الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

الفصل الثاني

 

و كانت لاتفاق أوسلو مقدّمات

 

·       مقدمات لاتفاق أوسلو

·       أضواء على اتفاق أوسلو

·       تقرير معهد واشنطن

·       بيريز هندس اتفاق أوسلو

·       الاستراتيجية التي وراء الاتفاق

·       بيان كلينتون - رابين

·       التفوق العسكري (الإسرائيلي) و التسوية

·       المطلوب من الفلسطينيين

·       لكلّ طرفٍ و ما يحتاج

·       أمريكا تسلّم القيادة

·       فلنعرف أمريكا و الصهيونية

 

 

1- مقدّمات لاتفاق أوسلو

 

الحكم الذاتي في تقرير معهد واشنطن (1) [حاول تقرير معهد واشنطن أن يقرّب من وجهة النظر (الإسرائيلية) حول الحكم الذاتي أكثر ما يكون الاقتراب ، و هو بهذا يسهِم في فهم اتفاق أوسلو و ما تبعه من اتفاقات و ما سبقع من مقدمات] ..

ينبغي للتقرير النهائي لفريق الدراسة الاستراتيجية التابع لمعهد واشنطن ، و الذي صدر تحت عنوان "متابعة السلام -استراتيجية أمريكيّة لعملية السلام العربية – (الإسرائيلية)" ، أن يولى اهتماماً خاصاً، لأنه نتاج دراسة و حوارٍ قام بهما فريق من مهندسي الاستراتيجية الأمريكية ، فقد كان لبعضهم شأن رسمي ، أو شبه رسمي ، في عهد كارتر ، و لبعضهم الآخر في عهد ريغان و بوش ، و البعض الثالث مرشّح ليكون في قلب صنع القرار السياسي و رسم الاستراتيجية في عهد كلينتون ، أي أننا أمام تقريرٍ يعبّر عن كثيرٍ من خلفيات أو منطلقات الاستراتيجية الأمريكية و أهدافها فيما يتعلّق بما يسمّى "عملية السلام العربية - (الإسرائيلية)" .

جاء التقرير في سبعين صفحة من القطع الكبير ، و احتوى على عددٍ كبير من الموضوعات المتعلّقة بعملية المفاوضات على مختلف الجبهات ، فكان له تقويمه لوضعية كلّ طرفٍ من الأطراف المعنية ، و كيف يرى أهدافه و كيف سيدبّر عملية التفاوض ، و حاول أن يضع السقف الأمريكي الذي يضبط التناقض فيما بين المتفاوضين ، بل سعى إلى وضع الخطوط العريضة التي يتوجّب على الإدارة الأمريكية القادمة أن تتوخّاها و هي تشرِف على عملية السلام .

لعلّ من المفيد للأطراف المعنية أن يدقّقوا في هذا التقرير ليدركوا ، أولاً حقيقة الموقف الأمريكي من كلّ طرف ، و كيف يقوم وضعه و كيف ينظر إلى سياسته ، الأمر الذي ينطوي على كثيرٍ من الإساءة و التجريح للبعض ، و ليدرِك كلّ طرف ، ثانياً ، حدود الموقف الأمريكي من الحلّ المقترح على جبهته ، و هذا قبل التراجع عنه للاقتراب أكثر فأكثر من الموقف (الإسرائيلي) عند البحث عن الصياغة المقبولة من الطرفين .

ستعنى هذه المقالة بالجوانب المتعلّقة بالحكم الذاتي للفلسطينيين كما يتناوله التقرير في كثيرٍ من أجزائه .

يعتبر التقرير في تقويمه للوضع الفلسطيني أنه : لما كان الفلسطينيون هم الطرف الأضعف ، و الأبعد من تحقيق أهدافه ، و الخاسر الأكبر من استمرار الوضع الراهن ، فسيبدو أنهم هم الذين سيكسِبون أكثر من تقدّم العملية .

و هذه رسالة أولى تريد أن تقول للفلسطينيين اقبلوا بأيّ شيء و ستكونون بهذا أكثر من يكسِب لأنكم الخاسر الأكبر من استمرار الوضع الراهن ، و هي قناعة يراد إدخالها في العقل الفلسطيني المفاوض لينهزِم منذ البداية فيتنازل عن كلّ الحقوق الفلسطينية حتى في حدودها الدنيا التي يطالب بها ، و يرضى بأيّ فتاتٍ يرمى إليه ثم يقنع نفسه بأنه الكاسب الأكبر .

جاء اقتراح "الحكم الذاتي" في الأساس ، من قبل بيغن - شارون و ثبت في اتفاقيات كامب ديفيد ، ثمّ أعيد إحياؤه من خلال شامير - رابين عام 1989 ، و قد أريد منه أن يحقّق عدة أهداف : الأول أن يصبِح هو موضوع التفاوض بدلاً من الانسحاب و تطبيق قرر 242 ، و أن يؤمّن ، ثانياً ، إبقاء الوجود (الإسرائيلي) في الضفة الغربية و القطاع و إبقاء السيطرة العسكرية و الأمنية مع تأمين إبعاد الكتلة الفلسطينية ، ثالثاً ، عن تغيير مكوّنات الدولة (الإسرائيلية) في حالة الضمّ.

و يرى التقرير أن القناعة بأن على (إسرائيل) أن تسيطِر على المناطق و لكن دون استيعاب سكانها يتقاطع حولها الحزبان (العمل و الليكود) ، فالمعادلة التي يخدِمها مقترح الحكم الذاتي ، من وجهة النظر (الإسرائيلية) هي الحفاظ على الأمن و السيطرة العامة على المناطق مع تخليص (إسرائيل) من المسؤولية عن السكان العرب .

 و ترجع هذه الفكرة إلى فلاديمر جابوتنسكي معلّم بيغن و الأب الروحي لليكود ، و قد دعا إلى البحث عن طريقة التعامل مع أقليّة قومية دون تدمير الديموغراطية (الإسرائيلية) أو ضرب الأغلبية اليهودية ، و كان موشي دايان يعبّر عن الفكرة نفسها ترك العرب وحدهم قدر الإمكان بينما نحافظ على وجودٍ يهوديّ و سيطرة عسكرية في المنطقة .

و لهذا يرى التقرير أن الإشكالية التي تواجه المفاوض (الإسرائيلي) ليس القبول بفكرة الحكم الذاتي الفلسطيني فهي فكرته ، و إنما كيف يحدّد تفصيلاته ، و قد سبق و أكّد التقرير أن الحكم الذاتي من حيث التعريف أو من حيث الجوهر هو حالة محدّدة الصلاحيات أو الحدود ، فالإشكالية المفتوحة هي عملية تحديد تفصيلات الحكم الذاتي ، أو بعبارة أدقّ كيف تقتسم الصلاحيات في الضفة الغربية و القطاع بين (الإسرائيليين) و الأردنيين و الفلسطينيين .

و يلاحظ التقرير أن الصياغات (الإسرائيلية) في المفاوضات الثنائية شدّدت على الجانب الإداري بالقدر نفسه الذي شدّد فيه الفلسطينيون على الجانب السياسي ، فأبدوا استعداداً ليعطوا الفلسطينيين سيطرة على الصحة أو على الانتخابات البلدية ، و لكنهم لم يصِلوا بعد إلى ما قدّموه في اقتراحاتهم لعام 1982 أو مشروعهم في 1989 .

و هنا يتقدّم التقرير من الإدارة الأمريكية بعدة مقترحات و الأطراف المعنيّة تسعى لتحديد طبيعة الحكم الذاتي و مداه ، و يلخّص ذلك أولاً : بضرورة الابتعاد عن المصطلحات و الرموز في تحديد الموضوع و التركيز على تبادل الصلاحيات العملية التي سيمارسها الفلسطينيون و تلك التي سيشاركهم فيها الأردن أو (إسرائيل) ، و تلك التي ستحتفظ بها (إسرائيل) لنفسها .

و المقصود هنا التعامل مع تفصيلاتٍ جزئية ، و الابتعاد عن التحديد السياسي للحكم الذاتي ، و هذا ما يسمح بتفريغه إلى الحد الأقصى و يقيم الضمانات التي تعهده حيث هو حتى يفقد كلّ إمكانٍ للتحوّل إلى ما هو أكثر من كيانٍ إداري .

و يأتي المقترح الثاني ليكرس الأول إذ المهم "التوصل إلى اتفاقية سريعة حول صلاحيات معينة ، و على الفلسطينيين أن يبدأوا بممارستها قبل التوصل إلى اتفاقٍ نهائيّ ، أي على الفلسطينيين ألا يفكّروا في الربط بين المرحلتين الانتقالية و المفاوضات حول المرحلة النهائية ، و أن يبدأوا العمل فوراً بما يعطى لهم بغضّ النظر عمّا سيعطى ، أما الأردن فيأتي دوره في المقترح الثالث حيث يشترك في بعض المجالات التي يمكِن أن يقدّم فيها إسهاماً مثل التجارة و الأمن الداخلي و الخارجي .

فالأردن هنا لم يعد يعامل باعتباره الطرف المعنيّ في التفاوض حول الانسحاب وفقاً لقرار 242 كما هو حال سوريا بالنسبة إلى الجولان . و هنا تبرُز بصورة خاصة خطورة تحويل المفاوضات من مناقشة الانسحاب و تطبيق قرار مجلس الأمن 242 ، على الرغم مما تضمّنه من إجحافٍ و هضمٍ للحقوق الفلسطينية و العربية و الإسلامية في فلسطين إلى مناقشة الحكم الذاتي و اقتسام الصلاحيات مع عدم التعرّض للاحتلال أو للقدس أو المستوطنات طوال الفترة الانتقالية ثم بعد ذلك لكلّ حادثٍ حديث .

ثمّ يأتي المقترح الرابع و الذي يقول إن الموضوع الدقيق المتعلّق بالسيطرة على الأرض و مصادرة المياه يمكِن أن يحلّ بالرجوع إلى صيغة بيغن - شارون لعام 1982 أي يعطي حقّ الفيتو للطرفين فيما يتعلّق بأيّ مستحدثٍ مستقبلاً بالنسبة إلى الأراضي و مصادر المياه ، أي ترك موضوع السيادة على الأرض و مصادر المياه بلا تحديدٍ و يُعطى الفلسطينيون و (الإسرائيليون) حقّ الاعتراض الذي يعطى لأيّ مشروع يقِم عليه أحد الطرفين دون موافقة الآخر .

فالحكم الذاتي هنا بلا سيادة على الأرض و مصادر المياه ، ولا مفرّ من أن يتعاون الطرفان ، و بهذا يكون الموقف الأمريكي الحقيقيّ قد تخلّى فعلياً عن التزامه بقرار 242 فيما يتعلّق بجانب السيادة على الأرض و مصادر المياه في الضفة الغربية و قطاع غزة ، و كان المدخل إلى ذلك تحويل الاتجاه إلى مناقشة الحكم الذاتي .

و يقول المقترح الخامس ، لا بد للإجراءات المتعلّقة بالحكم الذاتي من أن تؤثّر في النشاط الاستيطاني في المناطق و ينبغي لهذا الموضوع أن يحلّ بين (الإسرائيليين) و الفلسطينيين في المفاوضات بدلاً من أن يحلّ بين الولايات المتحدة الأمريكية و (إسرائيل) في علاقاتهما الثنائية ، و بهذا يصبِح الموقف الحقيقي للولايات المتحدة الأمريكية هو التخلّي عما كان يعلِن بمعارضة الاستيطان و التحوّل إلى موقفِ الحياد و إلغاء الفكرة على ملعب المفاوضات الثنائية .

و هذا ينسجِم مع روحيّة التقرير كله ، و التي شدّدت على أهمية تعزيز العلاقات الثنائية الأمريكية – (الإسرائيلية) كضمانٍ لنجاح عملية التسوية ، و هو حلّ مرة أخرى ، على حساب الطرف الفلسطيني و العربي تدنّى حتى عن المستوى التي انطلقت منه المفاوضات .

و من هنا قد تعجَب حين نقرأ في واحدة من فقرات التقرير : "ستكون الحكومة (الإسرائيلية) الجديدة في وضعٍ قوي ، فقد أزالت حرب الخليج ، في الوقت الحاضر ، أخطر تهديدٍ عسكري كان يواجه (إسرائيل) - هجوم مشترك عراقي - سوري على جبهتها الشرقية – و بأقلّ ثمنٍ دفعته (إسرائيل)" .

و هنالك تدفّق المهاجرين الروس ، و حتى لو بأعدادٍ قليلة ، ثم هنالك المصلحة السورية في المفاوضات و هذا كلّه يعطي للقيادة (الإسرائيلية) الفرصة نفسها التي اغتنمها بيغن عام 1978 ، أي إنهاء الخطر العسكريّ العربي الرئيس على (إسرائيل) دون أن يتخلّى عن "يهودا و السامرة" أو قطاع غزة .

فتلكم هي المكاسب الأوليّة المحتملة ، "و إذا ما تحقّقت فلن تكون أقلّ من تحقيق الانتصار النهائي للمثال الصهيوني : دولة يهودية آمنة فوق وطنها التاريخي ، و لهذا فالحكم الذاتي الفلسطيني هو طريقة للالتفاف على حلقةِ القرار التي وقعت فيها (إسرائيل) منذ انتصارها الهائل عام 1967" .

تتمثّل الخطورة التي يتضمّنها هذا التقرير في كونِ ما تقدّم يحدّد سقف الموقف الأمريكي بالنسبة إلى الحلّ المتعلّق بالضفة و القطاع ، و هو حكم ذاتيّ محدود الصلاحيات جداً بالنسبة إلى الفلسطينيين ، و بقاء يهوديّ في الضفة و القطاع و بقاءٍ للقوات العسكرية في كلّ النقاط التي تحقّق السيطرة و الأمن و العمق ، و عدم التطرّق إلى موضوع القدس ، و ترك مسألة الاستيطان للتفاوض بين الطرفين الفلسطيني و (الإسرائيلي) و تجنّب بحث موضوع السيادة على الأرض و مصادر المياه مع إعطاء كلّ طرفٍ حقّ النقض "الفيتو" ، أي ارتهان الوضع لتعاونٍ حتميّ بين الطرفين ثم ترك الوضع النهائي لمفاوضات المرحلة الثانية التي ستتلو المرحلة الانتقالية دون أيّ ربطٍ بين المرحلتين .

و من هنا يكون كلّ ما يطرحه المفاوض الفلسطيني خارج هذه الحدود ، أو أعلى من هذا السقف ، مجرّد أماني لا علاقة لها بالإطار الذي دخلت فيه المفاوضات ، أي يمكِن أن تؤول إليه ، فمن لا يقبَل بهذا السقف الذي حدّده الراعي الأمريكي فليس له إلا أن يرمي قفاز التحدّي بوجهه .

و أخيراً ربما قيل كيف يمكِن التعامل و تقريرٌ غير رسميّ كأنه السياسة الرسمية المعلنة للأدوار الأمريكية ، أو كان ما ورد فيه سيكون هو ما سيتحقّق على أرض الواقع ؟ و هذا قولٌ حقّ لأن التقرير غير رسميّ و لكن الإشكالية هنا أن الموقف الرسميّ سيكون ، كما علّمتنا التجارب أسوأ منه ، و كذلك إنه لقولٌ حق أن ما سيتحقّق على أرضِ الواقع لن يأتي متطابقاً تماماً مع توقّعات التقرير .

و لكن الإشكالية هنا أيضاً أن التجربة مع تقارير معهد واشنطن و برولنغز و أمثالهما تؤكّد أن ما تطبّقه السياسة الأمريكية على الأرض بالنسبة إلى الصراع العربي - (الإسرائيلي) و الصراع الفلسطيني – (الإسرائيلي) كان يأتي أسوأ مما بشّرت به تلك التقارير و ليس العكس .

بكلمة أخرى علينا التعامل و تقرير معهد واشنطن على اعتبار أنه سقفٌ أعلى من السقف الحقيقي الذي تحمِله الإدارة الأمريكية بالنسبة إلى ما يمكِن أن يستخلص فلسطينياً و عربياً من عملية التسوية(1) [بالفعل جاء اتفاق أوسلو فيما بعد ليهبِط بالسقف الفلسطيني حتى دون السقف الأمريكي المعلَن في مفاوضات واشنطن] .

 

 

2- بيريز و اتفاق أوسلو

 

لا يمكِن أن تدرِك الأبعاد الحقيقية لاتفاق أوسلو من وجهة النظر (الإسرائيلية) ما لم تقرأ جيداً آراء بيريز حول الدور (الإسرائيلي) ، أو الأصح ، حول ما يجب أن يصبح عليه الكيان (الإسرائيلي) في عالم القرن الحادي و العشرين ، فبيريز وزير الخارجية (الإسرائيلية) على ما يبدو - هو الذي يملِك أكثر من غيره فيما بين زملائه من القيادات مشروعاً استراتيجياً جديداً ، و قد عبّر عن ذلك من خلال دراسة كتبها في عام 1991 .

شكّل الكيان (الإسرائيلي) منذ نشأته قاعدة عسكريّة من حيث الأساس و من يحلّل الكيان و تاريخه حتى الآن لن يخفى عليه أبداً أن يراه عملاقاً عسكرياً متفوقاً على جيوش المنطقة بينما بقي قزماً سياسياً و قزماً اقتصادياً ، ففي المجال السياسي كان منبوذاً و مقاطعاً من غالبية دول العالم ، و كانت سياساته من الناحية الرسمية متعارضة و ما يعلَن من سياسات حتى من أقرِب حلفائه أو رعاته ، و تشهد ساحات هيئة الأمم المتحدة على هذه الحقيقة ، أما في المجال الاقتصادي و التقنيّ فقد بقيَ عالة بل في حاجة قاتلة إلى المساعدات الخارجية و كان الوصول إلى التفوّق العسكري و المحافظة عليه و زيادته يستهلك أغلب الميزانية و الطاقات و الإمكانات ، و إن كان من الممكن أن يسجّل له من تقدّم ، ففي التكنولوجيا العسكرية يرى بيريز أن المتغيّرات العالمية الجديدة تتطلّب محافظة على التفوّق العسكري الكاسح للجيش (الإسرائيلي) على جيوش المنطقة و هذا هو ما رمت إليه الاتفاقية الأمريكية – (الإسرائيلية) حول التعاون العلميّ و التكنولوجي ، كما تعتمد على تجريد الأطراف المقابلة من قوّتها العسكرية و حرصها في الحد الأدنى – و هذا من أهداف التسوية أصلاً .

و ينبغي لهذه الاستراتيجية أن تعيد توضيع الجيش ، و تعيد النظر في حجمه و ما يستهلِك من موازنة حتى يحوّل ما يمكن الاقتصاد به إلى خدمة استراتيجية لبناء العملاق الاقتصادي و العملاق السياسي ، أي المطلوب أن يصارَ إلى تبنّي سياسات لخدمة استراتيجية تحويل الكيان (الإسرائيلي) إلى يابان المنطقة ، و إلى القوة السياسية النفّاذة فيها و في العالم و هذا ما يفسّر الجوانب الأساسية في اتفاق أوسلو : جانب التعاون الاقتصادي ليكون الجسر إلى "مشروع مارشال" يقدّم على طبقٍ من ذهب للكيان (الإسرائيلي) .

و ذلك ما يفسّر أيضاً ، السعي الحثيث لإقامة العلاقات الدبلوماسية و الإسراع في التطبيع مع الدول العربية ما دام اتفاق أوسلو وفّر الغطاء اللازم و ذلك ليصبح الكيان (الإسرائيلي) مركز استقطابٍ سياسي و نقطةً يستقوى بها في الصراعات العربية – العربية ، و حتى في الصراعات الداخلية ، و يساعد على ذلك الاستراتيجية الأمريكية الجديدة التي جعلت من الاعتراف بالكيان (الإسرائيلي) و استرضائه مدخلاً للوصول إلى ما يراد من أمريكا ، أي جعلته بمثابة مدير التشريفات الذي لا بد من المرور به للوصول إلى البيت الأبيض .

إذا كان اتفاق أوسلو سيحقّق فيما سيحقّق للكيان (الإسرائيلي) ما تريد له استراتيجية بيريز : فتح الطريق إلى التكامل بين العملاق العسكري و العملاق السياسي و العملاق الاقتصادي فكيف ينبغي للموقف أن يكون منه ؟

 

 

3- بين الحاجات الفلسطينية و (الإسرائيلية)

 

من يتابع تصريحات بيريز ، في دافوس و بعدها ، يلحظ أن منهجه في التعاطي و المفاوض الفلسطيني يتلخّص كما هو آت : للفلسطيني "الكرامة" و لـ (الإسرائيلي) المعابر و الحدود و الطرقات و المستوطنات و السيادة و الأمن ، و ما شابه ذلك ، و بهذا يلبّى للطرفين حاجتهما أو قُل لكلّ طرفٍ و ما يحتاج إليه ، فـ (الإسرائيلي) كما يؤكّد بيريز شديد الحساسية بالنسبة إلى كلّ ما يتعلق بالأمن و الحدود و السيطرة و الأرض و السيادة و المستوطنات و المعابر طبعاً و القدس . أما الفلسطيني ، كما يشير بيريز ، فشديد الحسّاسية بالنسبة إلى المظاهر ، الكرامة ، و لهذا اعتبر الاتفاق الجزئيّ الذي أبرِم في القاهرة ملبياً لحاجة كلّ طرفٍ من هذا المنظور ، فالاحتلال بات على حاله و لكن ضمن ترتيبٍ يسمح ببعض المظاهر ، للفلسطيني ، عَلَم فلسطيني ، خاتم فلسطين ، بعض الموظفين عند هذا المدخل أو ذلك ، في الخروج و العبور ، من و إلى أريحا و قطاع غزة ، الأنكى أن تقوم لجان مشتركة على المعابر و الطرقات مما يجعله احتلالاً يتمتع بالحسنيين : حسنى السيطرة على كلّ فلسطين و حسنى الابتعاد قدر الإمكان عن الصدام مع الأهالي تحت الاحتلال أو تحمّل أية أعباء ماليّة تتعلّق بضبطهم أو خدماتهم ، و يجعل الفلسطيني ، تحت الاحتلال يرزح تحت الشرّين شر الاحتلال و شرّ الموافقة عليه و الرضا به ، و المشاركة في دورياته الأمنية .

أما فلسطينيو الشتات فعليهم أن يعتبروا الشتات حياتهم و مستقبلهم ، و ليس لهم أن يفكّروا بفلسطين ، أو يحسِبوا أن لهم الحق في إثارة قضيّتها ، فقد حدّد مصير فلسطين في أوسلو و ما حقّ من اتفاقات .

يبدو أن بيريز ، ربما من خلال بعض الدراسات و التقارير ، أو الهامشين ، خرج برأيٍ يقول إن نظيره المفاوض الفلسطيني ، و هو رأيٌ قديم تناقله بعض الاستعماريين و الصهاينة عن العرب ، "يهمّه المظهر أكثر من الجوهر" ، أو "خذ منه كلّ شيء و لكن أجلسه على الكرسي و بجّله و حافظ على بعض الشكليات ، تراه راضياً و شاعراً بالانتصار" .

على أن بيريز نسيَ أن السيكولوجيا التي نفعت مع بعض الأفراد لم تنفع مع الشعوب ، و من ثمّ عليه أن يعلَم أن الاتفاقات التي تقوم على خداع الشعب الفلسطيني ، و الضحك على ذقنه ببعض المظاهر ، بينما تستبقي الاحتلال عملياً ، و تذهب بالأرض و السيادة الحقيقية ، و الكرامة الحقيقيّة ، لن يكتب لها البقاء أبداً ، فالبيت الذي يقوم على رمالٍ لا تدوم دعائمه و الاتفاقات التي تفرَض من خلال القوة ، و التلاعب بالألفاظ و المظاهر ، لا يمكن أن يكتَب لها النجاح .

كلمة أخيرة ، إنه من الأفضل ألف مرة أن يأتي الاتفاق الجزئيّ ، عاكساً لحقيقة الوضع على المعابر ، أي مبقياً للاحتلال مكشوفاً ، كما كان الحال قبل تنفيذه ، من أن يأتي مضمّخاً بصباغ الخداع ، و الشراكة المدمّرة ، و ذلك أفضل حتى للمفاوض الفلسطيني ، و المنفّذ الفلسطيني ، لكي يأخذ القبول صفة الجبر و الإكراه ، و الظلم و الإجحاف ، و بهذا يكون القبول بالشر شراً واحداُ ، أما طلاؤه الأصباغ فيجعله شرّين يلدان شروراً .

 

 

4- الفلسطيني و الدخول في المشروع الصهيوني

 

ورد في تصريحٍ لبيريز وزير خارجية دولة العدو ، و هو ما ردّده رابين من قبل ، أن نصوص الاتفاقات ليست الشيء المهم ، و إنما المهم هو بناء الثقة و نوع العلاقات التي ستقوم بين الدولة (الإسرائيلية) و الحكم الذاتي الفلسطيني . و بهذا يكشِف بيريز بعداً آخر من أبعاد استراتيجية الكيان (الإسرائيلي) – فلسطينياً ، للمرحلة القادمة .

فبعد أن أخذ كلّ ما يريد ، بل أكثر مما كان يحلم بأخذه ، من خلال اتفاق أوسلو ثم اتفاق القاهرة ، انتقل الآن إلى التركيز على موضوع بناء الثقة ، أو نوع العلاقات التي ستقوم بين طرفي اتفاق أوسلو - اتفاق القاهرة مستقبلاً ، و اعتبر أن موضوع الثقة و نوع العلاقات هما أهم من نصوص الاتفاقات في قابل الأيام .

إذا ترجمت هذه الإشارة العامة و الغامضة نسبياً إلى معناها المراد ، في إطار عقلية القيادات (الإسرائيلية) ، فسنجد لها معنى واحداً لا غير و هو أن يسعى الفلسطيني لكسب ثقة تلك القيادة ، و الوصول بالحكم الذاتي إلى مستوى الوثوق به (إسرائيلياً) ، أي عليه أن يبني ذلك النوع من العلاقات التي ترضى عنها قيادة يهود (إسرائيل) ، و لا حاجة إلى التأويل هنا ، فالمعنى واضح تماماً أي التحوّل إلى موقع العمالة ، فالعدو لا يثقُ بالفلسطيني أو عربيّ أو مسلم إلا إذا صار عميلاً ، و أثبت أنه عميل أحاديّ الولاء ، و العدو لا يقبل علاقات للحكم الذاتي به غير علاقات التبعية له ، و الدخول الإيجابي في مشروعه الصهيوني ضد العرب و المسلمين ، و هذا يعني اتباع ملته و التبعية لاستراتيجيته .

بكلمة أخرى إن كلّ ما قدّم من تنازلات في اتفاق أوسلو و اتفاق القاهرة ، و ما يمكن أن يقدّم من تنازلات لاحقاً غير كافٍ ، و لا يعتبر نهاية المطاف بالنسبة إلى ما هو مطلوب (إسرائيلياً) من الحكم الذاتي بعد قيامه و تشكّله ما لم يكن قد قدّم من تنازلات يصبح من الماضي ، أما المستقبل فيتطلّب الثقة و العلاقات الإيجابية ، يتطلّب "التعاون" و إلا بأيّ اتجاه سيدور الدولاب ؟

الذي يريده بيريز من موقّعي اتفاق أوسلو - اتفاق القاهرة هو الدخول في المشروع الصهيوني ليس شركاء و إنما عملاء ، أما إذا كان هذا مرفوضاً فسيجد الحكم الذاتي نفسه في أزمة حقيقيّة ، فبيريز لا يتحمّل جاراً "مشبوهاً" أو مشكوكاً فيه أو في ولائه ، فذلكم هو معنى تصريحه .

 

 

5- حول قمة رابين – كلينتون

 

جاء البيان الذي أعلنه الرئيس الأمريكي إثر انتهاء محادثاته مع رابين (آذار 1993) و إجاباته في المؤتمر الصحافي ليكشفا عن حقيقة السياسات الأمريكية للمرحلة القادمة ، و يضعا الذين يأملون خيراً من الرعاية الأمريكية لمفاوضات التسوية و تدخّلها فيها كشريكٍ كامل ، أمام حرجٍ كبير ، و ليضعا الذين يدعون إلى التحالف و أمريكا و الدخول في سياق مشاريعها و استراتيجيتها للمنطقة في ظلّ ما يسمّى النظام الدولي الجديد إزاء حرجٍ أشد .

فقد أعلن كلينتون أن الطرفين اتفقا على الارتفاع بمستوى تحالفهما الاستراتيجي إلى درجة أعلى لتصبح (إسرائيل) شريكاً كاملاً للولايات المتحدة الأمريكية في كلّ ما يجري من ترتيبات في المنطقة ، و هذا ما يعني أن كلّ تعاملٍ وأمريكا و كلّ اتفاق و إياها سيكونان تعاملاً و اتفاقاً مع الكيان (الإسرائيلي) كذلك ، فإذا كان هذا هو الحال ، بصورة غير مباشرة في الماضي فقد أصبح في عهد كلينتون مباشراً و معلناً و يجب أن تقبل به الأطراف العربية و الإسلامية من المحيط إلى الخليج حتى جاكرتا ، الأمر الذي يعيد تثبيت صحة الرأي الذي قال بزيادة الدور الاستراتيجي للكيان (الإسرائيلي) في مرحلة ما بعد الحرب الباردة ، كما يعيد تثبيت خطأ الآراء التي راحت تبشّر بشغفٍ أهمية الكيان (الإسرائيلي) بالنسبة إلى الاستراتيجية الأمريكية في مرحلة النظام الدولي الجديد ، و لا يحسبنّ أحد أن هذا الأمر لم يكن كذلك في عهد بوش أو كان سيختلف لو أعيد انتخاب بوش ، لأن التحالف حين يصل إلى المرتبة الاستراتيجية يكون من ثوابت السياسة و الاستراتيجية.

هذا يبرِز السؤال : هل سيقبل الذين جنحوا للتحالف مع أمريكا و علناً بأن يعلنوا التحالف مع الكيان (الإسرائيلي) و علناً ؟ ، لأن موضوع القبول بالتسوية و التطبيع مع الكيان (الإسرائيلي) ارتفع إلى مستوى التحالف و القبول بالقيادة المشتركة الأمريكية – (الإسرائيلية) للمنطقة .. ثم السؤال : أية مرتبات ستلحق بالأمة على المستوى العام ، و على مستوى كلّ قطرٍ عربي و إسلامي حين يصبح المتحكّم فيما يجري من إعادة صياغة للأوضاع هو تلك القيادة المشتركة التي لا بد من أن تقرأ في بيان الرئيس الأمريكي كلينتون ؟ .

و إذا كان الأمر كذلك على المستوى الاستراتيجي و على مستوى المنطقة بأسرها فماذا يُخبّأ للمفاوض العربي و الفلسطيني على مائدة المفاوضات حين يصبح التدخل الأمريكي للوصول إلى اتفاقات مباشراً و حاسماً ؟ بكلمة سينتقل موقع المفاوض (الإسرائيلي) إلى الموقع الأمريكي في العمليّة ، أي موقع المهيمن و المسيطر و الحكم .

و هكذا يتكشِف مسار التسوية من خلال بيان كلينتون عن خطورةٍ على القضية الفلسطينية ، و على فلسطين ، و على الوضع العربي برمته فوق ما كان متوقّعاً من قبل أشد الرافضين لتلك التسوية .

و إذا كان الأمر كذلك فقد أصبح لزاماً أن يقف الجميع وقفة مسؤولين لتقويم الوضع على أساس هذه المعطيات ، و لانتهاج سياسات على المستوى الإسلامي ، و المستوى العربي ، و المستوى الفلسطيني ، لمنع هذا المآل للأحداث ، و ذلك باستعادة الفعالية للتضامن الإسلامي ، و التضامن العربيّ ، و لوحدة الصف الفلسطيني ، من أجل إنقاذ قضية فلسطين من التصفية و الحيلولة دون تحويل ديار العرب و المسلمين إلى مزرعة أمريكية - صهيونية – (إسرائيلية) ، فقد آن الأوان لجراح حرب الخليج أن تُلأَم ، و آن الأوان للمضبوع وراء الضبع الأمريكي أن يصحو بعد أن ارتطمت رأسه بمدخل المغارة .

أما من الجهة الأخرى فإن إعلان الارتفاع بالتحالف الاستراتيجي الأمريكي – (الإسرائيلي) إلى مستوى أعلى بحيث تصبح القيادة (الإسرائيلية) شريكاً كاملاً لأمريكا في تقرير مصير التسوية و إعادةٍ لترتيب الأوضاع في المنطقة ، يزيد من الحاجة إلى التوجّه إلى جماهير الأمة و إنزال الموضوع بكلّ هذه الأبعاد إلى الرأي العام و الشارع حتى يصبِح بالإمكان أن نجمع كلّ أسباب القوة التي بأيدينا فنقيم السد أمام الانجراف وراء المصير المريع .

 

 

6- التفوّق العسكري (الإسرائيلي) و التسوية

 

إزاء الخلل في ميزان القوى العسكرية في مصلحة العدو (الإسرائيلي) بعد تجريد العراق من قدراته العسكرية فوق التقليدية و وضعه تحت المراقبة الدولية ، و أخذ هذا الخلل يزيد من ناحية أخرى مع ازدياد الإشراف الأمريكي على بيع الأسلحة أو نقل التكنولوجيا إلى المنطقة العربية و ما جاورها من بلدان إسلامية ، أما من الجهة الأخرى فقد تعزّز الاتفاق الاستراتيجي الأمريكي – (الإسرائيلي) في مجالات تطوير الأسلحة و التكنولوجيا لحساب الجيش (الإسرائيلي) .

و جاءت زيارة رابين للولايات المتحدة الأمريكية (كانون أول 1993) ، و ما عادت به من صفقة سلاحٍ في مجال الطيران الحربي و الصواريخ لتعطي مؤشراً خطيراً على ما يراد للعرب و المسلمين أن يكونوا عليه في ظلّ التسوية أو ما يسمّى بمرحلة السلام . أي أن المطلوب أن تعيش المنطقة في ظلّ "سلام" يتحكّم فيه الجيش (الإسرائيلي) بصورة مباشرة و غير مباشرة ، و هذا أمرٌ بديهيّ عندما يكون على مثل ذلك القدر من التفوّق العسكري و التكنولوجي . بينما يكون الطرف الآخر شبه مجرّدٍ من السلاح إلا بقدر ما يحتاج إليه الأمن الداخلي أو الصراعات الجانبية العربية - العربية أو الإسلامية – الإسلامية . و بهذا يراد أن يحقّق مسار التسوية و اتفاقات السلام ما لم تستطع أن تحقّقه المرحلة السابقة في العداوة و المواجهة و الحروب .

و إذا كان لأحدٍ قولٌ آخر فليعطِ تفسيراً لهذه الصفقة من الأسلحة التي قدّمها الرئيس الأمريكي لرابين ، و لكن حذارِ أن يظلّ هناك من يسوّق لتلك الحجة الخادعة التي تقول إن إعطاء هذه الأسلحة للكيان (الإسرائيلي) يشجّعه على تقديم التنازلات . لأن من السذاجة بمكان ألا ترى عمليّة وضع الكيان (الإسرائيلي) في موضع التفوّق العسكري المطلق على كلّ الدول العربية و الإسلامية بما في ذلك الجمهوريات الإسلامية المستقلة حديثاً عن الاتحاد السوفييتي سابقاً ، باعتبارها سياسة و استراتيجية دولية و ليس باعتبارها رشوة لتمرير هذا الاتفاق أو ذاك . و من هنا يفترَض بأن يدرك المغزى من صفقة كلينتون - رابين الأخيرة بل تلك السياسة الاستراتيجية إدراكاً عميقاً من قبل المسؤولين العرب و المسلمين كافة ، قبل فوات الأوان ، و لات ساعة مندم .

 

 

7- أمريكا مسار التسوية

 

تشكّل التطوّرات السياسية في المنطقة ، منذ الإعلان عن اتفاق أوسلو حتى الآن تغييراً ملحوظاً بالنسبة إلى الدور الأمريكي في مسار التسوية التي انطلقت من مؤتمر مدريد .

كانت السمة الرئيسة المميزة لعقد مؤتمر مدريد و ما تبعه من مفاوضات ثنائية ، ذلك الدور القيادي الذي لعبته الإدارة الأمريكية في عقد المؤتمر و الإشراف على المفاوضات ، و اعتبارها الوسيط في تقريب وجهات النظر ، و التوصّل إلى اتفاقات ، و كان هذا متمشياً و وضع الإدارة الأمريكية عالمياً و إقليمياً بعد حرب الخليج الثانية و انهيار الاتحاد السوفييتي ، بل اتخذ دليلاً من قِبَل الكثيرين على نمط النظام الدولي الجديد الذي سيقاد من قبل الولايات المتحدة الأمريكية قيادة منفردة ، و راجت في حينه تصوّرات وهمية تقول إن العالم في طريقه ليعاد ترتيبه وفقاً للإرادة الأمريكية ، و من ثمّ على كلّ من يريد أن ينجو برأسه ، أو جلده ، أو يجد له مكاناً في لمعادلة الإقليمية من حوله ، أن يسارع لاسترضاء أمريكا و لو ركوعاً و تسليماً بلا قيدٍ أو شرط ، و من يرفض هذه الواقعية التي تدرِك "المتغيرات الجديدة" في العالم فهو خارج التاريخ و سيخرج من التأريخ ، و قد أسهمت هذه المقولات التي راحت الأحداث الأخيرة عالمياً و إقليمياً تهزأ بها إلى حدّ بعيد ، في دفع البعض و منذ ثلاث سنوات نحو التدهور خطوة فخطوة في طلبهم لرضا أمريكا و من خلالها رضا الكيان (الإسرائيلي).

على أن مراقبةً دقيقة لمسار التسوية منذ اتفاق أوسلو تكشِف تغيّراً ملموساً في الدور الأمريكي الذي لم يعد مشرِفاً على المفاوضات بالنسبة إلى ما يجري على الساحة الفلسطينية ، و أصبح مشلولاً بالنسبة إلى الساحات الأخرى ، فقد تكرّس منذ اتفاق أوسلو استبعاد المشرِف و الشريك الكامل و استبدال التفاوض المباشر مع الكيان (الإسرائيلي) به ، و إذا كان له أن يتدخّل فعليه أن يفعل ذلك بناء على طلب (إسرائيلي) لا ليتدخّل بالمفاوضات و إنما للضغط على الطرف الفلسطيني و العربي ، أي سلّمت أمريكا كارهة أو طائعة أوراقها للكيان (الإسرائيلي) فيما يتعلّق بمسار التسوية و مصيرها ، و هذا يختلف عن الحالة السابقة حين كانت مشرِفاَ و وسيطاً منحازاً للجانب (الإسرائيلي) ، إنها الآن أقرب ما تكون إلى القوة التابعة أو الملحقة .

و لعل هذا الوضع ناجم عن الاضطراب الذي عصف بإدارة كلينتون تحت الضغط الصهيوني الأمريكي المتعاظم عليه أبداً ، و هو وضعٌ ليس بمسرٍّ لكلينتون و كريستوفر على أية حال ، فما من امرئ يحبّ أن يحجَم دوره و يقزّم ، فكيف حين يكون دولة كبرى و ذات مصالح كبرى !! لكن و بالرغم من ذلك ، راحا يضعفان أمام الموقف (الإسرائيلي) أكثر فأكثر ، و يوماً بعد يوم ، لا سيما فيما يتعلّق بمسار التسوية ، و ما تصريح كلينتون حول القدس إلا التأكيد على انتقال الدور الأمريكي من موقع المشرِف و الوسيط و الشريك الكامل ، و لو المنحاز تماماً للموقف (الإسرائيلي) ، إلى موقع الملحق بالموقف (الإسرائيلي) الذي سلّمه قيادة العمليّة في المسار الفلسطيني ! أولاً ، و أصبح أقرب إلى حالة الشلل في المسارات الأخرى التي راح يضغط عليها لتنهج نهج اتفاق أوسلو .

هذا التغيّر ينسِف ركناً أساسياً من الأركان التي قام عليها مؤتمر مدريد ، و يتطلّب أن تسمع أمريكا ، حتى من الذين دخلوا ذلك المؤتمر و واصلوا نتائجه ، كلاماً قاسياً جديداً يناسب دورها الجديد ، و إن كانت أصلاً تستحق أكثر من ذلك .

 

 

8- فلنعرِف أمريكا و الصهيونية

 

فرض الدخول في معادلة الوضع الدولي الجديد ، بعد حرب الخليج ، و انهيار الاتحاد السوفييتي ، تغييراً في سياسات أغلب دول العالم إن لم يكن كلّها ، و قد تبِع ذلك إطلاق موضوعات نظرية جديدة - قديمة لدعم ذلك التغيير ، فالذين انتقلوا على سبيل المثال ، من موقف العداء للصهيونية و الإمبريالية الأمريكية ، إلى موقِف التفاهم و التصالح ، وفقاً للشروط الصهيونية - الأمريكية وجدوا أنفسهم مضطرين لدعم سياستهم الجديدة ، إلى صياغة موضوعات نظرية غير تلك لتي قامت عليها سياساتهم السابقة ، أو استخدِمت دعماً لتلك السياسات .

على أن الأمر في مضمار النظرية كان أصعب ، و أشد حرجاً منه في مضمار السياسة ، ففي مجال السياسة سوّغوا ذلك الانقلاب في المواقف بالاختلال الذي حدث في موازين القوى العالمية و الإقليمية ، و تحصّنوا بمقولات الواقعية و السياسية ، و إنقاذ ما يمكِن إنقاذه ، و عدم وجود بديلٍ آخر غير بديل التفاهم و التصالح إلى حدّ الموالاة ، و استخدم العجز في جهتهم ، و القوة في جبهة الطرف الآخر ، حججاً لانتهاج السياسات الجديدة .

بيد أن هذه السياسات وقفت متعارضة و المقولات النظرية السابقة حول الصهيونية ، و الإمبريالية ، كما تعارضت و المقولات المتعلّقة بالحقوق الثابتة ، و طبيعة الصراع و ما يمثّلون ، و لم يكن التعارض في الحالتين بسيطاً ، أو يمكن القفز من فوقه ، فقد كان ، و لم يزل تعارضاً صارخاً ، فإذا كانت الواقعية السياسية و الحديث عن ميزان القوى يسمحان بالتغيير في السياسات ، فإن الوضع ليختلف حين تتطلّب السياسات الجديدة تغييراً في المقولات النظرية الأساسية المتعلّقة بطبيعة الخصم و طبيعة الصراع ، و الحقوق الأساسية أو الثوابت .

إذا كان بالإمكان القبول بالأمر الواقع بسبب ميزان القوى ، فكيف يكون بالإمكان أن يقال إن الصهيونية ليست عنصرية ، أو أن الصهيونية في فلسطين أي الكيان (الإسرائيلي) لم تقم على الاغتصاب أساساً ؟ أو أنها ليست مغتصبة لفلسطين ؟ أو لم تعد عدوانية و توسعية و عنصرية ؟ و كيف يمكن أن يقال إن أميركا لم تعد إمبريالية و عدواً للشعوب و منتهكة لحقوق الإنسان ؟ و عدوانية في السياسات الخارجية ؟ و مصاصة لثروات البلدان الأخرى ؟ ثمّ كيف يمكن أن تنكر الحقوق الأساسية الثابتة ، مثل حقّنا بكلّ فلسطين ، أو مثل حق الشعوب بالسيادة على بلادها و ثرواتها و تقرير مصيرها ؟ و انتهاج السياسات المستقلة ؟

و إذا لم يكن بالإمكان تغيير الطبيعة الأساسية حين تتغير موازين القوى ، و لا سيما بالنسبة إلى القوى الكبرى المسيطرة ، فالعنصري الإمبريالي و العدواني يصبح إذن قوياً و يكون أكثر اندفاعاً في عنصريته و إمبرياليته و عدوانيته ، هنا تصبح السياسة المستندة إلى مقتضيات ميزان القوى بلا دعمٍ نظري ، أو تصبح كالجسم القائم على أرجل خشبية .

و لهذا كان أمام السياسات التي فقدت أساسها النظريّ أحد خيارين : إما أن تقع في فصامٍ بينها و بين ذلك الأساس ، و إما أن تبحث عن أساسٍ نظريّ ينبع من السياسات الجديدة ، و هذا وضعٌ معكوسٌ لأن السياسات في الأصل تنبع من أساسات نظرية تعكس المبادئ و القواعد و الثوابت و الحقوق و المصالح العليا .

على أن لهذا البحث عن التماسك آثاراً جانبية خطيرة مثل فقدان الهوية و إلغاء الذات ، و مثل الوقوع في عجزٍ سياسيّ يحوّل الصراع السياسي من عملية مستمرة لتغيير ميزان القوى إلى عملية مستمرة من التدهور و التراجع تحت ضغط التواؤم و ميزان القوى القائم ، أي القبول ، خطوة بعد خطوة ، بشروط الخصم .

من هنا أصبح المرء مضطراً ، و هو يناقش بعض أصحاب السياسات الجديدة - هي في الواقع قديمة و متكرّرة في بلادنا العربية و الإسلامية منذ مائتي سنة على الأقل - إلى أن يعود إلى مناقشة البديهيات أو مناقشة الأساسات ، فقد أصبح لزاماً ، مرة أخرى ، أن ندرّس أو نعرّف ، طبيعة عدوّنا و سماته الأساسية ، و ما يريد فعلاً منا ، و إنه لأمر محزٍنٌ أن يحتاج بعض الفلسطينيين و العرب اليوم إلى الاقتناع أن الصهيونية مغتصبة و عنصرية و توسعيّة ، و لا ينفع معها التفاهم عن حلول وسط – و لو بنسبة ثمانية أعشار أو تسعة أعشار في مصلحتها - فهي تريد أن يبقى لها كلّ ما في يدها ، و ربما مع تنازل شكليّ ، أو وهميّ ، عن جزء يسير يسير ، و لكن مقابل التقدّم بحلول وسطٍ جديدة "تمسّ ما بأيدينا تحت شعارات السلام الكامل ، و التطبيع ، و النظام الشرق أوسطي" .

و غدا لزاماً ، مرة أخرى ، أن ندرّس أو نعرّف علاقة الإدارة الأمريكية الصهيونية الأمريكية و الصهيونية العالمية و الكيان (الإسرائيلي) ، و نعرّف أن الإدارة الأمريكية (إسرائيلية) السياسة في بلادنا ، و أحياناً أكثر ملكية من الملك (الإسرائيلي) - الصهيوني المحايد ، بل لا نخدع أنفسنا حين نطالبه بأن يكون نزيهاً ، و لا حتى شبه نزيهٍ بنسبة 90 % انحيازاً لعدونا ، هذا دون أن نتناول ما يخطَّط له ضد العرب و المسلمين كافة متى وضعهم ضمن واقعٍ لا يسمح لهم بنهوض ، أو تطوّر ، أو نموّ ، أو يترك لهم ثروة ، أو قدرة ، أو حتى بقاء كوة أمل في مستقبل .

و يبدو أن أمريكا خصوصاً ، و الغرب عموماً ، لا يريدون لنا في هذه المرحلة التاريخية ، أن ننخدِع بهم ، أو نتوهّم فيهم خيراً أو عدلاً ، كما فعل الاستعمار القديم في الماضي ، و إنما يريدون أن نفهمهم على حقيقتهم ، و نعرِف أهدافهم بلا رتوش ، و أن نقبَل بذلك صاغرين بلا حولٍ و لا طولٍ .. و لعلّ ما جرى في البوسنة و الهرسك يقدّم دليلاً صارخاً على ذلك ، أي المطلوب أن يشرَب الكأس الذي يقدّمونه و أنف الفلسطينيين و العرب و المسلمين راغمٌ و ليس لهؤلاء حتى أن يسعوا إلى أن يقدّم لهم شيء ينقِذ ماء الوجه ، و ما على المرء إلا أن يتأمل جيداً في الذي جرى و يجري في البوسنة حتى يعلَم أي مكانٍ للعرب و المسلمين في نظرِ الغرب و أمريكا على وجه الخصوص ، و لا يخرُج المتأمل في مجرى التسوية الراهنة بغيرِ هذه الحقيقة المرة .

و لهذا فنحن في هذه الأيام أحوَج ما نكون إلى عدم نسيان البديهيات و لعلّ أولها أن نعرِف طبيعة الطرف الذي نتعامل و إياه ، و نعرف حقيقة أهدافه ، و ما يرتّب من مخطّطاتٍ لتحقيقها و إلا كرّرنا ما تفعله النعامة حين تدفِن رأسها في الرمال ، أو حين يخدِع الحمل بأن الذئب يريد أن يؤاخيه أو يحميه . و يبدو أن الحاجة أصبحت ملحة إلى أن نقرأ أكثر عن طبيعة عدوّنا (الإسرائيلي) ، و ما يحمِل من عقيدةٍ و أهداف ، و ما يخبِّئه لبلادنا و لنا جميعاً و بلا استثناء في حقيبته . و بالمناسبة .. إن طبيعة العدو العنصرية تجعل من الذين يتقرّبون منه أو يوالونه الكثير مدعاة لاحتقاره ، و سخريته ، و يكفي أن نذكر احتجاج رجال الدين عندهم حين يسمعون عبارة "أمريكا تساعدنا" فينهون عن ذلك لأن الأصح أن يقال "إن الربّ يسخّر أمريكا لخدمة بني إسرائيل" ، فإذا كانت العقلية تتعامل و أمريكا بهذه العنصرية و العنجهية فكيف حين يأتي الأمر للعربي و للمسلم .

و خلاصة ، إذا كان الشعار القديم ، و المتعارف عليه دولياً ، في زمن الحرب يقول "إعرف عدوّك" ، فإن هذا الشعار يحتاج عندنا أن ينقَش على الجباه في هذه المرحلة التي تسمّى مرحلة التسوية السلميّة و بناء السلم ، و ذلك لخفة البعض و طيشهم حين نسوا ما عرَفوه من طبيعة عنصريّة اغتصابية عدوانية توسعيّة في العدو (الإسرائيلي) ، و ما عرَفوه بين طبيعة استعمارية عنصرية استغلالية في الإمبريالية الأمريكية،وليت الأمر توقف عند حد النسيان إذ انقلب لدى البعض إلى عمى في رؤية الأوان و إلى رؤية العدو كما يجب أن يُرى ، و لو سُئِل عن ذلك لضحك في سرّه .