|
مهرب
من الصراع
الصهيونية وحدت في داخلها
خطوط تمايز متألقة لحركة ثورية (6) مع خطوط تمايز لامعة لحركة رجعية نهضوية ، و في
كل واحد من هذين المظهرين كشفت ما بداخلها من برامج متطرفة سواء في الثورة أو في
العودة ( التوبة ) .
فمن ناحية الصهيونية جاءت
لخلق تبديل شامل في حياة الشعب والإنسان تصل بعيدا وتتعمق بعيدا مما طلبته ثورات
حديثة أخرى ، راقبوا مثلا الثورة الفرنسية أو حتى الثورة الشيوعية لمن توجه هناك
الثوار وأية تغيرات تلك التي خلقوها ، لقد توجهوا إلى شعوب محافظة والذين تحدثوا
بلغات محافظة والذين عاشوا في مناطق جغرافية أو ثقافية محددة وهم الثوريون الذين
خلقوا من أجل تغيير ظواهر محددة للواقع الثقافي كنظام الحكم السياسي أو النظام
الاقتصادي .
لقد كانت هذه التغيرات
حاسمة . في أحداث كثيرة حيث رسموا لهم دور رافعة للنهضة ، ورغم أنه تم تطبيقها على
مناطق محددة للحركة الصهيونية ، فلقد لجأت الأخيرة لتشكيل ثورة شاملة ، وبحدها
الأدنى شمولية في واقعها القومي والإنساني ، فقد كان عليها أن تنقل أبناءها وبناتها
من موطنهم ، من لغاتهم ، من عاداتهم ، ومن أشغالهم ، كان عليها أن تلوح فعلياً بكل
الأعلام ، الاجتماعي الثقافي السياسي القضائي والقانوني و الاقتصادي وملاحقة الظروف
التاريخية التي عملت بها الصهيونية ، ولقد واجهت صعوبة في إنجاز ذلك من خلال تواصل
مع الماضي الواقعي ، هكذا مثلا في الحقل السياسي ، فهي لم تضطر فقط لتغيير النظام
السياسي أو للتحرر من سيادة نظام غريب كما فعلت حركات أخرى ، لقد كان عليها بعد سنة
1900م ، لقد كان عليها أن تشكل لنفسها هيكلاً سياسياً جديداً ، من العدم ، دون
سياسة يهودية سيادية سلطوية .
لقد كان هذا هو الطابع
الثوري الشامل ، وليس كل مواطن وصل إليها ثائراً واضحا في نمط حياته الدينية
وبأساليب التفكير الأخلاقية (7) ولكن من جانب ثان فالصهيونية هي في جميع الأحوال
أيضا حركة نهضة وتجديد الأيام كما كان في الماضي .
الحاضر يقول : على خلاف من
الثورات الحديثة الأخيرة ، والتي وجهت كل شعاراتها ـ أساطيرها ووقائعها ـ استجابة
لمتطلبات الغد فإنها الصهيونية ، التي حصلت على شعاراتها الأساسية ليس صدفة من
الماضي ، لقد بنت أساطيرها ووقائعها الراديكالي ليس فقط بموجب صور لمستقبل خيالي ،
وإنما في المقدمة منها وفق الأسس التي تم الحفاظ عليها في ذاكرة التاريخ الجماعي ،
أعلام قديمة ، لهجات قديمة ، ملك ، بطل ديني ، إنها تصور كُنْهَهُم لينطلق إلى
الأمام للقيام بثورة راديكالية ولكنه هنا عاد على عقبيه لكي يدور على نفسه .
حقيقة الصهيونية وفق هذا الفهم
تشبه حركات وطنية أخرى كثيرة ، والتي تحتاج هي الأخرى إلى ذكريات تاريخية ولشعارات
توراتية من أجل التأسيس لوعي قومي جماعي ، أيضا حين تتوجه الصهيونية إلى شعارات من
أجل التأسيس لاعتراف قومي حديث فإنها لا تتميز بهذا عن كونها الحركة القومية
الفلانية التشيكية أو الايرلندية ، وفي الواقع ، لكثرة نظيراتهم في أوروبا . (8)
ومع ذلك فما قامت الاتجاهات الثورية للصهيونية شاملة أكثر من غيرها من الثورات
الأخرى، أيضا ومن الاتجاه المعاكس ، التوبة والنهضة ، والذي هو أيضا حاد بالنسبة
لها وملح أكثر من غيرها من الحركات المناظرة .
نعم الصهيونية وعلى خلاف من
حركات بعثية أخرى نشطت في وسط شعب ربط بين أجزائه عبر أجيال كثيرة طويلة حاضرة
الديني والعرقي من جانب أول ، من جهة الدين ، ديانة "إسرائيل" هي الديانة الخاصة
لشعب واحد ، كلما نحن مشدودون داخل أحاديث الأيام ( على العكس من آخر الأيام ) إلا
أنها لم تطلب لنفسها بداية عامة ولكنها موجهة اهتماماتها لشعب معين مع الانتقاء من
جانب ثان ..
من جهة الشعب : شعب "إسرائيل"
لم يعرف بغالبية مواطنيه إلا ثقافة دينية ولم يشغل ذهنه إلا الطريق المنشود
للمصادر الدينية . لقد أسس مضمون هويته الجماعية على أساس هويته الدينية ( شعبك
شعبي وإلهك ألهي ) (9) (ماض يخصني وأنت إله السماوات كما أراك ) (10) هكذا ملابسه
.. ثقافته.. لغته .. أرضه وتقاليده الاجتماعية كلها تضرب جذورها إما في الدين أو في
العرق (11) ، من الواضح أن حاضرا تاريخيا كهذا ، كل محاول لبحث قيم من الماضي ترفع
من شأن شعبه فورا من جهة الادعاءات الدينية .
هكذا فالوعي الديني ، بقوته
الذاتية هو ليست نتاجا من الماضي فقط كمصدر تاريخي وجودي وإنما تثبيتا للواجبات
لقد تمسكت به بدور مصدر تتدفق منه إلى الوجود وأيضا معايير وتقاليد وليس فقط ذكريات
.
من الممكن ضرب مثال بشكل جميل
يوضح الثنائية بين أرض "إسرائيل" ولعبها دور وطن وبين أرض "إسرائيل" في دور الأرض
المقدسة .
الوطن البيت يدعوان لإثارة
داخلية ، فرضيات وسجايا . من شانها أن تكون وأن تغطي الوجوه . أما القدسية في
المقابل توقظ الرغبة في النهضة والورع . إنه يتطلب منا مطلباً محدداً وبجانب
الإنشداد والحنين فإنه يوقظ في قلوبنا الرهبة والنكوص ( رهبة مقدسة ، ورع النهضة )
.
الوطن هو ادعاء وطني صريح ،
القدسية هي ادعاء ديني واضح أما البيت فهو شكل وجود أما القدسية فهي أمر ما ورائي "
ميتافيزيقي " معياري .
مع قيام دولة "إسرائيل"
أتحد كلاهما وسارا دائما هذا إلى جانب الآخر ـ مع ما تبدى من خلافات داخلية ومع
الازدواجية المتمثلة بهذا الاقتران (12) وبعودة الصهيونية وإيقاظها من جديد الشوق
العيني لأرض الميلاد في القلوب . ولقد أيقظت من غفوتها أيضا الأرض المقدسة ، والتي
هي أيضا نهضت إبان ذلك و أوضحت دعواها .
لقد حكم أيضا لمصلحة العلاقة
بين العبرية الحديثة وبين اللغة المقدسة (13) بين " دولة اليهود " التي دعا إليها
هرتزل وبين نبوءة التحرر التقليدي أو حتى بين مدينة "تل أبيب" النابضة بالحياة وبين
مدينة القدس وما ترمز إليه (14) لا داعي للعجب . إذ إن قسما من "الإسرائيليين"
يحاولون اليوم التهرب من هذا الصراع الإيماني ، فهم يبحثون لأنفسهم عن حل واضح جزئي
، ولكن ليسوا جاهزين حتى الآن ، من على جانبي المتراس لبعث هذه الثقافة المزدوجة ،
وانسجاما مع الحقيقة يتبدى هنا إجماع صامت ظاهريا . فجأة بين ممثلي المعسكرين
الأكثر بعدا عن بعضهم .
نعم هؤلاء وهؤلاء أرثوذوكسيون
متشددون وعلمانيون متشددون كلهم غارقون اليوم في صراع ويجدفون لترجيح قرارات
انقسامية وأحادية البعد بين المستقبل والماضي ، هؤلاء وهؤلاء قلقون من المواجهة بين
الحياة في أرض الوطن وبين الحياة في الأراضي المقدسة .(15)
|