|
مقدمة
1- بين يدي
البحث:
لقد كانت الانتفاضة حدثاً
هاماً وكبيراً في مسيرة الشعب الفلسطيني، بحيث استغرقت فعالياتها ظرفي الزمان
والمكان، واشترك في هذه الفعاليات غالبية أبناء هذا الشعب. وكانت كتابة الشعارات من
أبرز مظاهر الانتفاضة حيث انتشرت لتشمل كل المدن والقرى والمخيمات، فيما احتل من
فلسطين عام 67، في الأحياء والحارات والشوارع، بل والأشجار والأعمدة والصخور والكتب
والدفاتر ومقاعد الدراسة والملابس . . ... حيث تحدثت هذه الشعارات عن أهداف
الفلسطينيين ووسائلهم ومواقفهم وسياساتهم. ويرجع سبب كثافة فعاليات الانتفاضة
وبالذات كتابة الشعارات إلى عدة عوامل منها :
<إنّ الانتفاضة دفعت في
موجاتها الأولى قطاعات كبيرة من الفلسطينيين للانضمام إلى الفئات العاملة أو
مؤازرتها: ففي حين كان المنتمون إلى التنظيمات قلة والأغلبية محايدة أو سلبية، فإن
الانتفاضة قد عكست هذه القاعدة إلى حد كبير، إذ أصبح عدم المشاركة عاراً يأباه
الكبار والصغار، وهذا السيل الشعبي المتدفق وجد طريقه من خلال السير في القنوات
التنظيمية العاملة فازدادت الأيدي الكاتبة وتضاعفت بالتالي كتابات الجدران.>
<كما تحطم حاجز الخوف عند
الجماهير وسرت فيهم الجرأة والشجاعة : فالآباء لم يعودوا يخافون على أبنائهم
كالسابق، وخففوا من قيودهم بل شجعوهم ودفعوهم إلى الميدان، ثم إن الأبناء لم يعودوا
يخافون كثيراً من الآباء أو يلتزمون بتهديداتهم وتحذيراتهم - فقد انتهت أو كادت
سلطة الكبار. *
والأهم من ذلك أن جيش الاحتلال
لم يعد مصدر خوف بقدر ما أصبح هدفاً للصيد، فإذا كان الفلسطيني سابقاً يفكر إذا رأى
الجنود أن يتوارى عنهم وينجو من شرهم فقد صار في الانتفاضة يفكر في كيفية مواجهتهم
ومهاجمتهم . . . . . . . ومن الطبيعي أن تؤدي هذه النفسية إلى مزيد من نشاطات
المقاومة ومنها كتابة الشعارات.>
<إحساس الفلسطينيين بالنشوة
والفخر وبخاصة الجيل الجديد: فلقد هز الفلسطيني الأعزل جيش الدولة الذي لا يقهر،
وأحس الشبان بقيمتهم وأهميتهم بين أهلهم وأساتذتهم وأمام وسائل الإعلام العربية
الأجنبية، إن نظرات الإعجاب والرضى تحوطهم بعد المواجهات أو بعد رجوعهم إلى بيوتهم
في وقت متأخر من الليل، ويرى واحدهم نفسه وأقرانه في التلفاز ويقرأ عن بطولاته في
الصحف والمجلات فيحس بالنشوة والرضى، خاصة وهو يقرأ تصريحاً لجندي إسرائيلي يقول
فيه : إن "الجيش في الأراضي المحتلة كيس يتدرب عليه ملاكمو الانتفاضة" (1)، ولقد
عبرت بعض الشعارات عن هذه النفسية فقالت :
-الحجر هزم البارود وقال
الفلسطيني موجود.
-لولا الحجر يا سادة ما كان
لنا سيادة.
-في العالم صارت كلمتنا مرفوعة
بصوت حجارتنا.>
<والمنتفضون حين يستمعون إلى
خطباء المساجد وهم يصفون عملهم بأنه جهاد في سبيل الله وأن قتلهم شهادة يشعرون
بالطمأنينة والرضى ويعزمون على المواصلة والاستمرار"
لقد كان هذا التشجيع من علماء
الدين إضافة إلى اشتراك الحركة الإسلامية بمثابة "الفتوى" والمبرر الشرعي للجماهير
بوجوب اقتحام هذا الميدان ودخول ساحة الجهاد . . . . . حيث إن للعامل الديني أثراً
كبيراً في تحريك الشعوب الإسلامية والشعوب عموماً.
إن بروز الحركة الإسلامية في
فعاليات الانتفاضة قد ساهم في إعطاء الانتفاضة دفعة قوية : بسبب مشاركة أعضائها
وأنصارها من جهة، ولأن هذه المشاركة من الحركة الإسلامية قد دفعت الفصائل الأخرى
إلى زيادة فعالياتها في الانتفاضة وكتابة الشعارات لمنافسة الحركة الإسلامية، حيث
يلاحظ أن دخول الإسلاميين في أي ميدان يزيد نشاط الفئات الوطنية.>
<وهناك عامل هام أدى -
بالإضافة إلى ما سبق - إلى زيادة الشعارات، وهو حاجة نشيطي الانتفاضة إلى توصيل
مضمون البيانات بوسيلة جماهيرية إلى الشعب خاصة أن البيانات لا تصل دائماً إلى كل
المناطق، وإذا وزعت فقد لا تكون كافية . . . . ثم إن البيانات متتابعة ومستمرة
وبالتالي فهناك حاجة مستمرة لترجمة مضمونها ونقلها إلى الجمهور من خلال الشعارات.>
إن هذا السيل من الشعارات
يشير إلى أهمية هذه الظاهرة، وضرورة أن تفرد بالجمع والتوثيق والبحث والدراسة، خاصة
أن ظواهر أقل حجماً وتأثيراً قد وجدت من يعنى بها ويبرزها .
إن الكتابات الجدارية تكتسب
أهميتها من حيث أنها وسيلة الإعلام الرئيسة للمنتفضين، فهي ليست ظاهرة معزولة عن
الانتفاضة وأهلها، بل إنها الأكثر التصاقاً والأعلى شأناً، والأوضح دلالة، إذا
أردنا أن نعرف ما يدور في أذهان نشيطي الانتفاضة، أو أردنا معرفة أهدافهم وغاياتهم
ووسائلهم وأفكارهم بل ونفسياتهم أيضاً، ذلك أنه يمكن بتحليل الشعارات ودراستها
تحديد الأهداف الرئيسة لأصحابها، حيث أن الشعارات هي تعبير موجز يلخص أهداف المرسل
(2) .
لقد علمنا القرآن الكريم أن
بالإمكان التعرف على نفسيات واعتقادات الآخرين من خلال أقوالهم وأحاديثهم فقال في
المنافقين (^ولتعرفنهم في لحن القول)(3) وقال في المؤمنين (^يثبت الله الذين آمنوا
بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) (4) وقال عن بعض الأعداء (^قد بدت
البغضاء من أفواههم) (5) وقال في أصحاب العقائد (^وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت
النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم) (6)، كما عرفنا الرسول ^ أن المنافق
"إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف . . . ." (7) .
إن ملاحظة الشعارات ودراستها
يمكن أن تستخدم كمقياس بسيط وغير متطفل - بعكس الاستبيانات والمقابلات الشخصية -
لكشف العادات والمواقف والاتجاهات في مجتمع ما، وفي حالة المراقبة طويلة المدى فإنه
يمكن اكتشاف التغيرات التي طرأت على هذه العادات وتلك المواقف والاتجاهات في
المجتمع . . . ذلك أن الشعارات تعكس القيم المشتركة بين الكاتب "المرسل" والمجتمع
"المستقبل"، حيث يحرص الكاتب على إرضاء المجتمع وعدم طرح ما يتناقض مع ثقافته أو
على الأقل يحرص على استغلال الأرضية الثقافية المشتركة لإيصال الجديد الذي يريد
طرحه .
لقد اعتبر علماء الآثار أن
النقوش والكتابات الجدارية للأمم السابقة تشكل مصدراً هاماً ورئيسياً للحصول على
معلومات بشأن الحياة اليومية لتلك الأمم (8)، ولذلك فإن متابعة الشعارات تفيد في
معرفة ما يجري على أرض الواقع من أحداث ومشاكل وإجراءات للاحتلال، وبالمقابل فإن
معرفة الواقع تفيد كثيراً في فهم الشعارات.
ولم يكن غريباً بالتالي أن
يهتم بهذه الظاهرة عدة أفراد ودوائر ومؤسسات صديقة ومعادية داخلية وخارجية مع
اختلاف الأغراض والبواعث للجمع والدراسة، حيث تظهر خطورة كتابة الشعارات إذا علمنا
أن أجهزة الاستخبارات تعتمد كثيراً على المصادر والأدبيات العلنية، ورب شعار على
جدار يكشف خطة أو يفضح سراً تنظيمياً أو مشكلة داخلية .
إن شعاراً يقول : "ق.ش.ض
القيادة الجديدة والراية العتيدة للانتفاضة المجيدة" .
يعلن أن تغييرات قد حصلت في
القيادة ويكشف أمراً تنظيمياً، كما أن شعاراً آخر يقول : "نداء نداء من الشهيد شادي
درويش إلى صقور فتح بوحدتنا نبني كياننا" .
يوحي بوجود خلافات أو تصدعات
في التنظيم لم تفلح معها محاولات رأب الصدع والإصلاح داخل الجدران فاضطر الكاتب إلى
دعوتهم للوحدة على ظاهر الجدران وهو يستصرخهم باسم الشهيد العزيز على قلوب الجميع
والذي لا يسره هذا الحال .
وأيضاً فإن تعدد "التوقيعات"
للفئة الواحدة قد يعكس أحياناً طبيعة التشكيلات والمحاور التنظيمية على أرض الواقع
أو تبدلها من وقت لآخر .
2- مشكلات
البحث ومحاوره:
يمكن القول إن إعداد الكتاب
تم على مرحلتين. اضطلع بالجزء الأكبر في كل منهما الأستاذ الباحث طارق محمد، حيث
بدأ عملية تجميع الشعارات والكتابات الجدارية بعد أشهر
قليلة من انطلاق الانتفاضة، من خلال عملية مسح اجتهد أن تكون شاملة للمساحة
المكانية التي شهدت الفعل النضالي ونقصد بذلك الضفة الغربية وقطاع غزة وإن كانت
الشعارات التي جمعها من الضفة الغربية تفيد العينة نظراً لكونه مواطناً من الضفة
وللمشاكل التي أوجدتها السلطات الصهيونية في محاولة منها لمنع التنقل بين الضفة
الغربية والقطاع وإغلاقها للمعابر والطرقات. ولم تشمل العينة أيضاً مناطق العرب
داخل إسرائيل حيث شهدت المناطق تلك عمليات كتابية لم ترق إلى درجة الكثافة التي
شهدتها مناطق الضفة والقطاع .
استمرت عملية الجمع والتبويب
حتى صيف 1990، كتب الأستاذ طارق فيها الشعارات وعلّق عليها مع استمرار الإضافة
والتعديل نظراً لأن الظاهرة مستمرة - ولليوم طبعاً - وساعد الباحث في المرحلة
الأولى أنصار الاتجاهات السياسية في الضفة والقطاع بتزويد الباحث بما لديهم من
كتابات وما يجد منها وأشرك أيضاً من له باع في الرسم والتصوير لتقليد الكتابات
والرسومات التصويرية التي زينت الجدران في فترة البحث. وفي نهاية المرحلة هذه عرض
الأستاذ طارق حصيلة ما توصل إليه على مجموعة من الباحثين والأكاديميين والمتخصصين
في التراث الشعبي، حيث علقوا بدورهم عليها وأبدوا ملاحظات قيّمة في هذا الاتجاه،
عاود بعدها الباحث الكتابة حتى نهاية عام 1991 حيث قدمه للطباعة والصف تمهيداً
لتقديمه للمطبعة. مضيفاً إليها الشعارات التي كتبت في فترة الإعداد هذه مع التأكيد
على صعوبة ملاحقة كل شعار يكتب في كل موقع في الأراضي المحتلة، ذلك أن هذا ما يحتاج
إلى جهود مراكز علمية وفرق مسحية كبيرة تضيف وتكتب وتصنف ثم تحلل التحليل الأوليّ
بناءً على ما تطرحه الجدران الفلسطينية من قضايا وأفكار تهم الشارع الفلسطيني في ظل
الانتفاضة، يضاف إلى هذا أن جيش الاحتلال ما فتئ يلاحق الظاهرة بكل معاوله ويقوم
بمسح الكتابات وإجبار السكان على المشاركة في عملية المحو والإزالة فما يكتب في
الليل يمسح في النهار والعكس بالعكس. ومع ذلك فإن العينة التي قدمتها الدراسة وقام
عليها التحليل (غنية) مقارنة بدراسات وأبحاث صدرت راصدة هذا الاتجاه في الشارع
الفلسطيني، إضافة إلى أنها كتبت في داخل الحدث وتمت عملياتها الأولى تحليلاً
وتصنيفاً ضمن الإطار العام الذي كرسته الانتفاضة، ومن عجائب الصدف أني كنت معنياً
كمراقب خارجي برصد الظاهرة من خلال ما توفر لدي من وسائل مرئية، وأقصد بذلك
الفيديو، وبعض الجهود الأولية في بعض الصحف، وقد تجمعت لدي في الفترة ذاتها عينة
تصلح لدراسة صغيرة أعددتها وطبعتها ولم تنشر لاقتناعي في هذه اللحظة بقصور العينة،
مع أني جهدت في تفسير مجمل الظواهر تفسيراً عاماً وسريعاً دون الدخول في تفاصيل
الحدث الانتفاضي الذي عبرت عنه تلك الكتابات بشكل يمكن وصف المحاولة بأنها إسهام
على السطح، حاولت أن إزالة بعض القشور وتحليل الممكن العام. ونسيت الموضوع لانشغالي
بأعمال كتابية أخرى حتى 1992 حيث دفع إليّ صديق كتاب الأستاذ طارق لمراجعته وإبداء
الرأي فيه. مع تأكيد الأخير على حرية الإضافة والحذف وإعادة التشكيل في الرسالة
المرفقة مع الكتاب تمهيداً لطباعته في الخارج، وقد سعدت بالكتاب وبمجمل القضايا
التي مسها، إلا أنني ألمحت إلى الصديق أن ظاهرة كهذه يجب أن توضع في إطارها
الإنساني العام، وبناء رؤية شاملة من خلال فحص الظواهر الأخرى في مجتمعات نمت فيها
الظاهرة وازدهرت، وأكدت له أن الأدبيات حول الكتابة الجدارية كثيرة وبلغات مختلفة،
خاصة الظاهرة الأمريكية، وبعض الإسهامات العربية القليلة التي قدمت على استحياء في
هذا الإطار. وعبرت عن استعدادي للإسهام بالكتاب من خلال استعراض وتحليل الظاهرة في
مضمونها العالمي، ووافق الصديق مشكوراً، وسعدت بهذه الفرصة، لتقديم الإسهام
الفلسطيني كصورة متميزة في الفعل العالمي ثورياً وإنسانياً شاملاً. وعكفت على كتابة
ما اعتقدت أنه مفيد للشكل العام ثورياً وإنسانياً شاملاً. وعكفت على كتابة ما
اعتقدت انه مفيد للشكل العام للكتاب ومضامينه، عبر تحليل وعرض التجارب الإنسانية في
أمريكا وأوروبا، وما يتبع ذلك من فهم الظاهرة في مجالها التراكمي والتاريخي التي
سجلت الحفريات الأثرية والأدبيات الكتابية الكثير من الإشارات عن وجودها وتواصلها
مع التاريخ الإنساني عامة .
بناء على ما توفر لدي من
مراجع إنجليزية حول الظاهرة، والمادة التي جمعتها وحللتها فإن تعديلاً بسيطاً على
هيكل الكتاب، وفي نظرتي القصيرة لم يؤثر في الانسياب العام لمضامينه، حيث جهدت في
وضع الإضافات والمعلومات الجديدة لتتلاءم مع الطرح الأساسي الذي أقام عليه الباحث
طارق رؤيته وتحليله .
وقد جهدنا ضمن الحدود
والمتاح لنا أن نقدم كتاباً متميزاً للمكتبة العربية التي ما زالت تعاني نقصاً في
رصد الظاهرة، وتحليلها.
وقبل الدخول في التفاصيل
العامة التي أكدها الكاتب وبنى عليها الباحثان رؤيتهما، لابد من التأكيد على أن
أشياء كثيرة أغفلها الجامع للشعارات ما يتعلق بالذات: بزمان الشعار وتاريخه، ولكن
تأكيداً على المكان الذي ولد في الشعار قد تمت ملاحظته وملاحقته وسيجد القارئ
تفصيلاً وتحديداً للشعار ومكانه أي الجغرافيا التي تمت فيه صياغة الشعار وتقديمه
للشارع الفلسطيني، والعينة على غناها حيث فاقت على الألفين فإنها لا تشكل إلا مساحة
بسيطة مما كتبه الفلسطينيون وصاغوه في دربهم الطويل، لبناء الحلم الذي انطلقت لأجله
الانتفاضة. إضافة إلى أن التحليل قام على متابعة الفروق العامة في الشعارات، كونها
تكتب وبتوجيه من القيادات الوطنية المختلفة، فإن الخلاف في مضامينها ليس جوهرياً
بقدر ما هو شكلي، ويدعم هذا الاتجاه وردود الكثير من الشعارات على الجدران بصياغات
مختلفة تتفق أخيراً على "المعنى" أو "الرسالة" التي أرادت توصيلها للجمهور
الفلسطيني .
والأمثلة كثيرة في ثنايا
الكتاب تدعم هذا الرأي وتؤكده .
الكتاب في مجمله محاولة
للإشارة إلى الظاهرة وأهميتها، أردنا من خلالها أن نجعله مدخلاً للدراسات وأعمال
أكثر علمية، تضع الظاهرة في إطارها الحقيقي وتحدد معالمها وقضاياها، ولا ننكر أن
الهمّ التوثيقي قد ألقى يثقله على معظم فصول الكتاب ومحاوره، إلا أن المقدمات
الأولية التي قدمناها تعزز التوثيقية تلك وتعطيها مصداقيتها وعلميتها يضاف إلى ذلك
أن المرحلة الأولية في إعداد الكتاب قد تمت من داخل الحدث ولا يخفى أن الكتابة هذه
قد أثرت في بعض مراحلها على الاستنتاجات علاوة على حساسية الموضوع ومع ذلك فإن
اعتبرنا أن توخي الحقيقة والموضوعية أساس هام من الأسس التي أقمنا عليها كتابنا
تضفي على الكتاب رؤية علمية محايدة إلى حد كبير، حيث رصدنا الظاهرة في شمولها
الجغرافي والفصائلي وحللنا الشعارات وأقمنا النتائج بناء على ما قاله الشعار لا ما
نستند إليه من أرضية فكرية. إذ طرحنا الانتماء الفكري جانباً ويرزنا كمراقبين
محايدين للحدث الكتابي هذا .
لقد حاولنا قدر المستطاع
ملاحقة الأدبيات التي كتبت حول الفعل الجداري في العالم من خلال استعراض وقراءة
الدراسات التي صدرت باللغتين العربية والإنجليزية وإن كنا عولنا على الأخيرة نظراً
لغنى الأدبيات الإنجليزية حول الظاهرة هذه. واستعنا بالقواميس والمعاجم العلمية
المتخصصة والعامة في شرح تفاصيل وقضايا وهموم الكتابة في بعدها الإنساني. ولقد
توفرت لدينا من خلال البحث في بنوك المعلومات مجموعة من الدراسات قاربت (150) دراسة
في لغات متعددة بالإنجليزية والفرنسية والألمانية والبلغارية والروسية. وركزنا
أخيراً على الإنجليزية وطرحنا الدراسات الأخرى جانباً نظراً لقلة باعنا في هذه
اللغات، مع الإلماح إلى بعض الدراسات التي توفرت مترجمة عن العبرية، والفرنسية، على
شكل نشرات على الآلة الكاتبة.
الهيكل العام للدراسة قام
على ثلاثة محاور، استعرضنا في القسم الأول من الدراسة مقدمات دولية في توصيف الشعار
وتحديد دلالاته المعجمية، وموقع الكتابة الجدارية في التجربة الإنسانية، وقد جاء
هذا الحوار في ثلاثة فصول، استعرض الفصل الأول مصطلح الكتابة الجدارية بالتحليل
والتوصيف، بينما ركز الفصل الثاني على الكتابة في إطارها التاريخي الإنساني من خلال
ملاحظة الظاهرة في العمق التاريخي. وإبراز بعض التجارب المعاصرة في نيويورك وأوروبا
(فرنسا، وبريطانيا) وتجربة الكتابة في موسكو. وعلاقة تلك الكتابة بالثقافة الرسمية
ثقافة المركز، ورؤية الشعار الجداري من خلال التوصيف الهامشي له. وكتتمة للبحث
رأينا إبراز بعض الجوانب الهامة في التجربة العربية بدءاً من عصر النبوة ومروراً
بتجربة الدول الإسلامية اعتماداً على بعض الإشارات العابرة، لنصل إلى العصر الحديث
حيث أكدنا على التجربة اللبنانية - الحرب الأهلية، وتجربة الاجتياح الإسرائيلي
للبنان، والممارسة الفلسطينية في المخيمات.
المحور الثاني كُرّس لدراسة
الظاهرة في بعدها الفلسطيني. وقد جاء هذا المحور في ثلاثة فصول، قدّم الفصل الأول
استعراضاً سريعاً لتلازم الظاهرة ونشوئها مع بداية الوعي الثوري الفلسطيني منذ
العشرينات من هذا القرن حتى الانتفاضة، ليقدم الفصل الثاني دراسة أولية ركزت على
الاتجاهات والوظائف، وقرأت المصادر والدراسات التي صدرت راصدة هذه الظاهرة، وحلل
الباحثان الاتجاهات الفصائلية وموقع كل فصيل فلسطيني في هذه العملية. إضافة إلى
دراسات لعلاقات التواصل بين الكاتب والقارئ وعلاقة الشعار بالزمن الانتفاضي ومكانه
وأدوات الكتابة، ثم الموقف الإسرائيلي من الظاهرة.
الفصل الثالث من هذا المحور
ركز على دراسة مصادر الشعارات وخصائصها وأساليبها الفنية، حيث حللنا مجموع المصادر
التاريخية والتراثية الشعبية التي استند عليها الكاتب في عملية توليد الشعار ودور
الثقافة الوطنية في المضمون الذي أكده الشعار والكاتب.
ولمحنا إلى علاقة الشعار
كمصدر تاريخي لقراءة الانتفاضة ودراستها وبقية الظواهر التي كرستها الانتفاضة
وأبرزت صوتها من خلالها، ونقصد في ذلك البيانات والمنشورات وما إلى ذلك .
كما حللنا (التواقيع) التي
أكدت انتماء الشعار لهذا الفصيل أو ذاك. ولم نغفل الجانب الجمالي في الكتابة، حيث
أكدنا هذا الخط من خلال دراسة الرموز الكتابية والتصويرات وعلاقتها بالتراث الوطني
الفلسطيني الثقافي منه خاصة، وفي النهاية أقمنا رؤية عامة للعلاقة بين التاريخ الذي
رسمته الجدران وهو التاريخ الشعبي للمقاومة وتاريخ المقاومة الرسمي لنصل إلى مجموعة
أولية من الملاحظات والخصائص العامة لشعارات الانتفاضة كمقدمة لتحليل مجمل القضايا
التي طرحتها الشعارات وهذا ما حاولناه في المحور الثالث الذي كرس لقراءة الشعار وما
يطرحه أو تحدث عنه، وقد جاء هذا الفصل في خمسة فصول، حلل الفصل الأول القضايا
الخاصة التي رسمها الفعل الكتابي، أي ما يرتبط بالانتفاضة من خلال دراسة رموزها،
والإضراب والتعليم والأعياد والمناسبات والتعبئة والتحريض ليصل إلى الفلسطينيين
أنفسهم على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية وولاءاتهم الفكرية، فحللنا الرمز الكبير
(الشعب الفلسطيني) وما تفرع عن فعاليات الانتفاضة من مظاهر الشهادة والجرحى
والمعتقلين، والمشاركة العامة للفلسطينيين نساءً ورجالاً وأطفالاً. ثم رؤية الشعار
للزعامة، وموقع التنظيمات في الشعار وعلاقتها فيما بينها والفئات الخارجة على
الإجماع الوطني كالعملاء وغيرهم .
الفصل الثالث من هذا المحور
كرس للحديث عن أيديولوجيا التحرير. أي فلسطين مركز التفكير الفلسطيني فاستعرضنا
الطرق والرؤى المتعددة وقضايا الوحدة الوطنية، والإسلام ودوره في عملية التحرير
والكفاح المسلح وموقعه وأين وصل، وآلية العمل السياسي المطروحة قبل الانتفاضة وفي
ظلها وواقعها الحالي وكما حفلت الشعارات بالقضايا الفلسطينية الخاصة، فإنها لم تنسَ
من هُمْ خارج الإطار الفلسطيني الذين يشكلون عمقاً هاماً ويسهمون في منظور التحرير
بدور هام، وهو ما تعرض له الفصل الرابع حيث ركز على حديث الشعار عند غير
الفلسطينيين عرباً ومسلمين وأجانب، ورؤية الشعار أخيراً للعدو الإسرائيلي واليهود
وما إلى ذلك .
وإذا اعتبرنا أن الشعار
المكتوب بالعربية هو السائد في المجتمع الفلسطيني مجتمع الانتفاضة فإن العدو هو
الآخر قد أسهم في العملية بدورٍ يجعلنا نلتفت إليه نظراً لموقع الشعارات في جغرافية
العينة والمسببات التي دعته لكتابتها تحريضاً وتغريضاً أو كجزء من الحرب النفسية
التي تشنها السلطات الاحتلالية على السكان. وقد كرسنا الفصل الخامس من هذا المحور
للحديث عن شعارات اليهود والعملاء الذين هم في صف العدو إضافة إلى قضايا أخرى عامة.
وعلى قلة الشعارات تلك فإننا لا نستطيع إهمالها أو إغفالها حيث مارس الجنود الكتابة
تلك باللغة العبرية حيناً والعربية حيناً آخر، إضافة إلى المستوطنين، ثم الجهد
الإسرائيلي الدؤوب في محاربة الشعارات ومسحها، وهذه رؤية مكمّلة للفعل الفلسطيني
السائد والكبير، إضافة إلى بعض الطرائف التي ولدت من خلال الكتابة، والتعبير
الرياضي الذي اشتهر في الانتفاضة من خلال استخدام الرموز الرياضية والأرقام لتذكير
الناس بأحداث هامة في تاريخهم المعاصر .
وكتتمة للكتاب قمنا بإعداد
مجموعة من الملاحق التي رسمت البعد المكاني الذي قامت عليه الدراسة (المدن والقرى
والمخيمات) ثم عينة الدراسة لوضعها بين أيدي المتخصصين والقراء الذين تهمهم هذه
الظاهرة من أجل قراءة الظاهرة ودراستها بصورة أكثر علمية، وتحليلها تحليلاً عميقاً
.
ولا يفوتنا أخيراً أن نؤكد
أن هذا الكتاب هو إسهام صغير في ظاهرة أكبر هي الانتفاضة التي حملت الشعارات همها،
وهو مدخل نقدمه للقراء والباحثين علّهم يجدون في محاولتنا تحفيزاً لأعمال أكثر جدية
وهو جهد مُقِلّ، ومحاولة في الطريق.
في النهاية فإن الكتاب مدين
للكثيرين ممن لم يبخلوا على الباحثين بإرادتهم وتعليقاتهم، التي عمقت الرؤية وأعطت
الكتاب مداه ومساحته الحقيقية ونخص بالذكر في هذا السياق الدكتور صالح عبد الجواد
من جامعة بيرزيت الذي لم يألُ جهداً في النصيحة وتزويدنا ببعض الدراسات المترجمة عن
العبرية والفرنسية، والأستاذ عبد العزيز أبو هدبا الباحث في التراث الشعبي، وحسين
غيث من جمعية إنعاش الأسرة في البيرة، حيث أكد على أهمية الظاهرة في إطارها الشعبي
وحميمية العلاقة بين الموروث الشعبي والدافع الذي ألح على كاتب الشعار الفلسطيني
لبناء مصطلحه الخاص به .
كذلك الدكتور ناجي عبد
الجبار عميد كلية الآداب في جامعة بيرزيت الذي راجع النسخة الأولية من الكتاب وأبدى
العديد من الملاحظات القيمة، فهو وبرغم مشاغله الكثيرة حمل همّ الكتاب منذ اللحظات
الأولى لميلاده .
إنني مدين للأستاذ طارق
بالكثير، فهو أتاح لي فرصة الإسهام بجزء بسيط من هذا العمل. والعمل أولاً وأخيراً
هو جهد الأستاذ طارق وولده الحقيقي. وما أنا إلا مُسهم في حدودٍ قليلة، والشكر
أولاً وأخيراً لله سبحانه وتعالى.
هوامش
المقدمة:
(*) لقد
تجرأ أشبال الانتفاضة على سلطة الجيش والاحتلال ولم يعودوا يخافون من السلطات
الأضعف كالأب والمعلم بل تجرؤوا عليهم أيضاً. وهذه الظاهرة ما لها وما عليها تحتاج
إلى دراسة .
(1) جريدة
النهار المقدسية 24/2/1990 .
(2)
الشعارات والرموز الانتخابية د. صفوت العالم، ص 13، ص1 1989م، القاهرة بدون دار نشر
.
(3) الآية
30 سورة محمد
(4) الآية
27 سورة إبراهيم
(5) الآية
118 سورة آل عمران
(6) الآية
30 سورة التوبة
(7) البخاري
ومسلم
(8)
The New Funk and Wagnalls Encyclopedia, Vol.16 P.5946 Unicorn
New York: Publshers, Inc.
1955..
|