إشرافه في حين راح يركّز جهوده على الجبهة السورية - اللبنانية لاستعادة المبادرة ، فواشنطن لن تسلّم بسهولة في أن يكون للأوروبيين ذلك الدور الذي فتحه لهم اتفاق أوسلو من خلال الملاحقة الاقتصادية ، و من ثمّ فإن نتائج عملية التسوية على جبهتي الجولان و جنوبي لبنان ستترك بصماتها على الوضع كلّه . و من ثمّ فإننا إزاء متغيّرات لا يشكّل اتفاق أوسلو إلا إحدى محطاتها .

بكلمة أخرى إذا كانت هذه التحاليل تتجه إلى رؤية عربية للتسوية ، بما في ذلك عملية تنفيذ اتفاق أوسلو ، راحت تسير على غير السكة التي حدّدها الاتفاق إلا أن الآثار المدمّرة الكارثية للاتفاق لم تخرج عن السكة . أو قُل إن لعنة الاتفاق ستلحق بالمفاوضين على التسوية أينما حلّوا و ارتحلوا و من كانوا ، و مهما تكن توجّهاتهم السياسية و انتماءاتهم .

 

 

5- على هامش اتفاق القاهرة

 

الذين لم يجِدوا في اتفاق أوسلو ميزة إيجابية واحدة يمكن أن تسجّل له ، يستطيعون الآن أن يخرجوا من هذا الإطلاق و يسجّلوا له ميزة واحدة ، و هي أنه أقلّ سوءاً من اتفاق القاهرة ، فقد أزال الأخير بعض الغموض المتعلّق بالانسحاب من أريحا و قطاع غزة ، أو بالسيطرة الأمنية على الحدود و الطرقات و المعابر و المستوطنات و ما يمكن أن يكون عليه حال الحكم الذاتي في اتفاق غزة - أريحا أولاً . و جاءت هذه الإزالة من خلال محو كلّ كلامٍ عن انسحابٍ للاحتلال و لو من قطاع غزة و أريحا ، أو على قيام حكم ذاتي له السيادة ، في الأقل ، على الخروج و الدخول منه و إليه ، و ذلك حتى لا يكون حاله حال معسكر اعتقال كبير .

لقد جاء اتفاق القاهرة ليقول إن كلّ شيء سيبقى عملياً على حاله من ناحية الاحتلال و السيادة و الأمن و الحدود و المعابر ، بل سيكون الحكم الذاتي أسيراً بكلّ معنى الكلمة وسط معسكرٍ للاعتقال كبير أو بندوستان أو جيب أمني .

و بهذا جعل من اتفاق أوسلو حالة أقل سوءاً منه . الأمر الذي يتوجّب على منتقدي القاهرة باعتباره حاوياً لكلّ السيئات بالنسبة إلى الجانب الفلسطيني و كلّ الحسنات بالنسبة إلى الجانب (الإسرائيلي) ، أن يتوقّعوا بأن يكون أي اتفاقٍ لاحق أشدّ سوءاً من اتفاق القاهرة بالنسبة إلى فلسطين و القضية الفلسطينية و الموضع العربي بمجمله .

على المرء أن يعجب من منطق الذين تفاءلوا بأن يكون اتفاق أوسلو ، أو اتفاق غزة و أريحا للانسحاب (الإسرائيلي) من الضفة الغربية و قطاع غزة ، أو أنه مرحلة ستتلوها خطوة أخرى تفيض باستيراد الحقوق و تحقيق الأماني و لو بنسبة الثلث أو الربع أو العشر ، لأن كلّ المعطيات لا تسمح بمثل هذا المنطق أو تسمح بتصوّرهم جادين فيه ، و لكن ، على أيّ حال ، إذا كان تفاؤلهم جاداً و صادقاً فعليهم أن يراجعوا أنفسهم بعد اتفاق القاهرة ، و الأهم عليهم أن يتذكّروا أن كلّ الأسباب و العوامل الموضوعية و الذاتية التي قادت إلى التراجع تلو التراجع وصولاً إلى اتفاق أوسلو قد زادها هذا الاتفاق تفاقماً و سلبية ، و لن يفعل اتفاق القاهرة الجديد ، أو ما سيتبعه من اتفاقات ، فيها إلا تفاقماً في اتجاه التراجع و التقهقر ، أما إذا كان ذلك التفاؤل غير جادٍ و إنما هدفٌ إلى تسويق الاتفاق فهذا أمرٌ لا يحتاج من جانبهم إلى إعادة تقويم ، أو وقفة صدق مع النفس ، و إنما إلى تجديده و إعادة إنتاجه من أجل تسويق اتفاق القاهرة و ملحقاته كذلك .

لا بد أن يلاحظ بعد اتفاق القاهرة حال المفاوض الفلسطيني في نطاق الرأي العام الدولي عندما تعثّرت المفاوضات حول السيادة أو الإشراف على المعابر ، إذا لم يعد الفلسطيني يحظى بأي تعاطف باعتباره مظلوماً أو صاحب حق ، أو قضية عادلة ، و لم يعد ينظر إلى الطرف (الإسرائيلي) باعتباره جيش احتلالٍ أو الطرف الظالم أو المغتصب أو المتشدّد أو المتهرّب من تطبيق قرار مجلس الأمن الرقم 242 ، و أن هذه الملحوظة تحتاج إلى تأمّل متعمّق من الذين يدرِكون ما معنى أن تفقِد موقعك في الصراع باعتبارك المظلوم صاحب القضية العادلة ، و ما معنى أن يخرج عدوّك من موقع المعتدي و المحتل و المغتصب و الظالم و المُدان من أغلب الرأي العام العالمي ، و المطالب بتنفيذ قرارات مجلس الأمن و هيئة الأمم المتحدة .

لقد بدا الطرفان في نظر الرأي العام الدولي بالنسبة إلى الخلاف حول المعابر كأنهما "متساوون" ليس شكلاً و لكن عملياً ، حيث ساد التعاطف و التفهّم "للحاجات" الأمنية (الإسرائيلية) كما تحدّدها قيادة الجيش (الإسرائيلي) ، بل أدنى تعديل . و لم يذكر أحدٌ من الذين استقبلوا رئيس منظمة التحرير رسمياً في أوروبا أو أمريكا ، بعد اتفاق أوسلو له الحق في السيطرة و لو على معبرٍ واحد ، أو أن رابين يغالي أن يتشدّد أكثر من اللزوم ، و لهذا عندما خرج اتفاق القاهرة الذي صادرَ أبسط حقّ كان يجب أن يستردّ للحكم الذاتي الفلسطيني و هو السيادة ، و لو على معبرين ، قوبِل ذلك بارتياحٍ شديد في أوساط الدول الكبرى و إعلامها ، الأمر الذي يسمح بالقول إن المقصود من تهليله لتوقيع الفلسطيني على اتفاق أوسلو هو الوصول إلى هذه النتيجة .

أما على المستوى الرسمي العربي فيجب أن يلاحظ أن حال القضية الفلسطينية تحوّل بفضل اتفاق أوسلو و رجوعاً إلى محطاتٍ تصل إلى قرارات الرباط لعام 1974 حول الممثل الشرعي و الوحيد باعتبارها مسؤولية عربية و إسلامية ، و لا باعتبارها قضية العرب و المسلمين الأولى . و بهذا أصبح كلّ ما تقبل به قيادة م.ت.ف. حتماً و لو وصل إلى آخر نقطة في التفريط ، يجب أن يكون مقبولاً عربياً و إسلامياً ، و ليس لأحدٍ حقّ التدخل و إلا كان تدخلاً في "الشؤون الداخلية" أو مزاودة تصوّره "ملكياً أكثر من الملك" .

بكلمة أخرى فقَدَ الفلسطيني حقّه في مطالبة الدول العربية بالتزاماتها نحو قضية فلسطين و شعبها لأن الالتزامات تنبع من الحقوق المقابلة ، و من ثمّ لم يعد من علاقة حاكمة عربية أو إسلامية - فلسطينية غير معادلة الصراع حول الولاء الفلسطيني و موقفه من المحاور .

لقد كانت سياسةً مخطئة و خطيرة حين سمحت م.ت.ف. لتكون الممثل الشرعي و الوحيد للقضية الفلسطينية ، و ذلك أساساً ، لما تضمّنته من إعفاء الدول العربية و الإسلامية من مسؤوليتها و التزاماتها تجاه القضية ، و كانت ، و ما زالت ، سياسة مخطئة و خطيرة من جانب أغلب الدول لعربية و الإسلامية حين لاذت إلى إلقاء مسؤولية القضية الفلسطينية على م.ت.ف. و ارتاحت إلى ذلك . فقد حمَلت هذه السياسة خبثاً شديداً ، و كانت استجابةً للضغوط الدولية التي كانت تريد ألا تتدخل الدول العربية بقضية فلسطين و أن تعامل صراعها و الكيان (الإسرائيلي) باعتباره صراع حدود ، و لكن جاءت صياغة هذه المعادلة فلسطينياً و عربياً تحت شعار مدوٍّ : الممثل الشرعي و الوحيد ، و ليصبح الآخرون من خلاله بريئين من كلّ تفريطٍ في فلسطين ، فهل هنالك أكرم موقفاً من أن تحترم إرادة الممثل الشرعي و الوحيد ، فيغدو الشعار الأثير نرضى بما يرضى به الفلسطينيون ؟ .

حدث هذا و قد ظنّ بعض الفلسطينيين ، في حينه ، أن مثل هذه السياسات "تمنع التلاعب بالقضية الفلسطينية ، أو التفريط في شبر واحد منها ، لأن المتهم التاريخيّ بالتنازل و القبول بقرارات التقسيم أو الهدنة ، أو 242 و 338 ، إنما هو الدول العربية ، و الآن أصبحت القيادة بأيدي أبنائها فليس من تفريطٍ بعد اليوم ، و لا تنازلات" و بهذا اعتبرت قرارات قمة الرباط لعام 1974 نصراً للقضية الفلسطينية ، و إذا بالأيام تثبِت أن ما حدث كان نقضاً لكلّ تلك التقديرات ، و يكفي أن نضعَ أمامنا اتفاق أوسلو ، ثم اتفاق القاهرة ، ثم ما سيأتي ، و نضع في الجانب الآخر من الصورة موقف أغلب الدول العربية و الإسلامية إزاء ذلك لندرك خطأ ما حدث و خطورته .

لقد كان المطلوب كما أثبتت الوقائع ، بعد ن تغسَل أيدي الدول العربية و الإسلامية من المسؤولية تجاه القضية الفلسطينية أو بالنسبة إلى إزالة آثار عدوان 1967 في الضفة و القطاع ، و تصبح المسؤولية كاملة على عاتق الممثل الشرعيّ و الوحيد ، أن يترك مصير القضية الفلسطينية ، أو مصير الضفة الغربية و قطاع غزة ، لا سيما مصير القدس ، في أيدي الطرف الفلسطيني الذي يعاني من نقاط ضعفٍ استثنائية .. فالشعب الفلسطيني ، و معه م.ت.ف. و كلّ فصائل المقاومة ، في حالة شتاتٍ أو تحت احتلالٍ أو تحت قهرٍ و حاجة ، أي في وضعٍ هشٍ أمام الضغوط و الحصار ، فضلاً عن القهر و مصادرة الإرادة و التضييق على الإقامة و التنقل و العمل ، فالشعب الفلسطيني و منظماته ، أو قياداته ، الذين يعيشون هذه الحالة لا يجوز أن يترَك لهم وحدهم تقرير مصير قضية بحجم القضية الفلسطينية ، أو مواجهة عدوٍ بحجم العدو الصهيوني لأن شروط امتلاك الإرادة الحرة ، و لو بالحد الأدنى ، في أخذ القرار غير متوفّرة أو منقوصة جداً ، كما أن الوقوف المنفرد أمام العدو حرباً ، أو سلماً ، أمرٌ غير متوازنٍ و لا يجوز القبول به بأيّ حال من الأحوال إلا إذا كنا نريد مصيراً للقضية الفلسطينية و الشعب الفلسطيني و القدس كالمصير الذي وقّع عليه في اتفاق أوسلو ، ثمّ في اتفاق القاهرة ، و الآتي أعظم .

من هنا ينبغي للأمور أن تعود إلى نصابها أو أن يعاد التعامل و إياها وفقاً لمنطلقات صحيحة ، فالقضية الفلسطينية يجب أن تعود إلى المستوى الرسمي الفلسطيني و العربي و الإسلامي قضية إسلامية و عربية و فلسطينية و لا أحد يحقّ له أن يغسِل يديه من مسؤولية ما يتقرّر بشأنها و يلقي حكم التاريخ فيما يجري من تصفية للقضية الفلسطينية على عاتق الشعب الفسطيني ، و لا يحقّ لأحدٍ أن يقول أنا وحدي صاحب القضية التي هي أكبر منه قطعاً ، لأنها قضية الأمة العربية و الإسلامية بل هي أكبر من أن تكون قضية جيلٍ من أجيال الأمة ، قبِل من قبِل ، و رضِيَ من رضِيَ ، فهذه حقيقة إسلامية و عربية و فلسطينية و هي موضوعيّة لا يمكن أن تلغى و لو اجتمع من اجتمع عليها من حكّام هذا الجيل و قادته .

المنطلق السليم و الصحيح أن يكون دور الممثل للشعب الفلسطيني حارساً في وجه أي تفريطٍ عربي ، أو إسلاميّ ، و إذا ما وقع التفريط عليه أن يطلق الصوت عالياً ، باعتباره ابن القضية ، كما أن دور الدول العربية و الإسلامية و جماهير الأمة كافة أن تكون حارساً في وجه أي تفريطٍ أو تقاعس فلسطينيّ ، و إذا ما حدث ذلك ، عليها أن تطلِق الصوت عالياً باعتبار القضية الفلسطينية ، لا سيما قضية القدس ، قضية إسلامية و عربية أو هي قضية العرب و المسلمين الأولى .

أما من جهة أخرى فلا ينبغي للشعب الفلسطيني أن يقبَل على نفسه أن يكون حاله حال الذي ألقاه في اليم مكتوفاً و قال له : إياك إياك أن تبتل بالماء ، أي ألا يقبل أن يشتّت و يقهر و يجوع و يكبّل ، و يحاصر و يقتل و يسجن و يهدّد بما هو أسوأ ، ثم يقال له أنت وحدك الذي يقرّر في شأن القضية فتعال إلى المفاوضات و نحن سنقبَل بما تقبَل به ، أما المحصلة فستكون مستقبلاً سيلا اتهاماتٍ على الفلسطيني : فأنت الذي قبِلت بما قبِلت ، و أنت الذي دمّرت نفسك و قضيّتك ، و أنت الذي ورّطتنا ، و أنت الذي أصبحت الطابور الخامس ، فلولاك لبقيت المقاطعة العربية و لبقيت مصر ضمن التطبيع البارد و لم تنتقل إلى التطبيع الكامل ، و لولاك لم تدخل الصهيونية إلى عقر دارنا ، و لولاك لم يعترِف الفاتيكان بهذه السرعة بالكيان (الإسرائيلي) ، و لم تعد العلاقات الفرنسية (الإسرائيلية) إلى مرحلة ما قبل ديغول ، و لم يقم النظام الشرق أوسطي ، و لولاك لما عادت العلاقات (الإسرائيلية) بالدول التي كانت تقاطعها في أفريقيا و آسيا و أمريكا اللاتينية ، و لولاك .. و لولاك .

يا لها من قسوةٍ حين يوضَع كلّ ذلك في كفّة ميزان و في الكفة المقابلة اتفاق أوسلو و اتفاق القاهرة و ما أعطِيا للشعب الفلسطيني .

 

 

6- اتفاق أوسلو و مجزرة الحرم الإبراهيمي

 

ما يمكِن أن يُقال بعد قراءة الأبعاد التي تحمِلها مجزرة الحرم الإبراهيمي كثير ، و هو بعدد تلك الأبعاد و عمقها و اتساعها ، فقد شكّلت المجزرة حجر محكٍ لما يسمى بعملية السلام من أساسها ، و لكلّ السياسات التي تعاطت من خلالها و القضية الفلسطينية ، ثم جاءت ردود الأفعال ، أو الأقوال على تلك المجزرة لتزيد من وضوح صورة الوضع القائم دولياً و عربياً و فلسطينياً . لعلّ أول فكرة يجب تصفية الحساب معها هي اعتبار المجزرة من صنع فردٍ معتوه ، فباورخ غولدشتاين ليس فرداً ، و ليس معتوهاً ، و إنما هو اتجاه و تيار داخل المنظومة (الإسرائيلية) و الصهيونية و العالمية ، و قد أكّدت هذه الحقيقة جنازته و ما قيل فيها من كلمات اعتبرته بطلاً ، و يأتي تعليق رابين عليها بتصويره من عمل فردٍ معتوه ، أو تعليق الرئيس الأمريكي كلنتون حولها ليؤكّد أن ما عمله جولدشتاين له من يدعمه ، بصورة غير مباشرة ، من خلال التغطية عليه ، و عدم تسليط الأضواء على أبعاده الحقيقية ، فكلّ من رابين و كلنتون راحا يخفّفان من الإشكالية التي تثيرها المجزرة ، و عمدا إلى تضليل المعالجة بحصر الاستنكار في الفعلة بحدّ ذاتها ، و في مرتكبها باعتباره فرداً نشازاً ، و ذلك بدلاً من وضع الأصبع على جانبٍ من الحقيقة ، في الأقل ، أي إعادة سببها إلى الاحتلال (الإسرائيلي) عموماً ، و إلى وجود المستوطنات خصوصاً ، هذا دون الإشارة إلى السبب الأهم و الذي يعود إلى العقلية الصهيونية ذاتها ، و إلى المشروع الصهيوني من أساسه .. فجولدشتاين ، من حيث الجوهر ، فعل ما فعله آباء حزب الليكود في دير ياسين ، أو آباء حزب العمل في اللد و الرملة بل في حرب 47 – 48 ، فكيف لا يُرى جولدشاين ابناً باراً لاغتصاب فلسطين و إقامة الدولة (الإسرائيلية) ، و تهجير القسم الأكبر من الشعب الفلسطيني و انتهاك ممتلكاته و الحلول مكانه ، و إنها العقلية الصهيونية في النظر إلى فلسطين ، و شعبها .

صحيح أن الاتجاه الذي ترعرع جولدشتاين في صفوفه لا يلتقي رسمياً و في بعض التفاصيل مع الذي يعلنه حزب العمل ، أو تعلنه الإدارة الأمريكية و لكن مقامه في الإطار العام الذي يمثّله حزب العمل ، أو حزب الليكود ، محفوظ و يشكّل جزءاً مكمّلاً معترَفاً له و به ، و إلا من ذا الذي زرعه في المستوطنات و سلّحه و درّبه و رعاه ، إن لم يكن الحكومات (الإسرائيلية) المتعاقبة ؟ كما أن مقامه في الإطار الأمريكي محفوظ كذلك .

فقد نشأ على أرض الولايات المتحدة الأمريكية ، و ترعرع في أرجائها و تدرّب فيها ، و جعلها و ما زال قاعدته التي ينطلق منها ، و لم يكن ذلك كله بعيداً عن أعين البيت الأبيض أو أجهزته الأمنية .

بكلمة ، حتى لو سمعنا استنكاراً لهذا التيار على ألسنة البعض في الحكومة (الإسرائيلية) ، أو الإدارة الأمريكية ، فلن يكون له من معنى أبداً ما دامت المعاملة الواقعية له شيئاً آخر ، و الأهم ما دام الموقف من موضوع الاحتلال موارباً و مخادعاً ، و الموقف من المستوطنات مخاتلاً و مدغولاً ، و الموقف من القدس يتّسم بالاحتيال و المصادرة لها . هذا دون الإشارة إلى الموقف من تلك الحقوق و الثوابت الفلسطينية و العربية و الإسلامية في فلسطين ، و التي أصبحت نسياً منسياً .

أما من جهة أخرى فقد حاول الرئيس الأمريكي أن يصوّر فعلة جولدشتاين موجّهة ضد السلام ، فالضحية في هذه المجزرة هو السلام و ليس من سفكِت دمائهم ، و ليس المستهدف الشعب الفلسطيني و انتفاضته و حقوقه .

و هكذا ، مرة أخرى ، يحرِم الشعب الفلسطيني من مظلوميته و عدالة قضيته لتجيّر سمة "العدالة" و "الضحية" إلى السلام المزعوم .

و ثمّة منهجٍ لا يقلّ خبثاً حين يصار إلى الحديث عن المتطرفين في الجبهتين و ذلك حين يتوجّب استنكار موقفٍ متطرف (إسرائيلي) ، كأن الذي يرفض اتفاق أوسلو لأنه يريد سحقاً أشد للشعب الفلسطيني و مصادرة أوسع لحقوقه و وجوده يتساوى و الذي يرفض الاتفاق لما حمله من هدرٍ لحقوق الشعب الفلسطيني و من مخاطر على الأمة العربية و الإسلامية .

هذا دون الإشارة إلى أن هذه المساواة الظالمة تتضمّن إجحافاً آخر ، و هو اعتبار رابين معتدلاً أو حريصاً على السلام ، و لهذا ينبغي للنقاط أن توضَع على الحروف ، فرابين رأس التطرّف ، و تطرّف جولدشتاين لا يجعله معتدلاً ، و إن الأمر لكذلك بالنسبة إلى مسيرة السلام المطروحة برمّتها فهي غاية في التطرّف ، لا سيما بالنسبة إلى القدس و القضية الفلسطينية و الشعب الفلسطيني حين تصاغ وفقاً للشروط (الإسرائيلية) بالكامل ، و من ثمّ لا يصحّ أن تطلَق صفة التطرّف على معارضيها من الفلسطينيين ، أو أن يقرِنوا بتطرّف جولدشتاين فنسمع كلاماً على "المتطرفين في الجبهتين" ، فالسلام الذي يراد له أن يقوم على نهج اتفاق أوسلو و اتفاق القاهرة يعطي رابين كلّ شيء و لا يعطي للفلسطينيّ شيئاً حتى من بعضِ المسروق و المغتصب .

فكيف يمكن أن يحمل اسم السلام مهما تواقحنا على الاسم ؟ و من ثمّ فأصحاب هذا النهج هم أعداء السلام . فهذا النهج أفهم جولدشتاين أن لـ (الإسرائيلي) حقّ السيطرة على كلّ فلسطين ، و أن ما للفلسطيني يقتصر على المظاهرة و الشكليات ، كما عبّر عن ذلك مثلاً الاتفاق على المعابر . و عندما يفهم أن وجوده في كريات أربع و مشاركته في الحرم الإبراهيمي لم يعودا غير شرعيين ، و لم يعاملا كما كان مسلّماً به من قبل ، باعتبارهما - شأنهما شأن المستوطنات الأخرى - عقبات في طريق

السلام ، و إننا أمّنا لهما اتفاق أوسلو الحماية و البقاء ، أما حقّ البقاء فقد ترك لمساومات المرحلة القادمة .

بكلمة ، إذا كان الوضع كذلك ، فلماذا لا يكمِل جولدشتاين المشوار حتى نهايته ما دام من الممكن أن يفرِض رابين شروطه و الطرف الآخر يقبل ، و الإدارة الأمريكية تدعم ، أي لماذا يحافظ على بعض الشكليات ؟!! فالتطرّف الذي قد يتّهم به جولدشتاين لا يختلف من حيث الجوهر عن تطرّف رابين ، أو تطرّف الإدارة الأمريكية فيما يتعلّق بالوضع الفلسطيني ، إلا من خلال رفض أن يحافظ للفلسطيني على بعض الشكليّات .

و من ثمّ فإن تطرّف باروخ جولدشتاين يجب أن يبحث عنه في التطرّف (الإسرائيلي) - الأمريكي الذي يدير عملية التسوية الراهنة ، و خصوصاً في تطرّف اتفاق أوسلو و اتفاق القاهرة ، فالانحراف أو التطرّف العنصري لا ينسِفان إلا سلاماً منحرِفاً أمّلته العنصرية المتطرفة ، فالسلام المنحرِف و العنصري هو الذي لا يصمد أمام الضربات ، بل يسقط حتى بلا ضربات مدويّة .

بكلمة أخرى ، انطلقت رصاصات باروخ جولدشتاين بالاتجاه نفسه الذي يوجّه العمليّة "السلمية" و ليست بالاتجاه المعاكس ، أو المضاد ، و لولا ذلك لما دخلت تلك العملية في مأزقها الراهن ، كما لو كانت تبحث عن تلك المجزرة أو تنتظره ، لتعلن عن فضيحتها ، فتلك الرصاصات صنعت مجزرة بشرية من أجل مصادرة الحقوق و الثوابت الفلسطينية و العربية في فلسطين ، أما اتفاق أوسلو فصنَع مجزرةً لتلك الحقوق و الثوابت و لكن بكلماتٍ أخرى .

فالموقف (الإسرائيلي) في الحالتين : الرسمية في أوسلو ، و المتطرّفة العنصرية في الحرم الإبراهيمي ، أكّد أن عدوّنا يعامل الصراع مع الفلسطينيين باعتباره صراع وجود ، ففي الحالتين كانت ثمّة عملية محوٍ للوجود الفلسطيني .

و بعد ، فهل آن الأوان أن يعود لبعض العقول رشدها ؟ و لا نقول كلّها ، فتتعرّف من جديدٍ على طبيعة عدوّنا و على طبيعة الصراع فوق أرض فلسطين ؟

و تبقى ملحوظة حول مواجهة قيادة م.ت.ف. لمجزرة الحرم الإبراهيمي ، فبدلاً من أن تكون مناسبة لمواجهة النهج كلّه من حيث أتى ، أو على الأقل ، نهج إدارة المفاوضات و ما أوصِل إليه ، راحت تطالب بالضمانات الدولية لحماية الشعب الفلسطيني من المستوطنين و تدعو إلى نزع سلاحهم ، و وضع المستوطنات على رأس جدول الأعمال للمفاوضات .

فالسؤال : لماذا أسقَطَ كلّ ذلك ؟ على سبيل المثال ، من اتفاق أوسلو و اتفاق القاهرة ؟ و لماذا أجّل بحث موضوع المستوطنات إلى المرحلة الثانية ؟ فهل كان الأمر يحتاج إلى مجزرة الحرم الإبراهيمي حتى يصبح موضوع المستوطنات و المستوطنين و أسلحتهم و أمن الشعب الفلسطيني على رأس جدول أعمال المفاوضات ؟

و لنفرض أن الأمر كان واضحاً منذ البداية ، و لكن اتبع منهج "استدراج" العدو إلى الخطوة الأولى حتى يكون بالإمكان أن يعالج الموضوع لاحقاً . فهل استدرج فعلاً ؟ أو من الذي كما أثبتت الوقائع استدرج الآخر إلى الخطوة الأولى ؟ ثمّ ألا تعبّر المعالجة لنتائج المجزرة عن الافتقار إلى خطٍّ متماسكٍ حتى في إدارة العملية السياسية و المفاوضات ؟؟ .

فالقفزة الذي انتقلت إلى المطالبة بقواتٍ دولية و تأمين حياة الفلسطينيين ، أو المطالبة بنزع سلاح المستوطنين أو بحث موضوع المستوطنات باعتباره أولوية عاجلة لدوران عجلة العملية السلمية ، تدين بذاتها اتفاق أوسلو ، و اتفاق القاهرة إدانة صارمة .

و إذا كان الأمر كذلك ، فهل تحتاج المفاوضات إلى كارثة ما حتى يصبِح موضوعها غير قابل للتأجيل ؟ و من ثمّ يطالِب لها بالإشراف الدولي أو القوات الدولية ؟ أو من ثمّ ينكشِف النهج الذي أدّى إلى اتفاق أوسلو و اتفاق القاهرة و قبِل بخطوة أولى لإقامة حكم ذاتي في أريحا و أجزاءٍ من قطاع غزة و في المقابل استمر بقاء جيش الاحتلال على الحدود و المعابر و الطرقات و المدن و القرى الأخرى في الضفة الغربية ، و استمرت المستوطنات و أمّنت الحركة منها و إليها و بقيَ السلام بأيدي المستوطنين ، بينما أجّلت المواضيع الأخرى و أخضعت إلى المفاوضات الثنائية ، أي أبقي الاتفاق حولها تحت رحمة العدو .

و لعل ما حدث في موضوع المعابر يشكّل النموذج لما يمكِن أن تحمله المفاوضات في المرحلة الثانية ، إن كان ثمّة مرحلة ثانية ، حول القدس و المستوطنات و الاحتلال و قضية العودة و اللاجئين و سائر المواضيع ، هذا دون الحديث عما تعنيه الملاحق الاقتصادية و الأمنية من إلحاق للحكم الذاتي بالعدو (الإسرائيلي) .

و باختصار جاءت ردود فعل م.ت.ف. على المجزرة لتشكّل إدانة صارخة ، و لو بصورة غير مباشرة لاتفاق أوسلو و الاعتراف "المتبادل" و اتفاق القاهرة ، بل إدانة للنهج كلّه ، و لكنها بدلاً من المراجعة و الإنقاذ راحت تطرَح مطالبات جديدة في الاتجاه نفسه كأن شيئاً لم يكن ، أو لكأن خطأ واحداً لم يحدث في اتفاقي أوسلو و القاهرة و رسالة الاعتراف ، ثم بعد أن يقع التراجع عن المطالبات الجديدة سيعامل الوضع ، مرة أخرى ، كأن شيئاً لم يكن ، أو كأن مجزرة الحرم الإبراهيمي لم تكن .