|
تكهنات مضللة
بعد عام من قيام دولة
"إسرائيل" وفي سنة 1949 نشر الروائي اليهودي البريطاني " آرثر كستلر" كتابه الوعد
والتجسيد ، فلسطين 1917 ـ 1949
(1) الذي تنبأ وسطر فيه التطورات التاريخية التي قادت لقيام الدولة ، واصفا أنماط
الحياة والمستقبل "الإسرائيلي" وفي النهاية أيضا حاول التكهن بمستقبل المجتمع
الجديد الذي يتشكل في دولة اليهود .
فقد كتب كستلر " من الصعب
التكهن بأي اتجاه ستتطور هذه الحضارة العبرية ، على الرغم من أن أمراً واحداً جد
فقط خلال جيل أوجيلَين ، ستقيم دولة "إسرائيل" دولة غير يهودية بالكامل .. في تلك
اللحظة قرر كستلر سنة 1949 بأن الشباب من مواليد دولة "إسرائيل" سيكونون مغايرين
تماماًَ ليهود الشتات ـ وعلى نقيض ذلك سيكبر ويتعزز من جيل حتى تنتج هوية وثقافة
عبرية ستكون غريبة بالكامل عن واقع الثقافة اليهودية .(2)
بالإضافة لذلك ، وقبل
ثلاثين سنة ، تكهن عالم الاجتماع الأمريكي المعروف " تورستاين وبلن ، مناقضاً
سابقاً بشأن مصير ومستقبل المجتمع اليهودي المفترض الذي يطلب الصهاينة إقامته في
فلسطين ، وفق ما يراه " وبلن " إذا ما أتيح للصهاينة أن يجسدوا مطالبهم في يوم ما
ويعود اليهود ويقيموا على أرضهم القديمة سيغيرون كثيراً من نظرتهم العالمية كثيراً
من العالمية الواسعة وسيحضرون في موردهم الخاص تعاليم ذات طابع تلمودي . أبناء
الشعب اليهودي لن يتطبعوا من جديد بطابع الثقافة الأوربية الحديثة ، ولذا سيقومون
من جانبهم بتعطيل كل الشروط الإيجابية التي شجعتهم على التوحد كشعب مختار للتوجه
للخارج وللخلاص من الغيبوبة الناتجة عن الثقافة الغربية المعاصرة . (3)
تلك التكهنات المضللة وجهت
جيلنا ، من اليهود الذين يعيشون الآن في دولة "إسرائيل" : وفق كوستلر ، لن نكون بعد
الآن يهوداً على الإطلاق ووفق وبلن " لن نكون يهودا أكثر من اللازم ، يهود نعم ،
ولكن ليسوا بشراً ، "أبناء ثقافة " وفق كوستلر علينا أن نهتم فقط بالحاضر والمستقبل
، ووفق وبلن يتوجب علينا أن نهتم بالماضي والقديم . من منهما أصاب ؟ ومن منهما أخطأ
؟
الإجابة على ذلك مرهونة بمسألة
.. أي قانون اجتماعي سنختاره في "إسرائيل" ؟ إلى أي مجموعة ثقافية وأيديولوجية
سننضم ؟
نعم من جانب واحد في مركز
تربوي واحد ، هناك كثيرون استجابوا بسرعة وساروا على طريق تحقيق نبوءة آرثر كستلر ،
مهما يكن .. استجبنا لدعوة معروفة بشكل كامل من المعرفة التاريخية اليهودية ..
ونحن لا نتكلم هنا عن مسألة
الإيمان الديني أو على الواجبات التي تفرضها الشريعة اليهودية ، و إنما على نفس
الهوية الثقافية والعقلية الجماعية ـ بينما من جانب ثان في مركز الاستقطاب المضاد
فهناك الكثيرون المتشجعون قدر إمكاناتهم لتجسيد النبوءة المضادة .
إنهم يظهرون قطيعة تامة وغربة
قاطعة مع كل ما هو خارجي غربي عالمي معاصر بما في ذلك أيضا تجاه الصهيونية في
الثورة الوطنية المعاصرة للشعب اليهودي . (4)
شرحا لذلك في سياقه ، قبل
سنوات معدودة نشرت جريدة "يديعوت أحرنوت" مقابلة هامة مع مخبز فطاير في "تل أبيب"
مع بداية عيد الفصح . حيث ادعى الشخص في نفس المقابلة ، بأنه منذ سنة انخفضت
تدريجياً مبيعات خبز الفطير بمعدل 2% التي يبيعها هو ونظراؤه في كل البلاد بمناسبة
العيد . ولقد طرح تعليلاً مبدئياً من جهته لهذه الظاهرة 1% من الانخفاض ، كما قال
الخباز يعود للمتزوجين الجدد العلمانيين ، مثل هؤلاء الذين نشأؤا في بيت والديهم
اعتادوا تناول الفطائر في عيد الفصح ، ما كان ليس تحت تأثير الواجب الديني وإنما
كواجب انعكاسا لثقافة وهوية قومية ـ رغم أن الأزواج الشابة غير مضطرين لمثل هذا
السلوك في بيوتهم الجديدة .
هذا الانخفاض يعود كما قال
الشخص فجأة من قبل الأزواج الشابة المتدينين ، وهؤلاء الذين اعتادوا في بيوت آبائهم
على فطائر عادية ، المخبوزة بالآلة ، ولكن الأبناء والبنات لا يأكلون في بيوتهم إلا
الفطائر التقليدية المخبوزة باليد طيلة فترة العيد ، وهكذا كما قال .. نكون نحن
الخبازين واقعين تحت الضغط من هنا ومن هناك ..!!
أيضا إذا ما شككنا في صحة
الإحصائيات المعطاة هذه فإن لدينا نظرة دراسية في ديناميكية الثقافة السائدة في
"إسرائيل" . من الموضوع إلى دلالاته ، فحتى قبل سنتين أو ثلاثة وجد محاضروا العلوم
اليهودية في الجامعات "الإسرائيلية" أنفسهم في نفس الموقف الذي يقفه خبازو الفطير .
لقد أكرهوا لمواجهة مسار متواصل للهبوط في عدد الطلبة الذين اختاروا .. التعلم في
الدائرة المذكورة ، التلمود والفكر "الإسرائيلي" ، ميلاد دولة "إسرائيل "، الأدب
العبري وغيرها . ورغم ضمورها في المرحلة الأخيرة (5) إلا أنها أظهرت كما يبدو نفس
التوجهات الواردة أعلاه مما يدفعنا للقول : إذا كان في الماضي ، قبل عشرين أو
ثلاثين عاماً وجد طلبة علمانيون ليسوا قليلين طلبوا تعلم تاريخ شعبهم ، نشأته
وتوجهاته ورأيه ، ولكن بعد ذلك حل في أوساط عديد من رفاقهم ابتعاد واضح عن المصادر
اليهودية ( أحيانا برز في أوساط هذا الجمهور خوف من هذه المصادر ـ لئلا يقوموا
عليها هم ووكلاؤهم في هذا المجتمع وينتزعوا منا حريتهم السياسية أو الروحانية )
يضاف أيضا انتشار مسار محدود في الاتجاه الآخر .. للقول . شباب متدينون كثر كهؤلاء
الذين طلبوا في الماضي تعلم مصادر ومقومات "إسرائيل" حتى في المؤسسات الأكاديمية
توجهوا بعد ذلك وأخيراً للجامعات واختاروا التخصص فقط بالتعليم في المدارس الدينية
وهكذا تقلص حجم الصفوف من الجانبين .
هذا الاستقطاب الحالي ليس
جديداً ، لقد رافق وجود الفلسفة "الإسرائيلية" منذ أيامها الأولى وعلى الرغم من أنه
انتشر في الماضي في " أعلى " هوامش المجتمع وفي الطرق الجانبية ، إلا أنه اليوم
يهدد بالزحف نحو الداخل أحياناً ، واحتلال القلب منه ولتحديد جدول للأعمال الثقافي
والسياسي ، وفي المرحلة الأخيرة ظهر أيضا بان النظم والقوانين والاتفاقيات
الجماهيرية التي كانت ناجعة ومقبولة خلال الجيل ذاك لم تعد بجدية ولم تعد مقبولة
حتى على الطرفين في نفس الوقت ومعا.
وهل يمكن أن نرى بهذا مفاجأة ؟
إنني لا اعتقد ذلك ، ومع ذلك فقبل أن أحاول اختبار المسارات التي أدت إلى هذه
الظواهر من الضروري أن أذكر بالصراع الداخلي الذي يميز مستقبل "إسرائيل" أو ما قيل
: إن الثواني التي وقفت في موضع التأسيس للعامل الصهيوني والفكر الصهيوني ، فعلا من
وجهة نظري ، إن عمليات الاستقطاب المذكورة هنا تكشف بشكل واضح عدم جاهزية قسم من
"الإسرائيليين" لتفضيل الحياة داخل صراع كهذا . رغبتهم الظاهرة أو السرية لتمثيل
قناعة واضحة وأحادية البعد ". بين الماضي والمستقبل ، بين الطبيعة وبين التفرد
اليهودي ، بين الحياة في وطن وبين الحياة في الأرض المقدسة .
|