|
الفصل الرابع
في
حسن ترتيب الأولويات و المحافظة على الهدف
· تحديد
الأولويات و المحافظة على الهدف
·
التمسك بالثوابت و تعزيز الانتفاضة بالوحدة و الجماهير
·
الأخطار العمليّة الثلاثة
· لا
للاقتتال و الفتنة
· كلمة
إلى الشعب الفلسطيني
· الحكم
الذاتي و ترتيب الأولويات
· حول
معالجة الحكم الذاتي و الشرطة ، و ترتيب الأولويات
· اتفاق
القاهرة في التطبيق
تحديد الأولويّات و المحافظة
على الهدف
1- التمسّك
بالثوابت و تعزيز الانتفاضة بالوحدة و الجماهير (1)
[نشرت في
"فلسطين المسلمة" في آذار (مارس) 1992]
ما زالت الساحة الفلسطينية
بحاجة إلى امتلاك الوعي في مواجهة العدو ، فعلى الرغم من التجربة الطويلة التي
عاشتها فصائل العمل الفلسطيني إلا أنها لم تخرج بالعبر الكافية من تلك التجربة ، و
يمكن للمرء أن يعدّد سلسلةً من الأخطاء منذ عشرين عاماً و نيّف . فعلى سبيل المثال
لم يتعلّم الكثيرون من قادة العمل الفلسطيني كيف يميّزون بين الثوابت و المتغيرات ،
أو بعبارةٍ أدقّ ما فتِئوا يتركون أنفسهم على سجيّتها حين تبرز خلافات سياسية و إذا
بها تصبح قضية القضايا ، و فوق كلّ القضايا ، فتطغى على كلّ ما عداها ، بل و لا
يتردّد في التضحية بالثوابت في سبيلها ، و هذا ما يسمّى بلغة فن إدارة الصراع ، جعل
التكتيك يطغى على الاستراتيجية ، أو بكلمة أخرى التضحية بالكليّ والعام و الدائم من
أجل الجزئي و الخاص و العابر .
لو عدنا بالذاكرة لعام 1974
يوم دخلت على الساحة نظرية مرحلة تقسيم التحرير إلى مرحلتين الأولى بإقامة سلطة
وطنية على المناطق التي ينسحب منها الاحتلال و تأتي الثانية ، أي تحرير كامل التراب
الفلسطيني بعد ذلك ، و لكن لم يمضِ حينٌ من الدهر حتى انتهى حديث أصحاب نظرية
المرحلتين عن المرحلة الثانية لتصبح المرحلة الأولى هي الغاية المنشودة ، بل وصل
الأمر حداً أصبح فيه حديث التحرير الكامل و لو كمرحلة ثانية و مؤجلة لأجلٍ مديد
محرّماً ، و هنالك من سلّم بشرعية اغتصاب كلّ ما اغتصب من أرض فلسطين قبل عام 1967
.
اليوم تبدأ المرحلة الأولى
مقسّمة إلى مرحلتين :
الأولى
: تبدأ بإقامة حكم ذاتي ، و لو ضمن المواصفات الأمريكية – الصهيونية ..
والثانية : تترك للمفاوضات التي تبدأ مع العام الثالث بعد إقامة الإدارة
الذاتية (2) [جاء اتفاق أوسلو ليقسِم الوصول إلى الحكم الذاتي نفسه إلى مرحلتين
"غزة و أريحا أولاً" تفصل بينهما فترة من ثلاث إلى خمس سنوات ، و تتوقّف كلّ خطوة
تالية كبرت أو صغرت على المفاوضات الثنائية ، و لعل هذه ستقسَم إلى مرحلتين أو
مراحل ، أي في كلّ مرة يصبح ما اعتبر مرحلة الحد الأدنى إلى مرحلة أعلى و هكذا .]
..
و لم يعد من المسلّم به أن
تكون النهاية دولة فلسطينية مستقلة ، و إنما حالة يتّفق عليها من خلال المفاوضات ،
و هذا يعني أن بصمات القيادة (الإسرائيلية) و الإدارة الأمريكية ستكون الأبرز في
تحديد ملامح تلك الحالة و هو أمرٌ لا يحتاج إلى نقاش طويل ما دام الاتفاق مرهوناً
بموافقة هذين الطرفين ، و لا سيما (الإسرائيلي) .
و بهذا تكون الخطوات التكتيكية
في معالجة إدارة الصراع قد أكلت الاستراتيجية الأولى تحت دعوى المرحلتين ، ثم أكلت
الاستراتيجية الثانية ، استراتيجية إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغريبة و القطاع
، و ها هي ذي مفاوضات واشنطن و موسكو في طريقها لتأكل ما تبقّى من ثوابت وضعتها
قرارات المجلس الوطني العشرين لتكتيك القبول بالمشروع الأمريكي للتسوية الذي انطلق
من مؤتمر مدريد (1) [و هذا ما فعله اتفاق أوسلو ، ثم لقيَ الأخير المصير نفسه من
خلال اتفاق باريس ، و القاهرة .] ، أما من ناحية أخرى فقد راحت الساحة تضرب ثوابت
من طرازٍ آخر و هي تختلف في المواقف عن تلك القضايا المتعلّقة بالخط السياسي و
برامج العمل المرحلي وصولاً إلى مؤتمر مدريد ، و قد وصل الأمر في عام 1974 إلى
انقسامٍ في الساحة لم تخفّف من مخاطره غير الحرب الأهلية التي اندلعت في لبنان ، ثم
أصبح الانقسام حاداً منذ ربيع 1983 و لم يلتئم حتى اليوم و كان ذلك حرباً بتعريض
الثورة الفلسطينية لأشدّ الأخطار لولا أن الداخل الفلسطيني في الضفة الغربية و
القطاع لم يتأثّر به ، و لم يفقِد وحدته ، و لولا أن الانقسام في الخارج كان جزئياً
و لم يتحوّل إلى شرط الجسم إلى شطرين متساويين حجماً و أهمية .
على أن هاتين السمتين اللتين
رافقتا انقسامات الماضي ، و من ثمّ سمحتا بألا يكون الانقسام مدمّراً لم تعودا
قائمتين مع الانقسام الجديد الذي وقع في الساحة مع مؤتمر مدريد و مفاوضات واشنطن
فالانشطار بدأ في الداخل الفلسطيني ، في هذه المرة ، قبل أن يمتد إلى إلى الخارج ،
و قد جاء من حيث حجم كلّ شطرٍ في الداخل متقارباً إلى حدّ بعيد ، و إذا كان هنالك
من تفاوت فطبيعته رجراجة يمكن أن تميل في مصلحة هذا الشطر أو ذاك ، وفقاً لانعكاسات
عملية التسوية و تقلّباتها على الرأي العام الفلسطيني (1) [و هذا ما حدث بعد اتفاق
أوسلو الذي كاد أن يكسب الجولة مع الرأي العام ثم سرعان ما فقدها مع اتفاق القاهرة
الأول الذي حرم الحكم الذاتي حتى من السيادة على معبرٍ واحد إلى فلسطين ، و ازداد
ميلان الرأي العام ضد اتفاق أوسلو مع مجزرة الحرم الإبراهيمي و لكن مع ذلك سيظلّ
الرأي العام في أغلبية رجراجاً بين الاتجاهين تبعاً لتطوّرات الأحداث .] .
و من هنا تصبِح معالجة هذه
الخلافية العميقة ذات أهمية خاصة بسبب تأثر عددٍ من الثوابت بها ، فقد تصاعدت إلى
فتنة داخلية في الانتفاضة ، كما تؤشّر إلى ذلك حالات الطعن في طولكرم و غيرها ،
فوجود الانتفاضة يصبِح في خطرٍ شديد من حيث أتى ، كما أن التصعيد إلى العداوة و
الاقتتال و الفتنة سيزيد من مخاطر المستوطنين على أهلنا في الداخل . و يضعف من
قدرات الاستمساك بالأرض و الثبات في وجه الاقتلاع ، أما على مستوى الخارج فسيؤدّي
إلى إضعاف هيبة الكفاح الفلسطيني ، و يشجّع على سياسات الحصار و التضييق و التصفية
عربياً و دولياً .
هذا ما يفرض على الوعي
الفلسطيني أن يمسك بخطٍّ صحيح في معالجة الخلافية حول مشروع التسوية الأمريكية –
(الإسرائيلية) و الأهم في معالجة الانتفاضة و استمراريتها .
ينبغي لنا أن نقرّ و نسلّم
بادئ ذي بدء - إن من المحال في الظروف الراهنة توحيد الساحة على حدّ أدنى من الموقف
السياسي تجاه مشروع التسوية ، فالانقسام في الرأي حول ذلك أمرٌ محتوم ، و لا مفرّ
منه ، و لا يستطيع أحدٌ أن يتهم مخالفي التسوية بأنهم يفعلون ذلك تمشياً و سياسات
المحاور العربية كما كان الحال في تجربتي 1974 و 1983 ، فالمعارضة هنا تقف في وجه
الرياح العربية و الدولية أكثر مما تقف في وجه القبول الفلسطيني للتسوية ، و لأن
هذا القبول دون أن يُعفى من المسؤولية قد وقع تحت ضغط تلك الرياح التي راحت تدفعه
إلى مواقع ما كان يريدها لو كان من خيار ، و لهذا يجب أن تعامل المخالفة للتسوية
بدرجة عالية من الاحترام و النظر إليها ، باعتبارها موقفاً شرعياً و مشروعاً و
مسوّغاً و له فوائده الجمة ، حتى لو أنكر البعض عليه وجهة نظره الأساسية ، كما يجب
أن تعامل الموافقة من قبل المعارضة بدرجةٍ من الرفق و الحكمة بسبب ما حدث من
متغيّرات عربية و دولية ، و لكن مع إبقاء الرفض مبدئياً حاسماً و واضحاً ، و هذا
يعني ألا نجعل سقف الخلافية يرفع إلى العداوة و الاقتتال و الفتنة ، و يبقى باب
الحوار و الإقناع و الاحتكام إلى قابل الأيام مفتوحاً و مشروعاً .
بيد أن هذه المعالجة لا تعطي
جانباً مهماً من إشكالية الوضع بينما يستحق الجانب الأكثر أهميّة معالجة خاصة به أي
الجانب المتعلّق بالانتفاضة و البقاء في الأرض و مواجهة قوات الاحتلال و المستوطنين
، فضلاً عن الجانب المتعلّق بصون هيبة الكفاح الفلسطيني عربياً و دولياً في وجه
سياسات التعتيم و الحصار و التضييق و التصفيّة .
إذا كان الانقسام حول الموقف
من التسوية الأمريكية – (الإسرائيلية) محتوماً ، و لا رأب لصدعه بالاتفاق على موقفٍ
واحد ، و إذا كان التعايش مع هذا الانقسام أمراً لا مفرّ منه تحت سقفٍ لا يصل
العداوة و الاقتتال و الفتنة ، فإن هنالك على الرغم من ذلك ما يمكن الاتفاق حوله و
عليه ، و هو الانتفاضة و تعزيز البقاء في الأرض ، و مواجهة قوات المستوطنين و
الاحتلال ، فضلاً عن منع عمليات التضييق و الحصار و التصفية عربياً و دولياً ، و
هذه جميعاً يمكن ، بل يجب ، أن تشكّل ثوابت لا يجوز الاختلاف عليها ، بل ينبغي
لجبهةٍ واسعة أن تشكّل على أساسها تجمَع حتى فيما بين المختلفين في موضوع التسوية
فإذا لم يرتفع الوعي الفلسطيني إلى مستوى التفريق بين الثابت و المتغير ، أو بين ما
هو عام و مشترك و دائم من جهة و بين ما هو خاص و جزئيّ و عابر مهما بلغت خطورته و
تمادى في تجاوز الخطوط الحمراء ، من جهة أخرى ، فإنه سيفقد الثابت و لا ينجح في
معالجة المتغيّر ، و هذا مايفرِض أن تتفق الساحة الفلسطينية اتفاقاً صادقاً و
صارماً على السقف الذي يحدّ الخلافية حول التسوية و على تعاونٍ و تنسيقٍ للمحافظة
على الانتفاضة و استمراريتها ، و من ثمّ توفير مستلزمات ذلك من توجيه نشاطات
الانتفاضة ضد الاحتلال فقط ، فلا تزجّ في مسائل الخلافات حول التسوية و إن تحقّق
هذا فيشكّل الحد الأدنى ، بينما المطلوب أن يعمل على تخليص الانتفاضة من سلبيات
ألمّت بها و من حولها نتيجة الصراعات الفئوية مثل ظاهرة الملثّمين ، و محاولة
السيطرة على الشارع بالقوة ، و سوء توزيع الدعم و المساعدات ، و رفع أغصان الزيتون
للمستوطنين و جنود الاحتلال ناهيك عن مخاطر الاغتيالات الفردية حتى يحقّق المشبوهين
، فالانتفاضة نتيجة سلسلة من السياسات الفئوية الضيّقة ، طغت عليها حالة المجموعات
الصغيرة من رماة الحجارة و المولوتوف بينما ضعفت المشاركة الشعبية الواسعة ضعفاً
شديداً ، إلا في القليل القليل من المناسبات و الحالات ، و هو ما يطرح هدفاً جديداً
للعمل المشترك في الانتفاضة إلى جانب المحافظة على ظاهرة رماة الحجارة و المولوتوف
و العمليات العنيفة المسلحة و غير المسلحة ، و هو السعي لإشراكٍ أوسع للجماهير ، لا
سيما من الكهول و الشيوخ و النساء في تظاهراتها و مسيراتها و اعتصاماتها ، و هو
يتطلّب أن يخصّص يوم أو يومان في الأسبوع ، و ابتداءاً من أيام الجمعة ، لتكون أيام
النزول الجماهيري الواسع إلى الشوارع ، و لو لساعتين أو ثلاث ، فيبتعد رماة الحجارة
و المولوتوف عن تلك المسيرات لتكون سلميّة هادرة بهتاف الله أكبر ، أي المطلوب
استعادة الدور الشعبي في التكافل و التناصر و الاعتصام و تشييع الجنازات ، أما
الأيام الأخرى من الأسبوع فتكون للشباب الشجاع المقدام من رماة الحجارة و المولوتوف
و أهل اجتراح البطولات الصدامية من كلّ لون ، فالأرض في الضفة و القطاع يجب أن تميد
في وجه المستوطنين و قوات الاحتلال ، و هي لا تميد إلا بنزول الآلاف و عشرات الآلاف
من مختلف فئات الشعب إلى الشوارع و لو ليومٍ أو يومين في الأسبوع ثم يستكمل ذلك
فيما تبقّى من أيام الأسبوع بالفعل المنظّم للشباب المجاهد و المناضل .
و إننا إذا ما فعلنا ذلك ، أي
أعدنا للجماهير دورها و مشاركتها لا في التظاهرة و المسيرات فحسب ، و إنما في
التكافل و التناصر من أجل البقاء في الأرض ، و تضميد الجراح و توزيع المساعدات ، و
مواجهة الصعوبات المعيشية فنكون قد ضمنا المحافظة على الانتفاضة و استمراريتها و
أجّجنا روح الجهاد في الشبيبة و الأجيال الصاعدة ، و أمّنّا هيبةً للعمل الفلسطيني
الذي كثُر التطاول عليه عربياً و دولياً ، و ازداد الاستهتار (الإسرائيلي) به .
و قد أخذ يبرز الآن سبب آخر
يدعو لمثل هذه الجبهة لتعزيز الانتفاضة و توسيع جماهيريتها ، ألا و هو الدور الجديد
الذي أنيط بالمستوطنين القيام به ، و هو أن يشكّلوا جماعات منظّمة تتصدّى للانتفاضة
بالرصاص و الحجارة و إقامة الحواجز من أجلِ أن يبدو الصراع كأنه صراعٌ "أهليّ" داخل
الضفة و القطاع ، لتأتي الحلول مساوية بين وجود الشعب الفلسطيني و المستوطنين كما
بين اعتداء المستوطنين و جهاد المجموعات الصغيرة من رماة الحجارة و المولوتوف و
مجترحي البطولات .
1- الأخطار
العمليّة الثلاثة (1)
["فلسطين
المسلمة" - تشرين الأول (أكتوبر) 1992م .]
حملت العمليّة السياسية التي
أطلقها بوش - بيكر بعد حرب الخليج ، بذور شرّ للمنطقة ، فقد جاءت حلقة متصلة بحلقات
عملية عاصفة الصحراء ، و إذا أريد لها أن توضع في إطارٍ فلا يمكن أن توضع في إطار
خارج ما حصل في الخليج و العراق ، و إذا أريد أن تُرى الأبعاد الحقيقية للأهداف
التي ترمي إلى تحقيقها فمن غير الممكن أن ترى إلا في منظار الأهداف الأمريكية التي
حقّقت في العراق و الخليج ، و ما زالت تتحقّق و ذلك على الرغم من أن ما حدث هناك تم
بصورة صاخبة في ظلال الحرب و قرارات مجلس الأمن الظالمة الخاصة بتجريد العراق من
أسلحته فوق التقليدية ، و فرض القيود عليه من كلّ طراز ، بما في ذلك تقسيمه واقعياً
و ربما قانونياً دولياً فيما بعد ، كما من غير الممكن أن تُرى خارج إطار الحصار
المضروب على ليبيا . و إذا وضعت جانباً سلسلة الانتهاكات للحقوق الفلسطينية و
العربية و الإسلامية في فلسطين ، و التي تضمّنتها توجهات عملية التسوية منذ البداية
، فإن العمليّة بحدّ ذاتها راحت تبرز اليوم مجموعة من المخاطر العملية و هي التي
يجب أن يركّز عليها قبل أن تستفحل و تزيد من تدهور الأوضاع و ضياع الحقوق .
يلاحظ ، منذ الجولة الأولى
التي انطلقت فيها المفاوضات الثنائية في رحاب وزارة الخارجية الأمريكية في واشنطن ،
أن ثمة توجّهاً (إسرائيلياً) - واحداً من التكتيكات - للاستفراد بحالةٍ ما أو
للتوصل لحلّ منفرد مع هذا الطرف أو ذاك كما حاول مفاوضو حكومة شامير مع وفد الأردن
منذ الجولة الأولى و هي محاولة كادت أن تولّد أزمة لولا أن تداركها وفد الأردن
بإغلاق الباب في وجهها و الإصرار على السير المتوازي للمفاوضات و إبقاء التنسيق
الرباعي (السوري - الأردني - اللبناني - الفلسطيني) قاعدة لإدارة العملية التفاوضية
.
و جاءت حكومة رابين لتبدأ
المناورة نفسها مع مشروع مجلس الإدارة الذاتية الفلسطيني ، بل أعلنت أن مشروعها
يرمي إلى مرحلة المفاوضات جبهة بعد جبهة مبتدئاً بالإدارة الذاتية ثم بعد ذلك بجنوب
لبنان فالأردن فسوريا ، و هو ما كاد أن يحدِث صدعاً جديداً في صفوف المفاوضين العرب
و لا سيّما حين لم يغلق الباب في وجهه إغلاقاً واضحاً و حازماً و تاماً ، ثم عاد
الوضع للتوازن نسبياً حين تعمّق الخلاف حول مفهوم الحكم الذاتي و صلاحياته و مفهوم
مشروع رابين للمجلس الإداري و صلاحياته ، و إذا بالخرق ينتقل هذه المرة إلى جبهة
الجولان ، و ذلك من خلال مشروعٍ (إسرئيلي) يرمي إلى الاستعداد للانسحاب الجزئيّ
مقابل اتفاقية سلام كامل ، و إذا كان الموقف السوري قد رفض المشروع إلا أن المحاولة
(الإسرائيلية) ، و من ورائها المساعي الأمريكية ، ما زالت مستمرة في التركيز على
إيجاد حلّ منفرد لموضوع الجولان ، و قد ترجم ذلك بمشروعٍ جديدٍ حمله المفاوض
(الإسرائيلي) يرمي إلى الوصول إلى إعلان مبادئ على الأقل حول الجولان بين سوريا و
الكيان (الإسرائيلي) .
هنا أيضاً لم تواجه المحاولة
بإغلاق الباب إغلاقاً حازماً و واضحاً و إنما بقيَ نصف مفتوحٍ و نصف مغلق ، كما حدث
مع الحالات السابقة من قبل ، مما أثار المخاوف نفسها التي أثيرت سابقاً من قبل بقية
الشركاء ، و هو خوف الوصول إلى اتفاق منفردٍ لتبقى المفاوضات حول الجبهات الأخرى
تداوِر في مكانها .
الإشكالية هنا تتمثل ، أولاً و
قبل كلّ شيء ، باختلال الثقة فيما بين الأطراف العربية إذ تكفي بادرة واحدة يستجيب
لها الطرف المعني استجابة أولية ، حتى لو كان الأمر جسّ نبضٍ للطرف الآخر ، أو كانت
في بدايتها حتى تشتعل الشكوك اشتعالاً ، و يصبح الوضع قريباً من الأزمة المتفجّرة ،
أما لماذا انعدام الثقة ؟ فأمرٌ له جذور عميقة في الأرض ، و قد تغذّى من تجارب
مريرة في علاقات غير سوية خلال عشرات السنين ، و هو ما يتطلّب أن يُعالج بحكمة
عالية ، و يوضع خطوط حمراء تلتزم بها الأطراف جميعاً ، هذا إذا أريد التخفيف من
الشرور المستطيرة التي تحمِلها عملية التسوية ، فمن جهة لا يمكن إلا أن يكون هناك
تفاوت ، في التقدّم أو التأيّم في المفاوضات ما دامت ثنائية ، و ما دامت قضية كلّ
جبهة تبحث بمعزلٍ عن القضايا الأخرى ، و هذه واحدة من بذور مشروع بوش - بيكر
للتسوية ضمن الشروط التي قامت عليها ، أي بذرة السير المتفاوت المنفرد ، و مهما
حاول التنسيق الرباعي أن يحافظ على تماسكه سيظلّ واقفاً فوق لغم هذا التفاوت و الحل
المنفرد و لا يمنع تفجيره غير الموقف (الإسرائيلي) ، إذا أراد التشدّد على كلّ
الجبهات تشدّداً متوازياً متساوياً و هو أمرٌ غير مضمون ، و لا سيّما ، في ظلّ
حكومة رابين التي قد تجد مخرجاً في التنازل الجزئي على جبهةٍ من أجل تفسيخ صفّ
المتفاوضين حتى يضعف موقفهم جميعاً ، فوق ما هو عليه من ضعف ، و من ثمّ يستجيب
للمزيد من التنازلات هنا و هناك ، فالمطلوب أن يصل الأمر إلى حدّ الشعور بأن الوضع
سيتجمّد إذا تحقّق اتفاقٌ على جبهة واحدة ، و لا سيّما إن كانت جبهة الجولان أو
جبهة الضفة و القطاع فيصار إلى اللهاث باللحاق مهما كان الثمن ، أما البديل الآخر
فسيكون الدخول في حرب عربية - عربية معلنة ، أو غير معلنة ، مما سيزيد من التمزّق .
الإشكالية هنا بالنسبة إلى
الأطراف المعنية تكمن في كيفية المحافظة على خطٍ أحمر يمنع الوصول إلى اتفاق متفرد
، و يجعله مرفوضاً و مداناً تحت كلّ الظروف ، كما تكمن في تطبيق فسحة التفاوت
الحتميّ في مجرى العملية تحت سقف ذلك الخط الأحمر ما دام من غير الممكن منع الطرف
المعنيّ من التأكّد مما يمكن أن يستخلصه على جبهته من الطرف (الإسرائيلي) ، و مع
ذلك ستظلّ الشكوك و بحقّ في أكثر الحالات ، قائمة من تجاوز الخط الأحمر ، لأن
العلاقات العربية - العربية مريضة حتى النخاع في داخلها ، و هي أسيرة إقليميّة
خطيرة من حيث الأساس ، و هو ما يجب أن تسلّط عليه نيران فكرية و سياسية ، و لا
سيّما من خلال التعبئة الشعبية العميقة ، لمحاصرته و فضحه ، أي ضدّ القطرية ضيّقة
الأفق لكي لا تجعل مصالحها الأنانية الضيّقة تتجاوز سقف المصالح العليا المشتركة و
لو بحدّها الأدنى و تطوح بها تطويحاً .
هذا هو الخطر العمليّ الأول
الذي تحمِله عملية التسوية و الذي سيواجهنا في المرحلة القادمة ، أي خطر الحلّ
المنفرد و تفسخ الجبهة الرباعية و ما يمكن أن يستتبعه من صراعاتٍ و نتائج مدمّرة
(1) [لقد تحقّق هذا الخطر من خلال "اتفاق أوسلو" الذي قبِل بالنسبة إلى الموقف
العربي خرقاً فلسطينياً انفرادياً .] .
هذا الخطر قد يقود بدوره إلى
الخطر العمليّ الثاني الذي أشدّ ذكراً منه ، أي خطر الصهاينة .. فالاتجاه نحو حلّ
منفرد على الخصوص ، بل اتجاه مشروع التسوية على الجملة ، لا سيّما عنصر التطبيع
فيها ، يحمِلان في طيّاتهما خطرَ بروز تيارات تذهب إلى حدّ التحالف و العدو
الصهيوني ، و ربط مستقبلها في المرحلة القادمة و هو ما تمهّد له الولايات المتحدة و
المساعدات الأوروبية للضفة و القطاع ، فالمطلوب توليد تيّارات موثوقة بعيدة عن
أصحاب التاريخ النضالي "الإرهابي" ، و لو لبِسوا لبوس الاعتدال .
إذا كان هنالِك من ذهب إلى
التسوية تحت شعارات وقف الاستيطان و إنهاء الاحتلال ، و إنقاذ ما يمكِن إنقاذه من
الأرض ، أو إيجاد دولة فلسطينية ضمن كونفدرالية مع الأردن و ذات عمقٍ عربي و هو
موقف يريد التأكيد على أن العملية بالنسبة إليه ، موجّهة ضد مشروع (إسرائيل) الكبرى
و ضد السياسة الصهيونية الاحتلالية و التهويدية ، فسيجد نفسه في تناقص و الأهداف
الحقيقية للتسوية التي تتطلّب الذهاب إلى أبعد من ذلك ، أي عقد صفقة كاملة مع العدو
فيما يتعلّق بمستقبل المنطقة ، و قد أصبحنا نسمع تمهيداً لمثل هذا التوجّه معبّراً
عنه على سبيل المثال بهجومٍ مركّز على العرب و ما فعلوه بالفلسطينيين ، و بديهيّ أن
من يضرِب عمقه العربي سيذهب إلى الطريق الآخر بالضرورة ، أو معبّراً عنه بمشاريع
اقتصادية و تنموية للضفة و القطاع نواتها توجيه المساعدات الاقتصادية الأوروبية نحو
بناء قاعدة تكنولوجية و اقتصاد خدمات و وسطاء تجاريين و وكلاء مشاريع كبرى الخ ..
كما يدخل ضمن هذا السياق مقالات بعض الصحافيين التي أشارت إلى مشاريع كونفدرالية مع
العدو الصهيوني أكانت ثنائية أم ثلاثية أم رباعية و الكونفدرالية أقوى من التحالف
بين دولتين ، و أقوى محور ، و بديهيّ القول إن كلّ خلطة يكون الكيان (الإسرائيلي)
جزءاً منها ستكون موجّهة ضد الأمة العربية و الإسلامية بالضرورة .
و هذا في الواقع ما تروّج له
الدوائر الأمريكية في الأوساط العربية و الفلسطينية لأنه يمثّل الهدف الأساسي أصلاً
من وراء مشروع بوش - بيكر للتسويّة أي إعادة صياغة الوضع العربي ، أو على الأصح
الوضع في المنطقة ، لأن كلمة عربيّ يجب أن تلغى ، بما يجعل (إسرائيل) جزءاً لا
يتجزّأ منه ، أو في الأقل تصبح قاعدةً لمحورٍ عربيّ ضد الأمة عموماً و هذا ما ترمي
إليه المفاوضات الإقليمية (الإسرائيلية) – العربية ، و هو ما يرمي إليه هدف التطبيع
مع الدول العربية و ما يجب أن يفهم من عبارة "بناء الثقة" ، لا سيّما بين الحكم
الذاتي الفلسطيني و الكيان (الإسرائيلي) خلال المرحلة الانتقالية و هو شرط
المفاوضات اللاحقة لإيجاد الحلّ النهائي ، فمعنى التطبيع و معنى بناء الثقة و هو
مزجُ اللون الصهيوني باللون الفلسطيني أو بلون هذا القطر العربي أو ذلك ، و هو مزجٌ
يقود إلى الصَّهْينة حتماً ، لا الصهينة السياسية فحسب ، و إنما أيضاً الصهينة
الاقتصادية و الثقافية و الحضارية .. و هذه لا يمكن أن تمزج مع أهداف الأمة و
هويتها و مصالحها بل هي نقيضها ، أي سيكون مزيجاً موجّهاً بالحتم ضد الأمة العربية
و الإسلامية ، و لا يمكن أن تكون (الإسرائيلية) سياسة و اقتصاداً و ثقافة و حضارة
غير ذلك ، و إلا فقدت طبيعتها و وجودها و من ثمّ لا بد من أن تنشأ معركة ضاربة في
المرحلة القادمة تقف فيها الأمة العربية و الإسلامية بمجموعها ضدّ تيار الصهينة
الذي لا بدّ من أن يخرُج إلى النور مستقبلاً تحت الرعاية الأمريكية و التشجيع
الرسميّ الأوروبي و نتاجاً للتطبيع و بناء الثقة المتبادلة له و موازين القوى
الجديدة .
أما رجال هذا التيار فسيرمون
وراءهم المنظّمات أو القيادات الفلسطينية و العربية التي ذهبت للتسوية تحت سقفٍ من
الثوابت الفلسطينية و العربية و لهذا لن يكون غريباً أبداً أن نرى الضرر في مستقبلٍ
قريبٍ لا يقوم على أساس من مع التسوية و من ضدها ، و إنا على أساس من مع الصهينة و
من ضدّها ، و من هنا أصبح من الضروري أن تستبق الأحداث بإقامة السدود السياسية و
الاقتصادية و الثقافية فلسطينياً و عربياً و إسلامياً ضد تيار الصهينة الذي سيكون
له امتدادات في الديار العربية و الإسلامية و الفلسطينية .
أما الخطر العملي الثالث و
الذي قد يجد الطريق ممهّداً أمامه في ظروف الحلّ المنفرد كما في ظروف بروز توجّهات
الصهينة فهو خطر الاقتتال الداخلي على المستوى الفلسطيني أولاً ، كما على المستوى
العربي ثانياً ، لأن الاقتتال على الساحة الفلسطينية سيدمّر القوى الحيّة في
المنظمات و الفصائل على الساحة الفلسطينية سياسياً و ستقوم دعوات التخلّص من
التنظيمات و قيادتها من حيث أتت ما دامت قد أغرقت البلاد في الدم و العداوات و
الأحقاد ، و هو ما سيضعِف القدرة على الصمود في الجسم الفلسطيني كلّه في المرحلة
القادمة ، و هي المرحلة التي ستحتاج إلى القوة الروحية و المعنوية و الجسدية لهذا
الجسم أكثر من أية مرحلة سابقة ، فالتحدّي إذا ما تمّ الاتفاق على التسوية و لو
بمراحلها الأولى ، سيكون أعظم من التحدّي في مرحلة الصدام المسلح ضد العدو لأننا
هنا سنواجه القوة العسكرية (الإسرائيلية) بكلّ أهميّتها العسكرية و لكن مع نزع
السلاح من أيدينا و مطالبتها بالتسليم للتطبيع و بناء الثقة و التخلّي عما بقيَ من
ثوابت ، و القبول بالمنظور الأمريكي – الصهيوني ، في إعادة ترتيب أوضاع المنطقة ،
أي سنجد أنفسنا أمام تحدّي الصهينة في ظروفٍ صعبةٍ و شديدة التعقيد و من ثمّ تحتاج
إلى قوة روحية و معنوية و جسميّة هائلة للوقوف في وجهِها و منع الانجراف مع سيولها
، و ستكون هذه المهمة من مسؤولية الكثيرين ممن قبِلوا الدخول في عملية التسوية و
ليست من مسؤولية الذين رفضوها فقط .. أي ستكون من مسؤولية أغلبيّة فتح كما من
مسؤولية حماس و من مسؤولية مختلف الفصائل الوطنية و العروبيّة كما من مسؤولية
الفصائل الإسلامية الأخرى . و لهذا فإن كلّ اقتتالٍ في الساحة الفلسطينية سيفقد
الجسم مناعته الداخلية و قواه الحيوية المضادة لجراثيم الصهيونية ، و من ثمّ يجب أن
يعبّأ ضد الاقتتال تعبئة صارمة لا تسمح أن تنساب قطرة ماء من شقوقها .
هذه الأخطار العمليّة الثلاثة
التي تشكّل تحديّات المرحلة القريبة القادمة تحتاج إلى رؤية مسبقة و إلى تهيئة
مسبقة ، و مبادرات استباقية .
و لعلّ دعوة للقوى الإسلامية
على الساحة الفلسطينية أصبحت ضرورة لتتلاقى من أجل تقدير موحد للمواقف ، و من ثمّ
من أجل الدخول في حوارٍ مشترك مع م.ت.ف. و خصوصاً مع فتح ، لتنظيم العلاقات
الداخلية الفلسطينية - الفلسطينية بما يمنع الاقتتال و تدهور الأوضاع ، و يفسح
مجالاً للتعدّد و حريّة الرأي و حقّ الاختلاف ، و يتعاون على دعم الانتفاضة و
استمراريتها في الوقت الراهن ، و ربّما كان تمهيداً كذلك لمواجهة اتجاهات الصهينة
في قابل الأيام .
2- لا
للاقتتال و الفتنة (1)
["فلسطين
المسلمة" - آب (أغسطس) 1992م .]
دخل الصراع في قطاع غزة بين
فتح و حماس في الفتنة ، و راحت جهات كثيرة دولية و عربية و فلسطينية تصبّ الزيت على
النار أو تنفخ النار فيها لتزيدها تأجّجاً و أواراً ، و طغت الأصوات التي كانت
تطالب دائماً باللجوء إلى العنف و القتل و الاغتيالات في معالجة المدّ الإسلامي في
الأرض المحتلة .
و قد راحت تتباهى و تزدهي في
بياناتها لأن الأحداث الأخيرة أثبتت "صحة" رأيها ، فهي صاحبة السبق في الدعوة إلى
العنف . فالخلافات مع الإسلاميين ، من وجهة نظرها ، يجب أن تحسَم بالحديد و النار
في الأقطار العربية كلّها ، بما في ذلك الأرض المحتلة ، و لو تحت الاحتلال .
و لعلّ من نافل القول الإشارة
إلى أن هذا التيار يستمد امتداده من تيارٍ في مواقع السلطة ، و له الكلمة العليا في
أغلب الأنظمة ، فهو في الاتجاه نفسه مع الحملات الشعواء التي تشنّ عالمياً ضد الخطر
الأصولي الإسلامي ، و يجدر أن يذكّرنا هذا بحملات دولية و عربية مشابهة شنّت من قبل
ضد خطر الحركة التحرّرية العربية في الخمسينات و الستينات ، أو ضد الخطر الفلسطيني
المقاوم بالحرب الشعبية و الذي مثّلته فتح و فصائل م.ت.ف في النصف الثاني من
الستينات .
بكلمة ، كانت هنالك قوى عربية
و دولية تقف في وجه كلّ محاولة نهضوية و تسعى لتمزيق الصف الداخلي ، و قد أخذت تجعل
أسباب الخلاف حتى لو كانت هامشيّة ، مدخلاً لإشعال الفتنة و إحداث الصدع و الانشقاق
، و قد شكّلت هذه الظاهرة المتكرّرة منذ مائتي عام ، أخطر عوامل الضعف في الداخل
العربي إذ ساعدت القوى الاستعمارية الخارجية بصورة مقصودة أو غير مقصودة على إجهاض
كلّ محاولة نهوض . و يمكن أن نلحظ هنا ثلاث إشكاليات :
الأولى : إشكاليّة التخبّط في
تنظيم الأولويات ، و تغليب الأهواء و المصالح الفئوية الضيقة إذ ما أكثر الأسباب
التي يمكن أن يسوقها المرء للنبش ضد أقرب الناس إليه بل حتى ضد نفسه و ما هي عليه
من حال (التذمّر مثلاً) ، و إذا جئنا إلى الميدان السياسي و الفكري فالأسباب
الداعية للخلاف كثيرة و كثيرة جداً ، كما أن الدوافع الأنانية و الفئوية الضيقة
قوية و قوية جداً ، الأمر الذي يفتح الباب على مصراعيه للمعارك الجانبية ، و يظلّ
في حسن تنظيم الأولويات . و هذا ما يسمح بأن يعلو صوت الفتنة على صوت الوحدة أو
الجبهة ، أو التعاون ، أو التضامن ، لأن هذا الصوت الأخير يستند في الجوهر إلى
سببين بسيطين بديهيين و لعلّهما سبب واحد ، و هما ضرورة تغليب الصراع ضد العدو
الخارجي على الصراع الداخلي ، و ضرورة تنظيم كلّ خلافية داخلية ضمن إطار إعطاء
الأولوية لمقاتلة العدو أو ضمن توفير المناخ الأفضل من أجل الانتصار على العدو ،
هذان السببان ثقيلان في الميزان إذا ما أثيرت الأسباب التي تدفع للاختلاف و العداوة
و الإضراب .
ثم تأتي الإشكالية الثانية بعد
أن تندلع الفتنة و هي اختلاط الحابل بالنابل في تحديد المسؤولية ، فالبادئ بالفتنة
و الظالم فيها سرعان ما يختبئ في تفاصيل الأحداث الجزئيّة و الاقتتال الفرعيّ ما
دام الطرف الآخر مضطراً للردّ حتى لو تجنّب ذلك مرة تلو المرة ، و ما دامت رغبة
الناس هي في وقف الفتنة و إنقاذ الموقف مما يجعلهم يغضّون الطرف عن كثير .
إن هذه السمة الثانية للفتنة ،
و هي اختلاط الأوراق بعد اندلاعها تؤدّي إلى خطر وضع القتل و المقتول ، و الظالم و
المظلوم ، و المعتدي و المعتدى عليه ، في سلة واحدة ، هذا إن لم يصبح المظلوم
المقتول المعتدى عليه في قفص الاتهام ، و الظالم القاتل المعتدي في منصة القضاء أو
الادعاء العام ، كما حدَث في كثيرٍ من الحالات في بلادنا العربية و الإسلامية . و
من هنا كان الدخول في التفاصيل الجزئية و متابعة كلّ فعلٍ و ردّ فعلٍ على جبهة
متداخلة لا يقودان إلى تحديد المسؤوليّة ، و لا إلى وأد الفتنة ، و لهذا فإن الطريق
الأسلم هو أن يقرأ موقف كلّ طرفٍ في سياساته و مراميه و قبل ذلك في ممارساته للفتنة
الداخلية من أجل أن يحدّد اتجاه البوصلة في تحديد المسؤولية و البحث في التفاصيل و
تداعياتها .
لو عدنا إلى الوراء منذ سنة في
الأقل ، لتذكّرنا أن الكثيرين توقّعوا تحوّل الصراع بين فتح و حماس إلى اقتتالٍ و
فتنة و حذّروا منه تحذيراً شديداً ، و قد كان لذلك التوقّع مرتكزات تقوم على نوع
التعبئة التي كانت تقوم بها بعض الأطراف ، علناً ضد الإسلاميين عموماً ، و حماس
خصوصاً ، و كان أقلّها التهمة "بالعمالة للشين بيت (الشرطة السرية "الإسرائيلية")
أو خدمة أغراض العدو ، موضوعياً و عملياً ، و إن لم يكن عن قصد ، "طبعاً هذه
التعبئة لم تكن تمثّل وجهة نظر فتح أو م.ت.ف. رسمياً" و لكنها مع ذلك كانت تتعالى
من داخلهما و يدافع عنها و تكتب بيانات و أنه لمِن المنطقي أنك حين تتهم خصمك
السياسي بالعمالة للعدو ، أو خدمته ، فقد هدرت دمه ، و سرت في طريق الاقتتال .
كما أن بعض التصريحات و
البيانات التي صدرت عن أطراف معارضة للتسوية ، بما فيهم بعض الإسلاميين ، ذهب
بعيداً في اتهام المنخرِطين في التسوية وصولاً إلى تهمة الخيانة ، مما شكّل بدوره
دعوة إلى تصعيد الخلاف حتى العداوة و الاقتتال و لم يتردّد الاتجاه الأول في التقاط
حبّاته و وضعها في طاحونة الفتنة . و لهذا فإن للفتنة الحالية جذوراً و تمهيداً ، و
لا يمكِن اعتبارها من فعلٍ لعدو أو نتاج صدفة ، أو تطوّراً لحادثٍ فرعيّ محلي .
أما الإشكالية الثالثة فنتجت
عن التركيز المتزايد على معارك النفوذ و الشعبية في المؤسسات و النقابات مما عمّق
الصراع ، و سمح بتوقّع الانتقال إلى ميدان الاقتتال و الفتنة ، فقد اتخذ من نتائج
كلّ معركة انتخابية حتى لو كانت في موقعٍ هامشيّ معبَراً لإثارة الطرف الآخر و
استفزازه .
لو توقّفنا أمام هذه العوامل
فسنجد أن الخلافية بين الإسلاميين و غير الإسلاميين من وطنيين أو عروبيين أو
علمانيين ، و حتى فيما بين الإسلاميين أنفسهم ، أمرٌ موضوعيّ و طبيعي ، و له أسباب
تتعدّى ما ذكِر ، و لكن المشكلة ليست هنا ، و إنما تكمثن في كيفية المعالجة و يشكّل
هذا بدوره مصدراً لخلافيات أشد ، فالذين يرون الحلّ يمر من خلال التصفيات و
الاقتتال و الحديد و النار ، أو من خلال الصراع السياسي و الأيديولوجي العدائي الذي
يذهب إلى أبعد مدى في اتهام الآخر ، يجدون أنفسهم في الفتنة غارقين ، أما الذين
يغلّبون الصراع ضد العدو الصهيوني و يسعون ، و لو إلى حدّ أدنى من التفاهم و
التعاون ، و يبقون الخلاف في حدود الحوار العقلاني الراشد ، و يقبلون في نهاية
المطاف أن يحتكم إلى صناديق الاقتراع للكشف عن أي الطرفين يحظى على تأييد الشعب ،
فأولئك يضعون البلاد و أنفسهم في طريق السداد و الانتصار ، و لو تغلّب هذا الاتجاه
الأول لما وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه في قطاع غزة ، و لتجنّبنا الكثير من
المخاسر السياسية و المعنوية و المادية و لتركنا عدوّنا يموت بغيظه ، و لم نتركه
ينظر إلى اقتتالنا شامتاً محبوراً ! و لهذا فالمعالجة الصحيحة ما زالت ممكنة ، بل
واجبة و لكن عليها أن تكون حازمة و واضحة في مواجهة النافخين في أبواق الفتنة بقدرِ
حزمها في الدعوة إلى وقف الاقتتال و إجراء كلّ المصالحات اللازمة و توحيد كلّ
الحجارة و كلّ البنادق و كلّ الجهود ضد العدو .
أما الدخول في التفاصيل
الجزئية بعد اندلاع الفتنة و اعتبار هذا الحادث أو ذلك مسؤولاً أولاً في اندلاعها و
ليس نتيجةً لسياساتٍ سابقة ، فلا يساعد على كشف الحقيقة و إنقاذ الموقف من الدهاليز
المظلمة التي تقود إليها التقارير الميدانية و هي تقارير متضاربة دائماً ، و تحتاج
إلى الكثير الكثير من التدقيق و التحقيق .
و لهذا من المهم أولاً أن يدعى
إلى وقف الاقتتال فوراً ، و نهائياً و توقّف الفتنة فوراً ، و ثانياً لتعُد العقول
إلى رشدها ، ثم تعلن المواقف المبدئية و الأساسية و لا يكون ثمة موقفٍ باطني تعبئة
داخلية ضد الآخر ، و موقف علنيّ للناس بقصد إظهار حسن النيات و التنصل من مسؤولية
دفع البلاد إلى الفتنة ، و أن الانتباه إلى هذا الأمر يساعد أعضاء كلّ تنظيمٍ على
امتلاك دليلٍ لكشف الحقيقة ، فيدرِك أن الأمر مدغول و مدخول حين يسمع في الداخل
تعبئة عدائية تقطر حقداً و تحريضاً على الآخر بينما تصدر البيانات المعلنة التي
تدعو إلى الوحدة و التعاون و ترفض الاقتتال .
فما ينبغي للموقف الصحيح أن
يتجزّأ فيختلف باطنه عن ظاهره ، فإذا ما اختلفت التعبئة الداخلية عن التعبئة
المعلنة فذلك دليل على عدم صحة الموقف ، بل على خطورة النهج كله ، و ما نطرحه في
المعلن يجب أن نكون قادرين على الدفاع عنه داخلياً .
هنا تبرز ظاهرة أخرى تحاوِل أن
تعزو الأحداث إلى أيدٍ خفية ، و عناصر مدسوسة ، أو حتى إلى قوات العدو السرية ، و
هو يجب ألا يصبِح ستاراً لإخفاء المسؤولية . فالأيدي الخفيّة لا مكان لها إلا حين
يكون الماء عكراً أصلاً ، و تكون هنالك اتجاهات متنفّذة في الداخل تتقاطع في
سياساتها و تعبئتها و ممارساتها و تلك الأيدي و العناصر و القوات حتى تكون بإمكان
هذه الأخيرة أن تعبث عبثها ، أما حين يكون الماء صافياً فما أسهل أن تنكشف و يبين
أمرها .
فما من تحقيقٍ كانت قيادة
التنظيم المعني به جادة إلا و كشف كلّ ما هو مدخول خارجاً على الخط و ما من تحقيقٍ
ضاع في اللجان و الأدراج إلا كان دليلاً على عدم جدية القيادة في وأد الفتنة ، لهذا
فإن كشف الحقيقة أمرٌ ضروري لا للتشهير بالمعتدي لأن التشهير لا يعود ضرورياً إن
كان هنالك اتفاق و ميثاق لفتح صفحة جديدة . و إنما للكشف عن المشبوهين إن كانوا
موجودين حقيقة (1) [تنطبق هذه القواعد المنهجية أيضاًعلى كلّ اقتتالٍ داخل الصف
الواحد] . أما النقطة الثالثة التي تحتاج إلى علاجٍ فهي انتهاج سياساتٍ مشتركة لوقف
التنافس المغالي في انتخابات المؤسسات و النقابات ، و ذلك إما بالوصول إلى قوائم
مشتركة تكون أقرب ما تكون إلى الأحجام الحقيقية لكلّ فصيل ، و تكون فيه حصة
المستقلين من أصدقاء الجميع كبيرة و بارزة ، و أما أن يُعاد إلى وضع سقفٍِ للمعارك
الانتخابية فلا تتحوّل نتائجها إلى إثارةٍ أو استفزازٍ للآخر ، و ألا تحمِل فوق ما
تحتمل من أبعادٍ حول النفوذ الشعبي .
فالمؤسسات و النقابات و
الجمعيات يجب أن تكون ميداناً للالتقاء فيه بين الجميع ليتعاونوا في خدمة صمود
الفئات الاجتماعية و المهنية المعنية و تعزيز أوضاعها المعاشيّة لخدمة الانتفاضة و
مواجهة العدو .
على أن الحلّ الجذري يكمن في
نقطتين : الأولى تحديد موقفٍ صحيح من الآخر بعيداً عن الاتهامات التي تجعله عدواً ،
و تؤدّي كذلك إلى قطع الخيوط وصولاً إلى الصدام ، أما النقطة الثانية فلا بد من
إيجاد صيغة للاتفاق على الثوابت المتعلّقة باستمرار الانتفاضة و زيادة فعاليتها و
تصعيد المواجهة ضد العدو مع الاتفاق على سقف الصراع حول موضوع التسوية في حدود
البيانات و الكراسات و التصريحات دون أن يمسّ ذلك النقطة الأولى لتجنّب الانقسام في
الانتفاضة أو عليها ، و دون أن يقود ذلك إلى الصدام فالاقتتال .
و يجدر هنا التوقّف من أجل
التأكيد على ضرورة وقف الحملات الظالمة ضد الإسلاميين أو الأصولية الإسلامية على
مستوى العالمين العربي و الإسلامي و الالتفات إلى توحيد الصفوف في مواجهة تحديّات
النظام الدولي الجديد الذي تتزعّمه أمريكا ، و الذي راح يتهدّد بتصفية القضايا
العادلة لأمتنا و لا سيّما قضية فلسطين لحساب الصهيونية ، و الذي أخذ يشدّد قبضته
المسيطرة على سياسات الكثير من دولنا و مقدراتها و أمعن في استراتيجية التمزيق و
الإنهاك وصولاً إلى وضعنا في حالٍ يكون أسوأ من حال عبيد روما .
بيد أن من الضروري الحذر
مسبقاً من مشروع بيكر الجديد الذي عمِل على مقايضة الانتفاضة بإعلان رابين وقف
الاستيطان السياسي و إبقاء الاستيطان الأمني (أي إبقاء الاستيطان عملياً) .
و هذا ما سيشكّل نقطة خلافية
داخلية خطيرة لأنه يمسّ الانتفاضة و إشكالية وقفها و استمرارها ، فإذا افترضنا أن
هذا المشروع رفِض بإجماعٍ فلسطيني فسيكون ذلك عاملاً مساعداً لوأد الفتنة .
أما إذا افترضنا قبول البعض
بهذه المساومة فإن خطورةَ تجدّد الصدام قد تتصاعد ما لم يتم تدارك ذلك ، و يكمُن
الحل الصحيح هنا في تجنّب الفخ الأمريكي – (الإسرائيلي) حين يطلب من الموافقين
مواجهة الداعين لاستمرار الانتفاضة و مقاومة جيش العدو لأن هذه المهمة يجب أن تترك
لقوات الاحتلال ما دامت قوات الاحتلال قائمة ، و هذه حجّة قوية يجب استخدامها حتى
نلقي الكرة في ملعب بيكر - رابين لا في الملعب الفلسطيني ، و بهذا قد تصبِح هذه
الحدة نقطة قوة ضاغطة لفرض الانسحاب الكامل ، و تجنّب الفتنة الداخلية فيتحوّل
الخلاف الفلسطيني الداخلي إلى نقطة مساومة ضد العدو لا العكس ، و هو ما يمكِن أن
يطلَق عليه إخراج الحسن من السيء .
تبقى نقطة أخيرة تحتاج إلى
تأمّلٍ من جانب كلّ العاملين في الفصائل الفلسطينية ، أكانت إسلامية أم وطنية أم
عروبيّة ، و هي ضرورة الانتباه إلى أن الولوج في الفتنة و الاقتتال الداخلي سيسفِر
عن تحريضٍ لرفض حالة الفصائل من حيث أتى ، كما حدث مع الميليشيات في لبنان ليقطف
الثمار أولئك الذين سيأخذونها على البارد المستريح بينما ينتهي دور الذين قدّموا
الدم أو زهرة العمر في السجون و المنافي ، و بالفعل صدَر بيانٌ عن مجموعة أسمت
نفسها "المجلس القياديّ المؤقّت للحكومة الفلسطينية" بتاريخ 9/7/1992 تضمّن مطالبةً
بإنهاء عهد التنظيمات التي قامت في ظلّ الاحتلال و غياب السلطة الشرعية .
و من هنا ينبغي للجميع أن
يتنبّهوا إلى خطورة الاقتتال على الجميع ، فالفتنة مؤامرة عامة لا تصيب إلا الفصائل
المناضلة و المجاهدة و لا تصيب إلا الانتفاضة .
و هذا ما يفرِض عمق التفكير و
حسن التدبّر ثم بعد ذلك لعلّ و عسى أن نقبر الفتنة ، و نجعل راية الجهاد و النضال
مرفوعة و راية الانتفاضة و مقاومة العدوّ خفاقة ، و راية تحرير فلسطين كلّ فلسطين
نصبَ أعينٍ يقظة لا تحيد عنها .
4- كلمة
إلى الشعب الفلسطيني
لشدّ ما كان الفلسطيني يشعر
بالفخر إذ ينتسب إلى الشعب الفلسطيني ، لا لأنه يفضّل على غيره من شعوب العرب و
المسلمين فكلّ تلك الشعوب سواءٌ من حديث الأساس . على أن مبعث الفخر كان ينبع من
الدور السياسي و النهضوي و التحرّري الذي راح يلعبه شعب فلسطين منذ أكثر من ثلاثة
أرباع قرن .
فالمأزق الذي وجَد فيه شعب
فلسطين نفسه في مواجهة المشروع الصهيوني فوق أرضه لم يسمح له أن يسلّم بتجزئة سايكس
- بيكو و لم يتَح له أن يقيم دولة قطريّة مستقلة بعد رحيل الاستعمار المباشر ، كما
حدث بالنسبة إلى سائر الأقطار العربية و الإسلامية التي ابتليت بالاحتلال
الاستعماري . و استطاعت بعد حينٍ من الدهر أن تحقّق الاستقلال و ترفع راية خاصة
بقطرها .
لقد ظلّ الشعب الفلسطيني في
حال جهادٍ و كفاح مستمرّين لأن قوات الاحتلال الاستعماري لقطره لم تخرُج إلا و قد
خلفت وراءها دولة الكيان (الإسرائيلي) مغتصِباً أكثر من 82 % من أرض فلسطين . أما
الشعب الفلسطيني فبقيَ منه جزءٌ تحت ذلك الكيان ، و شرّدت أجزاء في عددٍ من الأقطار
العربية ، و حمل قطاع غزة و الضفة الغربية أعداداً كبيرة من النازحين كذلك . و بهذا
عليه أن يواجه تحدّياتها و هو في موضع التشرّد و التجزؤ و الضعف . و قد انتهت
قيادته التاريخية في حينه، و أصبح محكوماً تحت أنظمة شتى . و كان عليه أن يقاوِم
مشاريع التوطين و التصفية ، و يأبى التسليم بهذا الأمر الواقع. و كان عليه بادئ ذي
بدء أن يصمُد و لا يستسلِم و هو في أقسى الظروف سواءً أكان ذلك في مواجهة القمع و
كبت الأنفاس ، أم في الحفاظ على الكرامة و عزة النفس في تحدّي المهانة و الإهانة و
سوء الأوضاع المعيشية سكناً و مقاماً و طعاماً و سعياً .
لقد كانت مسيرة الشعب
الفلسطيني خلال الاحتلال البريطاني لفلسطين ، سلسلة متواصلة من الإضرابات و
الانتفاضات و الثورات ، و كانت السجون تغصّ بالآلاف و كانت حِبال المشانق تطبق على
أعناق عشرات المجاهدين ، و كانت الدماء الزكيّة تخضّب الجبال و السهول و أزقة القرى
و أسواق المدن في كلّ حين . و لهذا عندما كان الجيل الذي عاش تلك الحقبة التي انتهت
به إلى التشرّد و الخيام يقول لأبنائه و أحفاده لم نذُق طعماً للراحة ما كان
ليبالِغ في شيء و من ثمّ فإن كلّ من يراجِع مسيرة أهل تلك الحقبة لا يستطيع إلا أن
يفخَر بهذا الشعب جهاداً و تضحية و صبراً . أما مسيرة الشعب الفلسطيني في الحقبة
الثانية لتي تمزّق فيها جسمه إلى أجزاء فقد استمرت على روح التحدّي و المقاومة .
عومِلت المخيمات في هذه
المرحلة ، في بعض الميدان كمعسكرات الاعتقال ، و أصبح الفلسطيني يعاني في معاشه و
سعيه و سفره و تعليمه ، هذا فضلاً عن التعسّف السياسي و القهر و كبت الأنفاس في
عددٍ من الأقطار . و قد حسبت الدول الكبرى و الحركة الصهيونية أن وضع الشعب
الفلسطيني في مثل هذه الظروف سيقوده إلى يأسٍ فاستسلام فانصياعٍ لمشاريع التوطين و
تصفية القضية الفلسطينية . و لكن على الرغم من ذلك تبيّن أن هذا الشعب استطاع
الصمود و النهوض على قدميه من جديد . فلم يستطع وقوفه صفوفاً للحصول على "المؤن" من
وكالة الإغاثة التابعة للأمم المتحدة أن ينال من معنوياته أو كرامته ، أو عزة نفسه
. و لم يركَن لهذا المصير فراح يسعى للحصول على لقمة عيشه من كدّه و جهده تعليماً و
كدحاً .
و إذا كان الجيل الذي خاضَ
المعارك و شنّ المقاومة قبل النكبة قد فقد الأمل في جدوى مواصلة الكفاح و الجهاد في
هذه المرحلة ، فإن الجيل الذي تلاه سرعان ما حلّ مكانه ، و قد صمّ آذانه عن سماع
نصائحه بالتعقّل و الواقعية . فراح يملأ أحزاب التغيير في البلاد العربية ، و
يغذّيها بكوادر و قيادات نشطة قوية الشكيمة و ما هي إلا بضع سنين حتى أصبحت كلّ
أرضٍ يقف عليها بعض أهل فلسطين تتحوّل إلى شعلةٍ من العمل السياسي الكفاحي .
بكلمة ، انخرط الشباب
الفلسطيني طوال خمسة عشر عاماً ، منذ مطلع الخمسينات ، في مختلف حركات التغيير
للأوضاع العربية و قد بذل تضحياتٍ جمة و تلقّوا ألواناً من العِقاب كثيراً ما كان
يزيد عمّا تلقّاه زملاؤهم في الحزب نفسه و التهمة الواحدة ، لهذا فإن كلّ من يراجِع
سيرة الفلسطينيين في هذه الحقبة لا يستطيع إلا أن يفخَر بهذا الشعب من حيث عمقِ
انتمائه الإسلامي و العربي و الوحدوي و تضحياته في سبيل إنهاض الأمة سبيلاً لا مفرّ
منه على طريق تحرير فلسطين .
أما المرحلة الثالثة ، و التي
بدأت مع أواسط الستينات ، فقد عرفت من الشعب الفلسطيني في كلّ أماكن وجوده ألواناً
من البطولات و التضحيات و قد تطلّبت هذه المرحلة أن يُعاد إبراز الشخصية الفلسطينية
و الهوية الفلسطينية و كان تسويغ ذلك لا يستند إلى انكفاءٍ قطريّ و إنما باعتباره
وسيلة لبناء المقاتل ضد العدو الصهيوني ، و للتأكّد على تحرير فلسطين من النهر إلى
البحر ، بل مسوّغ الكفاح نفسه لتحرير فلسطين باعتباره طريقاً للوحدة العربية و
للتغير العربي ، و استنهاض الأمة .
إلى هنا كان المرء يفتخِر
بانتسابه لهذا الشعب الذي عاش عشرات السنين في حالة مستمرة من الاضطرابات و التوتر
و المواجهات و التضحيات دون أن تفلّ إرادته أو يتعب ، أو يركن إلى استسلام .
كان المرء يفتخِر بالانتساب
للشعب الفلسطيني و هو يعاني من المظالم الدولية حتى الاختناق فيرفض مشاريع التوطين
و التصفية أو المساومة على أيّ جزءٍ من أرضِه أو حقوقه ، بل ما كان ليتقاعَس عن خوض
النضال ضد السيطرة الاستعمارية و الأحلاف العسكرية في كلّ نقاط وجوده .
و كان المرء يفتخِر حين يرى
ردّ الفعل الفلسطيني على الاضطهاد الرسميّ في عددٍ من البلدان العربية لا يتحوّل
عصبيّة قطرية فلسطينية منغلقة ، و لا يتحوّل إلى التنكّر لوحدة الأمة و عقيدتها و
هويّتها و مصالحها العليا المشتركة . و إنما كان يتجه إلى المزيد من روحِ الأخوة
الإسلامية و الروح الوحدوية العربية ، فينخرِط في عمليات التغيير في الأقطار
الشقيقة باعتبار ذلك هو الردّ الصحيح على التعسّف و الاضطهاد أو على التفريط في
القضية الفلسطينية .
و كان المرء يفتخِر إذ يرى ردّ
الفعل الفلسطيني على حالات التراجع الرسمي في الصراع ضد العدو الصهيوني ، تصعيداً
للكفاح و الجهاد ، كما حدث في الانتفاضة ، و قضية المبعَدين ، و العمليات البطولية
، من أجل الاستنهاض ، و هزّ الضمائر ، و تحريك المخزون التاريخي في الأمة .
على أن هذه السمات الرائعة في
الشعب الفلسطيني و ذلك التاريخ المجيد أخذا يواجهان اختراقاً من قبل بعض الفئات
الفلسطينية ، فمنذ الانخراط في المفاوضات المنبثقة عن مؤتمر مدريد أخذت تتعالى
أصوات تدعو إلى الانكفاء على الذات الفلسطينية ، و البحث عن طريقٍ فلسطيني بمعزلٍ
عن المسارات العربية على اختلافها حتى تلك التي انخرطت معه في المفاوضات الثنائية و
الإقليمية ، بلغ هذا التوجّه ذروته مع توقيع اتفاق أوسلو ، و من ثمّ حملة الدفاع
عنه و الترويج له .
هنا بدأت تعلو مقولات تتناقص
بنسبة 180 درجة و المقولات التي عاش عليها الشعب الفلسطيني طوال ثلاثة أرباع قرن من
الصراع ضد الصهيونية . و قد وصَل بها الحد حتى الاستهزاء بالتضامن العربي أو الوحدة
العربية ، أو المصير المشترك أو المصالح العربية العليا ، ناهيك عن الاستهزاء
بالهوية الإسلامية أو بالتحرّر و الاستقلال و معاداة الصهيونية و الإمبريالية ، و
راح البعث يبثّ الحقد ضد كلّ ما هو عربيّ . فقد نُمّي على سبيل المثال اتجاهٌ كشفت
عنه الانتخابات الأردنية الأخيرة يدعو إلى عدم انتخاب غير الفلسطيني ، بغضّ النظر
عن توجّهه السياسي أو ميّزاته الشخصية ، أو حتى اشتراكه التاريخي مع العمل
الفلسطيني ، و قد عبّر البعض عن ذلك بالقول إنه مستعدٌ لانتخاب مرشّحٍ عن جبهة
العمل الإسلامي إذا كان فلسطينياً و لكن لا أنتخبه إن لم يكن فلسطينياً .
و لعل أخطر ما في الموضوع هنا
ليس وجود مثل هذا الاتجاه ، فقد وجد بشكلٍ أو بآخر منذ أمدٍ بعيد ، إنما اتساع مداه
في هذه الأيام ، هنا لا يملِك المرء الذي افتخر بالانتساب إلى هذا الشعب العظيم إلا
أن يجِد نفسه غريباً عن مثل هذا الاتجاه المريض حتى لو أصبحت قاعدته عريضة جداً ،
بل يجب أن يواجِه بكلّ الشجاعة باعتباره وباءً قاتلاً بعيداً كلّ البعد عن تلك
التقاليد الوحدوية المجيدة و العريقة التي تحلّى بها شعب فلسطين و شكّلت شخصيته
المميّزة .
إن السير في تجاه العصبية
القطرية ضيقة الأفق يعني فقدان الصواب ، و ضياع البوصلة ، و التخبّط خبطاً عشوائياً
، و قد يؤدّي بعد حينٍ بأصحابه إلى الدخول في المشروع الصهيوني ضد الأمة . لأن كلّ
ابتعادٍ عن الأمة ، و مهما كانت الأسباب ، و مهما كانت الجراح ، و مهما كان حال
الأمة ضعفاً و تمزّقاً و انهياراً ، لن يقود إلى خيرٍ أو فلاح ، و إنما إلى ضياعٍ و
انحراف ، قد يؤدّي إلى ما هو أشدّ هولاً و نكراً .
فالذي صان الشعب الفلسطيني و
كوّن سمعته العطرة في بلاد العرب و المسلمين ، بل في كلّ الدنيا ، كان ردّ فعله
الصحيح ما كان يلقاه من بطش العدو الصهيوني ، أو من اضطهاد بعض الأشقاء له ، أو
تفريطٍ في نصرة قضيته . لقد كان ردّ فعله دائماً المزيد من الانخراط في صفوف الأمة
، و المزيد من إعلاء رايات الهويّة الإسلامية ، و الوحدة العربية ، و التحرير و
النهوض و الاستقلال و التضامن ، و المزيد من الحثّ على محاربة الصهيونية و
الإمبريالية ، و لهذا رأت شعوب الأمة العربية و الإسلامية في الشعب الفلسطيني قدوة
و مثلاً و محضنة الحبّ و التكريم ، و تمنّى الكثيرون من خيرةِ أبنائها أن ينضمّوا
إلى صفوفه ، و يجاهدوا إلى جانبه و يقدّموا له كلّ ألوان الدعم ..
و إذا كان بمقدور الاتجاهات
التي تريد الشعب الفلسطيني أن ينكفئ عن إسلامه و عروبته و روحه الوحدوية و
التحرّرية و الجهادية أن تقول الكثير عما كابده من حالات اضطهاد و ما تعرّض له من
ضغوطٍ و مجازر ، أو عمّا أصاب قضيّته من تواطئ أو تقصير أو تفريط ، إلا أن على
الشعب الفلسطيني ألا يعالج الانحراف بانحراف ، و المرض بالوباء ، و ألا يسقط في آفة
الأنانية القطرية التي استنكرها عند غيره ، كما أن عليه ألا ينسى من جهة أخرى ، ما
قدّمه الآخرون له ، و لقضيته من تضامنٍ و خدمات و تضحيات و لا ينسى أن بلداناً
عربية أخرى دفعت أثماناً غالية مثل الأردن و لبنان و سوريا و مصر و العراق في
مواجهة الصهيونية .
فالصورة من زاوية الشعوب
العربية و الإسلامية كلّ الشعوب لها ، أما الصورة حتى من زاوية العلاقة بالأنظمة
العربية في أشدّ تعقيدٍ من أن تبسّط في هذا الحدث أو ذاك ، أو هذا الموقف أو ذاك ،
إنها أشدّ تعقيداً من أن تُرى من زاوية واحدة و ليس من كلّ زواياها و مختلف أطوارها
. و من ثمّ لم تكن سلبيّة دائماً كما يحاول البعض تصويرها .
صحيح إن ثمة عوامل كثيرة أخذت
تغذّي مرض العصبيّة القطرية الفلسطينية ليعطب الجسد الفلسطيني فيوجّهه ضد الوحدة ،
أو التضامن و الأشقاء العرب ، إلا أن على العقل الفلسطيني و الضمير الفلسطيني أن
يقفا بكلّ حزمٍ ضد هذه العصبية المريضة و الاستمساك بكلّ تلك التقاليد الرافضة التي
جبِلت في جماهير هذا الشعب و أصبحت جزءاً من مكوّنات شخصيته.
5- الحكم
الذاتي و ترتيب الأولويات (م.ت.ف. و سلّم الأولويات)
ستثبت الأيام القادمة أن منظمة
التحرير الفلسطينية أخطأت مرتين أساسيتين في إدارة الصراع : الأولى حين دخلت مشروع
التسويّة لا سيما تحت شعار إقامة كيان فلسطيني - سلطة حكم ذاتي – دولة . لأن إقحام
هذا الموضع قبل الانسحاب (الإسرائيلي) و تفكيك المستوطنات ، و إنقاذ القدس ، جعلته
موضوع المساومة ، إن لم يكن على ثوابت و أساسيات تمسّ القضية الفلسطينية برمّتها ،
ففي الأقل على حسابِ إنجاز دحر الاحتلال ، خصوصاً من القدس ، و تصفية المستوطنات ،
و لا سيّما من القدس كذلك .
أما الخطأ الثاني فالدخول في
اتفاق أوسلو الذي مثّل هو و ما استتبع من اتفاقات في القاهرة ، صلحاً منفرداً أو
القبول بالتعاطي الانفرادي بديلاً من وحدة الموقف التفاوضي العربي و قد جاء هذا
ناسفاً لخطّ ثابت طالما تبنّته م.ت.ف. و هو رفض الطريق الانفرادي و الدعوة إلى وحدة
الموقف . و لشدّ ما سمع الرئيس المصري السابق أنور السادات كلاماً جارحاً بسبب نهجه
الانفرادي أو التفرّدي – و دعك من المحتوى ! .
هذان الخطآن تركا بصماتهما على
اتفاق أوسلو ، و من ثمّ اتفاق القاهرة الأول و الثاني (الآتي) ، و اتفاق باريس
الاقتصادي (الآتي كما يبدو كذلك) ، و سيظهر هذا بصورة أوضح ، إذا ما أقيم الحكم
الذاتي وفقاً لشروط الاتفاقات المذكورة .
فهو حكمٌ يستمد أمنه من حماية
الجيش (الإسرائيلي) ، و لا يبالغ المرء إن رآه أشبه ما يكون بمعسكر اعتقالٍ محاطٍ
بالأسلاك الشائكة ، و بروح المراقبة و حواجز التفتيش تقام كلّما اقتضت الضرورة ،
أما المعتقِلون فمسؤولون عن أمنهم الداخلي ، و معاشهم ، و ما يحتاجونه من خدمات .
و هو حكمٌ يرتبط اقتصاده
باقتصاد العدو إلى حدّ بعيد ، إن لم يكن المسار لا سمح الله ، اندماجاً كاملاً و
سيكون اندماج تبعية لا شراكة ! ..
و هو حكمٌ لا يستطيع أن يتمتّع
بحقٍ سياسي أو قانوني أو اقتصادي أو أمني أو ثقافي إلا من خلال التفاوض و قادة
الاحتلال (الإسرائيلي) و موافقتهم . و هذا ما كشفته مفاوضات طابا و القاهرة و باريس
– و ما أشير إليه ، صراحةً ، في اتفاق أوسلو . أي هو حكمٌ يفتقر إلى أدنى معاني
السيادة التي تمتّع بها أي حكمِ ذاتي معروف حتى لو كان هزيلاً و شكلياً .
و خلاصة ، فإن أهل الحكم
الذاتي الفلسطيني سيترحّمون في غدٍ على ما كانوا يبكون منه اليوم و أمس ، و لا
منقِذ إلا بالعودة إلى الثوابت و الأساسيات لا من حيث الحقوق و المبادئ فحسب ، و
إنما أيضاً من حيث إدارة الصراع و تحديد الأولويات .
6- حول
معالجة الحكم الذاتي و الشرطة ، و ترتيب الأولويات (الموقف من السلطة و الشرطة)
يدخل الوضع الفلسطيني برمّته
مرحلة جديدة تماماً بعد دخول الشرطة الفلسطينية و قيام سلطة الحكم الذاتي على أريحا
و قطاع غزة ، فقد كانت الخلافات في الساحة الفلسطينية تقوم في المراحل السابقة على
الصراع حول مواقف و مشاريع و اتفاقات ، بينما فلسطين كلّها تحت الاحتلال ، و الشعب
الفلسطيني بكلّ فئاته السياسية يواجِه ظروفاً واحدة .
أما في المرحلة الجديدة آنفة
الذكر فسيقوم الانقسام الفلسطيني على أسسٍ مختلفة ، فستكون ثمة سلطة و شرطة في
مواقع محدّدة من أرض فلسطين ، و هي مرتبطة باتفاقات و التزامات تجاه الحكومة
(الإسرائيلية) و الجيش (الإسرائيلي) ، بينما ستكون هنالك معارضة داخل تلك المواقع ،
و تكون هنالك مناطق تغطي أغلب فلسطين ، بل أغلب الأرض المحتلة بعد 1967 تحت
الاحتلال ، و ثمة المستوطنات و الأهم ثمة قضية القدس ، أي القدس تحت الاحتلال بل
تحت الضمّ لدولة العدو .
تبدأ المرحلة الجديدة و
المعارضة متفاقمة ضد اتفاق أوسلو و ما تبِعه من اتفاقات في باريس و القاهرة ، فمن
جهة ستكون أولى مهمات السلطة و الشرطة الإيفاء بتعهّد المحافظة على أمن المستوطنات
و المستوطنين و قوات الاحتلال ، أما المهام الأخرى مثل إدارة شؤون السلطة و تلبية
حاجات الناس الاقتصادية و الصحية و التعليمية فستكون تابعة للمهمة الأولى .
أما من الجهة الأخرى فالمعارضة
مستمّرة في رفض اتفاق أوسلو و عدم إعطاء الشرعية لنتائجه ، لكنها لا تستطيع ، و ليس
من المنطقي حتى لو استطاعت ، أن تمنع دخول الشرطة أو قيام السلطة ، و ذلك على الرغم
من معارضتها الحازمة للأسس التي دخلت بموجبها الشرطة و قامت السلطة ، لأن المنع هنا
يعني الاقتتال الداخلي و الفتنة من ناحية ، و يحمِل من ناحية أخرى ، تعقيداً إزاء
عملية انسحاب قوات العدو و لو كان جزئياً ، و مشروطاً ، و مكرّساً للاحتلال عموماً
.
و من هنا فإن إشكاليّة الموقف
من الشرطة و السلطة لا تذهب إلى حدّ المنع بالقوة حتى لو توفّرت ، و إنما بضرورة
استمرار المعارضة السياسية و ضرورة ضمان استمراريتها في ظلّ الوضع الجديد .
على أن الإشكالية الأساسية ، و
هي الورقة الأقوى بيد المعارضة ، فتتمثّل بضرورة استمرار الانتفاضة و المقاومة ضد
قوات الاحتلال في المناطق خارج حدود السلطة و الشرطة ، فالأهداف الأساسية و لو
بحدودها الدنيا ، لم يمسّها الوضع الجديد من قريبٍ أو بعيد ، فالاحتلال ما زال
مستمراً و المستوطنات ما زالت قائمة و قرار ضمّ القدس إلى دولة العدو أصبح بالنسبة
إليه لا رجعة عنه ، و هذا يعني أن مسوّغات استمرار الانتفاضة و المقاومة ما زالت
قائمة و على أشدّها ، و لا يحقّ للسلطة و الشرطة أن تنصبا من أنفسهما حماة للاحتلال
أو المستوطنات ، أو لضياع القدس .
و لهذا لا تملِك السلطة
التنفيذية إلا أن تحتجّ بالمفاوضات القادمة وبإعطائها فرصة لإنجاز المهمة من خلال
المفاوضات.
على أن هذه الحجة واهية لا
تستطيع أن تثبت بدليلٍ واحد ، مصداقيتها ، و قد أثبتت المفاوضات بعد اتفاق أوسلو ،
و التي أسفرت عن اتفاق باريس الاقتصادي ، أو عن اتفاق القاهرة ، أنها تراجَعت إلى
الخلف حتى عن اتفاق أوسلو الذي يشكّل بحدّ ذاته اللعنة و الكارثة ، فلم تستطع حتى
أن تؤمّن معبَراً واحداً بلا إشراف (إسرائيلي) . و لم تستطع أن تزيد مساحة أريحا
بضعة كيلومترات أخرى ، و لم تستطع أن تخرِج المستوطنين من الخليل حتى بعد المجزرة ،
و لم تستطع أن تمتلِك حق إصدار قانونٍ واحد يتعلّق و لو بالتعرفة الجمركية .
بكلمات أخرى أثبتت المفاوضات
من أوسلو و ما بعدها أنها تسير باتجاه تكريس الاحتلال و المستوطنات و ضمّ القدس ، و
قد زادت على ذلك بإتباع الحكم الذاتي أمنياً و اقتصادياً بأمن (الإسرائيلي) و
الاقتصاد (الإسرائيلي) ، فالتعلّل بالمفاوضات القادمة ركضٌ وراء سراب ، بل مضيّ
باتجاه تأبيد الاحتلال و تهويد القدس .
من هنا يجب أن تُرفَض هذه
الحجة ، بل يجب على السلطة و الشرطة ألا تقبَلا أن تشمل مهمتهما أكثر من المناطق
التي يقومان عليها ، إنها الحكمة و بعد النظر هنا أيضاً ، إن بقيَ للحكمة و بعد
النظر مكان .
لقد أحسنت حركة حماس و معها
أغلبيّة المعارضة الفلسطينية في رفعِ شعار عدم التعرّض للشرطة ، و عدم اللجوء إلى
العنف في مواجهة السلطة ، و من ثمّ حصر معارضة اتفاق أوسلو و تداعياته بالأساليب
السياسية ، لكن مع مواصلة الانتفاضة و المقاومة ضد قوات الاحتلال و المستوطنين ، و
من أجل استنقاذ القدس ، و إذا دلّ هذا على أمرٍ فإنما يدلّ على نضوجٍ و حكمةٍ و بعد
نظر .
إن هذا الإجماع من جانب
المعارضة بقيادة حركة حماس يساعد على طرح خطة سليمة في مواجهة مرحلة ما بعد دخول
الشرطة و قيام السلطة ، لأنه يغلِق باب الفتنة من جانب المعارضة و المعارضين ، و
يسقِط الحجة ، مبدئياً ، بيدِ الذين يريدون أن يخفوا عورة الاتفاق ، من خلال إعمال
السيف و السوط و السجون و التشريد في معالجة المعارضة .
و من هنا فإن أول خطوة إنقاذية
للوضع الفلسطيني ككلّ ، و هي أول خطوة لإحباط مخطّطات تمزيق الجسم الفلسطيني
بالفتنة و الاقتتال كذلك ، هي هذا الإجماع من جانب المعارضة في مواجهة الوضع الجديد
، و في هذا كسب ، إذا ما كرّس بحزمٍ لنصف المعركة سلفاً في مصلحة المعارضة ، لأنّ
من المهم جداً ألا تتحمّل المعارضة أية مسؤولية في حالة غرقِ البلاد في القمع و
الاستبداد و الفتنة ، أي يجب أن تمثّل في الصراع الداخلي جانب المظلوميّة و الحكمة
في الابتعاد عن العنف الداخلي إلى جانب الحقّ و العدل و الاستمساك بالثوابت و
المبادئ .
ما ينبغي للمعارضة أن تخشى
القمع حين تستمسك بالانتفاضة و المقاومة و تحرير القدس ، فطريق القمع يضعِف صاحبه و
يهزّ سياسته و قد يمزّق صفه ، و يدخل المحايدون في الصراع و إياه فهذا "السلم" يجب
أولاً و قبل كلّ شيء أن يشنق نفسه بنفسه حين يغرق بالقمع و الفتنة و العنف و هو
يغرق بهدر الحقوق و الاتفاقات المجحِفة الظالمة .
و لهذا فإن التهيئة الروحية
على الصبر في وجه العنف و القمع الداخليين ، و عدم الرضوخ لهما سيقوّيان من قضية
المعارضة لكن شريطة أن يحرِص كلّ الحرص على عدم تغطية القمع و العنف من خلال سياسات
مغامرة أو متهوّرة ، أو ردود أفعالٍ غير مدروسة أو محسوبة ، و إن سياسة الرسول –
صلّى الله عليه و سلّم - في مواجهة الاستفزازات و القمع خلال المرحلة المكيّة
الأولى لتشكّل أسوة حسنة في هذا المقام .
يمكن أن يعتبر ما تقدّم الردّ
السلبي ، إلى جانب نزع الذرائع من يدِ القمع و العنف ، كما يمكن اعتباره تهيئة
للروح و الجسد من أجل النجاح في امتحان الإيمان في التمسك بالمبادئ و الثوابت و
الخط السياسي الصحيح و الدفاع عن قضية القدس و فلسطين و مصالح الأمة العليا ، أما
من الجهة الأخرى فالردّ الإيجابي على اتفاق أوسلو و تداعياته يكون بإبقاء البوصلة
متجهةً لإنجاز تحرير القدس و إنقاذها و تفكيك المستوطنات كافة ، و مقاومة الاحتلال
و دحره دون قيدٍ أو شرط ، و إذا اعتبر هذا حداً أدنى ، فلكي تبقى البوصلة فعلاً
باتجاه تحرير كلّ فلسطين .
و بهذا لا تكون بوصلة المعارضة
متّجِهة إلى الداخل الفلسطيني لمقاومة السلطة و الشرطة و ذلك على الرغم من ضرورة
بقاء الاعتراض الحازم و المبدئي سياسياً على اتفاق أوسلو و الاتفاقات اللاحقة به و
المنبثقة عنه ، و إنما تكون البوصلة متجهة دائماً ضد قوات الاحتلال و المستوطنين و
من أجل تحرير القدس ، أي على المعارضة أن تنظر إلى الأمام و إلى ما يجب إنجازه ، و
ليس إلى الخلف ، و بهذا تحسِن ترتيب الأولويات فتستمر على حمل سمة المحرّر والمنقِذ
إلى جانب سمة المظلومين إذا ما اعتدِيَ عليها و أريد قمعها .
و بالمناسبة ما ينبغي لحماس ،
بصورة خاصة ، و للمعارضة عموماً أن تُجرّ إلى المعركة الداخلية سواءً أكان على
مستوى الصراع السياسي أم كان على مستوى المنافسة فيبقى التحريض السياسي ضد الاتفاق
منصباً على ما بقي بيد العدو و المنافسة على انتزاعه منه و ليس على ما هو أقلّ من
فتاتٍ بيد الحكم الذاتي ، و هنا بالضبط مقتل اتفاقات أوسلو و باريس و القاهرة لما
تحمِله من تكريسٍ للاحتلال و المستوطنات و ضمّ القدس لدولة العدو و لما تحمِله من
اتجاهات إلحاقٍ للكيان الفلسطيني بالمشروع الصهيوني ضد البلدان العربية و الانتماء
العربي و الإسلامي .
بكلمة يجب أن تبقى المعركة
الداخلية مرتبطة بالمعركة الأساسية التي تركّز على قضية القدس و تفكيك المستوطنات و
دحر الاحتلال و ليس على الكيانية الفلسطينية . بل يجب أن يرتبط الصراع الداخلي ضد
الهيمنة الأمنية و السياسية (الإسرائيلية) على مناطق الحكم الذاتي إلى جانب التعبئة
المستمرة باعتبار الشعب الفلسطيني جزءاً من الأمة العربيّة و الإسلامية لا قولاً
فحسب ، و إنما أيضاً من جهة الولاء و الانتماء و المصير المشترك ، و إلى جانب إبقاء
الصهيونية في فلسطين هي العدو رقم واحد ، و مقاومة كلّ أشكالِ التطبيع الثقافي و
الفنّي و الاجتماعي و الرياضي و اتجاهات الصهينة .
7- اتفاق
القاهرة في التطبيق
تشكّل بضعة الأسابيع المنصرمة
، و هي الأسابيع التي تلت توقيع اتفاق القاهرة ، نموذجاً حياً لما سيكون عليه الوضع
بالنسبة إلى الحكم الذاتي ، و في ظلّه . فالترجمة الواقعية للاتفاق ، أو ما سينجم
عنه على أرض الواقع ، يمثّلان الحكم الفيصل لا بالنسبة إلى تقويم الاتفاق ، فلهذا
تقويم مرتكزات أخرى ، و إنما بالنسبة إلى ما روّجه المؤيّدون للاتفاق من تقديرات .
يتطلّب الحكم على الاتفا ق، أو
تقويمه ، عوداً إلى الحقوق الأساسية و الثوابت ، و الشرع ، و التاريخ ، ثمّ يتطلّب
تقديراً صحيحاً لموازين القوى و للظروف العربية و الدولية ، كما يحتاج إلى عدم
النسيان ، و لو للحظة واحدة ، مع من نتعامل . أي عدم نسيان طبيعة عدوّنا و تكوينه
العقدي و الإيديولوجي ، و تراثه العنصري العدواني ، و أخيراً و ليس آخراً ،
مخطّطاته و أطماعه ، في ظلّ موازين قوى دولية مواتية له ، و إلى جانبها معادلة
عربية متآكلة تتخبّط ضعفاً و وهناً .
على أن الحكم على الاتفاق من
جهة نتائجه الواقعيّة في التطبيق العمليّ يمثّل الضربة القاضية لآخر معاقل الذين
قبِلوا به ، و ساروا على منواله ، و ربطوا مستقبلهم و استراتيجيتهم بما يمكن أن
يحقّقوه من "مكاسب" على أرض الواقع ، أو يرفعوه من أضرار و مخاطر .
فهؤلاء أسقطوا كلّ نقاشٍ حول
الاتفاق على أرض الحقوق و الثوابت ، أو موازين القوى ، أو الظروف ، أو طبيعة العدو
، بحجّة تقول إن الاتفاقات في النهاية حبر على ورق و هي قابلة للتمزيق . و لم يفتهم
أن يستشهدوا بالاتفاقات أو المعاهدات التي انتهت ، على الرغم مما حملته من تنازلات
، في مصلحة أصحاب الحقّ أو الذين كانوا مستضعفين . ثم ارتكزوا على الحجّة القائلة
نحن نريد موطئ قدم ، و بعد ذلك سنبدأ بالتوسّع ، و التقدم خطوة فخطوة .
هنا كان لا بدّ من تذكيرهم
بعددٍ من الاتفاقات و المعاهدات التي كانت خطوة لتمكين المعتدين أكثر إلى حدّ إبادة
الطرف الآخر ، أو انتهاء قضيته تماماً . و لعلّ الاتفاق الذي وقّعه أبو عبد الله
الصغير عام 1491 مع كلّ من إيصابيل ملكة قشتالة و فرناندو ملك أرغون يقدّم مثالاً
بليغاً على نمط من المعاهدات و الاتفاقات التي تشكّل خطوة نحو النهاية لا البداية .
أما ما هو أبلغ فكان نصّ الاتفاق الذي حمَل كلّ شروط أبي عبد الله الصغير تقريباً ،
بينما كان المراد من الملكين هو إنهاء المقاومة و تسلّم القيادة في غرناطة و كانا
يعلَمان أن إنهاء المقاومة و الحرب هو الأمر الأساسي حتى ينفّذان مخطّطاتهما بعد
ذلك خطوة فخطوة . و بالطبع فإن النهاية ، أو النتيجة ، كانت مريعة . علماً أن أملاً
كان يلوح بالأفق ، في تلك الظروف ، تمثّل في الفتوحات العثمانية ، أو التقدّم
العثماني الحثيث .
بكلمة أخرى ، يجب ألا يخطَأ في
القياس حين يقارب بين اتفاقيتي أوسلو و القاهرة و تلك الاتفاقات و المعاهدات التي
انتهت بانتصار أهل الحقّ أو من كانوا مستضعفين . فهذه المقاربة ليس لها من مكان ،
لا من ناحية المحتوى و لا من ناحية موازين القوى و الظروف المحيطة ، أو المتوقّعة
في المدى القريب ، أو المتوسط .
و تأتي تجربة الأسابيع الماضية
لترسم لنا ملامح أولى لمستقبل وضع الحكم الذاتي ، و ما يمكن أن تتجه إليه التطورات
. فبعد أن أصر المفاوض (الإسرائيلي) أن يضمّن اتفاقي أوسلو و القاهرة من الشروط
(الإسرائيلية) ما وسعه الخيال في حينه ، وجدناه في التطبيق العمليّ يعود ليفرِض على
الأرض شروطاً جديدة ، و يمكن لسيطرته أكثر مما تضمّن الاتفاقات .
لقد أصبح من الواضح أن المطلوب
الأول من الحكم الذاتي أن يؤمّن أعلى درجات الأمن لقوات الاحتلال الصهيوني و
للمستوطنين . و إذا لم يفعل فليس له أن يتأمّل امتداداً ، و لو بشروط أسوأ ، إلى
مناطق أخرى ، و هذا يعني أن ينتهي الكيان الفلسطيني من وجهة النظر (الإسرائيلية)
إلى ما يشبه الجيب الأمني ، أو مخفر الإنذار و الحماية الأمامي للجيش (الإسرائيلي)
. فالوضع كلّه سينقلب رأساً على عقب إن أهمل أو قصّر في ذلك ، و لو جزئياً ، و لو
بالرغم منه . و هو أمرٌ لم يسبِق له من مثيل . فإن أنجزه فقَدَ أدنى درجات السيادة
و الاستقلال و الكرامة . و أصبح مُداناً حتى بنظرته إلى نفسه .
و جاءت إشكالية توزّع مناطق
الحكم الذاتي و مواقع الجيش و المستوطنات لتؤكّد تقسيم حتى المنطقة الصغيرة التي
أعطيَت للحكم الذاتي إلى عدة كانتونات ، و ليس كانتوناً واحداً تنفصل بعضها عن
البعض الآخر ، و لا من تواصلٍ فيما بينها إلا من خلال الإشراف المباشر ، و غير
المباشر ، للجيش (الإسرائيلي) . فالذي حدث على أرض الواقع فاق كلّ التصوّرات من حيث
مدى سيطرة قيادة الجيش (الإسرائيلي) على الوضع ، و أظهر أن الحركة المستقبلية للوضع
متجّهة إلى المزيد من التمكّن (الإسرائيلي) و ليس العكس . و هذا يعني أن أصحاب
الحكم الذاتي سيجدون أنفسهم في ورطة حقيقية ، فإن تمرّدوا و هذا ما يجب أن يفعلوه ،
خرجوا عن سكّة اتفاقي أوسلو و القاهرة حتى و لو احتجوا أن (الإسرائيليين) هم الذين
ينقضونهما. أما إذا خضعوا فسوف يصبِح حالهم حال المقامِر الذي راح يخسر و لم يعد
قادراً على الانسحاب و وقف المقامرة وصولاً إلى حافة الهاوية أو الأنكى فعلاً ...
أو بكلمات أخرى ، يريدهم العدو إما كالخاتم في إصبعه ، و إما يتركوهم يداورون في
مكانهم في حالة من التخبّط و التأزم تحت الحصار و التهديد إلى أن يصبِحوا من "أهل
الدجن" (و هو الاسم الذي أطلق على مسلمي الأندلس الذين قبِلوا بالتنصّر و خضعوا
لكلّ الشروط ، و مع ذلك لم يتقبّل ذلك منهم فهجر أغلبهم فيما بعد) .
على أن مصير الوضع الداخلي
سيكون مضطرباً غير قابلٍ لاستقرار أمام كلّ الخيارات التي أمام أهل الحكم الذاتي ،
فإن خضَعوا لن يخضع الناس أبداً ، و لن يخضع أكثرهم هم أنفسهم كذلك . و إن تمرّدوا
، أو تعذّر عليهم مواصلة هذا الطريق ، تأزم الوضع الداخلي و عاد إليه الاضطراب ، و
لهذا إن ما يرسى الآن على الأرض ، وفقاً لاتفاق القاهرة ، سيشهد الكثير من
التغيّرات و المفاجآت و التقلّبات و لن تكون الأرض من تحته إلا رمالاً متحرّكة .
و تأتي الطريقة التي عولجت بها
مشكلة المعتقلين و المساجين ، ثمّ مشكلة المفرَج عنهم ، لتكشف عن تمادٍ للعدو
(الإسرائيلي) على الحكم الذاتي لا حدود له ، فهو الذي يقرّر ، و بصورة مطلقة ، كيف
يكون إطلاق السجناء ، و يضع الشروط كما لو لم يكن ثمة طرفٍ آخر مقابلٍ في المعادلة
. و يتكشّف هذا الموقف أكثر عندما فرِض أن ينفى أغلب المفرَج عنهم في مناطق الحكم
الذاتي ، و لا يعودون إلى بيوتهم إلا بعد انتهاء فترة "العقوبة" . و فرِض في
المقابل ، عدم المساس بالمتعاملين و إياه حتى في نطاق إخضاعهم للتحقيق ، دون الوصول
إلى إنزال عقوبات .
أما إشكالية فرض توقيع تعهدٍ
على أعضاء حماس و أعضاء المنظّمات المعارضة الأخرى ، شرطاً للإفراج عنهم ليوجه ضربة
تمسّ كرامة الطرف المقابل حين يقبل أن يعامل الناس تحت سلطته على هذه الصورة .
فالقرار (الإسرائيلي) لا يمسّ المعتقلين و المساجين وحدهم و إنما يمسّ ذويهم من
الأهالي الذين يفترض أنهم تحت سلطة الحكم الذاتي . و لهذا ينبغي للمعتقلين و
المساجين الذين يطلب منهم المتعهّد أن يرفضوه رفضاً مبدئياً حازماً . لكي يتحوّل
صمودهم في وجهه إلى قضية سياسية من الدرجة الأولى توجّه ضد حكومة رابين أولاً ، ثم
ثانياً ضد كلّ من لا يقف إلى جانب قضيتهم العادلة . فمطلب توقيع التعهّد يخالف أبسط
المبادئ المتعلّقة بحقوق الإنسان ، و لا يمكن الدفاع عنه بأيّ حالٍ من الأحوال .
فكلّ تجارب المجالات المشابهة عادت على أصحابها بالخسران حين يصمد المساجين و
المعتقلون و تتحوّل قضيتهم إلى قضيةٍ شعبية عامة بل إلى قضية عالمية .
و إن الأمر كذلك بالنسبة إلى
المفرَج عنهم ، إن من الخطأ الفادح القبول بهذا النمط من الإفراج لما يحمِله من
معنى و مغزى ، و لما يشكّله من عنوانٍ صارخ للسيطرة (الإسرائيلية) على الوضع . و
هذا يقتضي أن يفرض المفرَج عنهم عودتهم إلى ذويهم أو أن يعودوا إلى السجن ، أو
الخروج إلى التحدّي و المقاومة . فإذا كان رابين يريد من مثل هذه الإجراءات أن
يدجّن الفلسطينيين فعلى شباب هذا الجيل ، و هذه المرحلة بالذات ، أن يرفضوا التدجين
كما رفضه من قبل آباؤهم و جدودهم و يحافظوا على ذلك الميراث المجيد في الصبر و
الصمود و التحدّي وقوفاً إلى جانب الحق ، و تجسيداً لأنبل القيم ، و أرقى الشمائل .
هاتان المعركتان رابحتان إن
خضناهما : معركة رفض التعهّد ، و معركة رفض المنفى في مناطق الحكم الذاتي .
تبقى قضية أخيرة تكشّفت عنها
تجربة الأسابيع الماضية منذ التوقيع على اتفاق القاهرة . و هي أن "الدول المانحة"
للمساعدات من أجل أن يقوم الحكم الذاتي ببعض مهامه ، راحت تستخدم هذه المساعدات
لفرض المزيد من الإخضاع للحكم الذاتي . فالحكم الذاتي ولِد تحت رحمة ما ستدفعه له
الدول المانحة ، و في مقدّمتها الإدارة الأمريكية . أي ولِد فاقداً لأبسط شروط
الاستقلالية . فالمانحون يدفعون شهرياً حتى تبقى الرواتب تحت ضغطهم شهرياً . فما
نحن بصددِه إنما يمثّل حالة تبعيّة خطيرة بولادة ، و هي تبعيّة للخارج ستزداد مع
الأيام .
و بهذا يكون الحكم الذاتي
مسلوب الإرادة بالضرورة ، و هو بين المطرقة و السندان أي المطرقة (الإسرائيلية) و
سندان الدول المانحة – و أغلبها متواطؤ مع العدو . الأمر الذي يسقِط كلّ الأوهام
التي روّجها البعض عن "موطئ القدم" أو السلطة "المستقبلية" ، أو المستقبل .
و إن المرء لا يبالغ إذا قال
إن وضع م.ت.ف. في كنفِ الحكم الذاتي يعاني الآن من نقاط ضعفٍ ما يزيد عشرات المرات
عما كانت عليه قبيل توقيع اتفاقيتي أوسلو و القاهرة ، أو قبيل مدريد ، أو عما كانت
عليه في أيّ يومٍ من الأيام العجاف .
إنها بضعة أسابيع جاءت
بوقائعها أبلغ من كلّ ما قيل ضد اتفاقيتي أوسلو و القاهرة . و هي وقائع تشير إلى
مستقبلٍ مريع لا بالنسبة إلى القدس و القضية الفلسطينية فحسب ، و إنما أيضاً
بالنسبة إلى مستقبل أهل الضفة و القطاع ، و ربما بالنسبة إلى الأهل في مناطق 48 ،
فتفريغ الأرض ، حتى تفريغ الأرض بألوان التهجير ، قد يصبح مع الخطّ البياني الذي
تشير إليه هذه الوقائع أشدّ خطراً ، و أقوى احتمالاً من ذي قبل . و لا يوقِفه غير
تغييرات اعتراضية فلسطينياً و عربياً و إسلامياً.
|