|
التطبيع
مع أن التنافس الظاهر ،
ليس تنافسا بين الإيمان والعلم أو بين البعد الديني والبعد القومي ، إلا أنه يتجسد
أيضا داخل الفعل الصهيوني المعاصر نفسه ، داخل الثورة الوطنية بذاتها ، فكما هو
معروف بان أحد الشعارات الحيوية أكثر من غيرها في المقال الصهيوني كان ( التطبيع
للشعب اليهودي ) (16) للقول شعب طبيعي من شانه أن يعيش على أرضه ، وأن يتحدث بلغته
وأن يكون مسئولا عن مصيره وأن يتحرر من عبوديته وأن يقيم في داخله مبنى اجتماعية
سليما .
هكذا علمت الحركة القومية
، ومع ذلك أي حل تاريخي يتوجب على أبناء الشعب اليهودي عبوره من أجل تطبيق التطبيع
المتوقع هذا ؟ إن عليهم الدخول في مسار مميز ( غير عادي ) حيث يوجد هنا شك
بإمكانية إيجاد مثيل له و سيئ في ميلاد الشعوب .
أشرح ذلك بمثال هام من
ميدان البحث ، في سنة1911م نشر المؤرخ وخبير اللغة الكبير ثيودور نلدكه مقالاً
نوعياً في " الموسوعة البريطانية " الذي خصص للغات السامية القديمة ، لقد تناول
المقال اللغات القديمة مثل الأكادية والكنعانية والفينيقية وإلى جانبها خصص أيضا
مقالاً خاصا للغة العبرية ولنشأتها منذ البداية وللآن . ومع أن الحال هو أن هذه
الأيام هي أيام تفتح الحركة الصهيونية الحديثة . لقد وجد الكاتب نفسه أنه من الصواب
الاستجابة للدعوة بأن يعلن الصهاينة في حينه لإحياء اللغة العبرية المكتوبة للغة
محادثة يومية للشعب اليهودي وهكذا كتب (ندركه ) في حينه :حلم بعض الصهاينة بأن
العبرية التي يجب أن تكون عبرية (17) والتي تستخدم في الحديث سوف تعود ثانية لأن
تكون معاشة ، لغة شعبية دارجة في فلسطين ما زالت دون التوقعات لتحويلها إلى واقع من
خلال رؤيتهم لإقامة إمبراطورية يهودية في الأراضي المقدسة.(18)
ثيودور نولدكه يمثل هنا بحضوره
توجه عالم موضوعي ، غير منحاز وهنا من وجهة نظر عالم كهذا ، إما الرغبة في تجديد
اللغة العبرية أو الرغبة في إقامة دولة في أرض "إسرائيل" ، كلاهما معا تبدي في حينه
أنهما غير منطقيان .
إن لم يكن ليس لهما فرصة
على الإطلاق .. هل أصاب أم أخطأ ، من السهل الإجابة بأنه أخطأ استنادا إلى
الوقائع،ولكن مع ذلك يبدو أنه لم ينحرف في حديثه انحرافاً مبدئياً . متوقع حقا أن
باحثاً من شأنه أن يتخلى عن كل التوقعات من هذا القبيل ، ولكن على كل حال ، لو
أراد أن يتحمل المخاطرة بذلك وأن لا يذهب أسيراً خلف الأساطير أو الأوهام .
عليه تنظيم المناسبات
والتوقعات وانتظار التطورات على ضوء المقدسات التي بين يديه . وفق الوقائع
والتشابه التاريخي .
وهكذا نرى أن نولدكه لم يتمكن
من إيجاد أي مقدمة للنهضة " للبعث " مثل اللغة المقدسة للتتحول إلى لغة الحديث أو
لهجة جماعية كهذه إلى أرض الأجداد بعد نفي استمر لعشرات الأجيال .
منذ أيام نولدكه نشرت أبحاث
غنية في هذا الموضوع المتعلق بإحياء الحديث العبري (19) . وحتى الآن لم توجد ظاهرة
شبيهة لها بالكامل ، مثلا اللغة اليونانية الجديدة لا تشبه اللغة القديمة والقارئ
اليوناني المعاصر يصعب عليه أن يقرأ بالأسلوب القديم بينما القارئ العبري المعاصر
يقرأ اتفاقا ( بالصدفة ) كما أن التجربة الوطنية القومية التي جرت في أيرلندا
للحديث باللغة الغالية لم تأت جميلة وهذه اللغة تمثل اليوم فقط في ترديد الأغاني
(20) .
ما يمكن أن نستنتجه من هذا !!
كما يقال ، العودة للأرض وإلى اللغة ( بالإعلان ) بالوعد الصهيوني في مرحلة العودة
إلى القيم الوطنية .
القيم ذاتها تشكلت هنا كنموذج
ونجحت بأهمية مبدئية ملائمة من جهتها . وعليه فما هو الواجب الذي على الصهيوني أن
يقوم به لتطبيقها . إن عليه أن يشق مساراً تاريخيا ناشئا " حديثا " لم يسبق له مثيل
.
ما اعتقد فيه عادياً وفنيا
وطبيعيا في حياة شعوب أخرى ( أرض قومية ولغة حديث دارجة ) يتطلب هنا طاقة مميزة
ويمر بالضرورة عبر مسار دراماتيكي تاريخي مميز(21) .
وكأننا بقولنا : التطبيع
الوطني نقدم جثة محاطة كلها بالأحزان (22) كما ذكرت أعلاه ، فالقوى الاجتماعية
الطاردة المركزية تتطلب في هذه الأيام بعد ترجيح فاصل في جميع هذه الأسئلة :
قديم أم جديد ، مقدس أم
علماني ، خاص أم عام ، بحق العادات أم بحق التوحيد .( في موقع آخر تناولت بشكل
أيضا عن التناقضات بين التاريخانية والمسيحية وبين التجزئة والتوحد ( 23) .
إنهم يعودون ليتجسدوا أمامنا ،
حيث أن الصهيونية شكلت من جديد صلاحيات الكهانة اليهودية بينما حركات مختلفة و أناس
مختلفون يرغبون ببناء هذه السلطة بأساليب بديلة ومتناقضة وأخيراً نرى أيضا أن
احتمال الصدامات الجدية التي كانت مغيبة ومدفونة على مدار سنوات يهدد الآن
بالاندلاع خارجاً إلى الوعي الجماهيري وإلى صلاحيات رجال الدين ، هكذا مثلاً ينظر
للمواجهة المحتملة بين صلاحيات المحاكم وبين الصلاحيات الشرعية لمجلس الكهنة اليهود
.
هذا الصدام لم يتجدد الآن
يكفينا المقارنة بين التنبؤات الصهيونية لهرتزل والذي وضع حدودا للكهنة داخل بيوت
العبادة فقط وبين التنبؤات الصهيونية للحاخام كوك الذي أعادها إلى طاولة الهيئة
التشريعية ( السنهدرين )* الكبيرة في القدس ورأى فيهم قضاة ومشرعين لشعب "إسرائيل"
( كما أن الحاخام كوك أسس مجلس الحاخامين الأول "لإسرائيل" 1921 والتي أعدت لتكون
خطوة أولى وتحضيرية في هذا النشاط الديني (24) رغم أن الجميع اختار في الماضي تأجيل
الصراع وتحييده قدر الإمكان ولكننا نجد الآن أناسا يميلون لوضعه على حد السيف (
قوانين الدولة أم قوانين التوراة ) ولتنفيذ كل احتمالات المواجهة التي تجسدت بذلك
، إلى جانب المواجهة المتمثلة بين صلاحيات القائد العسكري وبين الأحكام الشرعية
للحاخام والتي ظهرت ليس من وقت قريب على الرغم من أنه في الماضي كان المتحدثون
باسم الصهيونية الدينية يبحثون عن طرق للحل ولتلطيف كل هذه الاحتقانات من خلال
محاولة واضحة للعيش والتطور في كلا العامين بالإضافة إلى أنه في الفترة الأخيرة
برز بينهم قادة يعرفون بشكل دقيق هذه
------------------------------------------
*السنهدرين :
مجلس تشريعي لليهود مكون من لجنة مركزية من 71 عضوا من كبار الحاخامين ينتخبون من
بينهم لجنة تنفيذية من 23 عضوا
|