|
الوضع الراهن

في ضوء كل ذلك ، هل حكم على
المجتمع "الإسرائيلي" أن يبدأ حرباً ثقافية ، هل التركيبة الصهيونية تتجه بالضرورة
نحو التحلل (25) كما يمكن أن نصيغ السؤال بطريقة أخرى : لماذا كانت هذه الحلول
الاجتماعية مفيدة خلال عهد الجيل السابق ولكنها لم تعد مجدية بعد ، وهي مرفوضة الآن
من قبل جماعات مختلفة في أوساط الشعب "الإسرائيلي" ؟
كما هو معروف ، بعد فترة من
قيام الدولة تقرر طابع العلاقات السياسية المعلن بين المتدينين والعلمانيين(26) ليس
فقط باتفاق سياسي طرح في تلك الأيام بين الأطراف و إنما ميثاق اجتماعي غير مكتوب
تضمن كيف يمكن أن يعيش موحدا دونما اتفاق لاهوتي وعقائدي ، لقد ارتفع شأن هذا
النظام في حينه ، رغم التعارضات الداخلية التي تضمنتها أو لما فوجئ به الناس عدا
هذه التناقضات .
مثلاً : بوجب هذا النظام
منعت المواصلات الجماهيرية في الباصات أيام السبت ( على الأقل في حيفا الحمراء )
رغم ذلك سمح بالحركة والتنقل في تكسيات العمومي وللسيارات الخاصة ، هذا الحل كان من
الصعب الإيمان به في مرحلة متأخرة ليس على أساس الحكم التوراتي ولا على أساس
اللبرالية العلمانية فلم يحقق أي شخص به رغباته كاملة ولم يخرج ثمرة تطبيقه أي شخص
مهزوماً ولكن حال الخيبة الجزئي هذا ، وحال المتعة ( الجزئي ) هذان هما اللذان ضمنا
سلامة الجزئية أيضا لهذا النظام .
أعرض هنا مثالاً آخر "
وثيقة الاستقلال ( لدولة "إسرائيل" اختتمت بعبارة ) من خلال أيماننا بصلابة
"إسرائيل" فها نحن نوقع .. الخ ) ما هو شكل "إسرائيل" الوارد في الوثيقة .. آلهة
"إسرائيل" ، عبقرية اليهودي أو كل ما هو مفروض جيولوجياً .. نعم ، إن الجدل الذي
دار حول صيغة وثيقة الاستقلال دفع من صاغوها لإيجاد صيغة غامضة استهدفت : كل شخص
وتحليله ، كل معسكر وفهمه ، أحد حجج المعرفة المعروفين من الذين يعيشون بيننا فقد
شجب في حينه هذه الضبابية ووصفها وكأنها انتخابات . ولكن وفق فهمي لها أقول .. من
هنا تنبع حسنة أو صلاحية الوثيقة حيث لبت أو حققت رغبة جميع المؤمنين وجميع الأحزاب
. مثال ذلك :-
عن أي ( أمن ) يتحدثون في
الوثيقة ؟ في الأخلاقيات الدينية هذا الأمن ينتج إيمانا بها . وضع ثقة إيجابية
بمنقذ "إسرائيل" (27) وربما بالعبرية الحديثة يشير في الأساس إلى قوة طبيعية
وعسكرية . مرة ثانية الازدواجية هي التي سمحت لكل فرد أن يجد ، في هذا النص نفسه
، وأن يجد أمنه الذاتي وهنا ، في السنوات الأخيرة يتبدى عدم الاستقرار في كثير من
هذه الحلول ومن هذه الشعارات ، فالمرارة تتنامى وتتزايد عند كلا الجانبين ، وكثير
من "الإسرائيليين" يدعون الآن لتغيير الاتفاق السياسي منذ قيامها أو لصياغة ميثاق
اجتماعي جديد والذي يدفع باتجاه طرح هذا البديل ؟ من الواضح أنها مرتبطة بالتوراة
المختلفة التي حلت بالمجتمع وبمكوناته المختلفة ، في الحقل السياسي والسكاني في
الحقل الفكري والمعرفي لربما أيضا في الحقل الاقتصادي . تطورات هامة في المرحلة
الأخيرة هددت يزيادة التوتر هي انه في أحداث ليست قليلة وقف هؤلاء في مواجهة أولئك
ليس فقط متدينين ضد علماني وإنما أيضا يمين ديني ضد يسار علماني " هكذا أمكنت
التغطية ، وأيضا مضاعفة ، للفرعين الأساسيين الذين ينقسم إليهما المجتمع : الفرع
المعني بالحلول السلمية " والانسحاب من الأراضي والفرع الأيديولوجي المهتم بمسالة
الدين والدولة من الممكن الإضافة ولتقسيم الأقسام إلى أقسام أصغر مختلفة ولكن رغبتي
تمتد للتعقيب على ثلاثة فروع رئيسية أثرت خصوصا على الأفكار .
أولا) على الأقل مضى قرابة
خمسين عاماً منذ طرح التوافقات الثقافية القديمة وبطريقة طبيعية جرت خلال هذه
الفترة تغيرات عميقة في المخزون الثقافي "الإسرائيلي" .
ونتيجة لذلك ، وحيث لم يجد أي
شخص في الإتقان المعروف أي من بصماته الاجتماعية والأيديولوجية ، وسأورد هنا مثالاً
واحدا من كل جانب : اليهودي العلماني يقول ( وهو يجد هنا تأييداً لادعائه أيضا في
أوساط الصهاينة المتدينين ) نعم ، تم الاتفاق في حينه على إعفاء أبناء المستوطنات (
القرى ) من الخدمة العسكرية لكن عن أي عدد من الشباب تم الحديث في حينه ؟؟!! المقل
يقول 400 والمغالي يقول 900 حالياً ورغم ذلك ، الحل انحصر فقط في حدود أضعاف محدودة
وهذا الرقم تنامى وكبر بمرور السنين . حيث لم يرد بخاطرنا في نهاية الأربعينات أن
يأتي يوم يتحلل فيه غالبية أبناء قطاع اجتماعي كامل من الخدمة العسكرية على الإطلاق
!! للأمانة ، الحل ينفذ اليوم أيضا قولاً وفعلاً ولكن مضمونه الفعلي ومفهومه وأثاره
تغيروا دون الاعتراف بذلك .
ومن المدخل الآخر يقوم متشددون
" أرثوذكسيين " وفي أفواههم ادعاء آخر حين وافقنا نحن في الماضي على إقامة السماح
بمواصلات خاصة يوم السبت كما يدعوا هم : من "الإسرائيليين" من كان يمتلك سيارة
خاصة ؟؟ لقلة قليلة من الناس فقط !! اعتقد أنه مسموحاً لنا في حينه أن نفترض أن
الاتفاق يضمن قيام سلطة حاخامين متحلله ولا تتحمل عبء مواجهة حلول السبت بشكل
مفاجئ على الأقل . ولم تتوقع أن يأتي يوم تصبح فيه السيارة الخاصة وسيلة مواصلات
أساسية وقياسية : نعم أيضا من وجهة نظرهم فقد نشأت وجهات نظر عميقة بين الاتفاق
المعروف وبين نتائجه الفعلية ، فهذا شخص يرى فقط ما خسره هو وأين انسحب معسكره وليس
ما كسب وما شكل مرور الزمن : كل طرف يؤلمه ما حققه الخصم من أرباح مخالفا أحكام
سلطة كبار الحاخامين .
ثانيا) آمل أن تتاح لي الفرصة
للادعاء بأن الوفاق السياسي والاجتماعي الذي تجسد في الماضي قد قام على أساس خاطئ ،
على قاسم مشترك أعظم لكلا الطرفين ، كلاهما افترضاً متجاهلاً ، كل واحد وحجته معه ،
بأن المعسكر النقيض يمثل ظاهرة تاريخية مغايرة ، هؤلاء وهؤلاء متدينون وعلمانيون ،
أتقياء ومناهضون للصهيونية لكنهم خمنوا في تلك اللحظة أن الآخرين سيفقدون بعض
قوتهم وأن ينخفض عددهم وفي نهاية المر ربما أيضا يغيبوا عن العين ، هكذا قدر في
حينه بن غوريون وتلامذته العلمانيون وهكذا آمن الحاخام ملوبوفتش ومؤيدوه الورعون
وهكذا فسر الأمر الحاخام الأكبر كوك وتلامذته الصهاينة ، لقد ظلت هذه النتائج هي
المنتظرة على المدى الطويل ولكن كان فيها ما يكفي لعقد أي اتفاق تعبيرا عن تكتيك
مؤقت وليس كإستراتيجية وموافقة مبدئية .
من وجهة نظر الأوائل .. القادة
العلمانيين ، المستقبل غير مشرق بالنسبة لعالم الأرثوذكسية القديمة .. أبناء هذا
العالم ، اليهود المتمسكون بالشريعة شباب المدارس الدينية التقاة أو المعارضون ،
عليهم جميعاً الابتعاد جانباً من طريق التطبيع لهذا الشعب على أرضه ، بكل تأكيد كان
عليهم مسئولية الحفاظ على المكشوف ، ليس فقط ، إن التشابه بين أبنائهم وأحفادهم
سيقوم كله بموجب أحكام اليهودي الجديد على أرض وطنه القومي (28) وحتى يتم ذلك من
الحكمة الوصول إلى حل مع ممثلي الزمن الماضي هؤلاء . وربما أيضا للكشف تجاههم عن
وحدة الشوق إلى الماضي من الجانب الثاني ، ما الذي آمن به ممثلو الطرف الثاني
الأرثوذكسي ، فيما يتعلق بالمتدينين في أوساطهم ، واضح من وجهة نظرهم أن اليهود
العلمانيين " إن هم إلا شيء يحمل بعدا تمثيليا وعليه فإن هم إلا حدث طارئ من ناحية
تاريخية . حيث بعضهم يصلي وقسم منهم يتوب بدوره ولا يجب النظر إليهم كظاهرة أبدية
(29) .
فالصهاينة المتدينون من
أتباع الحاخام " لوك " آمنوا بذلك وفق طريقتهم للحقيقة (30) ، لقد قالوا : إن
الصهيوني العلماني يعلن عن نفسه أنه متمرد في بيت الآباء والأجداد وتخلى عن إيمانه
الديني .. فكيف يسلك ويعمل ويوصف بأنه عملياً ؟!.
لقد عاد من أرض المنفى
إلى الأراضي المقدسة ، لقد عاد عن اللغة الغربية إلى اللغة المقدسة وهو يتخلى عن
الرغبة في الصلاة في المعابد "الإسرائيلية" من الضرورة الإيمان على كل حال ، إنه في
اليوم الذي يحقق هذا اليهودي أهدافه الوطنية والسياسية فسيسعى أيضا للتوبة العميقة
جدا .. الروحية والدينية ومن لا يظهر حبا وطول نفس تجاه أبنائه وبناته الذين عادوا
بفعالية وهم يقومون حاليا بواجبهم بدور حيوي في نهضة "إسرائيل" .
وفق فهمي أعتقد أن هذا هو أحد
الأسباب الأساسية التي أدت في مرحلة قيام الدولة إلى فشل الجهود لوضع دستور في
"إسرائيل" ، القانون الذي يعمل به في "إسرائيل" على مدى الأيام من شأنه خدمة و
إنجاح المواقف القائمة حالياً والعلاقات القائمة بين القوى .. وعليه فان كل طرف
يفضل الحفاظ والتمسك بمستقبل افضل ، أكثر أمنا ، والذي ممن خلاله يمكنه أن يسن له
قانونا يتلاءم مع روحه وقلبه ، وحتى ذلك اليوم عليه الاكتفاء بما يهبه أباه الوضع
الراهن جزئيا ويرتضي بالوفاق الاجتماعي الوطني .
على الرغم من أن جميع هذه
الأماني المتفائلة ترفض التحول إلى واقع في هذا الوقت فإن القليل منها اختفت أو
يقامر بشكله الديني أو العلماني وهو يكابر للظهور بملامحه كظاهرة ثابتة ، مستقرة لا
غنى عنها لها نواصل وسيكون أبناء وبنات ، الآن يعرف الجميع أيضا أن الآخرين قد
أنجزوا أمر إقامة الكيان في هذه البلاد ولتزهر وتتكاثر فيها .
وهذا كما يبدو عامل هام وبراق
لإنجازه إذا كان من السهل في الماضي الكشف عن الصبر والتضامن تجاه من حسبوا من وجهة
نظرنا كمشابهين " أشباه لنا ( على الأقل في التطلعات والأماني ) إلا أنه حالياً
مطلوب منا التوجه هكذا تجاه من يميل للحفاظ على هويته وغربته لهذا الغرض مطلوب الآن
قبول واستكمال من نوع آخر ، لم تكن مطلوبة في الماضي .
يهود الشتات متحللون من هذه
الواجبات اليهودي المتدين من وليام سبورغ لا يلتقي يهودي إصلاحي من مانهاتن لا في
المعبد ولا في الهيكل ولا يكون هذا اللقاء صدفيا بين أمريكيين . وليس بين يهوديين
.
رغم ذلك ، الصهيونية
السياسية جمعت كل هؤلاء اليهود وجمعت من أطراف بعيدة مثل الحجارة ، كما أنها أسست
لهم سلطة حاخامين مشتركة . فطالما يظلل أحدهما الآخر في زمن غير زمانهم أو يقوم
بدور حادث عرضي في التاريخ فإن اللقاء الفجائي تنطبع بطابع لحظة اللقاء بالتأكيد من
خلال الحزن والألم …ولكنها تمت .
|