الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

 الفصل الثاني

 

الكتابة الجدارية في التجربة والممارسة الإنسانية

 

  1- مدخل تاريخي عام:

  في مجمل ما توفر لدينا من كتابات ودراسات أرّخت للظاهرة الشعارية في العالم، نستطيع أن نؤكد مقولة أن الكتابة الجدارية / الشعارية هي ظاهرة إنسانية، وممارسة يومية قام بتوظيفها الفرد العادي للتعبير عن أمنياته الخاصة، والتراث الإنساني على تنوعه أضفى على الكتابة نفسها خصائص مجتمعاتها الفردية والجماعية لتشكلها بعد ذلك شكلاً جماعياً للتجربة الإنسانية العامة في تفاعلاتها مع الواقع وفي توقها لإفراغ مكنوناتها الذاتية على الجدران العامة والخاصة / المراحيض وما إلى ذلك .

  يعود الاهتمام بالظاهرة نفسها إلى البحوث الأثرية والحفريات التي قامت بها البعثات الأثرية في أنحاء شتى من العالم. يومها بدأ العلماء الأثريّون يحللون كتابات وحفريات وجدت في أماكن كثيرة ويبرزون أشكال الاختلاف والتنوع بين مجموع ما وجد وما عثر عليه من كتابات أي التفريق بين الكتابة التاريخية الرسمية والكتابة التاريخية العامة . ويبدو أن اهتمام العلماء الأثرّيين أنصب بناء على أول مجموعة دراسة صدرت في هذا الاتجاه لتحليل الكتابات التي بدأت في الظهور على جدران المراحيض العامة، حيث أتاحت الفرصة للكثيرين منهم جمع وبالتالي تحليل عدد كبير من هذه الكتابات ووضعها في منظورها الاجتماعي البحثي العام. ومع أن الاهتمام يعود بجذوره إلى السنوات الأولى من هذا القرن إلا أن أول مجموعة أرّخت وحلّلت هذه الظاهرة انصبت في دراسة الكتابة الجدارية في جانبها اللغوي الاجتماعي حيث إنّ أول دراسة صدرت تحت هذا الاتجاه اهتمت بتحليل المفردات اللغوية الواردة في الكتابات الجدارية، حيث صدرت أول دراسة في سنة 1928م من إعداد الباحث اللغوي الأمريكي ريد، فقد أتاحت له الفرصة للنظر بصورة واسعة لكمٍّ ضخم من الكتابات على جدران المراحيض في منطقة غرب الولايات

 

المتحدة وكندا، هذه المظاهر اللغوية المكتوبة جعلته وهو الباحث اللغوي يعطي بالاً لها ليدرسها في إطارها العلمي. فقد كتب قائلاً "إنها ولدت الزيارات للأماكن العامة وعكست اهتماماً كبيراً، وإنّ هذه المفردات والكتابات يجب أن تكون موضوعاً جيداً للبحث من قبل علماء البحث اللغوي"، والكتابات التي توافرت في ذلك الحين، ما هي إلا مصادر لغوية لهجية تعكس استخدام الإنسان العادي للتراث اللغوي المحلي وتوظيفه اللهجة العامية (Colloquial)للتعبير عن مفرداته وأقواله الذاتية، إنها مصادر فولكلورية جديرة في نظر (Read) للدراسة والبحث والتحليل .

  وإذا اعتبرنا مجهود (Read ) في هذا الإطار نقطة البداية للاهتمام الواسع بمجمل الكتابة / الظاهرة التي وجدت من قبل عبر الحفريات الأثرية، فإنها والحالة هذه سرّ هذا الاهتمام بها من قبل العلماء هؤلاء، إذ إنّ ضرورة كبيرة من قبل العلماء الاجتماعيين بفروعهم الكثيرة لدراسة هذه الظاهرة في منظورها التراثي / الفلكلوري اللغوي، النفسي، الاجتماعي Sociology) (، ومن قبل دراستها في جانبها الآثاري (Archeology) حتى وصلت دراسة الظاهرة والجهود التي بذلت لتكريسها كظاهرة اجتماعية إلى نشوء مدرسة اجتماعية تعنى بالبحث في كتابات العامة بصفتها ممثلاً لثقافة المجتمع وطرائق تفكيره، فهي تعكس جانباً من السيرة الذاتية الخاصة للفرد الذي يكتبها، وسيرة المجتمع، وترسم بالضرورة ملامح التغيرات الاجتماعية اليومية أي ما يحصل الآن في المدن والقرى والمجتمعات المدنية وداخل التجمعات السكانية في أنحاء كثيرة من العالم؛ بحيث أصبحت الظاهرة موضوع دراسة أكاديمية موسعة في المدارس الاجتماعية في أمريكا، خاصة مدرسة نيويورك وعالمها الشهير ببحوثه في هذه الظاهرة Robert- Reisner الذي ألفّ كتاباً حول ظاهرة الكتابات الجدارية وتتبع جذورها من آلاف السنين حتى يومنا هذا (1) .

 

  وعلى الرغم من توزع الاهتمام وتنوعه بالظاهرة إلا أن جذورها الأولى التي ركزت على الكتابة الجدارية والعقلانية التي تولدت من كون الكتابات من غير مسمى لفاعلها وكاتبها وهذه تعود إلى الظاهرة العامة التي حكمتها تقاليد المجتمع وعاداته ونعني بها (الحياء) الذي دفع كاتب الشعار إلى أن يغفل اسمه وأن يختار مثل هذا المكان للتعبير والكتابة بلغته العامة البسيطة وهنا تطرح الكتابة شكل الممنوع في المجتمع (Tabo) فالحياء تضمن إغفال الاسم وعدم التعرف على الكاتب الذي فر من أغلال مجتمعه وتقاليده ليكتب ويعبر عن الأشياء من خلال الذات .

  مع تطور علم الغرافيتي في العالم الغربي ازداد الحديث عن جوهر هذه الظاهرة وتوصيفها ضمن الإطار الأدبي العام لتعريف الأدب أو الفن، إذا أخذنا الأدب بمفهومه العام الذي ورد في تلك الأدبيات وحدده الكثير من الباحثين بالمفهوم الواسع الشامل لكل ما صاغه الإنسان في قالب لغوي ليوصله إلى الذاكرة حتى أن (أُغسطس بوك) أراد أن يجعل النقوش البدائية لشعب من الشعوب داخلة في دائرة أدبه وأراد (فلهلم شيرد) أن يدخل تاريخ العلوم في دائرة البحث الأدبي التاريخي (2) وسنرجئ فحص الظاهرة بالمفهوم الموضح هنا إلى فرصة أخرى .

  يعمد الباحثون إلى تقسيم الكتابات الجدارية إلى نوعين من الكتابات :

  <النوع الأول : ويسمونه الكتابة العامة وتكون البداية من الأسماء والرموز والأسماء التي تكتب وتحفر أو ترش بالدهان على الجدران الخارجية والأشجار والأسيجة ولوحات الإعلان، والأنفاق.>

<النوع الثاني : الكتابات الخاصة وهي الكتابات التي توجد على جدران المراحيض خاصة وما إلى ذلك، أو على جدران داخلية / عامة أيضاً، إذ إنْ الجدار له دور داخلي في البيوت ولا يدخل هذا الإطار في التوصيف السابق للكتابة الخاصة، وقد اقترح الن دنديز العالم الأثربولوجي الأمريكي اسماً خاصاً لمثل هذا النوع من الكتابات، فيما أسماه (Latrinatia) وقد انتقد ايرنست ابل هذا التعريف، إذ لا حاجة لدينا إلى مصطلح جديد ما دام جوهر المصطلح الذي أورده دنديز يدل على الظاهرة نفسها دون تداخلات جديدة . (3)> 

  دائماً ينظر إلى الكتابة الجدارية بناءً على محتواها الثقافي وبناءً عليه فإن تحليل مثل هذه الأنواع يندرج أساساً في مجمل التحليل العام للثقافة الشعبية، فهي حسب توصيف ABELL، ممثل حقيقي ليس للثقافة بل للعقلية التي تطرح مثل هذه الكتابات التي تبدع مشاكل وإشكاليات مجتمعها. ومع الإقرار بأن مثل هذه الكتابات وبناءً على صيغتها ليس الإنتاج الإبداعي الممتاز للمجتمع ولكنها في بعض قضاياها تمثل إنتاجاً اجتماعياً جيداً، وتؤكد مثلاً أخلاقية لواقع المجتمع الذي تعيش وتنمو فيه. وعليه نستطيع القول أن السائد في الكتابات هو ما يفكر فيه مجموع المجتمع، وبصورة أخرى فإن فردية الكتابة وإن عبرت عن رؤى وتحليلات فردية إلا أنها ترتبط بالواقع المعيش، فهي - أي الكتابات - تشكل سيرة أو جزءاً من السيرة الذاتية (AUTOBIOGRAPHY) لكاتبها بصفته فرداً في المجتمع، من واقع أن الكاتب يكشف عن جزء من نفسيته، ومُثُل مجتمعه التي يكتب عنها. وفي الرؤية التاريخية للكتابة ذاتها فإنها تعطي الباحث صورة عن الحقيقة أكثر من الكلام المنمق الذي يكشف عنه المؤرخ العام للمجتمع ويغطي اللوحة الزخرفية أو الفنية للمجتمع بالكلام المسجل والأطر السياسية والتي تتشكل من حركة الدراسة العقلية والعلمية التي يقيم عليها المؤرخ الأخيرة لتاريخ مجتمعه .

  وعليه فإن الدواعي والأسباب لدراسة مثل هذه الظاهرة ليتبين عموماً من حاجة العالم الاجتماعي . . . نفسياً أو فولكلورياً نبتت حركة مجتمعه، فالدراسات النفسية التي ركزت على مثل هذا النوع من الإنتاج العمومي للشعب حاولت أن تدرس نفسية مجتمعها من خلال ما تطرحه الكتابة الخاصة بالذات والكتابة العامة. والاهتمام بالظاهرة أساساً ليس لأنها ممتعة أو مهمة أو مجهولة بقدر ما تعطي للعالم النفسي فرصة الربط بين ما يكتبه العامة والخبرة / التجربة الإنسانية في محورها النفسي أي أن مضمون الرسالة المكتوبة تتيح للعالم فرصة الربط تلك وبالتالي دراسة واختبار البنية النفسية لمجتمعه بناء على التجربة تلك، وكما رأينا فإن الدراسة ذاتها أتاحت فرصة كما للنفسي لدراسة البنى اللغوية وملامح التغيرات اللهجية والاجتماعية ودراسة الكثير من المفردات التي كانت ولو لوقت قريب تعتبر من المحرمات في مجتمعها ووجدت فرصتها للظهور مغلفة بالحياء على الجدران في المراحيض وغيرها من الأماكن البعيدة عن أعين النظار، وأعطت الكاتب الفلكلوري المجال الواسع لدراسة التطورات الاجتماعية وملامح التغير في العادات والتقاليد التي تشكل الثقافة العامة للمجتمع، ومن هنا فإن آلن دنديز حرص في توصيفه للمواد الفلكلورية الشعبية أن يزج بالشعارات ضمن المواد التي تشكل ثقافة العادات والتقاليد للمجتمع ضمن تلك القائمة، فهو يرى فيما ينقله عنه شريف كناغمة أن تلك المواد تتكون من :

  الأساطير، الخرافات، القصص الشعبية، النكات، الأمثال، الحزائر، الألغاز، الترانيم، التعاويذ، التبريكات، اللعنات، الشتائم، السباب، الإيحاء والإجابات التقليدية، المقامرة، أسماء الأماكن، المواقع والملاحم الشعبية وما يكتب على القبور، والسيارات، واليافطات (والجدران)، أغاني الأطفال وأغاني الكبار، ونداءات الباعة وما إلى ذلك . . ." (4)

  وعموماً فإن علماء الاجتماع على اختلاف اتجاهاتهم نظروا للظاهرة من زاويتهم التي تخدمهم واتفقوا على أن الكتابة الجدارية / الشعارية تكتب من قبل الشعب / العامة حيث وجدوا في الجدران وسيلتهم الهامة للاعتراف والتعبير عن ما يدور في أفكارهم من تداعيات وإفراغ هذا المحتوى العقلي الذي ينم عن قلق اجتماعي صرف .

  وفي نفس الاتجاه فإن علماء الأثريات والمنحوتات وجدوا في الكتابة نفسها فرصة لدراسة الواقع اليومي وعادات للشعوب التي عاشت منذ آلاف السنين مثال ذلك دراسة الشعارات والكتابات الجدارية / الرسوم على جدران المعابد التي خلفتها شعوب المايا في غواتيمالا وتحديداً كتابات تيكال / The Grarfti of Tikal (5) ، كما أن معظم الدراسات التي صدرت عن الظاهرة حرصت على إرجاع مبدأ الكتابة إلى الوراء آلاف السنين بدءاً من Robert Reisener في كتبه عن تاريخ الشعارات، ومروراً بمحاولات الأثاريين الأمريكيين لدراسة الكتابات في غواتيمالا والمكسيك وأخيراً في دراسة بوشنل (Bushnell) عن شعارات موسكو وتجربة الإنسان السوفياتي في الكتابة العامة، التي وجدت في المقابر والمعابد والبنايات القديمة، وما خبره فيكتور هوجو / Victor Hugo من كشوفات في كاتدرائية نوتردام Noterdam من كتابات تعزز الجانب الأثري من اهتمام الباحثين وعملهم الحثيث لتحليل ما اعتبر كتابات يومية وعامة خلفتها الشعوب عبر تجربتها الإنسانية العميقة .

  لقد ناقش العالم النفسي (Codpaile) (6) مثالاً أن المركبات الفكرية التي مثلتها الكتابات الجدارية لها مغزىً اجتماعي باعتبار ما نظر إليها على أنها تلقي ضوءاً على المواقف الاجتماعية للصراع النفسي والإنساني وبالمثل فإن (M.K. opler) (7) حدد أن درجة الامتلاء في الكتابات الجدارية الخام في مجتمعنا تعكس مشكلاتنا الاجتماعية كما أن لوماس (8)، أكد أن المعطيات الثقافية الواردة في مجمل الكتابات الجدارية التي دأب العامة على كتابتها والتعبير بها يتضمن الرسالة الاجتماعية التي تعكس المواقف الاجتماعية والتغيرات العريقة في الإنشاء الثقافي الرئيس / المركزي.

  وللنتيجة ذاتها توصل (Richard Freeman) (9) حيث أكد أن الكتابات تلك تعكس طبيعة المجتمع وتحديدات الطابع العاطفي للأفراد الذين يمارسون هذا النوع من التعبير . .

  مدرسة نيويورك في اهتمامها بالظاهرة ركزت على الطابع المعلوماتي الذي يقدمه الغرافيتي عن المجتمع وحركته، وقدمت لطلابها متطلباً إضافياً لدراسة الظاهرة في حاضرها وماضيها، بل إن الأساتذة في الأكاديمية تلك كانوا يطلبون من التلاميذ من خلال الدرس العملي القيام بجمع الكتابات المتوافرة في أنحاء المدينة ثم تحليلها ومناقشتها، حتى أن الأستاذ المشهور في علم الكتابة تلك (Robert Reisner) اشترط في طلابه حساسية مفرطة لما هو مكتوب على الجدران لأن المكتوب في نظره يمثل (الباروميتر) لطبيعة التغيرات الاجتماعية التي تفرض نفسها وتحتل تفكير العامة من المجتمع. وأكد على أن المكتوب دائماً يخبرنا عما يحصل في مدننا وقرانا وأحيائنا .

  وكما منحنا العلم الاجتماعي بشعبه المختلفة فرصة لدراسة الكتابة الجدرانية، فإن المدرسة النفسية ركزت على الدوافع النفسية التي تؤدي بالأفراد إلى الكتابة على جدران المراحيض، بل استخدمت الجدران في تجارب لمعالجة المرضى النفسين في المستشفيات النفسية، وقام بعضهم بتجارب لتحليل العلاقة بين الجدران العذراء أي الخالية من الكتابات ونوع الكتابة المكتوب عليها بعد ذلك ودراسة درجة الإثارة والانتباه التي تقنع الإنسان العادي باتخاذ موقف تجاهها وارتكزت تلك النظرة على أن قيمة المبادئ الاجتماعية تنبع من قدرة الكتابات على تمثلها وتمثيلها على الجدران وبالتالي إثارتنا بصورة أو بأخرى، بل ذهب الكثير منهم خاصة (ABELL) إلى دراسة الظاهرة في الوعي النفسي من خلال مكتسبات علم النفس واستخدام أدواته، وبالذات مقولات فرويد في الأنا / والعقل الباطن والظاهر ونلاحظ في دراسة أبل (ABELL) السابقة الإلحاح الشديد على دراسة العلاقة بين رائحة العفن الإنساني الخارج منه في العملية الطبيعية (waste) والدوافع التي تدفع الكاتب إلى استخدام جدار المرحاض مثلاً للإفراغ والتعبير، كذلك محتوى المفردات وعلاقتها بمفهوم الحياء والممنوع في المجتمع. وقد اعتمد الباحث هنا على السيرة الذاتية التي كتبها أحد الباحثين الأمينين على أفكار فرويد عنه (11).

  وإذا كانت الكتابات الخاصة قد حظيت بالاهتمام من قبل العالم الاجتماعي والنفسي فإن الكتابات العامة قد نالت حظها نمن الاهتمام في دائرة البحث الاجتماعي حيث درست الأبحاث تلك العلاقات بين الكتابات العامة في أماكن مطروقة وبعيدة وبقيت فكرة الخوف والمحتوى أساساً في فحص مثل هذه الكتابات. فبقدر ما تكون الكتابة عامة غير متطرقة للمعاني الممنوعة، أي خلو الرسالة من المضامين الجنسية بقدر ما تكون قريبة من الإطار الجغرافي للحي أو المدينة التي يعيش فيها الكاتب وبقدر احتوائها على المضمون السابق بقدر ما يبتعد عن الحي / المجتمع / المدينة على حد تعريف (Robeent Resiner) (12)، أي أن عموم الرسالة أو خصوصيتها يرتبط أساساً بالمضمون الذي تطرحه وتؤكده، وكذلك المعاني التي تطالب بتحقيقها في واقعها الاجتماعي .

  وفي نهاية هذه الفقرة لابد من الإشارة إلى أن الجهد العلمي وإن أولى الظاهرة اهتماماً إلا أنه وعلى حد تعبير (Bushnell) (13) لم يحللها التحليل الكافي فمعظم ما قدم في إطار دراسة الكتابة الجدارية انصب على توثيقها وتصنيفها مثال ذلك محاولات (Kilroy) وغيره من المهتمين بالظاهرة في جمع العديد من الكتابات وتصنيفها وتقديمها للقراء دون محاولة دراسة أبعادها الحضارية ودورها في الفكر الإنساني ودور الفرد العام في صياغة المواقف والاتجاهات في مجتمعه، استثناءات قليلة في هذا الاتجاه أبدت اهتماماً في بعد من أبعاد العملية ودراستها ولاحظت زواياها بناءً على نظريات ومقولات العلوم الاجتماعية. ونود قبل أن نقدم تحليلاً لأهم مدرسة في الكتابة الجدارية التي اختصت بالظاهرة وأبرزتها ومنها انتشرت إلى أنحاء العالم مع الاحتفاظ بطابع مدينة نيويورك عاصمة الكتابة الجدارية في العالم، نود أن نشير إلى أن الأفراد الذين يمارسون الكتابة اليوم هم الشباب والصبيان، الذين ينتمون إلى قاع المجتمع ومعظمهم من الشباب الغاضبين الذين ينتمون إلى حركات الفن الشعبي الذي انتشرت مظاهره كتعبير عن ثقافة الغرب الفلوكلورية في أنحاء شتى من العالم وخاصة أوروبا، وما دمنا نتحدث عن انتشار الظاهرة وقبلها عن بعض نواحيها الثقافية فلابد من الإلحاح أيضاً إلى أن الكتابة الجدارية ينظر إليها دائماً على أنها خارج الإطار الرسمي للثقافة، لأنها نبتت وتبنتها جماعات هي في عرف الثقافة الرسمية خارجة عن محورها. أي أن محتوى الكتابة وإن عبرت عن ثقافة وسلوك المجتمع، إلا أنها ما زالت تدور في إطار جماعات هامشية، أو مضادة لحركة المجتمع، وعليه توصف مثل هذه الظاهرة بأنها ثقافة هامشية / مضادة . وقد أجاد (Bushnell) الربط بين مفهوم الثقافة الهامشية (Culture) ومعطيات الكتابات الجدارية خاصة عند تحليله كتابات موسكو وربطها بالمستوى الثقافي الرسمي حيث يتم إدراجها تحت الإطار الهامشي حيث نشأت كغيرها / أي في الاتحاد السوفيتي "سابقاً" مع بروز المظاهر الثقافية الغربية خاصة حركات الفن والموسيقى أو في العالم أجمع .

 

  2- نيويورك الكتابة والرسوم :

  تمثل نيويورك بالنسبة للحركة الحديثة في الكتابة الجدارية / الشعارية مركزاً شكل شبكة من النقاط الهامة التي اعتبرت امتداداً لظاهرة نيويورك الجدارية، حيث نشأت في أحياء المدينة حركات الشباب المهتمة في الكتابة والتي مارست هذا الفن الثقافي باعتباره نوعاً من الهزل والمزاح (14)، فالأطفال يكتبون على الجدران لأن الكتابة لون من المرح والمزاح. ولكن الظاهرة لا يمكن حصرها في مثل هذه المقولة التي ترددت على ألسنة الكثيرين ممن تابعوا تطور الفعل الكتابي هذا، إذ إنّ نمو الظاهرة وانتشارها ثم المدارس الثقافية التي برزت فيها أكدت أن جانباً هاماً آخر للظاهرة ارتبط بالظروف الاجتماعية لحركات الكتابة التي أطلق عليها أسماء كثيرة من قبل الفرق (Crews) والملوك، والألعاب (toys)، (bonbers) وما شابه ذلك، وما تبع ذلك من بروز فنانين تمردوا على الفن المعروف في المتاحف وصالات العرض وخرجوا إلى الشارع العام يبرزون فنهم في الهواء الطلق وعلى الجدران العمومية والقطارات، حيث أصبحت نيويورك قبلة للسياح ومركزاً مهما للباحثين عن المتعة والمشاهدة والدارسين لمثل هذا الفن، وطرحت الظاهرة في تطورها الكثير من الإشكاليات حول علاقة المجتمع وموقفه منها باعتبارها خطراً على الذوق العام، وما يتبع ذلك التطور من بروز مدارس فنية على أيدي مهرة هذا الفن ورواده الذين أصبحوا ملوك المدينة عبر تاريخ وتطور هذه الظاهرة وصار أصحاب المحلات يستعينون برواد الفن لطبع ردهات محلاتهم بالرسوم الهزلية والرموز التي أصبحت شيئاً لازماً لمثل هذه الصناعة. ولوهلة أصبحت نيويورك عاصمة هامة للكتابة الجدارية في أمريكا والعالم وامتد أثرها إلى بقية المدن الأمريكية والأوروبية في لندن وكوبنهاجن، وغيرها من المدن إضافة إلى سدني في أستراليا. ووصفها الكثيرون بأنها (مكة) حيث يحج إليها سنوياً مئات الألوف من الباحثين والسياح، وجامعي التحف الفنية والمصورين الذين يلتقطون مباشرة ما يرسمه أبناء المدينة ويكتبونه على الجدران.

  وتعود الظاهرة هذه في نيويورك إلى منتصف السبعينات (15) حيث بدأت مجموعات من شباب المدينة يستخدمون الجدران للتعبير عن ذواتهم وإحساسهم النفسي وتفوقهم وإفرازها في صور وكتابات هزلية ومثيرة للضحك. ويبدو أن الكتابة ارتبط ظهورها في نيويورك أولاً في الأنفاق وعلى القطارات، إذ أن الكتابة عليها كان بمثابة المغامرة، والجماعات التي بدأت هذا الاتجاه هم من الشباب السود والاسبانيين الأمريكيين الذين وجدوا في أوضاعهم المادية والاجتماعية منفذاً لهم لخلق وإبداع طرائق تفكير خارجة عن إطار الثقافة العامة وقد توصلوا عبر تطوير أدواتهم ورسومهم إلى إبداع اتجاه جديد في الكتابة الجدارية لكن العلامة الأساسية في تطور هذا الفن في نيويورك هي مدرسة (Hip-Hop) التي برزت في أوائل الثمانينات وكانت مسؤولة عن شعبية هذا الفن وتطوره حيث وصفت بالانفجار داخل حركة التشكيل الفني الجداري وأسهمت تلك الحركة من خلال وسائل الإعلام التي أبرزت رؤيتها الاجتماعية مثلاً (أشرطة الفيديو) والكتب التي وضعت عن المدرسة وأعلامها. كما أنها أيضاً ساهمت في شعبية فنون فولكلورية هامشية ومنها عبرت عن طبيعة المبنى الثقافي الأمريكي، "الراب" (Rap Music) والرقص الذي عرف (Dancing - (Break.

  والكتابة هذه من خلال مدرسة نيويورك صنعت أبطالها الذين بدأوا يوقعون بأسماء مستعارة وغريبة ترتبط بطبيعة ثقافتهم الأصلية وتوقهم لها في ظل مجتمع رافض لهم، وسيادة الأبيض على الأسود أو الملون وتأسست فرق أخرى صنعت الفن هذا وتعاونت فيما بينها، لكن كان لكل فنان لونه الخاص به وإن عبر عن بعض مبادئ هذه المدرسة أو تلك وقد أسهمت السينما في أفلام الشوارع خاصة " قتال الشوارع" "الفيلم الشهير" في نقل هذا الإبداع العام، بل إن الفيلم السابق قدم للحركة الفنية إسهامات أكثر من أي مرسلة إعلامية أخرى. ونتيجة لهذا التطور فقد جذبت تلك الكتابات والرسوم المهتمين بجمع الفنون واللوحات والتحف الفنية والمصورين الذين لاحقوا الظاهرة من خلال كتبهم الكثيرة التي حفظت الظاهرة المتغيرة كل دقيقة وساعة ويوم (16) ويمكن والحالة هذه الحديث عن اتجاهين برزا في فن نيويورك الجداري باعتبار علاقة المجتمع والشارع بهما وطبيعية وعفوية الفن وتعقيداته .

  <الاتجاه الأول : الذي تأثر بالشارع العام الثقافي واهتمامه به (الجمهور) فأصبح يستجيب لهؤلاء المهتمين من خلال ابتكار وتطوير أدواته ورموزه الفنية وبالتالي أصبحت لوحاته العامة أكثر تعقيداً، ولكنها رقيقة وجميلة كنداء جميل، وجميلة أيضاً للمهتمين بها الذين قدموا لملاحقة هذه الظاهرة السريعة من أنحاء شتى من العالم خاصة أوروبا، الفنانون في هذا الاتجاه تخلوا عن البناء الأصلي العفوي الذي قامت عليه الحركة مع احتفاظهم بالأداة التي ارتبطت ببروز الظاهرة أي استخدام أدوات الرش (Sprey). وقد أصبح هذا الاتجاه مسؤولاً عن نقل رؤية الشارع الأمريكي إلى العالم الممتد.>

<الاتجاه الثاني : الذي اعتبر امتداداً وتطويراً لأدوات الحركة الفنية في نيويورك والمدن الأمريكية الأخرى وعواصم ومراكز جديدة ظهرت وأكدت الطابع الفني الأول في أنحاء جديدة من العالم. وهنا فإن النظر إلى هذا الاتجاه في امتداداته وتوسعاته لا تنفصل عن ثقافة الشباب، إذ إنْ القائمين على الاتجاه هم دائماً من الشباب المراهق الرافض، أي أنهم جزء من الثقافة الشعبية التي ارتبطت بإنشاء حركات الفن الأخرى، الموسيقية، موسيقى (الراب) "Rap music" (Break Dancing D.J.I) وما إلى ذلك (17).> 

  كلا الاتجاهين حافظ - على اختلاف في الرؤية - على البناء العام الذي توضحت معالمه في حركة الهب هوب "Hip-Hop" التي أسهمت المرسلة الإعلامية في رسم معالمها ونقلها بشكل واسع إلى جماهير كثيرة في العالم الأمريكي، والعالم الآخر .

  جوهر الحلم الأمريكي هو ما عبّرت عنه الحركة الفنية في نيويورك، ولذلك فقد أبرزت رموز وشعارات الحلم، حيث ظهرت مضامينه في رسومهم عبر استخدام تمثال الحرية، وناطحات السحاب، الجسور، الأنفاق والقطارات في الرسوم التصويرية وانتشرت إلى مدن من مثل سيدني، لندن، وشيكاغو وغير ذلك وقد وصفت هذه الرموز بأنها الأيقونات التي أرخت الربيع الجميل للكتابة الغرافيتية وتطورها (18).

  وأضفت جانباً من القوة والعملقة عليه شأن الظاهرة الأمريكية المرتبطة بالعظمة والتفوق مع استخدام مؤثرات خاصة هزلية مثيرة للسخرية، ومضحكة وخيالية في الوقت ذاته. ولا يستطيع أي كاتب تجاوز ظاهرة ارتباط الرسم التصويري بداية بالقطارات التي ظهرت بصورة مثيرة للانتباه في الأنفاق، حاملة تغييرات ومحتويات تفكير الشباب الرافض إلا أن الجدار أيضاً كان مثيراً لانتباه الفنان في نيويورك ولكن بصورة أقل .

  وفي تعليل الظاهرة هذه حلل أحد كتاب الجدران في بريطانيا السبب بأن الرسم الجداري في أمريكا ارتبط بحركة القطار أي أن الرسم أصبح جزءاً من القطار في المقابل فإن الرسوم الجدارية في بريطانيا التصقت بالجدار غير المتحرك ولذلك لا يمكن تصور - حسب رؤية الفنان هذا - ظاهرة الحركة في رسوم بريطانيا وبعض المدن الأوروبية، كذلك فإن العدد الهائل من الفنانين الذين أكدوا تجربتهم في الأنفاق والأماكن العامة جعل من قمع الظاهرة الخارجة على المجتمع شيئاً عصياً على الحل، في المقابل فإن أي قطار كان يرش في مدن ألمانية يتقاعد من الخدمة لفترة ويطلى من جديد ويعاد إلى الخدمة، ولأنها أي الكتابة والتصوير في هذه المدن الألمانية ارتبطت بأفراد قليلين في مقابل أعداد ضخمة في مدن أمريكية أخرى لذلك أصبحت الظاهرة سائدة في القطار الأمريكي أكثر من غيره. والسؤال المطروح الآن عن سبب التفات الأمريكي لجدران الأنفاق والقطارات كخلفية للوحاته، "والجواب عليه يرتبط بدرجة الوضوح العالية التي امتلكها المكان وكذلك العدد الهائل من السكان الذين يستخدمون المحطات يومياً جعلت من الفنان يلتفت إليهم كمستقبلين للرسالة الإعلامية الرافضة ومخاطبتهم بما يدور في أفكارهم ودواخلهم (19).

  ومع أن الفنان الأمريكي بقي أميناً للرسم على القطار إلا أن بعضهم آثر أن يلتصق بجدار حيّه حيث ينقل مؤثراته الداخلية إلى سكان هذا الحي مبتعداً عن القطار ولكنه أي (القطار) كان يلبي بصورة أخرى للفنان السابق رغبات في المغامرة والرسم في أماكن غير مطروقة وعصية على جماعات (الضد) التي أنشأتها السلطات العامة لمكافحة الظاهرة .

  هذه التجربة الفنية منحت الكتابة والفنانين في نيويورك مركزاً هاماً في تاريخ الظاهرة بصورة جعلتهم يفتخرون أن ما أبدعوه من رسوم ألهمت الفنانين الآخرين في أنحاء عديدة من العالم، حيث نقلت تلك المراكز مبادئ وأسس التصوير لديهم مع اختلاف ومواءمة التجربة الفنية هذه التي يعيشون فيها وهذا جانب مؤرق لهم، فبعض الفنانين الذي أتاحت لهم بعض العواصم الأوروبية فرصة إبراز فنهم وتعبيرهم وجدوا أن النقل لم يكن بصورة حرفية، فالطريقة هي هي ولكن الرؤية تختلف والصورة التي تشكل على الجدار تعبر عن ثقافة شعبية مغايرة لما اعتاد عليه الفنان في بلده وهذا جانب جميل من إبداع الكتابة ذاتها .

  وفي حديثنا عن حركة نيويورك لا يستطيع الكاتب أن يتجاهل مؤثرات عالمية طبعت أعمالهم ما دامت الظاهرة أثرت عالمياً في الفن الجداري، فمصادر التجربة قائمة وعميقة في الجذر الإنساني تعود إلى النتاج العالمي لإبداع الجدار في مغاور أفريقيا، وحركات الرسم التصويري في المكسيك (WAPA)، والكتابات التي وجدت قبل التاريخ أصلاً كلها كانت مصادر إبداعية ألهمت الفنان الأمريكي لإنتاج وخلق تصويره الخاص بواقعه . (20)

 

  3- سوهو مركز آخر في التعبير عن ثقافة الجدران :

  مركز آخر في أمريكا قدم رؤية مختلفة وإن اعتبرت امتداداً لما ظهر في نيويورك، ما رسم بعض ملامحه ديفيد روبنسون / (1990) في مجموعته عن جدران سوهو (21) . فالكاتب "روبنسون" مدرس له تجربته في أفريقيا. وأفريقيا في الحلم الغربي ظلت معرضاً مفتوحاً وقابلاً لكل التفسيرات الجميلة وإن استخدمها الفنان في السينما كخلفية لأغراضه، فإنها تظل معرضاً فنياً مفتوحاً، حيث تعتبر المركبات الثقافية من صميم الحياة اليومية الإفريقية توجد في الأسواق وأشكال البنايات والعادات والتقاليد، وهو كذلك مصور فوتوغرافي أطلق على نفسه مصور الشوارع، قادته خطواته إلى حي سوهو في هيوستون وتابع ظاهرة الرسم على الجدران والمعايير الفنية التي أسس عليها فنانو الحي رسومهم ولوحاتهم، وفكرة المؤلف، قائمة على رؤية الفن المتماهي في الحياة اليومية، إذ لا نستطيع تصور اللوحة الفنية معزولة عن إطارها الواقعي وهذا نابع من إلهامات التجربة الأفريقية، والكاتب في استخدامه للمصطلح "Graffiti" يحاول توسيع رؤيته للفن التي ارتبطت بالكتابة، فهو ينتقل من الكتابة إلى الفن إلى التصوير شأن الكثيرين ممن وسعوا المفهوم بدءاً من كامبن (Kampen) 1978 في بحوثه عن الكتابة الجدارية في تيكال / غواتيمالا. ويستر webster (1963)، وولكر، (walker) (1959) (22) الذين وسعوا المفهوم في استخدام المعاني التصويرية والرسومات وتضمينها معنى الغرافيتي، وفرق أندرسون في بداية دراسته بين معنى الكتابة / Graffiti، والتصوير (Murals) من جانب أن الأولى تختص بالتعبير / الكتابة، والثانية تختص بالرسم، وتأكيد الأولى على المنحنى البنائي الذي عرف به هؤلاء الكتاب والثانية على طبيعة الحجم والرؤية التي يقدمها الفنان، ثم الأدوات المستخدمة حيث يستخدم الكاتب علب الرش (Spraycan) الذي يمسح ويزال بسهولة، والثاني يستخدم الفرشاة والأولان في رسم لوحته ووضع الأبعاد والمؤثرات عليها. كما أن الكتابات الجدارية أحياناً ما تقدم نقاطاً فنية وجميلة وتعبيرات إيحائية إلا أنها تخلق للسكان صورة من البشاعة شأن الكتاب الرافضين الذين يقفون وراء هذه الأعمال، بخلاف التصويرات (Murals) التي تقدم بصورة أساسية مواقف جميلة ورؤى انتقادية مثيرة. والتصاوير باعتبار مواقف المجتمع منها (المجتمع المتسامح) تظل جزءاً من الإطار الجمالي للمدينة / الحي، ولكن الكتابة توصف دائماً بأنها خارجة ومدانة من المجتمع وسلطاته الرسمية (23) .

  بداية فإن أعمال حي سوهو تعتبر امتداداً لأعمال حركة الهب هوب Hip-Hop (24) في نيويورك مع مؤثرات جديدة أدخلت عليها نجمت عن بروز جماعة البانك في القرية الغربية، وهنا لابد من الملاحظة أن الكتاب والفنانين في إطار الحركة الجديدة، يختلفون عن فناني نيويورك باعتبار العنصر فجميعهم ينتمون إلى المجتمع الأبيض الأمريكي بينما فنانو نيويورك معظمهم من الملونين (25)، كذلك فإن أعمال الحي شيّدتها نوادٍ اعتبرت نفسها مسؤولة عن دعم هذا الاتجاه الفني وتطويره والترحيب بأعمال فنانيه، وإذا أضفنا إلى ما سبق وقلنا من أن مجمل التراث الفني للظاهرة تمثل على تطويرات في أعمال نيويورك، فإنه اعتبر التطوير الأكثر مضافاً إليه الموجة الجديدة في نيويورك، في حي سوهو، حيث خلق الفنان هنا صيغاً جديدة غير مطروحة في أعمال نيويورك، وابتكر أساليب فنية ومصطلحات التصقت بالحي وتطورات الفن فيه، فبالإضافة إلى التصور (Murals)، عرفنا فن الاستنساخ أو ما سماه، أندرسون "stencil" وعرفه بأنه الفن الذي بدأ يعبر عن اتجاهات المجتمع المدني وينقل تفاصيل وهموم الحياة اليومية فيه وتميز بالبساطة والتكرار والابتعاد عن التعقيد، إذ من غير المعقول التطرق إلى مواضيع معقدة في مجتمع تسيطر عليه الهواجس اليومية، إضافة إلى الاصطدام بالسلطات الأمنية أي أن الخوف من الاعتقال والتحقيق جعلت موضوعات هذا الإطار الفني مرسومة باتجاه الحاجات اليومية (26) .

  إطار آخر ساد أعمال سوهو، وهو فن الكولاج الذي نشأ في ألمانيا وارتبط بالحرب العالمية الثانية وصار مدرسة فنية تستخدم أعمال الفنانين القصاصات الصحفية والأدوات الأخرى لإنتاج فن جديد ناقد يتخذ من الإطار السياسي مدخلاً للتغيير، ولكن في سوهو برز هذا الإطار نتيجة لتراكمات الأعمال واللوحات والعوامل البشرية والطبيعية التي أعملت يدها في تغيير معالم تلك اللوحات والإضافة عليها، إذ أنّ معظم الفنانين باستثناءات قليلة حرصوا على توقيع أعمالهم بأسمائهم بخلاف مدرسة نيويورك التي أبرزت أعلامها، والطابع الآخر الذي ميز أعمال الحي هذا هو التغيير المستمر فما يشاهده المهتم اليوم قد لا يجده غداً، وقد يجد تحويرات جديدة وتطويرات وإضافات أخرى خلقت بعداً فنياً مغايراً عما شاهده أمس .

  كذلك تجاوب فن سوهو مع المنعطف الحاد الذي بدأت ملامحه تظهر في أعمال السبعينات وأوائل الثمانينات في تضمين بعض الانتقادات الاجتماعية / السياسية القوية التي عبر عنها وعي الأجيال وتدافعهم (27). الأعمال التي قدمها أندرسون في مجموعته ربما تكون النسخة الأصلية لبعض النتاجات، فقد لاحظ أن ما يرسم ويعرف يختفي بسرعة، كما أن التغيرات في الحي التي حصلت عليه من كثرة العمارات التي أنشئت فيه والتطويرات التي قامت بها السلطات غيرت الكثير من معالم الحي الفنية (28)، وحصرته في بعض المناطق القليلة التي حاولت الحفاظ على الطابع والمضامين الهزلية والمضحكة والتغيرات الكثيرة التي رسمتها جماعات وأفراد بصورة سريعة متفننة هدف إلى التوصيل ونقل الرسالة ، وحددت معظمها وخلقت أشكالاً جديدة فنية ألهمت المصور وحفزته على المتابعة والملاحقة و(الرصد) إذا اعتبرنا أن تميز العملية كلها والكتابة السرية التي تتم ليلاً لتظهر أمام العالم نهاراً يلاحظها ويخبرنا في وعيد وفهمه تعليق أو إشارة إلى ما حدث في الليل.

  وفي توصيف التصاق فنان الحي في سوهو إلى الجدار في الشارع يجعلنا نؤكد ما قلناه عن مجهولية الفنان، فهو يركز في عمله على  الإنسان المستقبل لرسالة كتبها، دون الإشارة خوفاً إلى اسمه أو عنوانه أو الذي يجعله مشهوراً في أعين العامة من أبناء حيّه. كذلك المضامين السياسية الواضحة جعلت من الفنان حريصاً كل الحرص على تجاوز اسمه لإبعاد المفهوم الناقد والمعتاد الذي يسعى لتغييره .

  ما نود قوله هنا أن ظاهرة سوهو كغيرها من الظواهر المنتشرة في أنحاء أمريكا ما هي إلا امتداد لحركات الشباب الرافض المقهور لمعطيات وتعابير مجتمعه ورؤيته لطبيعة التغيرات الحاصلة هناك فهي الآن اللحظي وصورة المستقبل الهزلية المرتبطة أساساً بحقيقة وصدقية تلك التغيرات. وفن سوهو هو مثال آخر لفن تطور مع الظاهرة وأكدها وبسط معطياتها وألقى عليها سمات حياته وأشواقه.

 

  4- الرحلة من (نيويورك إلى أوروبا) :

  وفي المقام نفسه نحلل وبصورة سريعة الكيفية التي انتقلت فيها الظاهرة الأمريكية في الكتابة إلى بعض العواصم الأوروبية لإلقاء بعض الضوء الخافت عليها والتركيز على علاقة الكتابة الجدارية، والثقافة الهامشية متخذين مثالاً من كتابات الشباب في موسكو، هنري جالفانت، وجين برجولت (29) (Herey Chalfant) (Janes prigplt)، تعرضا إلى ملامح هذا الاتصال عبر تتبعهما لمراكز هامة كانت مفاصل لتوسيع الظاهرة وإعطائها جوهرها الإنساني القديم، فالدراسة (spray can Art) 1987 تذكر أن بداية الاهتمام الأوروبي عامة بدأ عن طريق السيّاح الذين أموا نيويورك وشاهدوا عن كثب أعمال الشباب التي تغطي جدران المدينة، وبدأ هؤلاء يتحدثون عن هذه الظاهرة التي حفزت جامعي التحف والمصورين في أوروبا، وعليه فإن أول مجموعة رصدت هذه العمال الفنية ظهرت من خلال محاولة صغيرة قام بها أحد المهتمين الإيطاليين بهذا الفن وقدمها إلى العالم الأوروبي الذي ما زال الحلم الأمريكي والخيال خلف الأطلنطي يحفزه لمعرفة ما يحدث هناك. والمجموعة تضمنت أعمالاً لأسماء لمعت في مدينة نيويورك. وهذه المجموعة نشرت في حدود 1978، ولكن الاتجاه الحقيقي لنقل وتعريف الشارع الأوروبي بالظاهرة بدأت عن طريق مهتم آخر في الفن، وهذه المرة من هولندا، فقد وصل إلى نيويورك باحثاً عن الكتاب الذي وصلت أسماؤهم إليه عن طريق المجلات الفنية التي تعرضت لهذا المجال الفني، وقد كان يدفع جامع التحف هذا واسمه ياكي كورنبلت (Yaki Kornbilt) حماس عجيب قابل مجموعة من الكتاب الذين بدأوا أيضاً يتجاوبون مع اهتمامات الزوار في تقديم أعمال خاصة وجميلة، كما أنه حرص على لقاء أبناء وزوجات فنانين وكتاب عرفوا في الشارع هنا بتصاويرهم الفنية على الجدران والقطارات. وقد أثمرت جهود هذا الفنان إلى تنظيم معرض لمجموعة من كتاب الجداريات في مدينة نوتردام الهولندية التي اعتبرت نقطة التحول الجديدة في نقل تفاصيل الطوطم الأمريكي الجديد إلى العالم الأوروبي وأضفت الخصائص الاجتماعية التي تتمتع بها هولندا جانباً مهماً على انتقال الظاهرة، إذ اعتبرت بمثابة الأرض الخصبة لزراعة مثل هذه البذور إلى جانب حركات الشباب الرافض المنتشرة فيها من البانك وغير ذلك جعلت من الاهتمام بالفن هذا ومجالاته متزايداً، وسرعت في عملية النقل والتواصل مع التجربة الأمريكية التي انتشرت بمذاقها الخاص في شوارع ومدن أوروبا .

 

  أ- بريطانيا :

  في التجربة البريطانية فإن الإطار مختلف نوعاً ما إذ أن معظم الأدبيات المكتوبة ركزت على الطابع الكتابي، حيث انتشرت الكتابات في مناطق كثيرة من المدن البريطانية: الشوارع، المحلات التجارية، لوحات الإعلانات، يافطات النوادي .

  ويستفاد من الأدبيات المكتوبة حول ظاهرة الكتابات البريطانية أنها غطت نواحي اجتماعية واقتصادية وسياسية وتعرضت في مجموعها للحركات الجديدة في المجتمع، وركزت على مُشكل الجنس، والحركات الأنثوية (30)، كما أنها ذهبت بعيداً في البحث عن الكتابات الجدارية في المدن البريطانية المختلفة، وإيرلندا وتوثيقها وتصنيفها والبحث عن الجانب الجمالي والمضحك فيها، وتضمنت بعض اللوحات الرسومات الجدارية واللوحات الإعلانية التي علق عليها الشارع البريطاني بصورة معتادة، كما أنها طرحت إشكاليات الدين والعلمانية بصور مختلفة ومتعددة، ويقرأ المهتم تعليقات وأفكاراً وحكماً كثيرة حرص الشارع العام على كتابتها بصورة بيانية وتلاعب بالألفاظ وتداخلت فيها لهجات المدن التي نشأت فيها وتميزت مدينة ملبورن وسدني بنوع مشابه للكتابات والرسوم التصويرية التي طبعت أعمال لندن . (31)

 

  ب- فرنسا وبقية أوروبا :

  في فرنسا ازدهرت الكتابة من خلال الأقليات وأحياء الفقراء السود في المدن الفرنسية حيث حلل حسان تليلي بعضاً من مظاهرها في معرض حديثه عن (المقال الجداري) ضمن نظرية الاتصالات وذكر أن الجدران تعكس آراء عدد من الشرائح والأقليات التي لا يتسنى لها التعبير عنها عبر القنوات التقليدية مثل الصحف والأدوات الإعلامية الأخرى، كما أن هناك قاسماً في الأفكار والآراء التي يشترك فيها عامة الناس (32) .

  والكتابة الجدارية في فرنسا تركزت في باريس، حيث انتشرت في مركزين أساسيين هما الحي الجامعي، والأحياء السكنية التي يتواجد فيها العمال الأجانب، ويقول المهاجرون إذا أردت أن تتعرف إلى ما يجري في العالم من أحداث فعليك أن تنزل إلى محطة المترو المقابلة للحي الجامعي وتتجول فيها ثم تقصد البناية الكبرى التي يجتمع فيها الطلبة الوافدون من مختلف أنحاء العالم مرتين في اليوم إحداهما في فترة الغداء والثانية في فترة العشاء ستقرأ على الحيطان المجاورة مقالات عن مختلف الأحداث الحساسة التي تجري في العالم وتطلع على تعليقات الطلبة عليها، أما في الأحياء التي يتواجد فيها العمال المهاجرون بكثرة فإن الذين يركبهم شعور بالعنصرية وهم كثرة في بلاد الغربة يختارونها للتعبير عن سخطهم وامتعاضهم من الأجانب واحتقارهم لهم (33) . كما تختار القوى المناهضة للعنصرية هذه الأماكن لتعبر هي الأخرى عن رأيها بالقضية .

  ومن المفيد ذكره أن تجربة ثورة الطلاب الفرنسيين 1966 كانت نموذجاً جيداً في الثقافة الثورية واستخدامها الجميل للجدار في التبشير بأفكارها وأسسها، كما عبر عنها روهان في كتابه (paris68) (34)، ونلاحظ أن الكتابة الفرنسية في مجملها تعبر عن فكر وآراء جماعات نخبوية طلابية مقهورة أي تعبير عن فكر وثقافة الغربة في مجتمع عنصري، وكذلك تعبير عن ثقافة شرائح فرنسية بالتجنس تعيش في ظروف قهرية واجتماعية سيئة، ولا ينفصل هذا عن أن الجماعات العنصرية - في ظل تصاعد الحركات القومية في فرنسا - أسهمت أيضاً في تفعيل الكتابة من خلال عباراتها وآرائها المتطرفة فكان الجدار بالإضافة إلى العنف جانباً آخر من حرب الشعارات هناك .

  ولا ينفي تليلي أن الكتابات الفرنسية شأنها في العالم الغربي تعبر أيضاً عن مشكلة الكبت الجنسي والقضايا العامة التي تتعلق بمشاكل الشباب خاصة الشرائح السابقة (الطلاب والمهاجرون) ويصل الكاتب إلى أن كتاب (المقالات) أو الشعارات حسب تعبيره ينجحون في توصيل آرائهم أكثر من كتاب المقالات الكلاسيكية، إذا أخذنا بعين الاعتبار طبيعة الرسالة وقصرها، وقدرة المقال الجداري على النفاذ إلى جوهر الكلمة، فليس هناك مقدمات تقليدية كما في المقال الكلاسيكي: مقدمة، جوهر، خاتمة، بل الرسالة مباشرة معروضة أمامك، ثم أن المقال ونظراً لمضمونه العام الذي يتناول قضايا عامة سياسية عالمية ومحلية ووطنية، فإن سهولة قراءته واستيعابه تكون أكثر من المقال العام وهذا حديث ليس محله (35).

  وفي نهاية هذا العرض فإن التجربة الأوروبية رغم إشارتنا السريعة إليها تجربة ثرية وغنية، إذ أن حجم المكتوب باللغات الأوروبية الأخرى عن الكتابات الجدارية يعادل بل يفوق المكتوب بالإنجليزية، خاصة الألمانية التي تناول فيها الكتاب الألمان جوهر الظاهرة التي ازدهرت حول جدار برلين، كما أن هناك كتابات بالبلغارية والتشيكية وغير ذلك، كلها تناولت الظاهرة من زوايتها ومضامينها الأوروبية، ولقد توفرت لدينا قائمة طويلة من المراجع باللغات تلك ولكن عدم معرفتنا باللغات تلك حالت دون عرضها واستيعاب التجربة في محيطها الأوروبي، ونأمل أن تتاح لنا فرصة قراءتها وتحليلها في مناسبات أخرى، ولكن الإطار العام التي ظهرت فيه الدراسات تلك هو إطار تسجيلي لاحق الظاهرة والتقط صورها في أماكنها وقدمها كلوحات فنية جميلة في الأحياء الأوروبية الفقيرة.

  نقطة أخيرة جديرة بالاهتمام وهي موقف السلطات الرسمية من مثل هذه الظاهرة التي حاربتها وحاولت بكل الوسائل السيطرة عليها والكبح من جماحها ووضعها في إطار الكتابة الرسمية الثقافية أو القضاء عليها، وتتحدث المصادر عن أرقام خيالية ومصروفات عالية تصرفها المنظمات والهيآت الحكومية على الجماعات الضارة لمثل هذه الظاهرة للحد من انتشارها وحجم المهتمين بإبرازها في الشوارع والأماكن العامة، ومحاربة السلطات المحلية لمثل هذا النوع من الكتابة يندرج تحت بند الحفاظ على الذوق العام وآليته الاجتماعية نظيفة وجميلة، إذ نظر لها على أنها تشوه الرونق الجمالي للواقع الذي يتحرك فيه المواطن وأحياناً تخدش حياءه، ففي نيويورك مثلاً شكلت السلطات المحلية فرقاً لمسح وتنظيف الشوارع والأنفاق من مثل هذه الرسوم وأنفقت أموالاً كثيرة عليها، ومع ذلك لم يكن مثل هذه النشاطات لتحد من ممارسة الكتابة ضده، فلجأت مرة أخرى إلى العفو العام عنهم وهنا انقسم شارع الفنانين إلى قسمين : فمنهم من التزم وساير السلطات، ومنهم من ظل على موقفه من زواج بين هذه وتلكن وكجزء من الحل حثت السلطات السكان على محاربة الظاهرة بتنظيف جدران بيوتهم بل طلبت من أصحاب المحلات إزالة هذه المظاهر والامتناع عن دعوة الفنانين كما في السابق لرسم وإبداع لوحة فنية يستخدمها صاحب المحل كجزء من الإعلان والتعريف عن محله وطبيعة خدماته .

  المعالجة البريطانية اختلفت حيث خلقت أجواء جيدة لمثل هؤلاء وخصصت لهم أماكن للقيام بأعمالهم، وأقامت لهم مشاغل زودتها بكل الأدوات ومع ذلك لم تقض على الظاهرة وإن أضفت عليها بعض الصفات الرسمية، فالشوارع والمحلات العامة مليئة بمثل هذه التوقعات والكتابات والرسوم، كما أن بعض الأكاديميات قدمت مواد ومتطلبات يبدي فيها الطلاب كيفية إزالة الشعارات من المحلات العامة (36) الجانب الآخر عملت جماعات الرفض هذه على تفعيل عملها ومواجهة الأقنون بإنشاء جمعيات تحاول التأثير على قوانين المجتمع بإفساح المجال أمام مواهب الشباب وإفراغها بالطريقة التي يرغبون مثال ذلك ما ذكرته جيل بوسنر (Jell Posner) في كتابها (Spray if loud) (37) 1982 عن جمعية في أستراليا للدفاع عن فناني هذا الاتجاه، وقد وصفت الكاتبة الطريقة الصحيحة للتصرف في حالة القبض على فاعل في مثل هذا الاتجاه باتخاذ الوسائل القانونية من نصيحة محام، وإخبار من يعرف من أصدقائه لتخفيف الجرم القانوني عليه، حيث يحاكم فاعل هذا العمل بتهمة تدمير الممتلكات العامة التي تصل إلى درجة (جريمة) في القانون ذاته .

 

  5- كتابات موسكو الثقافية / والثقافة الهامشية :

  جون بوشنل (John Bushnell)، أحد المهتمين بدراسة التطورات الاجتماعية، وفحص محتوياتها الثقافية، أتاحت له أبحاثه التي أجراها على كتابات موسكو تقديم رؤية متقدمة ودراسة نوعية في هذا الاتجاه، ابتعدت عن الجانب الجمعي وركزت على التحليل وربط الكتابة في موسكو بمثيلاتها في التجربة العالمية، كما أنها اتخذت طابعاً أركوبولوجياً في اهتمامه بتأصيل الظاهرة من خلال تاريخ الشعوب السوفياتية، حسب استعماله، خاصة المكتشفات الأثرية في مغاور كييف، والمعابد والبيوت القديمة (38)، وهو في البداية معنيُّ بالسؤال أولاً عن سبب غض الطرف من قبل النظام السوفياتي على انتشار الظاهرة وتوسعها، ثم في تحديد مكوناتها ومصادرها الثقافية التي نشأت في ظلها، أي البحث في جذور الثقافة الشعبية الغربية - تحديداً جماعات وفرق الموسيقى، والتوظيف الذي تم لهذه المكونات في إطار الثقافة الروسية العامة. ويبدأ كغيره من محاولة البحث عن جذور العلاقة بين المدنية والكتابة الجدارية ليؤكد نتيجة أولية أن الارتباط حاصل بينهما بصورة واسعة وعميقة ولكن لا يعني هذا الاتصال أن النتاج البشري في محيط الظاهرة متماثل تماماً، وهي نفس ما أكدناه من أن الطابع الأمريكي في الكتابة والتصوير وإن هيمن في بداياته على البدايات الأولى للظاهرة وتطورها في أوروبا إلا أنه اكتسب في الأخيرة ذلك اللون الخاص بها ولمجتمعاتها، المنتج لها، وهو كذلك يلح على أن الظاهرة لا تتعدى كونها عملاً كتابياً وتصويرياً بل تتجاوزه إلى محاور فنية أخرى وجدت على جدران موسكو .

  وكما ربط بين بدايات الظاهرة بالخبرة الإنسانية العامة، فهو أيضاً يبحث عن إجابة عن انتشار الظاهرة في ظل القمع الشيوعي للفكر، ومدى الحرية التي منحتها الثقافة الرسمية للحزب للشعب بالتعبير والتنفس في أجواء خاصة بعيدة عن الأطر والمنظومات الأيديولوجية التي أوجدها النظام كقنوات لتكريس ثقافة ليست بالضرورة تمثل ثقافة الشعب. وبعيداً عن الدور الوظيفي والصدمة التي أحدثتها في المجتمع فإن الكتابة في موسكو شأنها في بلدان العالم هي نتاجات الشباب والجيل الجديد الذي يبحث عن أدواته التعبيرية وإن اعتبرت خارج الإطار المرسوم وتلمس جوانب التغير في المجتمع بناء على صورة ما يحدث في العالم. فهو يؤكد حقيقة مفادها أن الأجيال الجديدة في موسكو تنمو وهي تمارس الكتابة، مع تميز الطابع الشخصي في الكتابة ذاتها التي تركز على خصوصيات العلاقات الإنسانية من الأفراد، حيث يستخدمون الطباشير والفحم والآلات التي تحدث الخدوش في الجدران الصلبة تاركة علاماتها عن أشواق محب أو رغبات ممنوعة (39) .

  ولكن البداية الحقيقية في الكتابة التي أخذت تنتشر بشكل مثير بدأت مع العصابات التي ظهرت في موسكو وبدأت باختراع أساليبها ورموزها على السيارات الخاصة بها فيما عرفت (fans) حيث تلونت وتشكلت الأطر الخارجية لها بالعبارات والتنويعات البيانية الكثيرة باللغات الروسية والإنجليزية تحديداً . فالحدث الذي حدث في أوائل الثمانينات في فتح أعين العصابات على الجدار التي تأثرت بدورها وفي تأسيسها بالثقافة الموسيقية الغربية كفرقة (Rock and Roil) وغيرها كوسيلة تبرز محتويات ثقافتها وأطرها المناسبة، وإن طبعت تلك الكتابات بلون خاص بها أي أنها عبرت بلغة أقرب إلى (الرطانة) عن ثقافة لا يفهمها العامي الروسي بقدر ما يفهمها أفراد تلك الجماعات، وبرزت جدران خاصة بالجماعات تلك، ثم تحولت إلى الصراع، ولكن التقليد في الكتابة كان طابعاً عاماً في معظم تلك الكتابات حيث بدأت الكتابة تزداد بزيادة العصابات تلك التي تسمّت بأسماء كثيرة من مثل (Fanaty) (metalist) التي يلبس أفرادها الحديد ويحملون الجنازير، وفرق الروك آند رول وغير ذلك، وكانت تلك الجماعات تنقل عن بعضها التعبيرات والرموز والشيفرات وغير ذلك من أدوات التعبير اللغوي الخاص بها.

  الكاتب يعمق رؤيته بالبحث عن علاقة الجدران والكتابة بالشباب، وكذلك ملامح كتابة العصابات مستفيداً من خبراته التي اكتسبها في ملاحقة كتابات العصابات الأمريكية على جدران المدن الأمريكية. مثال ذلك شيكاغو لدرجة استعانته في حالة شيكاغو بدوائر الشرطة التي رصدت وجمعت الكتابات تلك في محاولة لتحليلها والتوصل إلى مضامينها التي تود التعبير عنها، ويؤرخ لظهور حركة الروك في الفن الموسيقي الروسي، ويدرس بعد ذلك تراثها في إطار ما أسماه الثقافة المضادة، وتحولات النظام الروسي وموافقته على انتشار الكتابات وطريقة معالجته لها، والملاحظ أن الكتابات كانت تكثر وتتمدد في تجمعات ومخيمات الجماعات الخارجة عن إطار الثقافة الرسمية، في مواسمها الغنائية والاحتفالية، ويقدم دراسة نقدية للمبنى الثقافي للكتابة ذاتها، دارساً الهامشية التي طبعت أعمال الكتاب ليدرسها أخيراً في إطار ما أسماه الثقافة المدنية الهامشية رابطاً كل هذا بتحولات الثمانيات في سياسات الحزب (الشيوعي) الداخلية والخارجية والمجال المتاح للأفراد للتعبير والنقد (40).

  (Bushnell) يرى أن هناك حدوداً مشتركة بين الثقافة الهامشية ومفاهيمها وتاريخ الكتابة الجدارية العامة في موسكو، لأنها أي الخيرة لعبت دوراً كبيراً جداً في توليد وحفظ وصيانة وتعريف الثقافة الهامشية نفسها، فمن خلال الكتابة تستطيع أن تفهم مكونات المجتمع الهامشي وثقافة ودرجة قربه وبعده - خاصة المراهقين - من المجتمع العام.

  مفهوم الثقافة الهامشية في حد ذاته مفهوم مطاط وخادع في نفس الوقت ولكن إذا اتخذنا تعريف المفكر الفرنسي (موروا) لطبيعة الثقافة هذه، فإنه يصلح كدليل تستطيع توسيعه على حد تعبير (Bushnel) بإضافة مركبات جديدة له. فهي كما حددها موروا ثقافة الإجرام، التي تنمو كجسم طفيلي في الجسم الأساسي في المجتمع، من خلال اللغة التي تستخدمها أي الرطانة التي تلتصق بها "Argot" وحتى الجسم الرئيسي في المجتمع يتكون من مجموعات اجتماعية داخلية لها ملامحها الثقافية الخاصة تسمى بالثقافة الجزئية أو الهامشية وكل مجموعة لها أساسياتها ومضامينها الثقافية وتراثها، شيفراتها ورموزها ومفرداتها الخاصة، وهي مجموعات أيضاً ليست خاصة بمجتمع بل تمتد من مزارع الوسط الغربي حتى إنجلترا الجديدة بحسب تعبير موروا، الصيادين، سيارات السباق وأساتذة الجامعات مركبات اجتماعية لها ثقافتها الجزئية الخاصة" (41) .

  والمفهوم السابق واسع مطنب في ذات الوقت، ولكن Bushnel يقترح إضافات تعريفية على المفهوم بحيث يخدم قضية الكتابة الجدارية، باعتبار الموقف الاجتماعي والوظيفي للكتابة، حيث يوسع المفهوم بحسب الاعتراف الاجتماعي من قبل أطراف المجتمع رجالاً ونساء وتعريفهم لها على أنها ثقافة تلتصق بقيمهم وقضاياهم وعليه يمكن فحص الظاهرة من خلال المواقف الاجتماعية، لا من خلال تعريف أفراد الظاهرة نفسها باعتبارها ضد المجتمع، فالثقافة الهامشية كما حدد تعريف مور واليست ثقافة الإجرام وإن كانت تتضمن هذا ولكنها تدخل في حيثياتها الثقافات الأخرى غير الإجرامية كثقافة الهيبز، والبانك وغيرهم، وحتى الثقافة الإجرامية لا تستطيع النجاة والعيش إلا من خلال الدعم الحكومي لها. أي رعاية الأفراد اجتماعياً وتوظيفهم والصرف عليهم فهم داخل حدود المجتمع وإن افترقوا عنه واختلفوا معه بطبيعة القيم التي يطرحها (42).

  هذا الإطار المعرفي المطروح يساعد في تفكيك رموز اللغة الخاصة بكتابات موسكو حيث يبرز استخدام اللغة الإنجليزية فيها بشكل واضح، ومع ذلك فالاستخدام هذا لا يدخل الكتابة هذه في داخل حدود الثقافة الهامشية لأن اللغة الإنجليزية تقوم بربط الثقافة الهامشية تلك في بناء المجتمع، فهي كالحبل السري وظفها كاتب الشعار خدمة لقضاياه، واستخدام اللغة الإنجليزية تساعد على فهمه جملة من العوامل منها نظرة الروسي للثقافة الشعبية الغربية، والتفرقة بين الثقافة الأم وثقافة الغرب، فكل ما هو مستورد وغربي رمزت إليه اللغة الإنجليزية واسْتُخدِمَت في تقديمه وكل ما هو روسي استخدمت فيه الروسية ومع ذلك فالفروق ليست حدية بهذه الدرجة، إذ إنّ موقف الحكومة من ظاهرة استخدام اللغة تلك جعل الكثيرين منهم يواجه إجراءات الحكومة من مسح وإزالة كل هذه الرموز، لأن الحكومة في برنامجها الثقافي كأي حكومة وطنية تحاول رفع الثقافة الوطنية والعمل على بقائها مهما كانت تلك الثقافة وذلك النظام، فهذا هو المعيار. ومعيار النظام المعزول عن تطورات العالم فإنه يرى كل ما هو غربي غبياً وساذجاًن وما هو روسي جميل ورقيق، فجاءت العصابات وفرق الموسيقى لتقلب المعادلة إلى ضدها، وهي وإن عملت على ابتكار اللغة وأساليب وموضوعات الخطاب، بحيث لاحظ (Bushncll) أن الحديث عن ثقافة غربية يستتبع بعد ذلك استخدام اللغة الإنجليزية للتعريف بها، وما هو روسي / سوفيتي كانت اللغة الروسية تخدم هذا الغرض. وحتى اللغة الإنجليزية التي استخدمتها العصابات وفرق الموسيقى واجهت إشكالات على أساس البعد الثقافي والبنية الثقافية للأفراد، فاللغة الإنجليزية التي برزت على الجدران لم تكن إنجليزية حقيقية ولا حتى أمريكية كما أنها ليست روسيّة، نظراً للأخطاء في كتابتها وتمثيل كاتبها للغة الغربية ذاتها، ومع أن هناك عملية روسنة / أي استخدام اللغة الروسية في مقابل الألفاظ الأجنبية، تمت من قبل الجماعات هذه إلا أن إشكالية الترجمة واختيار اللفظ الصحيح المناسب للمناخ الثقافي الذي رددت فيه كان صعباً، مع إقرارنا أن أية تجربة تحمل عناصر الأصل الذي نشأت فيه مهما كانت مستوردة، أي أنها تصهر في البوتقة وتصبح جزءاً من إطار الثقافة التي وردت إليها (43) .   وبناء على هذا فإن كتاب الشعارات شكلوا من مسألة اللغة وتداعياتها مجتمعهم اللغوي. بالإضافة إلى مجتمعهم الخاص بهم، لأنهم ضمنوا اللغة المعرفة الممنوعة في المجتمع، هذه اللغة أصبحت طلسماً جديداً غير مفهوم حتى بالنسبة للطلاب الروس الذين درسوا الإنجليزية لأن اللغة المستخدمة لها رموزها الخاصة ومعانيها التي بنيت على قواعد نحوية غير مألوفة، وعليه فإن تفسير المجتمع اللغوي هذا بكون اللغة لا تُفهم إلا من أفراده الذين يكتبونها ليس إلا .

  المجتمع اللغوي هذا حوّل اللغة إلى لغة خاصة تعتبر غير شبيهة باللغة التي تستخدمها العصابات في أمريكا حيث تتبع التنوع اللغوي في مجتمعها كما ترسم الأخطاء العامة فيه.

  كما أن البناء اللغوي الخاص أبعد الثقافة عن محيطها الذي تعيش فيه بل إن الفضاء الذي كان من المقدر أن تحتله جعله بعيداً منه وهمشها في مكان ضيق لا تغادره. لأنه لا اللغة ولا المواقف الاجتماعية التي رسمتها اللغة وحدت اتجاه المجموعات في اتجاه الأهداف العامة للمجتمع بل جعلت نفسها دائماً في موقع الضد والمناقض لأطروحات العام السائد في ثقافة المجموع، ويبدو أن سبباً آخر ناجم ليس عن الفرق التي مارست الكتابة بل نابع من أن النظام الثقافي العام لم يكن ليناسبهم ويناسب طموحهم حتى يدوروا في فضائه، بل إن الفضاء الذي صاغوه لأنفسهم كان فضاءً حرفياً / مجازياً هامشياً منعهم من القاعدة الأساسية التي أرساها الواقع الاجتماعي .

  وفي النهاية إن انعدام التوازن في طموحات المجتمع وقواعده وإشكاليات وأساسيات الجماعات التي مارست الكتابة كتعبير عن أبعاد جديدة خارجة عن تلك الطموحات والقواعد . وهذا مربط الفرس، فكانت اللغة الخاصة والمجتمع (الغيتو) صورة لهذا التضاد والتضارب .

  والتعميم ليس ممكناً في رسم حالة عامة لثقافة جانبية إذ إنّ نضال مجموعات استطاعت التواؤم مع رموز اللغة الأم ولعبت داخل مجتمعها مع الاحتفاظ بالفوارق الثقافية والهموم ودرجات الوعي الاجتماعي التي فرضتها حالة الجماعات تلك. كذلك فإننا في توصيف عملية التوظيف اللغوي لا نود القول أن ما كتب عن الجدران ليس روسياً بل إن (Bushnell) يؤكد مقولاته بأن الثقافة هذه وإن وظفت لغتها في خدمة أغراضها إلا أنها تظل جزءاً من ثقافة المجتمع فهي تشبه الثقافة الهامشية للشباب في بريطانيا أو أمريكا أو أي مكان آخر في العالم (44) .

  إن اللجوء إلى الرموز ليس حالة نادرة في كتابات موسكو بل هي شكل متعارف عليه في ثقافات العالم حيث تلجأ الجماعات العاملة خارج المجتمع إلى بناء شكلها ورموزها وهي حالة عرفت اليوم في أوروبا، وعرفت في مجتمعنا الإسلامي حيث أكدت الدراسات اللغوية أن الشطار والعيارين واللصوص وأصحاب الكدية كانت لهم أساليبهم الخاصة. ورموزهم التي يتعارفون بها ويتواصلون فيما بينهم .

  ومع أن (Bushnell) ينحو باللائمة على البحث العلمي ودوائره أنها لم تهتم بثقافة موسكو الهامشية وتحليلها إلا أنه يرى أن تحليل الرموز والشيفرات لا يكون إلا من خلال فهم الوظائف والأهداف التي تسعى تلك الجماعات إلى التبشير بها . وليس غريباً أن نجد صعوبة في تفسير تلك الشيفرات إلا من خلال سياقها بحيث تصبح الكتابة تلك لهجة اجتماعية للتعارف بين أفراد مجتمع محدد .

  إن التفات (Bushnell) إلى مفهوم الثقافة الجانبية ومحاولة استخدامها كمفتاح لفهم الكتابة الجدارية نابع من هدف آخر هو ربط ذلك الفهم بالتاريخ الاجتماعي والتحولات السياسية والاجتماعية في المجتمع السوفياتي خاصة تلك التي أخذت طريقها في أواخر الثمانينات لتؤدي إلى انهيار عالم كان يعرف بالاتحاد السوفياتي، ويركز في تناوله لهذا الجانب على التطورات الاجتماعية ونشوء المجتمعات الجديدة حول المدن باعتبار أن الهجرة تسرع في عمليات التغيير وتنقل بدرجة أخرى ثقافة وفناً جديداً. مع الاعتبارات الاقتصادية الكثيرة، وقد أدت تلك التحولات الأخيرة في المجتمع السوفياتي إلى تغير في النبرة من جانب الكتابات الجدارية حيث حملت في طياتها مع زيادة هامش الحرية الممنوح للشارع بعد إصلاحات غورباتشوف نوعاً من النقد السياسي ومطالبة أكثر بالحرية، ومن هنا نلاحظ صدى أحداث أفغانستان والتدخل السوفياتي فيها. وما شابه ذلك من أحداث طرأت على المجتمع الروسي (45) .

  هذه بعض الجوانب الهامة التي رأينا أن نبرزها في هذا الجانب نظراً لأهمية الدراسة وطرافتها كذلك لربط مجمل العملية في محيطها العالمي والممارسة الإنسانية العامة .

 

  هوامش الفصل الثاني :

  1- انظر Reisner, R (1964) Graffiti, two, Thousands year of wall writing.

  2- انظر برو كلمان، كارل، تاريخ الأدب العربي .

  3- Abell, E. Buckley.B. 1977, The hand writing on the walls. Toward. a sociological and psychological of Graffiti Greenwood, wespor, p 16.

  4- كناغمة، شريف .

  5- Trik, h. Kampan. M. 1983, The Graffiti of Tikal, Edited by william G.e. University of pensy ivania. pensylvania. p 10.

   6- انظر أبل، مرجع سابق، ص 19.

  7- المرجع نفسه .

  8- أبل مرجع سبق ذكره .

  9- المرجع السابق، المقدمة .

  10- أبل، مرجع سابق .

  11- أبل، في الفصل الثاني خصص الباحث مجالاً للحديث عن الكتابة الجدارية في ضوء علم النفس ونظريات فرويد .

  12- أبل، مصدر سابق، ص 30.

  13- Bushnell,J.(1990).Moscow Graffiti,Language and Subculture, Bostontl

  14- Ghalfant,H.Prigolt.J.1978.Spray can Art. Thames and Hudson. London. pag7.

  15- انظر، Spray Can Art.  مرجع سابق، ص 7 - 8.

  16- المرجع نفسه، ص 9 - 11 .

  17- المرجع ذاته ص (10) .

  18- جالفانت، مرجع سابق، 8 .

  19- جالفانت، مرجع سابق، ص 8 - 9.

  20- روبنسون، ديفيد، مرجع سابق، ص 8.

  21- المرجع نفسه، ص 5.

  22- انظر Graffiti Tikal, page 2.

  23- أندرسون، ص 8.

  24، 25 - المرجع السابق، ص 7.

  26- المرجع ذاته، ص 14 .

  27- المرجع ذاته، ص 14.

  28- المرجع نفسه، ص 8.

  29- جالفانت، مرجع سابق، ص 7.

  30- Posener,J. (1982). prayit loud. Dutledge and Kegan. Paulltd.

  31- لمزي من المعلومات أنظر، Rees, N. 1986, Graffiti 5, Kilroy, S (1980),

Book of Irish Graffiti, Schowrt, Man, A. 1987. Street Art, Rees, N.(1982),

Graffiti 4, Rees, N (1980), Graffiti 2, Kilroy, S, 1982, More Irish Graffiti.

  32- تليلي، حسان، إعلامنا المعتل، المنشورات الجامعية والعلمية، باريس، ص 204.

  33- المرجع السابق، 205.

  34- Rohan,M.Paris 68.Graffiti,Posters Newspapers, Nd po f the eren t, page 64.

  35- تليلي، حسان، مرجع سبق ذكره، ص 204 - 205 .

  36- جالفانت، مرجع سابق، ص 11.

  37- جيل بوستير، مرجع سابق.

  38- بوشنل، ص 1 - 20 .

  39- المرجع السابق، ص 2.

  40- المرجع نفسه، ص 217.

  41- بوشنل، المرجع نفسه، ص 216.

  42- المرجع السابق، 216 .

  43- المرجع السابق 219 - 221.

  44- بوشنل، المرجع السابق 222 - 225 .

  45- المرجع ذاته 226 - 223 .