الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

 الفصل الثاني

الكتابة الجدارية / الشعارية في ظل الانتفاضة

 

  1- مقدمة في المصادر والمراجع :

  حظيت كتابات الانتفاضة باهتمام واسع شأن الانتفاضة نفسها التي أدهشت العالم في وسائلها وهبتها الجماعية، والعنصر الجديد الذي فجرها - طبيعة المقاتل الصغير الذي قاد فعاليات الانتفاضة، فإذا كانت الانتفاضة وعلى مدى أربع سنوات مضت شكلت الحدث الأهم والرئيسي في إذاعات ومحطات الإرسال في العالم، فإن الكتابات الجدارية وصور الجدار الفلسطيني وصلت إلى معظم أنحاء العالم، بحيث فرضت الاهتمام بها من قبل علماء البحث العلمي الاجتماعي والإعلامي والسياسي وغيرهم وكتبت العديد من الدراسات والأبحاث عن شعارات الانتفاضة، والهاجس الذي ألح على معظم الدراسات أن التراكم الكبير والاستمرارية بالانتفاضة والحظر العسكري الصهيوني جعلت من ملاحقة وتسجيل الظاهرة بصورتها الكاملة متعذرة على جهود الباحثين ووضعت هؤلاء أمام محك كبير، وعلى الرغم من توفر مئات الصور والتقارير وأشرطة الفيديو التي لاحقت الجدار الفلسطيني، إلا أن هناك نقصاً كبيراً في تسجيل الظاهرة بصورتها الكاملة، وقد تعددت اهتمامات الباحثين الذين حللوا الكتابة الجدارية فمنهم من درس الظاهرة في بعدها القيمي الشعائري النفسي، أي ركز على الرموز التي ظهرت في الانتفاضة ورسم من خلالها التعدد الفصائلي وربطها بالمقولات الأيديولوجية والمنظومات السياسية التي حكمت الكاتب عند كتابته وتسجيله مواقفه على الجدار، مثال ذلك دراسة بول ستاسبرغ، وآن ماري أوليفر التي صدرت بالإنجليزية والعربية عن الجمعية الفلسطينية الأكاديمية للشؤون الدولية - القدس، حيث سجل الكاتبان بالكاميرا - وهنا استخدما نفس الطريقة التي حاول الباحث الأمريكي تأريخ ظاهرة الجدران في أمريكا - وقارنا الجدار الفلسطيني بمثيله الجدار في أمريكا وتحديداً كتابات العصابات (1).

 

وهنا نلاحظ اهتماماً من الباحثين في التفتيش عن الشباب وأصولهم الاجتماعية إذ أن الشباب هم الذي يقومون بالكتابة دائماً، ولاحظا سرعة زوال الشعار فهو نسخة بدون أصل، كما أنهما حللا الشعار في رؤيته الفنية وقارناه بفن الانتفاضة التشكيلي الذي طبع بالطابع السوريالي البدائي (2)، كما أنهما أبرزا معظم رموز الانتفاضة الفنية التي ظهرت على الجدران، مثل القبضة شعار النصر (7) البندقية، العلم، خريطة فلسطين، صور الزعماء، ومع سيادة مثل هذه الرموز إلا أن أدب الجدار الفلسطيني سيطرت عليه البلاغة الإعلامية، الكلمات والرسائل والبلاغات (3)، أكثر من الرموز، وهي رسائل غطت معظم قضايا الانتفاضة، الدعاية للفصائل، التحذير للمتعاونين، رؤية التاريخ وحركته العالمية، البعد الديني في الشعار الفلسطيني، الهم الداخلي للشعار الذي ركز على التناقض الاجتماعي وموقفه من الجماعات الخارجة عن نطاق العمل الفلسطيني الثوري، العملاء، تجار المخدرات والعاملين على تشويه أخلاقيات المجتمع، ومقارنة الكتابة الفلسطينية بالكتابات الصهيونية ، والرسائل التي وجهها الفلسطينيون إلى اليهود باللغة العبرية والإنجليزية، بالإضافة إلى الرسائل الموجهة للشهداء والتحيات للزعماء وأبطال الانتفاضة، دراسة ستينبرغ وأوليفر من الدراسات الأولى الجادة في تحليل شعارات الانتفاضة وربطها بالبعد العالمي الإنساني، والبحث في رموزها وقيمها الاجتماعية والثورية، وقد بدأ أوليفر وسينابيرغ سنة 1988، عملهما كبحث ميداني قام على تصوير جدران فلسطين في الضفة الغربية والقطاع، وقد عانيا كثيراً في تصوير الجدران حيث أن نظرات كثيرة لاحقتهم من قبل الشاعر الفلسطيني الذي لم يرق له هذا الاتجاه، ومع ذلك فقد سجلا الكثير من شعارات الجدران الفلسطينية .

  إلا أن أول دراسة / مقال صدر في هذا الجانب يعود إلى بدايات الانتفاضة وهو المقال الذي كتبه د. صالح عبد الجواد في مجلة اليوم السابع الباريسية عن الجدران ووسمه بالعنوان / (عندما تتكلم الجدران) (4) وقد حلل بعض الاتجاهات الأولية في كتابة الجدران الفلسطينية، حول الواقع السياسي، والانتفاضة نفسها والفلسطينيين في الشتات، لبنان والمخيمات، والشهداء، والسجون والمعتقلات، والجواسيس والعملاء كما أكد على خصوصية الشعار الفلسطيني وديمقراطيته، وموقف الجيش الصهيوني وعصابات الجواسيس منها، والألوان الرسوم. ثم تتابعت بعد ذلك التحقيقات الصحفية التي كرست حول الظاهرة واهتماماتها. وآخر ما صدر حول الجدار الفلسطيني هو بحث محمد سليمان الذي كرس فصلاً كاملاً في كتابه إعلام الانتفاضة / 1991 ، حول شعارات الانتفاضة معتمداً على عينة جمعت ما يزيد على أربعمائة شعار وعلامة سجلت على الجدار الفلسطيني وقادته عينته التي توافرت لديه إلى نتيجة مفادها أن الفصائل الفلسطينية موجودة على الجدار، حلل من خلالها التنوع الثقافي والفصائلي، وكذلك درس المواقف السياسية التي حكمت كل تنظيم، ناقلاً أبعاد القضية الفلسطينية من وجهة النظر التنظيمي مركزاً على مواقف حركة فتح - حيث ينتمي الكاتب إلى هذا الاتجاه، محللاً بعض زوايا الفن الجمالي للشعار الفلسطيني (5) والجدير بالذكر أن بحثه هذا هو تواصل مع بحث آخر نشره في مجلة فلسطين الثورة الصادرة في نيقوسيا اعتمد على صورة اختارها من أرشيف الانتفاضة المتوافرة لدى المنظمة برز من خلالها بعض الاتجاهات في الكتابة الجدارية . (6)

  يمكن القول أن الدراسات السابقة هي من أهم مصادر هذا الاتجاه إذا أضفنا أبحاثاً أخرى تصدت للظاهرة من موقع التحليل الفولكلوري الشعبي، مثال ذلك ذياب عيوش في بحثه عن شعارات الانتفاضة واهتماماتها، الصادر عن مركز إحياء التراث الفلسطيني، كذلك إشارات نمر سرحان في كتابه فولكلور الانتفاضة وبعض المصادر التي ألمحت في معرض توصيفها لثقافة الانتفاضة دون تمييز وغيرهم.

  سنحاول في السطور القادمة رسم أهم ملامح وخصائص الكتابة الجدارية الفلسطينية وفحص مجمل ما تحدثت عنه الحيطان الفلسطينية، مع تخصيص هامش واسع لدراسة مضامين الكتابات تلك وقضاياها بناءً على العينة التي توفرت لدينا، وهي عينة تمتاز بشموليتها وعددها الوافر الذي لم يرد في دراسة سابقة .

 

  بداية فإن انتشار الشعار الفلسطيني وتأكيده للذات الفلسطينية أسهمت فيه عوامل كثيرة، منها الجماعية التي حكمت الكتابة والتنظيم الشامل لأسسها وسنرى أن البيانات التي هي الإعلام الوحيد البارز في ظل الانتفاضة أمام قمع صهيوني لوسائل التغيير الفلسطينية المكتوبة، قد أكدت على هذا الطابع، إذ إننا لا نستطيع فهم الظاهرة دون ربطها بالبيان / المنشور الفلسطيني الذي فعّل العملية ونظّمها وحدّد قوانينها التي التزمت بها كافة الفصائل، وبالتالي تحول الجدار إلى جريدة للشارع الفلسطيني يكتب عليها ما شاء من الرسائل والبلاغات العمومية . كذلك فإن وسائل الإعلام العالمية والمحلية القليلة أسهمت بدور كبير في لفت النظر إلى هذه الظاهرة - الكرنفال الكبير الذي حوّل فلسطين بكل ما فيها من هضاب وتلال وبشر إلى ساحة مليئة بالألوان والشعارات، إننا أمام غابة من الشعارات حسب تعبير أوليفر وسينابيرغ / 1991، ونضيف إلى تلك الوسائل السينما التي كانت مسؤولة سابقاً عبر أفلام الشوارع في نيويورك عن شعبية الكتابة الجدارية ، فالسينما الفلسطينية أيضاً حرصت على نقل صورة من تفاعل الفلسطيني - الفنان مع ظاهرة يومية غير مفصولة عن واقعها الطبيعي وكما ذكر بعض المعلقين على فيلم (نشيد الحجر) لميشيل خليفي الذي حرص على إبراز الظاهرة في فيلمه السابق الثاني .

  في فيلم نشيد الحجر، وخلال تجوال الكاميرا في الشوارع، يرى المشاهد كيف يغلق الجنود الإسرائيليون المدارس، ومعاناة الناس اليومية، وكيف يتعاملون مع عدوهم ، من خلال لقطات لبعض الإصابات داخل المستشفيات، ومشاهد للسجون وشوارع القدس وإجبار الشباب على إزالة الشعارات الانتفاضية عن الجدران، حيث يقوم الشاب بمسح الشعارات بصورة ليست مبالية تهكمية تجعل الجدار أشبه بلوحة تجريدية طريفة .

 

  2- الشعارات والممارسة الفصائلية:

  إذا كانت الكتابة على الجدران قبل الانتفاضة حكراً على فصائل م.ت.ف. فقد أصبحت فيما بعد من نشاطات الحركة الإسلامية (حماس، الجهاد الإسلامي) أيضاً .

  وقد كانت شعارات الحركة الإسلامية قبل الانتفاضة تبرز في المسيرات والانتخابات الطلابية والاحتفالات الدينية والأعراس الإسلامية .

  وكان من أشهرها الشعارات التاريخية للإخوان المسلمين مثل :-

 

  -الله أكبر ولله الحمد .

  -الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا.

  -دعوة لله، زعامة للرسول، دستورنا القرآن نحن فداه، نحن فداه، نحن فداه .

 

  وعندما تفجرت الانتفاضة بدأت الحركة الإسلامية الكتابة على الجدران بدون خبرات سابقة بعكس فصائل المنظمة، وكان من الطبيعي أن تبدأ بالشعارات التاريخية إضافة إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وقد أكثرت الاقتباس من الأناشيد والأشعار الإسلامية المبثوثة في عشرات أشرطة الكاسيت ودواوين الشعر، سواء منها الصادرة عن الرابطة الإسلامية لطلبة فلسطين في الكويت، والأردن، وكذلك الأشرطة الصادرة في اليمن ودول الجزيرة العربية، ثم محاكاة شعارات م.ت.ف. إضافة إلى الشعارات التي تدعو إلى الاستمرار والتصعيد في الانتفاضة كما عملت الحركات الإسلامية على "أسلمة" بعض الشعارات وإعطائها الصبغة الإسلامية.

  فمثلاً شعار:

 

  لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة .

  لا صوت يعلو فوق صوت الله أكبر أو "الإسلام" .

 

  على اعتبار أن الانتفاضة "عمل، وهي بحاجة إلى "فكر" وأيضاً على اعتبار أن أوامر الله ورسوله هي التي ينبغي أن تعلو فوق كل المبادئ والأصوات . اهتداء بالآية الكريمة (^يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي . . . . .) (7)

  والآية (^يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) (8).

  وفي بعض المناطق لوحظ شعار : * حماس فصيل إسلامي مقاتل .

  وذلك تقليداً لشعار الجبهة الشعبية : * فصيل يساري مقاتل .

  وأما شعارات م.ت.ف هي الممثل الشرعي والوحيد .

  فقد حُوّل إلى (القرآن هو الممثل الشرعي والوحيد) .

  فبرغم أن "التمثيل" يقوم به أشخاص أو هيئات، إلا أن ربطه بالقرآن الكريم يقصد به، فيما يبدو، أن يلتزم التمثيل بثوابت وليس بأشخاص وهيئات قد تتغير مواقفهم بتبدل الزمان والمكان والحال .

  ولم يمض وقت طويل حتى بدأت شعارات الحركة الإسلامية وبالذات شعارات حماس تتميز مضموناً ونوعاً، ومن هنا لاحظنا ولادة شعارات طبعت المرحلة بطابع إسلامي ورددتها الجماهير الإسلامية في مظاهراتها وانتفاضاتها وانطلاقتها، فكان شعار : "خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود" من الشعارات الأولى التي ميزت الخطاب الإسلامي العام في الضفة والقطاع إضافة إلى شعارات من مثل "فلسطين إسلامية .. لا شرقية ولا غربية" وهو شعار رفع قبل الانتفاضة في حركات الفعل الطلابي والجماهيري الذي قادته الحركة الإسلامية في أوائل الثمانينات، لحظة التنافس على مقاعد الاتحادات الطلابية في الجامعات والمعاهد الفلسطينية، والنقابات وتواصل هذا الشعار مع مد الحركة الإسلامية وبالذات حماس في ظل الانتفاضة بزخم ونفس جديد، مع شعارات أخرى بدأت تطبع الخطاب الحركي بطابع جديد ونفس جهادي متميز، ومن هنا لاحظنا شعار "القدس لنا لا للظلمة والويل لهم في الملتحمة" يؤكد في ثناياه الخطاب الإسلامي الملتزم بالقدس ذات الطابع الإسلامي، تلك الحركة والطاقة العالية التي عبر عنها من خلال خطاب الجهاد .

  3- الدور الوظيفي لشعارات الانتفاضة :

  في توصيف الدور الوظيفي لدور الشعارات الجدارية فإن الحديث لا ينفصم أساساً من رؤيتنا للدور الذي أداه ويؤديه الجدار في تجارب مماثلة إلا أن الجدار الفلسطيني تميز بمميزات كثيرة جعلته يتفوق على بقية التجارب العالمية خاصة الثورية منها، حيث أكد الجدار هذا على طبيعة المرسلة الإعلامية التي ولدت في غياب وسائل أخرى لم تستطع النفاذ في زمن الانتفاضة إلى الرأي العام الفلسطيني نظراً للممارسات الشديدة التي قامت بها سلطات الاحتلال عليها من اعتقال للصحفيين وإغلاقه لها، وتشديد دائرة الرقابة عليها، وتأخير صدورها فكان الجدار المحل الوحيد لنقل مجريات الواقع وحيثياته .

  الوظائف التي حرص الجدار الفلسطيني على أدائها علاوة على خدمتها لأغراض وقضايا الإنسان المحلي الفلسطيني، يمكن إجمالها بالآتي :

 

  1- الإعلام :

  في ظل (الخانوق) الصحافي الذي تمارسه السلطات الاحتلالية على مجمل الأدوات والمؤسسات الصحافية الفلسطينية، وغياب الإعلام الرسمي في المجتمع الفلسطيني ومحدودية الدور الذي تحققه البيانات التي تركز في أحيان كثيرة على التحليل وبيان مواقفها العامة تجاه مجريات الأمور وتفعيل الانتفاضة، فإن الظرف العام العاجز في آلته الإعلامية نتيجة للظروف السابقة أدى إلى بروز صحافة الحيطان، ووصفت جدران فلسطين بأنها جريدة الشارع الفلسطيني، ولعل الوظيفة الإعلامية هي الهدف الأساسي الذي ركزت عليه الجدران وتناولته معظم الدراسات السابقة بالشرح والتحليل، فالقيادات المحلية لا تستطيع إيصال ما تريده عبر وسائل الإعلام كالصحف والمجلات والإذاعة والتلفزيون، كذلك فإن البيان الذي كان علامة من علامات الانتفاضة اعتبر في قائمة الممنوعات ويحرص السكان على أن لا يضبط لديهم، فإن الدور الذي لعبه الجدار كان مكملاً لدور البيان في صورة من صورة .

  وكما ذكر علي الخليلي (9) فإن صحافة الجدران حققت تأثيراً كبيراً على المواطنين وبالمقابل شكلت لطمة ثابتة على وجه الاحتلال الذي لم يكن يتوقع لمثل هذه الصحافة التي تستلزم جهداً كبيراً وتضحية مستمرة هذا الانتشار والإصرار، كما أنها وصلت باللغات الإنجليزية والعبرية إلى عقول الجنود، ولتؤكد دور صحافة فلسطين ناطقة بتلك اللغات والقوانين الصارمة إلا أن الظاهرة انتشرت بشكل كبير بحيث لم تسلم مساحة في فلسطين إلا خطت أو لونت أو كتب عليها شعار وإعلان .

  2- الدعاية :

  فقد استخدمت الشعارات قديماً وحديثاً في الدعاية للجماعات والأفراد والأفكار والعقائد والأحزاب وكذلك البضائع، وفي الانتفاضة فإن الشعارات تقوم بالدعاية للفصائل العاملة على الساحة وأفكارها وزعمائها ومواقفها وسياساتها .

  3- الحشد والتحريض والتعبئة:

  وهو ما يتضح في تحريض الشعارات على المقاومة والاستمرار، وكذلك تفاؤل الشعارات بالنصر لأصحابها وهزيمة الأعداء من خلال بيان عدالة القضية ومبررات الصراع .

  ومما يستفاد من اختيار النبي ^ شعار "أمت أمت" في المعركة أن هذا الشعار يزيد المسلمين قوة في الروح المعنوية وفي الوقت هو إرهاب للمقاتلين من المشركين، فإن المشرك حين يسمح المسلم يقول لأخيه وقد أقبلا عليه : أمت أمت بمعنى اقتل اقتل تطير نفسه شعاعاً ويتملكه الخوف والفزع (10).

  كما أن شعار "يا منصور أمت" فيه تفاؤل بالنصر وبعده الأمر بالإماتة (11) .

  4- إثبات الوجود والسيطرة :

  منذ القديم حرصت الجيوش على بقاء رايتها مرفوعة خلال المعارك، ولذلك كان حملة الرايات هم القادة أو أشجع المحاربين، وبالمقابل كان الجيش الآخر يحرص على قتل حملة الرايات، كما أن رفع العلم أو الراية على موقع ما هو دلالة السيطرة على هذا الموقع وعزة أصحابه، والجيش المنتصر يسارع في إزالة راية العدو واستبدالها برايته في الموقع الذي تمت السيطرة عليه .

  وقد قاومت سلطات الاحتلال بضراوة الأعلام الفلسطينية التي كانت ترفع على الأماكن العالية، لما يوحيه وجودها من معاني الاستقلال والتحرر والخروج من سيطرة المحتلين .

  وبالنسبة للشعارات فقد حرصت الفصائل الفلسطينية المختلفة على الإكثار من كتاباتها لأن هذه الكثرة تمثل إحدى علامات الوجود والقوة في منطقة معينة، بل إن بعض الشعارات تصرح بذلك مثل (فتح مرت من هنا) (وحماس في كل مكان) كما أكثرت الفصائل من كتابة أسمائها "مجردة" في كل الأماكن كأسلوب للدعاية وإثبات الوجود. ومن هنا فقد قام البعض في الساحة الفلسطينية بمسح شعارات الآخرين لنفس الدوافع.

  ولنفس الاعتبار دعا نداء 28 للقيادة الموحدة إلى إزالة اليافطات المكتوبة باللغة العبرية عن كافة المحلات التجارية وغيرها في كافة مناطق دولتنا المستقلة.

  5- الدفاع والحماية :

  تبرز وظيفة الحماية فيه من خلال "كلمة السر" في المعارك حيث يساعد الشعار السري أو المسموع على أن يميز الجنود رفقاءهم من أعدائهم، فيتجنبوا قتل الرفقاء ويحذروا من اختراق الأعداء لهم، وقد رأينا كيف تقاتلت فئتان من المسلمين زمن العهد النبوي، وكل منهما تظن الأخرى من الأعداء، حتى تنادوا بشعارهم فأوقفوا القتال .

  وقد كثر هذا الأسلوب في الانتفاضة حيث هناك علامات أو شعارات - بمعنى المصطلح التاريخي - يميّز بها نشيطو الانتفاضة الأصدقاء من الأعداء، خاصة بالنسبة للسيارات العربية، حيث يستعمل السواقون العرب البوق أو الغماز أو تضاء السيارة من الداخل في الليل حتى لا تخطئ المجموعات الضاربة والسواعد الرامية، فتقذفهم بالحجارة ظناً منهم أن السيارات إسرائيلية . . . وأما في النهار فتوضع الكوفية أو سجادة الصلاة في مقدمة السيارة أو مؤخرتها، كما تكتب بعض الكلمات العربية كلفظ الجلالة أو كلمة التوحيد أو اسم الشركة أو غيرها، وأحياناً يحرص السائق على ارتداء الكوفية أو يجلس بجانبه في المقعد الأمامي رجل يرتدي الكوفية أو امرأة تغطي رأسها، كل ذلك للدلالة على أن السيارة عربية، ويفعل ذلك عادة أصحاب السيارات ذات الأرقام الصفراء التي تشبه أرقام السيارات الإسرائيلية .

  هذا من حيث وظيفة الشعار بمعنى كلمة السر، أما الشعار الذي يكتب على الجدران فيؤدي وظيفة الحماية والدفاع من خلال تحذيره للمواطنين من العملاء والاحتلال وأساليبهم ومن خلال التنبيه إلى الممارسات الخاطئة في الشارع الفلسطيني والتي قد يكون لها انعكاسات سلبية على الانتفاضة والشعب والقضية، وأيضاً فإن هذه الوظيفة تتحقق من خلال التحريض والتعبئة التي تقوم بها الشعارات والتحريض يؤدي إلى "الهجوم" والهجوم خير وسيلة للدفاع .

 

  6- التجميع والتمييز :

  فالشعار يشد الانتباه، ويجمع الأذهان والأبصار نحوه، ويحقق وحدة الأفراد من خلال الهتاف المشترك أو الشارة أو الراية المشتركة، التي تؤدي أيضاً وظيفة التمييز عن الآخرين حيث لا تنجح عملية التوحيد والتجميع بدون تميز واستقلالية . فالشعار يميز الهوية الذاتية لأصحابه سواء كانت هذه الهوية عرقية أو سياسية أو عقائدية أو مذهبية ويؤدي إلى مزيد من الانتماء والاعتزاز بالجماعات من خلال الرمز المشترك وشارة الانتماء التي توحد الجميع، ويستطيع الجمهور أن يميز بين فئة وأخرى من خلال شعارها المكتوب أو المرسوم أو الهتافات التي أصبحت علامات على الفئة العاملة .

 

  7- وظيفة جمالية :

  تبرز من خلال الألوان والخطوط الجميلة، والرسومات الفنية والعبارات البليغة المنتقاة وذات الجرس الموسيقي المحبب للآذان سواء كانت مكتوبة أو يهتف بها المتظاهرون في أعمالهم الاجتماعية، والرؤية الجمالية تختلف في تحليلها من باحث لآخر، وهي وإن كانت في الأدبيات العالمية / الكتابة على الجدران العامة خطراً على الذوق العام، فقد رأى خليل أحمد خليل في الظاهرة اللبنانية تشويهاً للجدار ودوره الاجتماعي وخرقاً للخصوصية والملكية العامة، فإن جمالية الجدار الفلسطيني تأتي من مواقف الشارع العام منها واهتمامه بها وتفعيله لها من خلال المشاركة في كتابتها أو رفض الانصياع لأوامر الجيش بإزالتها رغم العقوبة المالية الكبيرة، كذلك فإن تداخل اللون مع الصورة، والكتابة الممسوحة والفعل الجديد عليها واختلاطه بالشيد أو الدهان الذي وضع لإزالتها أكسب الجدار مسحة جمالية وطابعاً تشكيلياً سريالياً، تجريدياً. وتذهب بعض المصادر إلى أن دور الشعار يشابه في بعض وظائفه وظيفة الشِّعر بالنسبة للإنسان من ناحية الحماية والجمال وما إلى ذلك (12).

 

  4- الشعارات بين المرسل والمستقبل :

  الشعارات والكتابات الجدارية تمثل رسائل إعلامية ولابد أن يكون وراءها مرسل يبعثها ومستقبل يتلقاها، ويضع المرسل في اعتباره وجهة الرسالة وغايتها والهدف المتوخى منها، ولذلك يتأثر شكل الرسالة ومضمونها بطبيعة المرسل والمستقبل .

  وفي الانتفاضة فإن من يقوم بكتابة الشعارات هم من أبناء التنظيمات الفلسطينية الفاعلة وبالأخص حماس والقيادة الموحدة والجهاد الإسلامي، إضافة إلى التنظيمات الصغر حجماً في الساحة مثل جبهة التحرير العربية، وجبهة النضال الشعبي، وحزب العمال والحزب الشيوعي الفلسطيني، وفتح الانتفاضة والجبهة الشعبية القيادة العامة وغيرها، هذا في الجانب الفلسطيني أما في الجانب الإسرائيلي فالمعنيون بكتابة الشعارات في ميدان الانتفاضة غالباً هم الجيش والمستوطنون والمخابرات، إضافة إلى العملاء .

  وأحياناً يقوم بعض الأفراد والمجموعات (الشلل غير المنظمة) بالكتابة على الجدران بدون توجيه خارجي حيث يجمعون ثمن علب الدهان، أو قد يعثرون على بعض العلب من مخابئ التنظيمات أو من مخلفات الكتابة، فيكتبون باسم الجهة التي يتعاطفون معها أو باسم مستقل .

  والمظنون أن أعمار المشاركين في كتابة الشعارات الفلسطينية تتراوح بين 13-35 عاماً، تزداد نسبتهم بين 16-25 عاماً وتقل في الأطراف .

  والأصل أن يكون كتّاب الشعارات على قسط لا بأس به من التعليم والثقافة، أما صياغة الشعار فقد تكون من فعل الكتاب أنفسهم أو بتوجيه من القيادات الميدانية أو العليا. والكتابة قد تكون بعد تخطيط مسبق أو توجيه خارجي، كما قد تكون بمبادرة فردية ذاتية .

  فالنوع الأول هو الغالب أو هو الأكثر في الانتفاضة - وهو موضوع الدراسة - حيث يقوم مجموعة أشخاص تربطهم صداقة أو علاقة تنظيمية غالباً ، ويكون هنالك تنسيق وتخطيط سابق واتفاق على ما يراد كتابته، ويكون عادة بتوجيه من القيادات، وتنقسم المجموعة بحيث يقوم البعض بالكتابة، بينما يتولى الباقون الحراسة خشية قدوم الجيش أو غيره، وتستعمل علب الدهان في هذا النوع من الكتابة. وتكتب على ظاهر الجدران وبخط كبير في العادة، ووقت الكتابة الطبيعي هو الليل.

  أما النوع الثاني : فهي الكتابة التي يقوم بها شخص مفرد بمبادرة ذاتية بدون توجيه أو تخطيط مسبق. بالقلم أو العود أو المسمار أو غيرها، حيث يرغب الفرد بالتعبير عن ذاته وما يشغله أو يؤمن به أو يحبه أو يخطر بباله لحظة الكتابة. ومكان هذا النوع هو الدفاتر والكتب ومقاعد الحافلات والجدران الداخلية للصفوف المدرسية والمرافق العامة والمراحيض والمصاعد الكهربائية وأحياناً على الملابس وأعضاء الجسم والمقاعد المدرسية، وغالباً تتم الكتابة في النهار لأنه وقت وجود الناس في هذه الأماكن . وقد كانت الكتابات الفردية قبل الانتفاضة تتضمن اسم الكاتب أو محبوبه أو مقاطع من الغاني وأسماء الفنانين والعبارات العاطفية ورسم القلوب التي تخترقها السهام كما اشتملت على بعض المضامين الوطنية والدينية كعبارة فلسطين ورسم علمها وخريطتها وكتابة عبارة التوحيد وغيرها .

  والملاحظ في الانتفاضة، أن الشعار الفردي صار يحاكي الشعار الجماعي، بحيث يمكن رؤية الكثير من الشعارات الجماعية الموجودة على ظاهر الجدران، وقد كتبت على المقاعد والدفاتر وداخل الجدران.

  وكادت تختفي المضامين العاطفية والجنسية من كتابات الطلبة في المدارس، أو غيرهم في المراحيض العامة. ومع ذلك يبقى هناك بعض الاختلاف بين الشعارات الجماعية والفردية حتى في الانتفاضة فالشعارات الجماعية أقرب إلى الموقف الرسمي للتنظيم وإن ظهرت فيها إلى حد ما شخصية "المجموعة" الكاتبة، أما الشعارات الفردية فتغلب فيه شخصية "الفرد" الكاتب ومستواه التعليمي والثقافي، ووضعه النفسي، وقد يقوم بهذا النوع من الكتابة أفراد غير منتمين إلى التنظيمات أو آخرون من أصحاب الانتماء ولكن تنظيمهم لا يمارس الكتابات الجدارية في الانتفاضة.

  وكمثال على ما سبق فقد لاحظ بعض المدرسين على المقاعد والكراسات الطلابية للمرحلتين الابتدائية والإعدادية أنها تحتوي على شعارات مثل (نعم فتح لا حماس، نعم لحماس لا فتح، لا جش) وهنا تبرز ذاتية الصغار الذين يفهمون الأمور ضمن تقسيم "أبيض وأسود" وقد يعكس ذلك واقع التربية التنظيمية من قبل القيادات للأعضاء والأنصار، ولأن الصغار لا يخفون ما بداخلهم فإن أثر التربية يظهر عليهم أكثر من الكبار .

  وكمثال آخر على الشعارات الذاتية فقد كتب بالقلم على الجدار الداخلي في مركز تطوير اللغات برام الله، شعار بتوقيع حزب التحرير الإسلامي جاء فيه :

  عاش حزب التحرير شوكة في حلق أعدائه .

 

  وهذه الكتابة تمت بمبادرة شخصية من الكاتب لأن الحزب المذكور لا يشارك في أعمال الكتابات الجدارية . . ولعله قد جرى حوار بين الكاتب وبين زملائه في المركز التعليمي حول حزب التحرير فدفعه هذا النقاش إلى كتابة هذا الشعار .

 

  وفي المركز نفسه لوحظ شعار موقع باسم فتح ومكتوب بالقلم يقول :

  لكل ثورة ختيار وختيار ثورتنا أبو عمار .

  وهذا الشعار يحاكي شعاراً للجبهة الشعبية يقول :

  لكل ثورة حكيم وحكيم ثورتنا جورج حبش .

 

  ويبدو أن كاتب الشعار قد أعجبه شعار الجبهة فنسج على منواله .

  أما عن مستقبل الشعارات فإنها توجه لعموم الجمهور في فلسطين، ولكن بعض الشعارات قد توجه إلى أشخاص معينين أو فئات محددة مثل الكتابات التي يقصد بها تحذير العملاء أو المخالفين للإضراب من عمال وسائقين وأصحاب محلات كما قد توجه شعارات للطلبة والمدرسين وأصحاب المصانع والمزارعين أو العاملين في وظائف معينة كالشرطة وموظفي الإدارة المدنية كما قد تكتب شعارات قرب بيوت الشهداء يكون المقصود بها أهلهم، وهناك شعارات توجه للجيش والمستوطنين أو الأجانب ووسائل الإعلام وتكون عادة بغير اللغة العربية .

  وعلى العموم فالشعارات وإن كانت خاصة فإنه يستقبلها عموم أهل البلدة ومن يمر بها .

  والإسرائيليون حين يكتبون شعاراتهم في المناطق العربية يوجهونها لليهود حيث تحتوي على تحريض لطرد العرب أو قتلهم أو الانتقام منهم وتكون بالعبرية. ولا يمنع ذلك أن تكون موجهة للعرب كنوع من الحرب النفسية . وهناك القليل من الشعارات الموجهة للعرب ومكتوبة بالعربية.

 

  5- الشعارات - الزمان والمكان :

  1- الزمان :

  من ناحية الزمان فإن الوقت المناسب لكتابتها يرتبط أساساً بكونها وسيلة ممنوعة كغيرها من الوسائل الإعلامية المضروب عليها الحصار، ولذلك فإن الشباب غالباً ما يقومون بكتابتها في الليل، حيث تخفّ الحركة، وفي بعض المناطق يلجأ الشباب إلى الكتابة بعد الغروب مباشرة، يرتدي الشباب ملابس الشغل أو الأقنعة فيما عرف بعد ذلك بالملثمين، حتى لا تميز الكاتب أو الفاعل، وأحياناً تكتب في النهار أثناء المظاهرات أو بحراسة مجموعات الملثمين وهذه الحالة تحدث في المناطق البعيدة والقرى النائية حيث يتعسر وصول الجيش، ويتأخر عن الوصول في حالة إبلاغه من قبل العملاء والجواسيس .

  وفي زمن كتابة الشعارات نفصل بين نوعين من الكتابات من ناحية زمانيتها وديمومتها على الحائط: فهناك حسب (أوليفر / سينابيرغ 1991):

 

شعارات دائمة : وهي التي لا تتغير كثيراً، لكونها ترمز إلى فصائل ثورية وتتعلق بأجيال فلسطين من ذلك قبضة اليد، والعلم الفلسطيني، وخريطة فلسطين كل فلسطين، وقبّة الصخرة وما إلى ذلك من رموز وطنية يحن إليها الفلسطيني ويتطلع إلى ديمومتها وتواصلها مع العمل الثوري.>

 

شعارات دورية : وهي التي تتعلق بالوقائع والأحداث أي بالحال الآني حيث يعمد الكتاب إلى كتابتها رغبة منهم في إبلاغ الشاعر العام إعلامه بمجمل ما يحدث من تطورات داخلية وخارجية على صعيد القضية الفلسطينية من ذلك : الحلول السلمية، (قطار التسوية)، حرب الخليج، المخيمات الفلسطينية وأوضاعها . . . . . الخ. ويدخل تحت هذا البند :

- الشعارات الآنية المتعلقة بالمناسبات والأعياد .

- التغييرات التي تطرأ على مضمون الشعار الذي طرحه الفصيل ، ومرجع هذا التغيير، مراعاة الواقع الفلسطيني وعلاقة الآخرين به من أنظمة خارجية وداخلية. فدعوة الجبهة الشعبية في شعاراتها إلى العصيان المدني الشامل في بدايات الانتفاضة تحولت إلى الدعوة إلى العصيان المتقطع ثم لم يعد يذكر في سجلاتها إلا مقاطعة أجهزة الإدارة المدنية وإلى التوقف عن دفع الضرائب وعدم استلام البطاقات الممغنطة خاصة بعد الإجراءات الإسرائيلية الصارمة ضد الفلسطينيين وتوقف الحديث عن الاتحاد السوفياتي (الصديق) بعد امتداد الهجرة اليهودية من هناك والموقف السوفياتي من أزمة الخليج.>

 

  2- المكان :

  تحولت فلسطين إلى غابة من الشعارات ويندر أن تجد مكاناً لم يكتب فيه شعار أو يغطى برسم، ملصق، لوحة، وما إلى ذلك، فالشعارات تناثرت على الجدران (البيوت، المحلات التجارية) . والكراسي والمقاعد المدرسية، مروراً بالحجارة والصخور وأعمدة الكهرباء والهاتف، والسيارات القديمة، وحاويات القمامة، في المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية عام 1967.

  ويمكن تصنيف الشعارات حسب علاقتها بالمكان بالتالي :

  ارتباط الشعار بنوعية الجمهور الموجود أو المتوقع حضوره في المكان : فالشعارات الدينية تكثر على جدران المساجد وبجوارها، وجدران المدارس وكذلك على الجدران ذاتها تكثر الشعارات التي تتحدث عن التعليم، وكون الإضراب يشمل الطلاب أو لا يشملهم، وعن العلاقة بين الأستاذ وطلابه، كما كتبت شعارات تدعو إلى الالتزام بالزي الإسلامي على جدار مدرسة للبنات .

  وتكثر الشعارات التهديدية على جدران بيوت العملاء والمنحرفين وبيوت المخالفين للإضراب من التجار والعمال والسائقين، وتكثر الشعارات العمالية في المناطق الصناعية، وقد تكتب شعارات بالعبرية من قبل الفلسطينيين قرب نقطة الجيش أو مكان يتوقع فيه قدوم الجيش والمستوطنين، وأحياناً يربط كاتب الشعار بين المكان وطبيعته فمثلاً كتب قرب ملعب في مدينة البيرة شعار يدعو اللاعبين إلى ضرب الحجارة لأنه "رياضة" أفضل من لعب الكرة.

  ويلجأ بعضهم إلى كتابة شعارات غالباً بالإنجليزية في المناطق التي يتوقع أن يؤمها السياح أو المراسلون الأجانب. وبالجملة فإن هناك علاقة بين الشعار والوظيفة التي يؤديها أو الخدمة التي يقدمها المكان للجماهير .

 

  6- الشعارات والأداء الفني - الوظيفة الجمالية :

  يرتبط بعنصر المكان درجة الفنية وقدرة الكاتب على تقديم أشكال فنية للمشاهد العام. وهذا يعود أيضاً إلى عامل آخر يلعب أو يؤثر على الكاتب حالة توقيعه الكتابة أو الرسم على الجدار، ونقصد به الوضع الأمني، ويمكن صياغة العلاقة بأن قرب المكان وبعده عن الأحداث يؤثر في درجة الصياغة الفنية والتشكيلية للشعار .

  وبداية فإن الكاتب يحرص على كتابة شعاره في أماكن مطروقة وبادية للعيان، وهذا يؤثر على درجة الإنجاز والرسالة التي يود إبلاغها فتكون الكتابة أحياناً فظة ورديئة ولكن الكاتب هنا لا يلتفت إلى البعد الفني بقدر ما يكون اهتمامه منصباً على التبليغ ليس غلا . وغالباً ما تميز الكتابة الجيدة المكتوبة بخط واضح وجميل في القرى النائية أو المناطق التي يصطلح على تسميتها بالمحررة، والرسوم المثبتة عليها تكون على درجة عالية من الأداء. من ذلك ما أوردته (أوليفر، ستابيرغ / 1990) من أن بعض البيوت المهجورة والخرائب المتداعية كانت معرضاً للوحات جمالية، فقد شاهدا في حي الشيخ رضوان بغزة بيتاً غطي بكامله بالأشكال التي رسمت بطلاء الرش (spray) وتصور جواسيس برزت أنيابهم ورسمت على وجوههم علامات الضرب، وشباباً يعتمرون الكوفية وفلسطينيين عمالقة يحطمون نجمة داوود بكلاشنكوف (13).

  أي أن العامل الأمني يؤثر في صياغة الشكل الفني للجدار، وهذا أيضاً يحدد الطريقة التي يكتب فيها وقربه من مكان الحدث أو بعده عنها .

 

    أ- موضوع الشعار وطبيعة المكان :

  يؤثر موضوع الشعار في اختيار المكان المناسب، والموقع الملائم له، فالأعلام الفلسطينية، ورايات التوحيد وصور الشهداء والزعماء تلصق أو تعلق في أماكن عالية كنوع من التكريم، والشعارات التي تتحدث عن العملاء وسلطات الاحتلال وكذلك العلم الإسرائيلي والنجمة السداسية فكثيراً ما تكتب في أماكن حقيرة، كالحمامات العامة وحاويات النفايات وكذلك على أرضية الشوارع ليدوسها المارة، من ذلك ما لوحظ على حاويات النفاية والمراحيض العامة شعارات مثل : هنا مكتب شامير، وهنا مقر الكنيست، ومقر العملاء العميل فلان، هنا تباع المخابرات الإسرائيلية، وقد لوحظ في مسجد حلحول الكبير، وفي داخل مرافقه العامة مئات من الرسوم والشعارات التي تتحدث وبصورة مثيرة عن العملاء، والجيش الإسرائيلي وما إلى ذلك بل إن بعض الفصائل استخدمها كسلاح لقمع المعارض في العمل الوطني .

  وقد كتب على مخفر شرطة - مما يدخل في هذا الباب - في مخيم عسكر بعد إخلائه (^يُخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين) (14).

  وكتب على مسلخ قديم في البيرة قرب مسجد العين وبتوقيع الجبهة الشعبية "سيكون مصير من اغتال ياسر ورجا هذا المسلخ"

 

  ب- شعارات المدن والقرى / الضفة والقطاع :

  يمكن القول : إن الشعار الذي يكتب في المدينة، يكتب في القرية، وذلك للدور الذي تلعبه المدينة في المجتمع الفلسطيني فهي موقع القيادة السياسية الذي تمليه إلى حد كبير على القرى والمخيمات المحيطة بها (15)، يضاف إلى ذلك أن المدينة هي المكان الوحيد الذي يتوجه إليه القرويون لقضاء حاجاتهم والتسوق في أسواقها الكبيرة، ومراجعة المؤسسات والدوائر المتواجدة فيها، بالإضافة للدراسة في مدارسها وجامعاتها، وكل هذه عوامل تجعل من الشعار ينتقل بصورة طبيعية ومن غير حاجة أحياناً للتوجيه والإشراف، إلا أنه يلاحظ أن جانباً من الخصوصية التي طبعت شعارات ورسوم القرى الفلسطينية، حتى في الصياغة الفنية للشعار من ناحية حدته التي برزت فيها النبرة العشائرية في القرى والتي أثرت على الأطر والتنظيمات السياسية في ظل الانتفاضة .

  وكذلك لاحظ بعض الكتاب أن شعارات وهتافات قطاع غزة تتميز بالحدة والعنف أكثر من مثيلاتها في الضفة الغربية (16) ولا يعني ذلك وجود اختلاف كبير في المحتوى لأن التنظيمات التي تكتب في الضفة والقطاع هي ذاتها هنا وهناك كما أن الاتجاه الاجتماعي السياسي للفلسطينيين يكاد يكون متشابهاً رغم اختلاف المناطق وإن الفروق هي في التفاصيل والحدة دون المبادئ الأساسية والأهداف (17) .

 

  7- أدوات الكتابة :

  إذا كان عوض النابلسي قد استخدم "الفحم" في رسم مشاعره الأخيرة وكتابة كلماته لشعبه قبل لحظات من إعدامه، هذا النشيد الذي أصبح ترنيمة حزن في موكب التغريبة الطويلة فإن شعارات ما قبل الانتفاضة استخدم فيها الدهان بطرق متعددة مستعيناً الكاتب في ذلك بالدهان، وفرشاة الدّهان العادية فإن شعارات الانتفاضة الغالب فيها استخدام أدوات الرش السريعة، وهي الأدوات نفسها التي تستخدم في رش السيارات وإعادة طلائها في محلات تصليح السيارات، وهذه الأداة تتيح حرية كبيرة لمستخدمها كما تعطيه غطاءً أمنياً وسرعة في الإنجاز وكذلك السهولة في إخفائها والتخلص منها فيما بعد، وقد أصبحت مهمة فصائل الثورة توفير مثل هذه الأدوات لملثمين يقومون بكتابة الشعارات أثناء المظاهرات والاحتفالات أو في الليل، ونادراً ما استخدمت الفرشاة، وإذا استخدمت فإنها تستخدم في الأعمال الفنية البعيدة عن الشارع العام حيث يجد الكاتب الوقت في تلوين واختراع لوحته وطباعتها على الجدار دون خوف من أعين الرقباء أو حذر من قدوم الجيش وهذا يختلف عن الكتابات السريعة التي تخط لإبلاغ رسالة في الشارع العام.

 

  8- الموقف الإسرائيلي من ظاهرة الشعارات :

  قلنا إن الشعارات جاءت كردة فعل عن الحصار الإعلامي المفروض من قبل السلطات الإسرائيلية على وسائل الإعلام والتعبير الفلسطيني، وقد اتخذت السلطات تلك وسائل عديدة وهي في سبيلها لقمع الانتفاضة، ذلك الحدث الذي أرّق الشارع العام في إسرائيل حكومة وأفراداً وجيشاً طور كل الأساليب لإخماد الصوت الفلسطيني، وقد تحدثت الصحف والتقارير والأبحاث عن وسائل عديدة استخدمها الجيش في ممارسته اللاإنسانية ضد إرادة الشعب الفلسطيني وحريته. فإذا نسي الناس وحشية الصهاينة فإن الشارع الفلسطيني لا يزال يحفظ في ذاكرته العصية على النسيان أوامر وزير الدفاع في تكسير أطراف الفلسطينيين وإطلاق الرصاص عليهم، ومن الطبيعي أن تدخل ظاهرة الشعارات ضمن قائمة أولويات الجيش الصهيوني، في مواجهة هذه الظاهرة .

 

  فبعد تزايد ظاهرة الشعارات والكتابة الجدارية التي عرفت على أنها ممنوعة في قائمة الممنوعات الإسرائيلية وما أكثرها، وزع الجيش الإسرائيلي بياناً في شهر تموز 1988 وعنون ذلك البيان "بيان وتنبيه" (18) وقد وقعه القائد العسكري لمنطقة الضفة طالب فيه المواطنين بإزالة الشعارات المكتوبة على الجدران وإنزال الأعلام الفلسطينية في أحيائهم وأن عدم القيام بإزالة الشعارات والأعلام يعتبر مخالفة للتعليمات العسكرية وقد يؤدي إلى فرض عقوبة السجن وغرامة مقدارها 15000 شيكل إسرائيلي" .

  بعد هذا البيان بدأت حرب حقيقية في إطار الانتفاضة، أطلقت عليها الصحف، حرب الشعارات وأحياناً حرب (الفرش والطلاء) واتسمت تلك المعركة بالإصرار من قبل أبناء الشعب الفلسطيني والوحشية المفرطة من جهة جيش الاحتلال الذي عبأته السلطات من أجل القضاء على هذه الظاهرة .

  ويمكن تتبع الإجراءات الإسرائيلية للقضاء على هذه الظاهرة بالتالي :

  <يجيز القانون لأية دورية في "المناطق" ويعني بها الضفة والقطاع إيقاظ النائمين وإصدار أوامر للسكان بإزالة الشعارات المكتوبة على جدران منازلهم وفي أي وقت شاؤوا، وقد أصبح الأمر اعتيادياً بالنسبة للسكان أن يطرق الجنود أبواب البيوت وإصدار الأوامر إليهم بالقيام بإزالة الشعارات عن جدران منازلهم إن في ساعات الصباح أو في ساعة متأخرة من الليل.

وفي دراسة ميدانية عن الأسرة الفلسطينية والانتفاضة، تشير الدراسة إلى أن الأسر الفلسطينية / مثال ذلك مدن نابلس / قد تعرضت لممارسات ومضايقات الجيش الصهيوني، وشملت تلك الممارسات، المداهمات الليلية والتفتيش وبث الذعر في قلوب السكان وأحياناً استخدام الضرب والإهانة للآمنين في بيوتهم وجاءت ظاهرة الشعارات وإجبار السكان على إزالتها في المرتبة الثالثة من مجموع الممارسات الأخرى أي ما نسبته 13.2% من العينة محل الدراسة حيث يجبر السكان على الخروج من بيوتهم وتنظيف الشوارع والحيطان من الشعارات . (19)>

<الغرامة المالية : فرضت السلطات الاحتلالية ضرائب على كل من يثبت أنه كتب شعاراً على الجدران وقد تراوحت ما بين (300 - 1500) شيكل، وقد شملت الغرامة - حتى تعم العقوبة - كل من يرفض الانصياع أيضاً إلى أوامر الجيش في إزالة ومسح الشعارات عن البيوت، والتغريم الفوري لكل من لا يقوم بمسح الشعارات عن جدرانه.>

<السجن : عاقب القرار الصهيوني كل من ثبتت إدانته بالسجن لمدة خمسة أعوام أو غرامة (1500) شيكل حسب القرار الصادر تحت بند تعليمات الأمن (378) - 1970 - بتاريخ 19/6/1988 وبتوقيع غابي عوفير قائد منطقة الضفة الغربية. وتشمل العقوبة أيضاً كل من يرفض الانصياع لأوامر الجيش في مسح الشعارات.>

<إطلاق الرصاص الحي : حيث يطلق الرصاص على أي ملثم أو أي شخص يشاهد من قبل الجيش وهو يكتب شعارات على الجدران وذلك كما حدث مع الشهداء عبد اللطيف السقا، وأحمد عايش النجار من خانيونس، ومحمد القواسمي من الخليل، وجميل عيد الجواريش من بيت جالا حيث أطلق الجيش عليهم النار خلال قيامهم بكتابة الشعارات.>

<تشويه الجدران : وذلك برش وطلاء الجدران بمادة لزجة وسوداء كما حدث في مدينة غزة حينما قامت القوات الإسرائيلية باستخدام مزيج من القطران والنفط ذي رائحة كريهة، واعترفت السلطات الصهيونية بالحادث وأشارت إلى ما قام به الجنود من تشويه جدران منازل لم يكتب عليها أصلاً شعارات، وكذلك فإن المادة السابقة قابلة للاشتعال، وهي مادة لزجة تسبب الانزلاق وتمنع المتظاهرين من تسلق واجهات المحلات والمنازل. وقبل هذه العملية طليت واجهات المحلات والبيوت في شارع عمر بن المختار بغزة وبالقار الأسود.> 

  وقد أصبحت ظاهرة الحرب التي شنتها السلطات الصهيونية على الشعارات جزءاً من أدبيات التعبير الصحفي إذ أشارت الصحف إلى عمليات الجيش في ملاحقة الظاهرة وكثرة الاستخدام الصحفي لكلمات من مثل "اقتحمت، داهمت، فرضت، شنت، أجبرت، غرّمت، قامت" وكلها ألفاظ تدل على حقيقة الحرب التي دارت ما زالت دائرة حول مفهوم الجدار ووظيفته العالمية .

  يدخل في ظاهرة الحرب هذه على الشعارات مواقف السكان منها، فبرغم التضييق عليهم والمعاناة من كثرة المداهمات والأوامر، إلا أن الموقف كان إيجابياً لفهم طبيعة المعركة وضرورتها فكما عبر أحد الشباب بأنها الوسيلة الوحيدة للتعبير "فليس لدينا محطة إذاعة ولا نستطيع نشر أي شيء في الصحافة" .

  وقد لجأ الفلسطيني في سبيل إدامة الظاهرة إلى حيل تحفظ الشعار حتى بعد الامتثال لأوامر الجيش بمسحها، من ذلك ما لجأ إليه بعض السكان من طلاء الجدران بمادة (الشيد) ورش الماء عليها بعد ذهاب الجيش فيظهر الشعار مرة أخرى مكتوباً وملوناً بالأعلام والرايات.

  ومن القصص التي تبين حاسية الجيش لهذا النوع من الكتابة على الجدران ما حكته إحدى الأمهات لبعض الصحف (20) : قام أطفالي بكتابة (فلسطين) باللغة العربية والإنجليزية على جدران منزلنا، ثم مرت دورية إسرائيلية كالعادة وشاهد أفراد الدورية اسم فلسطين على جدران المنزل، فهبوا كالمصروعين، ودخل ضابط الدورية المنزل وطلب معرفة الفاعل الذي كتب كلمة فلسطين على أساس أن كلمة "فلسطين" وكتابتها يدخل ضمن الأعمال التحريضية، فقلت له : إن كلمة فلسطين هي اسم ابني الصغيرة، وكما أنكم تسمون أولادكم إسرائيل وبناتكم إسرائيلياً ، فمن حقي أن اسمي ابنتي فلسطين، فكيف تعتبرون هذا الاسم تحريضياً، فسكت الضابط ولم يعرف كيف يجيب ولكنه انسحب وهو يتمتم بكلمات ضيق وضجر (21) .

  هذه القصة وغيرها المئات من الخطابات تدل على وعي الشارع الفلسطيني بأهمية الظاهرة وضرورة استمرارها رغم المعاناة والتضييق .

  وكما سنلاحظ فإن الشعارات الفلسطينية تحدثت عن الظاهرة ودعت إلى تفعليها والتصدي للمفردات الصهيونية الداعية إلى إيقاف العملية .

 

  هوامش الفصل الثاني :

  1- بول ستناينيرغ، أوليفر، آن ماري، الكتابة على الجدران في الانتفاضة، الجمعية الفلسطينية الأكاديمية للشؤون الدولية - القدس الشريف 1990 - ص 4.

  2- المرجع السابق، ص 4.

  3- المرجع نفسه، ص 4.

  4- عطاء صالح، عندما تتكلم الجدران، اليوم السابع، باريس، 1989، ص 8-14.

  5- سليمان، محمد، إعلام الانتفاضة تكاملية الأداء، فاعلية الإنتاج، النهضة برس، نيقوسيا 1991.

  6- انظر سليمان، محمد، صحافة الجدران لسان الانتفاضة يتكلم بأربعة ألوان. م. فلسطين الثورة، نيقوسيا، ع 844 - 845، 19/5 - 26/5/1991.

  7- الآية من سورة الحجرات، رقم 2.

  8- الآية من سورة الحجرات، رقم 1.

  9- الخليلي، علي، الانتفاضة والصحافة المحلية، الجمعية الفلسطينية الأكاديمية للشؤون الدولية، 1989، ص 33.

  10- أبو فارس، محمد عبد القادر، في ظلال السيرة، غزوة أحد، دار الفرقان - عمان 1982، ص1.

  11- ابن منظور، لسان العرب، ج4، ص 413.

  12- يافاري، نوشين، الشعارات في النظرات الشيعية، مرجع سبق ذكره.

  13- بول، سنتانبيرغ، أوليفر، آن ماري، 1990، مرجع سبق ذكره، ص 3.

  14- الآية من سورة الحشر 21.

  15- البرغوثي، إياد، أثر المكان في تحديد الاتجاه الاجتماعي - السياسي. م. شؤون جامعية، القدس 1989، ع5.

  16- عطا، صالح، مرجع سابق، 8-14، وذياب عيوش، هتافات الانتفاضة مرجع سبق ذكره.

  111 

  17- البرغوثي، إياد، أثر المكان، مرجع سبق ذكره .

  18- أمر بشأن تعليمات الأمن (يهودا والسامرة) 378/5730 - 1970، صادر في 19/6/1988 ، عن غابي عوفير، قائد منطقة الضفة الغربية، انظر الملاحق .

  19- الأسرة والانتفاضة، تحرير عاطف علاونة، النادي الثقافي الرياضي، نابلس. د . م . ط1، 1990، ص17 - 18 .

  20- انظر على سبيل المثال ما أوردته صحيفة الشرق الأوسط (لندن) في عددها الصادر 3/5/90 (4174)، وصحيفة القبس (الكويت) 6/9/89.

  21- سليمان، وليد، الانتفاضة وفن الكتابة على الجدران. (مقال) - القدس العربي - (لندن) ، ع 344، 8/6/1990.