|
الفصل الأول
الشعار والقضية الفلسطينية
قراءة تاريخية
ارتبطت الظاهرة الشعارية في
فلسطين بتطور الأحداث فيها خاصة بعد إعلان وعد بلفور سنة 1917، الذي تضمن وعداً
لليهود بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين، يومها ردد العامة الفلسطينيون شعار "فليسقط
وعد بلفور" ليصبح أكثر الشعارات شعبية، وليعمم مفهومه على قرار ووعد يتعلق بالقضية
الفلسطينية.
وقد ردد في المسيرات
والمظاهرات والمواسم (موسم النبي موسى) والخطب والمنشورات كما وجد طريقه إلى
الجدران في سنوات الانتفاضة وما قبلها خاصة في السبعينات وجاء استشهاد القسام
مفجراً لثورة جماهيرية عارمة، فكانت جنازته تتضمن هتافات مثل (الانتقام الانتقام .
. . . . . . الله أكبر الله أكبر)، وبدأت الثورة بعد ذلك وفي الاجتماع العظيم في
الذكرى الثامنة عشرة لوعد بلفور أطلق أكرم زعيتر شعار الحركة الوطنية (بريطانيا أصل
الداء وأساس البلاء) إضافة إلى هتاف (فليسقط بلفور)(1).
وقد كان للحاج أمين الحسيني
نصيب كبير من الهتافات قبل نكبة 1948 مثل:
سيف الدين الحاج أمين.(2)
لو في نبي بعد النبي كان
الحاج أمين.
فتردد الجماهير من بعد
الهتاف "الحاج أمين الحاج أمين".(3)
يا يهودي يا ابن الكلب شو
علمك طيح الحرب.
بكره بيجي الحج أمين بتصير
تعوي مثل الكلب.(4)
ويلاحظ في هذه الشعارات غير
قليل من المبالغة في وصف المرحوم الحاج أمين إضافة إلى شتم اليهودي ووصفه "بابن
الكلب" والاستهانة به على اعتبار أنه لا يتقن فن "طيح الحرب"، والغريب أن العديد من
شعوب المنطقة كانتولا تزال تسبغ على بعض القيادات صفات خارقة وقدرة هائلة على حل
المشاكل وتحقيق الانتصارات وتقعد هي تحلم بالفرج والنصر .... وتلاحظ هذه النفسية من
الهتاف السابق الذي يقول "بكره بيجي الحج أمين" حيث يهدد اليهودي بالحاج أمين "الذي
سيأتي في الغد (بكرة) لقد وصف اليهودي بشيء من التهوين في حين وصف الحاج أمين
بالكثير من التهويل .
ومن هتافات تلك المرحلة
أيضاً :
متروليوز
بطاقع ما هو نافع
رب السما
بدافع عن الإسلام (5).
حيث يتهكم الشعار على أحد
أنواع الأسلحة "مترليوز" ويشبهه بالحمار أو البغل وهو "يطاقع" خلال عجزه عن العمل
أو السير بالحمل الثقيل، ومن اللافت للنظر في هتافات ما قبل النكبة غلبة العاطفة
الدينية، وارتباط الصراع على الأرض بالبعد الديني فالحاج أمين هو سيف "الدين" ورب
السماء يدافع عن "الإسلام" وأنه لو كان نبي بعد محمد ^ لكان الحاج أمين . . . . إلا
أن الواضح أن هذه العاطفة الدينية الجياشة لم يرافقها نفس المستوى من الوعي الديني
والسياسي .
وكان من هتافات ما قبل نكبة
48 هتاف :
(يا عربي يا
ابن الأسودة بيع
أمك واشتري البارودة)
(والبارودة
خير من أمك
يوم الحرب تفرج همك (6))
ويشير هذا الشعار إلى مستوى
النظرة الاجتماعية للمرأة، بحيث تعرض للبيع لو كانت "أماً"، كما يشير أيضاً إلى أن
"العمل الثوري" في ذلك الوقت كان يهتم بتحرير "الأرض" ولا يضع في اعتباره تحرير
"الإنسان" وكرامته (7) .
ومن الشعارات البارزة في تلك
الفترة أيضاً "دبرها يا مستر دل" وهو مقطع من قصيدة طويلة للشهيد الشاعر نوح
إبراهيم، حيث دعا إبّان اشتداد الثورة الفلسطينية الحكومة البريطانية إلى استقدام
نجدات عسكرية جديدة عهدت بقيادتها إلى اللفتنانت جنرال "دل" مدير العمليات
والاستخبارات العسكرية في وزارة الحربية البريطانية، فخاطب القائد "دل" بقصيدة منها
:
(دبرها يا
مستر دل بلكي
على يدك بتحل)
(يا حضرة
القائد دل
لا تظن الأمة بتمل)
(لكن أنت
سايرها يمكن
على يدك بتحل (8))
والهتاف يدعو القائد
الإنجليزي الذي جاء أصلاً لسحق الثورة أن "يدبرها" راجياً أن تحل المشكلة على يده،
ويطالب المستر دل بأن "يساير" الأمة ويتعرف على حقيقة مطالبها، حيث يظهر أن العرب
منذ زمن بعيد كانوا يعتقدون بأن الغربيين إذا فهموا واقع الصراع وعدالة القضية وحق
الفلسطينيين في موطنهم فإن هذا الفهم سيؤدي إلى اتخاذهم المواقف العادلة .
لقد كانت هذه الشعارات
وغيرها تظهر من خلال الهتافات، وعن الوجود للشعارات الجدارية بذكر وجود كتابات
جدارية في تلك الفترة، بينما تذكر أحد الأساتذة بأن الكتابة على الجدران كانت
"علامة نسف" حيث كان الإنجليز يضعون علامات على جدران البيوت التي تقرر هدمها بسبب
قيام أصحابها بأعمال المقاومة . (9)
وبالمقابل فقد ركزت شعارات
وهتافات الانتفاضة على المرأة خصوصاً المناسبات العالمية الخاصة بها، وأرسلت
بالعديد من التحيات لأمهات الشهداء والجرحى والمعتقلين. مما يشير إلى تطور في الوعي
الجماهيري، حيث لم يعد هناك انفصال بين العمل الثوري والبناء الاجتماعي بل هناك
اتجاه نحو الترابط والالتزام بينهما في ذهن الفلسطيني .
وفي الخمسينات هتفت الجماهير
ضد حلف بغداد ومن وراءه فكان من هتافاتها:
فليسقط حلف
بغداد
وكانت الحركات الإسلامية قد
رفعت شعار "فلسطين هي القضية الكبرى والمركزية للمسلمين" من خلال المؤتمر الإسلامي
العام لبيت المقدس (10) .
ومن الشعارات البارزة في تلك
الفترة أيضاً :
ما أخذ
بالقوة لا يسترد إلا بالقوة
لا صوت يعلو
فوق صوت المعركة
صراعنا مع
اليهود صراع وجود لا صراع حدود
"وبعد نكبة 1967" وتمركز
المقاومة الفلسطينية في الأردن كانت هناك شعارات متضاربة تمثل وجهتي نظر "فتح"
والجبهتين" (11) ففي حين طرحت فتح شعار :
العودة طريق الوحدة.
فقد طرحت الجبهة الشعبية
شعار :
الوحدة طريق
العودة
ويعني الأول عدم التدخل في
شؤون البلاد العربية، والانشغال بالتحرير و "العودة" بينما يؤكد الثاني ضرورة
التدخل لإزالة العقبات نحو "العودة" .
وناشدت الجماهير في أواخر
الستينات أحمد الشقيري بأن يمدها بالسلاح لمقاومة المحتلين :
يا شقيري
بدنا سلاح
وعند تشييع شهداء الثورة بعد
العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان (12) في 17 -18/9/1992 هتفت الجماهير :
ما بمحي
العار إلا النار الثورية
(لا مجلس
أمن ولا
حلوله السلمية (13))
(ما راح
نوقف كلتنا
فدائية)
وبرز في تلك المرحلة شعارات
مثل :
(يا أم
الشهيد زغردي كل
الشباب أولادك)
(يا أم
الأسير تمردي الموت ولا
المذلة)
وقد سُمعت هذه الشعارات في
أغاني "صوت فلسطين" وتحول العديد من مقاطع الأغنيات التي تبث من هذه الإذاعة إلى
هتافات تردد في المسيرات والمظاهرات والاحتفالات والأعراس ومن هتافات السبعينات في
الأراضي المحتلة (14) :
(يا شباب
انضموا إلينا % فلسطين غالية علينا)
(يا شباب
انضموا انضموا % والشهيد ضحى بدمه)
(عالمكشوف
وعالمكشوف % عملا ما بدنا نشوف)
(عالمكشوف
عالمكشوف % صهيوني ما بدنا نشوف)
(يا رابين
(15) شوبدك منا % لم كلابك عنا)
الشعب بيهتف
لليسار .
لاح العلم
الأحمر لاح .
تحيتنا
للعراق خصوصية للرفاق واحدهم زي العملاق .
(لا دراسة
ولا تدريس % إلا بفك المحابيس)
(لا دراسة
ولا تدريس % إلا بقتلك يا موريس (16))
وذلك
بالإضافة إلى بعض أناشيد الثورة الفلسطينية أو الأغاني المحورة مثل :
أنا يا أخي
آمنت بالشعب المضيّع والمكبل ..
فحملت رشاشي
لتحمل بعدنا الأجيال المنجل .
نعم سنموت
ولكننا سنقتلع الكفر من أرضنا .
عندك بحرية يا ياسر،
المحوّرة عن أغنية عندك بحرية يا ريس لوديع الصافي، ويلاحظ في هتافات تلك المرحلة
بدء دخول المصطلحات الماركسية مثل :
(اليسار،
الرفاق، منجل، العلم الأحمر)
أما بالنسبة للكتابة
الجدارية، فرغم موسميتها في سنوات ما قبل الانتفاضة، إلا أن امتداداتها في التاريخ
الفلسطيني يعود إلى سنوات الثورة الفلسطينية في سنوات 1931 وما بعدها حيث أكد
الفلسطيني التفاته نحو الجدار ولعل أهم ما وصلنا ويمكن توصيفه ككتابة جدارية ثورية،
ما كتبه مجاهد فلسطيني سنة 1936 قبل لحظة إعدامه وبالفحم الأسود على جدران زنزانته
في سجن عكا، حيث أصبحت تلك الأبيات نشيداً ثورياً في فعل الثورة والجهاد، ولعل
إشارة وحيدة إلى اسمه وردت في بعض المصادر الفلسطينية حيث أكدت أن اسمه عوض
النابلسي، الذي أعدمته سلطة الانتداب البريطاني، والنموذج الشعري الذي تركه مكتوباً
على جدار الزنزانة يصلح كنموذج شعري يثير النفوس ويؤجج حميتها بشكل يفوق أي قصيدة
أخرى في درب المقاومة .
يقول عوض رحمه الله :
(يا ليل
خلّي الأسير تايكمل نواحو)
(راح يفيق
الفجر ويرفرف جناحو )
(تايتمرجح
المشنوق في هبة رياحو)
(شمل
الحبايب ضاع وتكسرت أقداحو )
(يا ليل وقف
تأفضي كل حسراتي )
(يمكن نسيت
مين أنا ونسيت آهاتي . . . (17) )
إن التفات الشهيد عوض إلى
الجدار واستخدامه في تصوير العالم الداخلي لشهيد ينتظر لحظة إعدامه حيث تذكر زوجته
وأولاده الذين تركهم بدون مال باع حلي زوجته واشترى بثمنها بارودة ليلتحق بصفوف
الثورة بعد ذلك، ولا يخفي عوض خزنه وخيبة أمله من ملوك العرب الذي تركوا فلسطين في
مهب الرياح تلعب بها كيف تشاء .
هذه الصورة الجميلة /
الحزينة وجدت مكانها على الجدار الذي التفت إليه عوض ليمارس تعبيره ويخط وصاياه
وكلماته الأخيرة ويمضي، ولا نريد أن نحمل الممارسة التي قام بها عوض أكثر مما تحتمل
ولكننا نحاول من خلالها الولوج إلى رؤية مفادها أن تجربة الأجيال الفلسطينية هي
تجربة تراكمية بمعنى أن الفلسطيني استخدم كل أساليب المقاومة في كل مراحل ثوراته
وفوراته وهباته ضد المحتل فليس غريباً أن يلتفت إلى الجدار تماماً كما التفت الشهيد
عوض، لكن الكتابة الجدارية لم تأخذ طابعها المثير ونقصد به الطابع الجماعي / العام،
إلا في ظل الانتفاضة، فقبل الانتفاضة وباستثناء بعض النماذج التاريخية فإن الكتابة
كانت موسمية ترتبط بالأحداث والمناسبات كوعد بلفور، وذكرى التقسيم والمجازر ونكبتي
1948 ، 1967 والمشاكل والإضرابات التي تجري في السجون وغيرها . وكانت الكتابة تتم
في الليل ويحرص كتّابها الذين عادة ما ينتمون إلى فصائل المقاومة في ذلك الوقت على
كتابة هذه الرسائل في المناطق الهامة والمثيرة للانتباه، كالمدرسة وجدرانها،
والجدران التي تتواجد حول مركز المدينة أو القرية، بحيث يقرأها معظم السكان الذين
يعبرون هذه المناطق بكثرة .
وكان يلاحظ على الجدران
شعارات من مثل :
فتح ثورة
حتى النصر .
فتح مرت من
هنا .
فلسطين حرة
عربية .
عاش شعبنا
العظيم الذي أنجب الجش (18) .
ثوروا فلن
تخسروا سوى القيد والخيمة .
وغيرها من الكتابات لفصائل
م.ت.ف التي اشتمل العديد منها على ذكر الزعماء الفلسطينيين إضافة إلى بعض الكتابات
الجدارية التي تقوم بالدعاية لمرشحي المجالس البلدية في الانتخابات التي جرت بعد
احتلال عام 1967، ومن الجدير بالذكر أننا لاحظنا في منطقة القدس عبارة (انتخبوا
كامل عريقات) التي تعود للانتخابات النيابية الأردنية قبل حرب 67.
هذا فيما يتعلق بالكتابات
الجماعية أما الكتابات الفردية الذاتية، فقد كثرت فيها رسومات علم فلسطين وخريطتها
وقبة الصخرة على دفاتر الرسم والكتب والمقاعد المدرسية . . . . بالإضافة إلى الكثير
من الشعارات العاطفية ومقاطع من الأغاني أو "القلوب التي تخترقها السهام" أو عبارة
"الحب بَلا والعشق سم قاتل" والعبارات البذيئة خاصة في المراحيض العامة .
إن الكتابات الفردية هذه
والتي يقوم بها الفرد بمبادرته الذاتية ودون تخطيط مسبق غالباً، فلا يكلفه الأمر
أكثر من "الخربشة" بالقلم أو الخط بالعود أو الخدش بالمسمار، يلاحظ أنها تتضمن
اهتمامات فردية في الغالب حيث تحتوي على اسم الكاتب أو أي اسم عزيز عليه، وكذلك ما
يشغل بال الكاتب أو يفكر فيه لحظة الكتابة، ويبدو كذلك أن طبيعة المكان والجو
المحيط بالكاتب له أثر كبير في مضمون ما يكتب وهو ما يلاحظ من مضمون الكتابات داخل
المراحيض العامة .
لقد أصبحت الكتابة الجدارية
في فلسطين ظاهرة عامة غير مقتصرة على مكان معين أو زمان معين، وأصبحت في ظل
الانتفاضة ظاهرة منظمة تقوم عليها التنظيمات السياسية والفصائل المقاتلة على الساحة
الفلسطينية بخلاف السابق حيث كانت تقوم تلك الجماعات بالكتابة بين الحين والآخر
وهذا ما يميز شعار الانتفاضة عما سبقه من ناحية التنظيم والشمول واللغة واستخدامها،
أي تنوعها بين العامية والفصحى، وما إلى ذلك من قضايا سنبحثها في الفصول القادمة .
هوامش الفصل
الأول :
1-
أكرم زعيتر، الحركة الوطنية الفلسطينية (1935 - 1939) منشورات اليسار، بيروت .
2- عبد
العزيز أبو هدبا، جمعية إنعاش الأسرة، مقابلة شخصية، 1991.
3- سرحان
نمر، موسوعة الفولكلور - الفلسطيني، القسم الأول، 1989، ط2 ، ص 17 .
4- أبو
هدبا، مرجع سبق ذكره .
5- المصدر
السابق .
6- ذياب
عيوش، الانتفاضة وهتافاتها، في كتاب الأدب الشعبي في ظل الانتفاضة، تحرير عبد
اللطيف عقل، مركز إحياء التراث في الطيبة 1990 .
7-
وبالمقابل فقد ركزت شعارات وهتافات الانتفاضة على المرأة خصوصاً في المناسبة
العالمية الخاصة بها، وأرسلت بالعديد من التحيات لأمهات الشهداء والجرحى
والمعتقلين. مما يشير إلى تطور في الوعي الجماهيري، حيث لم يعد هناك انفصال بين
العمل الثوري والبناء الاجتماعي بل هناك اتجاه الترابط والالتزام بينهما في ذهن
الفلسطيني .
8- انظر،
عوض، خالد نوح إبراهيم شاعر وشهيد. مطبعة فينوس، الناصرة، 1990.
9- أبو
هدبا، مصدر سابق.
10- العويس،
عبد الفتاح، المؤتمر الإسلامي لبيت المقدس، ص 33.
11-
الاستراتيجية كتيب داخلي لحركة فتح. د.ت.د.ن. ص 31.
12- المصدر
ذاته. 804 .
13- أبو علي
إياد، أحد قادة الثورة الفلسطينية، استشهد في أحداث أيلول 1970 في أحراش عجلون .
14- سرحان،
نمر، موسوعة الفلكلور الفلسطيني، قسم1 ، ص 77.
15- اسم
وزير الدفاع الإسرائيلي في ذلك الوقت .
16- اسم
ضابط أمن إسرائيلي مسؤول عن منطقة رام الله آنذاك .
88
17- عبد
ياغي، عبد الرحمن، حياة الأدب الفلسطيني الحديث، المطبعة الأهلية، بيروت، وانظر
توفيق زياد، عن الأدب والأدب الشعبي .
18- اختصار
وتوقيع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين .
|