|
الفصل الثالث
في
الردّ على موضوعاتٍ نظريّة
· و
هل للتذكّر مكان
·
مطر و شمس في آن
·
بين الأداء و موازين القوى
·
حول المعاهدات و تمزيقها
· في
إدارة الصراع
·
حول الواقعية
·
الانتقال من سيّئ إلى أسوأ
·
حول مواصلة الانتفاضة
·
الخطأ في ترتيب الأولويات
·
ضرورة التضامن العربي
· و
يسألونك عن البديل
في الردّ على موضوعات نظرية
1- و هل
للتذكّر مكان ؟
لعلّ من حقّ الفلسطيني ، أولاً
، و العربي ثانياً ، أن يقفا بعد حوالي السنتين من إطلاق ما يسمّى بعملية السلام في
مؤتمر مدريد ليتذكّرا ما قيل في تلك العملية تسويغاً للانخراط فيها ، و توقّعا لما
ستسفر عنه ، ثم يحكما على ما قيل تبعاً للنتائج الفعلية التي أسفرت عنها تلك
العملية حتى الآن .
هنا سنجد أكثر الذي قيل فقَدَ
مصداقيته إلى حد الفضيحة ، فقد أثبتت الوقائع على سبيل المثال أن إجراءات تهويد
القدس الشرقية ، و إحاطتها بالمستوطنات السكنية الكثيفة ، لم تتوقّف ، بل ازدادت ،
و أن موضوع القدس أصبح معلّقاً على مفاوضات أصبحت بدورها معلّقة على موافقة أو عدم
موافقة الجانب (الإسرائيلي) و إذا كانت قرارات هيئة الأمم المتحدة و توصياتها
(الجمعية العمومية و مجلس الأمن) ، و لاسيما القرارات 242 و 338 ، و قرار 198 الخاص
بعودة اللاجئين الفلسطينيين ، و قرار 425 القاضي بالانسحاب من جنوبي لبنان ، في
موقع المرجعية ، في الأقل ، عند انطلاق مؤتمر مدريد و المفاوضات الثنائية فإن ذلك
كله أصبح الآن ، عدا على الجبهة السورية و الأردنية ، إما في الأدراج و إما تحت
رحمة الموقف (الإسرائيلي) و ذلك بعد أن تجاهل قرار هيئة الأمم المتحدة الأخير
القرار 425 المتعلق بلبنان ، و الأهم بعد إعلان المبادئ الذي أبرم في أوسلو ، و
وقّع في واشنطن .
و السؤال المشروع الآن ، إلى
أين انتهى القول إن الدخول في العملية السياسية سيوقِف حالة التدهور و ينقِذ ما
يمكن إنقاذه ، أو سيوقف الاستيطان و ينهيه ، و ينقِذ القدس من التهويد ؟ و إلى أين
انتهى القول إن انسحاب الاحتلال سيتحقّق و أن دولة فلسطينية ستقوم على الضفة و
القطاع و عاصمتها القدس ؟ .
إذا كانت قضية المعابر ، و حجم
المناطق التي تغطيها المستوطنات و كيفية انتشار جيش الاحتلال في قطاع غزة ، و عدد
الكيلومترات المربعة التي تشملها منطقة أريحا هي موضع مفاوضات و أصبح أقصى ما يأمله
الطرف المفاوض الفلسطيني هو الوصول إلى حلٍّ وسط حولها ، في حين أصرّ العدو على
بقاء الوضع الراهن مع تغييرات تجميلية تلطيفية لا تمسّ الجوهر .
و بهذا يكون بقاء الوضع الراهن
الذي سبق مؤتمر مدريد ، و حتى الذي سبق اتفاق واشنطن بديلاً أفضل من بديل السير على
طريق التسوية إن كانت ستقضي إلى ما أفضى إليه مشروع ورقة المبادئ الأمريكية ، أو
اتفاق واشنطن ، و الأنكى إلى ما يمكن أن تفضي إليه المفاوضات الراهنة كتفسير اتفاق
واشنطن (اتفاق أوسلو) و التي ستنتهي حتماً إلى الأسوأ .
و بهذا أثبتت التجربة ، مرة
أخرى ، أن على الإنسان في بلادنا أن يتعلّم كيف يتحلّى بذاكرة قوية و حاضرة ، حتى
يفرض على القيادات السياسية أن تحترم كلمتها و مواقعها ، و ما قدّمته من تحليل و
توقّعات و وعود .
فتكون المصداقية أو يكون
التقويم ، و الإقرار بالخطأ ، و تحمّل المسؤولية ، أو أن حلّنا (فما لهم عن التذكرة
معرضين) (المدثر:49) .
2- مطر و
شمس في آن
أكثر الذين أيّدوا اتفاق أوسلو
أقاموا حجّتهم على أن الطرق جميعاً سدّت ، و لم يبقَ من بديلٍ غير الموافقة على مثل
هذا الاتفاق . و كان عندهم كلام كثير يقولونه حول انهيار الوضع العربي ، أو
الاختلال في ميزان القوى العالمي و الإقليمي في مصلحة أمريكا و الصهيونية و الكيان
(الإسرائيلي) ، أي أن القبول هنا بما حواه اتفاق أوسلو من شروطٍ يقوم على حالة من
الاضطرار إلى حدّ انعدام الخيار الآخر ، و إذا كان المدافع عن الاتفاق ممن امتلك في
السابق خلفيّة فقهية أسند دعواه إلى قاعدة اختيار أهون الشرّين ، أو قاعدة الضرورة
التي تبيح للمسلم المضطر حتى أكل لحم الخنزير .
إلى هنا لا يجد المرء إلا أن
يرثي للحالة التي وصل الوضع العربي و العالمي إليها ، و الأكثر لحالهم وسط هذا
الاختلال المريع لميزان القوى . و ذا كان له أن يقيم الحجة المقابلة فما عليه إلا
أن يعيد صيغة تقدير الموقف ليثبت توفّر البدائل الأخرى ، أو ليؤكّد أن في الوضع
العالمي و الإقليمي عناصر كثيرة تسمح باختراق ما يبدو على السطح من اختلالٍ في
ميزان القوى في مصلحة العدو ، أو عليه أن يؤكّد الموقف المبدئي و يعلي من شأن روح
التضحية و التمسك بالمثل و الحق حتى في أسوأ حالات الاختلال في ميزان القوى .
و بالمناسبة ثمة اختلال في
ميزان القوى شديد و شديد جداً بين أمّتنا و الغرب منذ مائتي عام في الأقل و الدليل
على ذلك أن كلّ محاولات النهوض و الإصلاح أجهضت و انتهت في حينه إلى حالة شبيهة
بالحالة التي عليها الوضع الآن ، أما في المقابل فإن كلّ محاولات القبول بشروط
المنتصرين و الموافقة على المعاهدات الاستعمارية المذلّة انتهت بالأوضاع إلى أسوأ
ما انتهت إليه محاولات للنهوض و التحدّي باستمرارٍ و أبداً .
و لكن كلّ هذا مسألة أخرى في
مناقشة الموافقة على الاتفاق بسبب الاختلال في ميزان القوى ، و انهيار الوضع العربي
لأن أصحاب هذه الحجّة سرعان ما ينسون الصورة القاتمة للأوضاع و ميزان القوى التي
أسّسوا عليها موقفهم ، ليقدّموا الاتفاق باعتباره إنجازاً و انتصاراً بل باعتباره
خطوة أولى في التقدّم أو الزحف ، لا نحو القدس فحسب ، و إنما أيضاً نحو يافا و حيفا
.
هنا نكون أمام محاولة لإقناعك
بالحجة و نقيضها فأنت من جهةٍ في وضع المهزوم الذي يوافق على شروط المنتصر و إذا بك
و من جهة أخرى أنت المنتصر أو السائر على طريق الانتصار .
إن هذا التناول للأمور لا يسمح
للأمة و لا لأصحاب النيات الصادقة أن يضعوا استراتيجية صحيحة لأن الاستراتيجية التي
تنقِذ المهزوم غير الاستراتيجية التي يحتاجها المنتصر أو ذلك الذي حقّق الخطوة
الأولى على طريق النصر .
قالت حكمة الناس في الماضي :
(من جاءك بالحجة و عكسها أعلم أن في الأمر دغلاً) .
3- بين
الأداء و موازين القوى
ثمة موضوعة أخذت تتردّد كثيراً
على ألسنة بعض مؤيّدي اتفاق أوسلو و تتلخّص في أن مستقبل الوضع الفلسطيني يتوقّف في
عملية تطبيق الاتفاق على حسن الأداء ، و يستند أصحاب هذه الموضوعة إلى حكمٍ يقول إن
الاتفاق يمكن أن يؤدّي إلى بقاء الاحتلال و عدم تحقيق شيء كما يمكن أن يؤدّي إلى
إنهاء الاحتلال و حتى إلى قيام دولة فلسطينية ، فإذا كان هنالك أداء رديء فسوف يبقى
الاحتلال و تسوية الأوضاع كثيراً ، و إذا كان هنالك أداء حسَنٌ أو ذكي فسوف تتحقّق
أهداف الشعب الفلسطيني الواحد بعد الآخر .
هذا الرأي يلغي بضربة واحدة
دور ميزان القوى القائم و الظروف الموضوعية ، كما يتجاهل نصوص الاتفاق و روحيته و
مجموعة العوامل التي أدّت إليه فضلاً عن تجاهله للعدو بالجملة و الاستهانة بأدائه !
، و لا يبقى من العناصر المؤثّرة في تكوين اتجاه الأحداث و تحديد المصير غير العامل
الذاتي أو دور الذين سيقومون بعملية التفاوض أو قيادة عملية الإدارة الذاتية بهذا
نكون أمام إشكالية فنية تقنية بالدرجة الأولى .
و لو كان الأمر كذلك فما الذي
صنع هذا الاتفاق ؟ أهو الأداء من جانب الطرفين المتفاوضين ، أم موازين القوى و
الظروف العالمية و الإقليمية القائمة ؟ هنا ينسى أصحاب نظريّة حسن الأداء كلّ ما
قالوه عن الظروف العربية و الدولية و عن الاختلال في ميزان القوى لتسويغ القبول
بمثل هذا الاتفاق الكارثة .
لقد انكبّ الكثيرون من
المنظّرين و الباحثين على مناقشة النسبة التي يمكن أن يحظى بها حسن الأداء أو
عبقرية أداء القيادة في عملية الصراع ، فالبعض بالغَ في إعطائها نسبة مئوية لا
تتعدّى العشرة بالمائة و البعض نزل بها دون ذلك . و لكن ما من أحدٍ جعلها المقرّرة
للنصر و الهزيمة ، و ما من أحدٍ اعتبرها فوق معطيات موازين القوى و الظروف
الموضوعية و الذاتية العامة ، فحسن الأداء حين تكون عوامل النصر المختلفة متوفّرة
تدفع النصر إلى أمام خطوة أو أكثر ، و إذا كانت عوامل الهزيمة هي المتوفّرة فحسن
الأداء يخفّف من الخسائر عشرة بالمائة أو أكثر قليلاً . علماً أن سلامة
الاستراتيجية و صحة الخط السياسي أو عدمهما أعظم تأثيراً من حسن الأداء لأن الأخير
هو تابع لهما و كثيراً ما يتوقّف عليهما .
بكلمة أخرى إن جوهر الإشكالية
بيننا و بين عدوّنا لا علاقة لها بحسن الأداء أو رداءته حتى لو أعطينا لهذا العامل
نسبة مئوية في النصر و الهزيمة ضِعف ما تعارف عليه واضعوا علم الحرب أو علم السياسة
و لهذا فإن نقل الموضوع إلى ميدان حسن الأداء أو رداءته يحرف البوصلة بشكلٍ خطير عن
رؤية خطورة الاتفاق كما عن جوهر الصراع و إشكالياته الحقيقية ، و من ثم يحاوِل أن
يلقي بالمسؤولية على عاتق منفّذي الاتفاق في كلّ ما سينجم من سلبيات و كوارث بدلاً
عن رؤيتها نتاجاً طبيعياً للاتفاق و ما وراءه من خطٍّ سياسي .
4- حول
المعاهدات و تمزيقها
ثمة موضوعة كثُر تداولها في
معرض التسويق لمسار التسوية في الساحة الفلسطينية و هي أن الاتفاقات و المعاهدات ما
هي إلا حبر على ورق ، و ما أسهل تمزيقها إذا ما تغيّرت موازين القوى و تبدّلت
الظروف .
تحمِل هذه الموضوعة جملة من
المغالطات المضلّلة ، فلو وضعنا جانباً ذلك الخلق الإسلامي الذي هو تعليم قرآني و
سنة ثابتة بمنزلة المتواتر ، أي الوفاء بالعهد ، و عدم نقض المواثيق ، و قبِلنا
معالجة تلك الموضوعة بمقاييس السياسة و النتائج العملية ، فأول ما تحمِله من ضرباتٍ
في الظلام تسويقها لأيّ اتفاقٍ و أية معاهدة و ذلك بغضّ النظر عن المحتوى حتى و لو
كان استسلاماً كاملاً للعدو ، و قبولاً بكلّ شروطه ، و تخلّياً عن كلّ ثابت ، أما
إذا كان هنالك من يحتجّ على هذا الاستنتاج فعليه أن يغيّر من منطوق الموضوعة
المذكورة و من ثم تفقد هدفها التسويقي !! .
على أن الإشكالية الأهم ، فيما
تحمِله تلك الموضوعة من مغالطات تتمثّل في طمسها خطورة النتاج التي تتركها على
الأرض معنوياً و مادياً ، و أثر ذلك في ميزان القوى المستقبليّ ، أي في إمكان توفير
شروط تمزيقها ، و لهذا يجب أن يمتد تقويم أي اتفاق أو معاهدة ، من التشديد على
الجوانب المتعلّقة بالحقوق و الثوابت إلى الحقائق التي تثبتها على الأرض ، في
المجالات الفلسطينية والعربية والدولية، فالاعتراف بحق الدولة الإسرائيلية في
الوجود على أرض فلسطين، والقبول بالتطبيع والتعاون و إياها على سبيل المثال ،
يهزّان فوراً عدالة الموقف الفلسطيني و العربي و الإسلامي في مواجهة وعد بلفور و
وصولاً إلى مقاومة ما أسفرت عنه حرب حزيران 1967 ، و لكن من جهة أخرى يهزّ فوراً
حالة العزلة التي وضعت على الكيان (الإسرائيلي) عربياً و إسلامياً و دولياً ، و لا
يخفى على ذي بصيرة ما يحمِله ذلك من مصادر قوة جديدة تضاف للكيان (الإسرائيلي) .
و إذا ما جمع ذلك إلى سلسلة
التقييدات التي يحمِلها الاتفاق مع العدو فيما يتعلّق بالتسليح و الإعلام و السياسة
، أي رسم حقائق على الأرض تجعل يده هي العليا على مستوى فلسطين و المنطقة ، و تفتح
له آفاق امتلاك المزيد من عوامل القوة العسكرية و الاقتصادية و السياسيّة ، و تضع
من جهة أخرى الفلسطينيين و العرب المسلمين ضمن ظروفٍ تزيدهم تمزّقاً و ضعفاً ،
الأمر الذي يعني أن تحويل الاتفاق إلى حبرٍ على ورق و تمزيقه يمسّ بالمسألة
التلقائية و المحتومة ، لأن من المهم لنا أن نلحظ في كلّ الحالات التي سمحت بتمزيق
الاتفاقات ، أو المعاهدات ، من قبل الطرف الذي كان أضعف نسبياً ، أو كان في حالة
موازاة و عدوه في ميزان القوى ، إن ثمة معادلة داخل تلك المعاهدات و الاتفاقات و
إلى جانبها معادلة على أرض الواقع ، جعلتا من الممكن أن يحدث ذلك التمزيق في
الحالات الأخرى فكان التوقيع على المعاهدات و الاتفاقات طريقاً للانتهاء و الاندثار
و ما كان هنالك من منفَذٍ في حالات أخرى إلا بروز قوة ثالثة محلية أو إقليمية أو
دولية تدخل على المعادلة لتعيد صياغتها من جديد .
و من هنا يجب التوقّف عن
استخدام تلك الموضوعة المضلّلة بعيداً عن الحيثيات داخل الاتفاق ، أو بعيداً عما
سيتركه من نتائج و آثار معنوية و مادية تمسّ ميزان القوى المستقبليّ .
5- في
إدارة الصراع
ثمة منهجية ، كثيرة الشيوع ،
في إدارة الصراع ، تتسم بردّ الفعل التلقائي ، أو الآلي ، لما يريده أو يفعله الطرف
المقابل ، و لا سيما حين يتعلّق الأمر بفعل العدوان و الشر ، فإذا أراد الحرب سبقته
إليها ، و إذا أراد العداوة السياسية بادرته بها ، أو زده الوزن أرطالاً ، و حجّتك
الأثيرة في الدفاع عن سياستك ترتكز على موقف الآخر و أفعاله و أحياناً نياته ،
فبدلاً من أن تكون لك استراتيجيتك أو تكتيكك نحوه ، بصورة مستقلة أساساً عن موقفه
منك ، وعن استراتيجيته و تكتيكه نحوك ، فتجد نفسك في الفخ الذي نصبه لك . و هذا
ليس من حسن إدارة الصراع و تدبير الأمور .
إذا كان هذا القانون عاماً
ينطبق على القويّ و الضعيف في ميزان القوى إلا أنه بالنسبة إلى الطرف الأضعف أشدّ
ضرورة ، و أكثر أهمية ، فالأقوى قد يمتلك ترف الوقوع بالأخطاء في إدارة الصراع ، و
إن كان ذلك ليس بالأمر الحميد ، إلا أن الأضعف لا يمتلك مثل هذا الترف و هو لهذا
يجب أن يكون شديد الحرص على حسن إدارة الصراع ، فيجعل سياساته و أفعاله و ردود
أفعاله تقدّم على حسابات دقيقة ، و على أساس ميزان قويم في مقابل الطرف الآخر .
و إن هذا الأمر لأشد ضرورة و
إلحاحاً حين يلجأ الطرف الأقوى إلى المحاصرة و الاستفزاز و ربما العنف الجزئي أو
غير المباشر ، و هكذا دواليك حتى يدفع الطرف الآخر إلى الردّ بطريقة تلقائية مماثلة
، تحت حجة أنه هو الذي أراد الحرب ، أو المواجهة و أنه مصمّم على ذلك لا محالة .
يذهب الطرف المعنيّ إلى حيث أراده الآخر أن يذهب حتى يحكِم عليه الطوق و يثخنه
بالسيف بينما يمطره بدموع التماسيح من خلال اتهامه بالعدوان ، أو التطرّف ، أو
العنف ، أو إشعال حرب . و بهذا يفقد الضعيف معركتين : الأولى بسبب خوض الحرب بردّ
الفعل لا بالحسابات الدقيقة ، و الثانية بمساعدته على اختلاط الأمر فيما يتعلّق
بالظالم أو المسؤول عما حدث ، فحسن إدارة الصراع هنا تقضي بأن يتجنّب المعركة
الأولى قدر المستطاع ، و إن فرضت عليه بجعل الخسائر في الحدود الدنيا ، بينما يكسب
المعركة الثانية فيكون المظلوم ، و صاحب الحق و المعتدى عليه ، و من ثمّ يمتلك عنصر
قوةٍ هائلة للجولة القادمة .
هذا درسٌ من دروس حرب الخليج ،
و له ما يؤكّده على مرّ الأحداث و الأزمان . و ينبغي لأهل الصحوة الإسلامية و لكلّ
العاملين لإنقاذ الأمة و نهضتها أن يحفظوه عن ظهر قلب .
6- حول
الواقعية
عندما يتحدّث الناس و أهل
السياسة عن الواقعية ، و المرونة في التعاطي و الظروف المعطاة ، أو حسن التأقلم و
موازين القوى القائمة ، إنما يتحدّثون عن مساومةٍ أو استعدادٍ لمساومة يقوم بها
الطرف المعني دون أن يغيّر من طبيعته الأساسية ، و ثوابته و اتجاه مساره نحو أهدافه
القريبة و المتوسطة و البعيدة ، فالمساومة في جوهرها قد تمسّ أشكال الوصول إلى
الهدف مراعاةً لموازين القوى ، أو قد تمسّ جانباً شكلياً أو تنازلاً جزئياً .
أما إذا وصلت الواقعية أو
المرونة بذلك الطرف إلى حدّ نقضه لطبيعته الأساسية و التنكّر أو التخلّي عن ثوابته
و التحوّل عن اتجاه مساره نحو الاتجاه المعاكس ، فهذا لا علاقة له بالواقعية أو
بمراعاة القوى ، أو التأقلم و الظروف المعطاة ، فالأمر هنا يختلف أشدّ الاختلاف و
الأمر هناك .
و ما يُقال هناك لا يمكن أن
يُقال هنا ، أي ينبغي للوصف أن يتغيّر و المصطلح أن يختلف و المفهوم أن يتبدّل و
هذا ما يسمح بحسن التشخيص و حسن العلاج .
أما إذا سمّيت الأشياء بغير
أسمائها المناسبة لواقعها و حالها ، فستنجم عن ذلك سلسلة من الأضرار و ربما الكوارث
و لعلّ أولها التوهّم أن ما أقدَم عليه يدخل في الباب المتعلّق بالمرونة و الواقعية
في حين يكون الأمر داخل الخط الأحمر ، بل كلّ الخطوط الحمراء و أصبحت الثوابت
الأساسيات و الطبيعة الأصلية في خبر كان ، و لم يبقَ منها غير الاحتماء بالماضي و
مفاخرهِ و مآثرهِ لطمأنة النفس أو تخديرها أو خداعها .
و إذا كانت أغلب المساومات حول
التسوية الراهنة تقف بعيداً قليلاً ، أو قريباً كثيراً من الخط الأحمر ، إلا أن
اتفاق أوسلو سبقها في تجاوز الخط الأحمر ، و ضرب مثالاً على الحالة الثانية التي لا
ينطبق عليها وصف "الواقعية" أو "المرونة" أو "مراعاة موازين القوى" مهما جعلنا هذا
الوصف مطاطاً و بلا تخومٍ أو حدود .
7-
الانتقال من سيّئ إلى أسوأ
لا يستطيع المرء و هو يتابع
مسار التسوية على الجبهة الفلسطينية إلا أن يتذكّر كيف غرست الخناجر فلسطينياً ، في
جسد جمال عبد الناصر من خلفه و من أمامه و من جنبيه بسبب موافقته على قرار مجلس
الأمن رقم 242 ، و كم أثخن بالجراح على الرغم من أنه كان يقول للفلسطينيين إن من
حقّهم ألا يعترفوا بقرار 242 و أن يرفضوه .
في الحقيقة لا مفرّ للمرء من
هذا التذكّر إذ يلحظ كيف أصبح قرار مجلس الأمن رقم 242 على طاولة المفاوضات
الفلسطينية – (الإسرائيلية) مطوياً في الأدراج و أصبح شعار إزالة آثار العدوان
تطرّفاً ، و بديلاً خيالياً ، لا يليق أن يذكر على ألسنة أهل "الواقعية السياسية"
في حلّتها الراهنة ، بل أصبحت أيضاً رسائل الدعوة التي مهّدت لانعقاد مؤتمر مدريد و
انطلاق مفاوضات واشنطن في أدراج طاولة المفاوضات الفلسطينية – (الإسرائيلية) ، و
ذلك بعد أن أعلن اتفاق أوسلو ، الذي وقّع في واشنطن ، فقد أصبح من المسلّم به أن
المفاوضات اللاحقة التي يُراد منها أن تطبّق اتفاق أوسلو تقوم على أساس ذلك الاتفاق
الذي غدا المرجع البديل عن مرجعية قرارات مجلس الأمن و الجمعية العامة ، و هو كذلك
بالنسبة إلى رسائل الدعوة ، و أن لهذا الأمر مغزى و أيّ مغزى لأن المفاوض الفلسطيني
يكون أفقد نفسه حتى تلك الحقوق المبتورة التي تركها له قرار مجلس الأمن 242 .
على أن ما هو أدهى يكمُن في أن
عودة المفاوضات في مرحلتها الجديدة ، بعد الانقطاع المؤقّت الذي حدث ، ستتم على
أساس المفاوضات التي تمّت في القاهرة إلى جانب إعلان المبادئ في اتفاق أوسلو ، أي
يكون المفاوض الفلسطينيّ هبط بسقفه درجة أخرى أدنى حتى من سقف اتفاق أوسلو نفسه . و
بهذا نكون معرّضين في قابل الأيام لأن نسمع باتفاقٍ أسوأ من اتفاق أوسلو ، و ذلك
بعد أن يُزال "الغموض" الذي سمح للبعض أن يسوّقوا من خلالها ذلك الاتفاق الكارثة ،
و من ثمّ سيصبح الاتفاق اللاحق هو الأساس للمفاوضات التالية له ، و هكذا دواليك كما
كتب علينا في هذا المسار أن نترحّم في غدٍ على ما نبكي ، أو نشتكي منه اليوم .
8- حول
مواصلة الانتفاضة
صدرت الأوامر من قبل قيادة
م.ت.ف. بعد توقيع اتفاق أوسلو بوقف الأعمال المسلحة و إنهاء نشطات الانتفاضة في
مواجهة قوات العدو و اتجه البعض إلى إقناع المطاردين بتسليم أنفسهم ، و حُلّت
القيادة الوطنية للانتفاضة و توقّفت عن إصدار البيانات حتى المطالبة بالإضرابات
المؤقتة السلميّة .
بكلمة ، أصبح المطلوب أن
تتوقّف كلّ مواجهة ضد قوات الاحتلال لئلا يفسر ذلك بالخروج على روح اتفاق أوسلو و
رسالة الاعتراف .
على أنّ القوى المعارضة
للاتفاق في قطاع غزة و الضفة الغربية ، و في مقدّمتها و قيادتها حركة حماس رفضت
الانصياع لتلك التوجّهات ، و استمرت في الحضّ على استمرار الانتفاضة ، بل صعّدتها
في كثيرٍ من أوجهها ، كما صعّدت العمليات العسكرية الجهادية . و هذا ما كان ، فقد
استمرت الانتفاضة و التظاهرات و الإضرابات و رمي حجارة على قوات الاحتلال ، و ارتفع
منسوب العمليات العسكرية كماً و نوعاً . و يمكن أن يتذكّر المرء هنا بعض الأصوات
التي استنكرت هذا الإصرار على استمرار الانتفاضة و تصعيد أعمال المقاومة و راحت
ترسم علامات سؤالٍ تشكيكاً ، و لمزاً ، لا يخلوان من تهديدٍ و وعيد .
و جاءت الحقيقة المرة عندما
تعثّرت المفاوضات و وصلت إلى نقطة الخيار إما القبول بشروط الكيان (الإسرائيلي) في
تطبيق الاتفاق ، و سيكون هذا أسوأ من الاتفاق نفسه إذ سينزِع منه بعض الغموض الذي
استخدِم لتسويغه فلسطينياً و عربياً ، و إما العود إلى البحث عن الأوراق الضاغطة في
محاولة للتخفيف من المأزق الخانق .
و هنا لا بدّ من أن تفتقد
الانتفاضة و المقاومة كما يفتقد البدر في الليلة الظلماء !! أي تفتقد ورقتا الضغط
الوحيدتان بيد الشعب الفلسطيني .
و السؤال : ماذا كان سيحدث لو
أن الانتفاضة خمدت ، و بردت الدماء الحارة ، أو لو أن شعلة القتال خبت ، و ذهبت من
النفوس روح الجهاد و الاستشهاد ؟
الجواب : ببساطة ، لكان الوضع
الآن في كارثة حقيقية و لأصبحت الحالة الفلسطينية عارية من كلّ قوة تماماً .
و هنا لا بدّ من وقفةٍ
تقويميّة أمام السياسات التي دعت إلى إنهاء المقاومة و الانتفاضة ، قولاً أو عملاً
، ثم يجب أن يذكر لمعارضي الاتفاق ، لا سيما حركة حماس ، صوابيّة موقفهم الذي ما
كان شيء غيره لينقِذ الوضع عموماً ، و قد شفع بالجرأة في الحق و الصبر أمام الحملات
الإعلامية الظالمة ، و التضحية بالدم و كلّ غال .
9- الخطأ
في ترتيب الأولويات
و تنتهي الأزمة التي واجهتها
المفاوضات الفلسطينية (الإسرائيلية) بسبب مجزرة الحرم الإبراهيمي باتفاقٍ تمّ في
القاهرة يقضي بدخول مراقبين دوليين (حوالي 160 مراقباً) إلى مدينة الخليل .
و لا يصعب على "المراقب" أن
يلحَظ أن هذه النهاية منسجمة و الروحية التي عولجت بها مجزرة الحرم الإبراهيمي من
قبل قيادة منظمة التحرير الفلسطينية فبدلاً من أن تكون القضية هي قضية المستوطنين و
احتلال المسجد الإبراهيمي فقط دون إضافات عربية ، تحوّلت إلى قضية أمن سكان الخليل
بالدرجة الأولى و احتلت إشكالية المستوطنات و المستوطنين و الاحتلال المرتبة
الثانية ، و بهذا جاء الاتفاق منسجماً تماماً و الهدف (الإسرائيلي) الذي يضع في
أولوياته بقاء المستوطنين في قلب مدينة الخليل و تحقيق أمنهم ، ذلك بأن استخدام
المراقبين الدوليين ، شأنهم هنا مثل شأنهم في كلّ الحالات التي استخدِموا فيها ،
ينحصر دائماً و أبداً ، و في أحسن الحالات ، في تكريس الأمر الواقع ، و يعني تكريس
الأمر الواقع في الخليل ، استمرار بقاء المستوطنين و حمايتهم تحت حجّة حماية
الفلسطينيين من أمثال جولدشتاين .
الإشكالية الخطيرة في هذه
المعالجة تكمن في قلب الأمور رأساً على عقب فبدلاً من أن يحصِر الأمر كلّه بوجود
المستوطنات و المستوطنين و بضرورة دحر الاحتلال يتحوّل إلى معالجة بعض منتجات
الصراع الذي يخوضه الفلسطينيون مثل المعتقلين و الأسرى أو الاعتداءات التي يمارسها
المستوطنون ، و بهذا يبقى الأصل و تغرق المعالجة بالفروع ، و قد أثبتت كلّ التجارب
أن معالجة الفرع دون الأصل بروزاً في هذه المجال لأن الإشكالية في جوهرها تتجسّد في
كفاح الشعب الفلسطيني و جهاده لاقتلاع الاستيطان و جعل حياة المستوطنين غير آمنة ،
أمّا أمن الفلسطينيين فلا يكون مطلوباً في ظلّ بقاء الاحتلال و المستوطنات و
المستوطنين و هذا لا يحتاج إلى مراقبين دوليين .
و بهذا يكون الاتفاق حول
المجيء بمراقبين دوليّين إلى الخليل هو في مصلحة أمن مستوطني مدينة الخليل و بقائهم
أكثر ألف مرة من أن يكون في مصلحة أهل الخليل و أمنهم ، و بالمناسبة من قال إن
هؤلاء المراقبين يستطيعون أن يمنَعوا عدوان المستوطنين إذا ما قرّروا تكرار ما فعله
جولدشتاين ، هذا إن لم نجِد من بينهم من سيتواطأ و أمثال مرتكب مجزرة الخليل ، أما
التواطؤ و الجيش (الإسرائيلي) من قبَل قوات المراقبين فحدّث عنه و لا حرج لا محالة
.
10- ضرورة
التضامن العربي
لا ريب في أن احتلال العراق
للكويت وجّه ضربة قتلة للتضامن العربيّ و قد رفَع هو قبل غيره ، مقابل ذلك ثمناً
غالياً ، و غالياً جداً ، و ما زال .
اتخذت الولايات المتحدة من ذلك
الاحتلال ذريعة لشنّ هجومٍ شاملٍ على الأمة العربية و الإسلامية ، مبتدئة بالحرب ضد
العراق و استمرار الحصار عليه ، و تجريدِه من قدراته العسكرية فوق التقليدية و فرض
حالةٍ من العجز و الوهن المقيمين عليه .
ثمّ تواصل الهجوم ليفتح جبهة
لوكربي على ليبيا ، فيضعها تحت الحصار و الاختناق ، ثم لدفعٍ بالقوات الأمريكية
لاحتلال الصومال ، و يبدأ بالتهيئة لمحاصرة السودان و عزله و التدخل العسكري فيه إن
أمكن ، و قد مورِس كلّ هذا ضمن هجومٍ أشدّ تركيزاً استهدف القضية الفلسطينية و
الصراع العربي - (الإسرائيلي) من أجل فرض حلولٍ أقرب ما تكون إليه الشروط
(الإسرائيلية) .
هذا و لم تسلم دولة عربية
واحدة من ذلك الهجوم الشامل حتى لو لم يأخذ شكل الحصار و شنّ الحملات المعادية ، و
يكفي أن نلحظ ما جرى لأرصدة دول الخليج و لثرواته و نفطه و للوضع السياسيّ العام
فيه بما في ذلك تدهور العلاقات فيما بين دوله حتى نرى أن الخليج كلّه استهدِف في
ذلك الهجوم و ليس العراق وحده .
و يجب ألا يُرى ما يجري من
تدهورٍ للأوضاع الداخلية في عددٍ من الدول العربية بعيداً عن هذا الهجوم الذي راح
يسهِم بشكلٍ أو بآخر في تخريب تلك الأوضاع . لأن المطلوب أن يكون الجسم العربيّ
مريضاً و ضعيفاً حتى لو وضع نفسه ضمن إطار السياسة الأمريكية في المنطقة و دفع
باتجاهها و لم يقف ضدها . على أن المسؤولية في كلّ ما جرى و يجري لا يمكن أن ترمى
بكاملها على مشجِب السياسات الأمريكية و إن كان من غير الحصافة ألا توضع المسؤولية
الأولى على فعل تلك السياسات بسبب ثقل نفوذها في بعض الأنظمة ، و من ثمّ لا بد من
أن يوزّع ما تبقّى من مسؤولية على عاتق أولئك الذين ما زالوا يرفضون تصفية الأجواء
العربية و يحولون دون عقد قمة عربية .
إذ ظنّ البعض أنه في غنى عن
التضامن العربي لو بحدّه الأدنى فقد أثبتت تجربة السنتين الماضيتين أنه مثل غيره
سيكون مع انعدام ذلك التضامن ، لقمة سائغة و غنيمة سهلة ، فالأمة كلّها في خطر .
فالحاجة إلى التضامن العربي
تمثّل مصلحة عليا لكلّ الدول العربية بلا استثناء ، و لا تقتصر على إنقاذ العراق و
ليبيا من الحصار الدولي ، و منع امتداده إلى السودان ، و ضرورة نصرة الصومال ، بل
إنقاذ المستقبل العربي كلّه من الاتفاقات المنفردة مع العدو الصهيوني .
11- و
يسألونك عن البديل
قل : ما هو بديلكم إذا فشلت
التسوية ؟ ..
الذين يدافعون عن ضرورة أو صحة
المشاركة في التسوية التي تعدّها أمريكا للقضية الفلسطينية و الصراع العربي –
(الإسرائيلي) لا يخفون قلقهم و عدم رضاهم . و يصل الأمر بالبعض إلى القول إن العرب
و الفلسطينيين مغلوبون على أمرهم فإن لم يكن هناك ما يمكن استرجاعه من الأرض فعلى
الأقل لا يفقد ما باليد حتى الآن .
فأمريكا بعد حرب الخليج كشّرت
عن أنيابها و أشعرت أولي الأمر من العرب و المسلمين إن من سأل السلامة فليسر في
ركاب التسوية المذكورة ، ثمّ ربما كان هنالك ما قد يعطى من أرض الجولان و الضفة و
القطاع مقابل ما سيؤخَذ من اعترافٍ بالدولة الصهيونية التي اغتصبت فلسطين ، و ما
سيُعطاها من حصصٍ في المياه و النفط و المساعدات و التجارة و التطبيع ، و ما سيؤمّن
لها من تفوّقٍ دائم على مجموع الدول العربية عسكرياً ، و الأهم مقابل تنفيذ
الاستراتيجية الأمريكية في مرحلتها الجديدة بعد انتهاء الحرب الباردة ، و بعد حرب
الخليج ، و هي استراتيجية بدأت خطوطها الأولى بعد التمكّن من العراق تحطيماً و
تدميراً ، و بعدما نزَع سلاحه المتطوّر و ما حلّ بأرضه من تقسيمٍ واقعي و ما صدر من
قراراتٍ مجحِفة فرضت عليه حالة التبعية لعشرات السنين ، و قد صاحَب تلك الخطوات
السيطرة على الخليج عسكرياً و سياسياً و اقتصادياً أحكامٌ لم يسبق لها مثيل من قبل
، و قد وصل الأمر إلى السعي أمريكياً لمنعه من العودة إلى أمته العربية و الإسلامية
.
بكلمة ، إن القيادة التي خطّطت
لحرب الخليج ، و نفّذت تلك الحرب ، و راحت تعيد صياغة الوضع في العراق و المنطقة
هناك ، هي القيادة نفسها التي خطّطت لمؤتمر مدريد ، و راحت تعدّ لتسوية القضية
الفلسطينية و الصراع العربي – (الإسرائيلي) . هذه القيادة لا يمكِن أن تحمِل في
جعبتها هنا غير ما حملته في جعبتها هناك . و ما تريد أن تفعله هنا ، إن استطاعت ،
يدخل دخولاً عضوياً متماسكاً في إطار ما فعلته هناك . إنها "عاصفة صحراء" سياسية .
و هذا من بديهيات الأمور و لا جدال .
من هنا فإن مناقشة موضوع
التسوية الأمريكية المقترحة أو التي أطلِق لها العنان ، يجب ألا تنحصِر في مناقشة
الترتيبات التي ستعالج من خلالها إشكالية الاحتلال للضفة و القطاع و الجولان أو
الحكم الذاتي ، و إنما يجب أن تناقش السياسات الأمريكية بمجملها التي يراد تنفيذها
في المنطقة من الخليج إلى المحيط ، إن لم يكن من طنجة إلى جاكرتا . لأن حصر الموضوع
ضمن إطار تلك الترتيبات بالرغم من أهمية ذلك بحدّ ذاته ، و بالرغم من خطورته ، و
بالرغم ما يحمِله من تنازلات ، يخطئ في تحديد مستوى خطورة الوضع ، فالرؤية الأمثل
هي التي يجب أن يركّز عليها في النقاش ، لأنها تعني مستقبل الأمة . فلو صحّت
الفرضية القائلة إن ما يدبّر الآن يرمي إلى إرساء وقائع ، محدّدة مادية و معنوية ،
سياسية و اقتصادية و عسكرية ، قانونية و دولية ، لن تترك مجالاً أبداً لنهوض الأمة
و استرداد عافيتها و ستجعل المسار إلى تدهورٍ و ضعفٍ و انحطاطٍ أكثر فأكثر و هو أمر
لا يسمح ، في مستقبل قريب ، أو حتى بعيد ، باسترداد حقوق فقدت ، أو المحافظة على ما
باليد من حقوق أو إمكانات و قدرات .
هذه الحجة الأساسية التي تحتاج
إلى مناقشة من قبَل الذين يقولون بالمضي ضمن التصوّر الأمريكي للتسوية ، فإذا كان
بعض هؤلاء يرفض الحديث عن الحقوق و الثوابت أو المبادئ الأساسية التي ترفض الإقرار
بشرعيّة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين تحت دعوى النظرة الواقعية ، و السياسية
العمليّة أو المرحلية ، أو الخوف من ضياع المزيد ، إلا أن على أولئك البعض عدم
إغفال مناقشة الحجة المذكورة ، و ذلك بسبب أهميتها العمليّة و الواقعية . فما معنى
السياسة الواقعية (و حتى البراغماتية) إن لم تكن المحافظة على مكاسب الراهن و تأمين
دخولٍ أقوى إلى المستقبل . فإذا كان ما نحن بصددِه يزيد من تدهور الأوضاع ، و يزيد
من ضعف الأمة ، و يولد وقائع مادية و معنوية تسدّ طريق التقدّم مستقبلاً ، بل تجعل
المسار إلى مزيدٍ من التفسّخ و الانحلال و الانحطاط ، فهل يحقّ لمن يفكّرون في
السياسة بحسابات الواقعية و البراغماتية و موازين القوى أن يغفلوا مناقشة هذا الأمر
؟؟
و لكن ما إن تصل الأمور إلى
هذا المستوى من النقاش حتى يسألونك و ما البديل ؟ و يريدونه فورياً يوقِف الاستيطان
و ينهي الاحتلال و يقيم الدولة الفلسطينية .
و لهذا فأية إجابة عن بديل
يتضمّن إعداداً و نضالاً لتغيير موازين القوى ، فإنه لا يقبل بديلاً .
و لكي نجنّب الحوار الدخول في
طريقٍ مسدود . لنردّ أولاً و قبل كلّ شيء بسؤالٍ مقابل : و ما بديلكم لو فشلت مسيرة
تسوية مدريد ؟ و إنه لسؤال لا يرادُ منه الإحراج ، أو ردّ الصاع صاعاً مماثلاً ، و
إنما يُراد منه أن يتّفق الجميع على أن ثمّة بدائل غير بديل مشروع التسوية
الأمريكية الراهنة ، لأن من غير المعقول ألا يكون ثمة أكثر من بديلٍ أمام رجل الحكم
و السياسة مهما كانت الظروف صعبة و معقّدة ، و إلا يكون قد وضع نفسه تحت رحمة بديلٍ
واحد . فإذا فشِل يكون كلّ شيء قد انتهى و لم يبقَ عنده ما يعطيه ؟ فمن حيث المبدأ
، لا يمكن و لا يجوز أن يُقال إنه لا بديل غير بديلٍ واحد ، ليس من مصلحة المفاوض و
لا من الحكمة أن يذهب إلى ذلك المسار و هو يعلِن أن لا بديل غير ذلك البديل ، لأن
هذا يضعِفه و يتركه تحت رحمة أعدائه .
فالرأي هنا يفرِض ألا يكون
الهمّ هو إقامة حجّة على المعارضة الداخليّة بقدر ما يجب أن يركّز الهمّ كله على
مواجهة العدو ، و هذا يقتضي أن يدرِك العدو الصهيوني ، و تدركه أمريكا ، و يدركه
العالم ، أن أمام العرب و المسلمين بدائل أخرى ، و ربما كانت أجدى في المدى البعيد
، و أكثر تكلفة لهم ، و إن كانت أصعب و أطول و أعقد و أكثر تكلفة لنا .
فإن صحّ هذا المنطق يجب أن
ننتهي من السؤال و ما البديل ؟ و من ثمّ تقدّم الحجة على أسسٍ أخرى ، فباب البدائل
لا ينبغي له أن يغلَق حتى بالنسبة إلى من يريدون الذهاب إلى ذلك الطريق ، و هو في
كلّ الأحوال لن يغلَق أبداً و ما ينبغي للأمة أن تفقد قدرتها على توليد البدائل تحت
كلّ الظروف . بل إن البدائل موجودة و على أكثر من صعيد .
يمكِن أن ندلّل هنا على عدم
الجدية في البحث عن بديل من خلال مثلٍ سريع أوليّ . و هو تحقيق شرط التضامن العربي
، إذ كيف تقبَل جماهير الأمة من بعض قيادات الدول العربية التي تمتنع عن تحقيق
تضامن عربيّ ، و لا تسعى إلى ذلك ، و هي قادرة أن تواجه الأمة بالحجّة القائلة نحن
لا نملِك من أمرِنا شيئاً غير القبول بما يطرَح علينا من بديل . أي يصنعون التمزّق
و أسباب الضعف ، ثم يقولون لا نملِك غير بديلٍ واحد بسبب هذا التمزّق و ذلك الضعف .
إن التأمّل بهذا المثل وحده
يؤكّد أن أبواب البدائل غير موصَدة ، إذ كيف لا يكون من العمليّ أن ترتفع أصوات
العلماء و المثقفين و القيادات الشعبية و معها أصوات بعض قيادات الدول العربية
لتكافِح من أجل التضامن العربي و الإسلامي و تفرِض العزلة و العار على كلّ من يرفض
ذلك من قادة الدول العربية و الإسلامية . فإذا كانت أمريكا تمنع التضامن العربي و
الإسلامي فالبديل ليس القبول بهذا بل برفضه و كسره و فرضِه ، فيصبح هذا التضامن
قضيّة نضالٍ و جهاد و كفاح . قضيّة تنزِل إلى الشارع و تطرح في كلّ المحافل . و لا
تقبل الفرقة عن ذلك بديلاً . و هذا طريقٌ ممكنة التحقيق و إن كان لا يشكّل حلاً و
لكنه يشكّل شرطاً لخيارات بديلة أخرى غير البديل الذي تفرِضه أمريكا على المنطقة
فرضاً ، خيارات تحافظ على المبادئ و الثوابت و الحقوق ، و هو بديلٌ يجب أن ينقِذ
العراق و ينقِذ الخليج و يمنع سوء المصير الذي تعدّه أمريكا لقضية فلسطين و الصراع
العربي – (الإسرائيلي) ، بل لأوضاع الأمة كلّها .
|